صفحة الاستقبال منبر الجمعة - خطب جمعية خطبة يوم الجمعة 07 ـ08 ـ2009 تحويل القبلة

كتاب التربية الإسلامية والتنشئة على القيم

خطبة يوم الجمعة 07 ـ08 ـ2009 تحويل القبلة طباعة أرسل إلى صديق
الكاتب: khaled   

خطبة يوم الجمعة 07 ـ08 ـ2009  - جامع الصّبر بخزامة الغربيّة

 تحويل القبلة

الخطبة الأولى

الحمد لله ربّ العالمين نحمده تعالى ونستغفره ونتوب إليه ونعوذ به  من شرور أنفسنا ومن سيّئات أعمالنا من يهده الله فلا مضلّ له ومن يضلل فلن تجد له وليّا مرشدا وأشهد ألاّ إله إلاّ الله وحده لا شريك له ، له الملك وله الحمد يحيي ويميت وهو على كلّ شيء قدير، وأشهد أنّ  محمّدا عبده ورسوله أرسله الله بالهدى ودين الحقّ هاديا ومبشّرا ونذيرا وداعيا إلى الله بإذنه وسراجا منيرا . تركنا على المحجّة البيضاء ليلها كنهارها لا يضلّ عنها إلاّ هالك ، صلّى عليه الله وملائكته وأمرنا المولى في عليائه بالصّلاة عليه ،فصلّوا عليه وسلّموا تسليما واتّقوا الله حقّ تقاته ولا تموتنّ إلاّ وأنتم مسلمون .

أمّا بعد أيّها المسلمون الموحّدون اعلموا أنّ من أجلّ نعم الله علينا أن وحّد صفوفنا في الصّلاة ووحّد وجهتنا نحو الكعبة المشرّفة بيت الله الحرام في مكّة التي أقسم الله تعالى بها فقال :" لا أقسم بهذا البلد " وقد نال هذا البلد الشّرف والرّفعة أن حلّ فيه نبيّ الهدى والرّحمة فزاده تشريفا وتعظيما وتكريما فقال تعالى :" وأنت حلّ بهذا البلد " واعلموا أنّ اليهود يحسدوننا على أمرين هما يوم الجمعة لما فيه من فضل، والتّوجّه إلى بيت الله الحرام وما في ذلك من الوحدة والقوّة بعد أن كان التوجّه إلى بيت المقدس فجاء الأمر من السّماء :" قد نرى تقلّب وجهك في السّماء فلنولينّك قبلة ترضاها فولّ وجهك شطر المسجد الحرام وحيث ما كنتم فولّوا وجوهكم شطره "  البقرة144

إذا لعلّكم أدركتم أنّ موضوع خطبتنا اليوم تحويل القبلة من بيت المقدس إلى الكعبة الشّريفة  وقد كان ذلك حسب بعض المؤرّخين يوم النّصف من شعبان .

وفي البداية دعونا نتناول الموضوع تناولا تاريخيّا فيه سرد للأحداث التي نحتاج للتعرّف عليها لأنّها ترسم مسيرة المؤمنين وعلاقتهم بأمر السّماء  ولأنّها تسرد سيرة خير الورى وتعبّر عن مشاعره التي كشفها المولى من فوق سابع سماء فاسمعوا وعوا

لقد ظل المسلمون طيلة العهد المكّي يتوجّهون في صلاتهم إلى بيت المقدس ؛ امتثالاً لأمر الله سبحانه وتعالى  الذي أمر باستقبالها ، وجعلها قبلةً للصلاة .

وفي تلك الأثناء كان رسول الله – صلى الله عليه وسلم – يمتثل الحكم الإلهي وفي فؤاده أمنية كبيرة طالما ظلّت تراوده ، وتتمثّل في التوجّه إلى الكعبة بدلاً من بيت المقدس ، ذلك لأنها قبلة أبيه إبراهيم عليه السلام وهو أولى الناس به ، وأوّل بيتٍ وضع للناس  ، ولحرصه على أن تتميّز الأمة الإسلامية في عبادتها عن غيرها من الأمم التي حرّفت وبدّلت ويدلّ على ذلك قول البراء بن عازب رضي الله عنه : " وكان يحب أن يوجّه إلى الكعبة " رواه البخاري .

وما كان لرسول الله – صلى الله عليه وسلم  وهو العبد المأمور أن يخالف أمر ربّه ، بيد أنه استطاع الجمع بين رغبته في التوجّه إلى الكعبة وعدم مخالفة الأمر بالتوجّه إلى بيت المقدس بأن يصلّي أمام الكعبة ولكن متّجها إلى الشمال ، كما يدلّ عليه الحديث الذي رواه ابن عباس رضي الله عنه حيث قال : " كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يصلي وهو بمكة نحو بيت المقدس والكعبة بين يديه " رواه أحمد .

ثم أذن الله بالهجرة ، ووصل المسلمون إلى المدينة ، وبُنيت المساجد ، وشرع الأذان ، والنبي - صلى الله عليه وسلم -لم ينس حبّه الأوّل للكعبة ، ويحزنه ألا يستطيع استقبال القبلتين جميعاً كما كان يفعل في مكّة ، وكان شأنه بين أن يخفض رأسه خضوعاً لأمر ربّه وأن يرفعه أملاً في إجابة دعوته ، ويصف القرآن الكريم حال النبي – صلى الله عليه وسلم – بقوله : "قد نرى تقلب وجهك في السماء" البقرة  144.

وفي منتصف شعبان ، وبعد مرور ستة عشر شهراً من استقبال بيت المقدس ، نزل جبريل عليه السلام بالوحي إلى النبي – صلى الله عليه وسلم – ليزفّ البشرى بالتوجّه إلى جهة الكعبة ، قال تعالى : { فلنولينك قبلة ترضاها فول وجهك شطر المسجد الحرام وحيثما كنتم   فولوا وجوهكم شطره } البقرة : 144

وقد كان لهذه الحادثة التّاريخيّة أثرها البالغ على الجميع دون استثناء وتباينت ردود الفعل :

1 ـ المؤمنون : لم يتردّدوا لحظة عن التحوّل، طاعة لله ورسوله بل منهم من غيّر وجهة القبلة وهو أثناء الصّلاة دون سؤال أو استفسار

2ـ بعض المسلمين : أبدوا قلقهم ليس لأنفسهم ولكن لإخوانهم الذي ماتوا ولم ينالوا شرف التوجّه إلى الكعبة فخافوا أن تحبط أعمالهم فأنزل الله تعالى قوله :" وما كان الله ليضيع إيمانكم " يعني صلاتكم

3 ـ اليهود : استغلّوا هذه الحادثة بدهاء ومكر كعادتهم لتمرير شكوكهم وللطّعن في شريعة الإسلام، وقد كان لهم الوحي بالمرصاد ، وأخبر بموقفهم حتّى قبل حصوله فقال تعالى :" { سيقول السفهاء من الناس ما ولاّهم عن قبلتهم التي كانوا عليها قل لله المشرق والمغرب يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم } ( البقرة : 142 ) .  وهكذا أبطل الله كيد اليهود الماكرين  وتحقّق للمسلمين فضل التوجّه للقبلتين واستطاعوا أن يجتازوا هذا الامتحان الصّعب بنجاح لأنّ به يتميّز الخبيث من الطيّب قال تعالى :" وما جعلنا القبلة التي كنت عليها إلا لنعلم من يتبع الرسول ممن ينقلب  على عقبيه وإن كانت لكبيرة إلا على الذين هدى الله " البقرة  143

 

ومنذ هذه اللّحظة  وبأمر من السّماء أصبحت الكعبة وجهة المسلمين جميعا إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها . والأعظم في هذا الحدث أنّ المسلمين نالوا شهادة المولى  تبارك وتعالى بأنّهم شهداء على النّاس قال تعالى :"وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا "    البقرة : 143 ومنذ هذه اللّحظة تحقّقت مرجعيّة البشريّة لتكون تحت راية واحدة ، راية الإسلام هذا الدّين الذي جاء لجميع النّاس ليخرجهم من الظّلمات إلى النّور باعتباره صالح لكلّ زمان ومكان ويمثّل أعلى أفق في تصوّر البشريّة وطموحاتها وأقوم منهج في مسيرة الإنسانيّة فهو يدعو الكلّ إلى الرّجوع إليه ويجد كلّ ضالّته فيه لا في غيره فكلّ من ابتغى الهدى في غيره ضلّ وأضلّ وخسر الدّنيا والآخرة ذلك أنّ الإسلام يدعو إلى الوحدة في الله والوحدة في الأرفع من التصوّر والوحدة في الأفضل من النّظام  وليس هذا من باب التعصّب بل من باب إحقاق الحقّ و إبطال الباطل فالحقّ أحقّ أن يتّبع .

 فيا أيّها المسلمون الموحّدون  حقّ لكم أن تعتزّوا بانتمائكم لهذا الدّين العظيم ملّة أبيكم إبراهيم ولله العزّة ولرسوله وللمؤمنين تحت راية واحدة ، تتّجهون إلى قبلة واحدة مميّزة . ولكن يجب أن ندرك معنى هذا الاتّجاه وهذا التميّز فالقبلة ليست مجرّد مكان أو جهة يتّجه إليها المصلّون في صلاتهم بل إنّه  رمز للتميّز والاختصاص : تميّز التصوّر وتميّز الشخصيّة ، وتميّز الهدف ، وتميّز الاهتمامات ، وتميّز الكيان . إنّ الأمّة المسلمة اليوم تحتاج أكثر من أيّ وقت مضى إلى تحديد هويّتها في تيّار التنوّع والاختلافات  العرقيّة والمذهبيّة والتصوّرات الجاهليّة التي أصبحت تشغل بال النّاس جميعا وهذا ما دعانا إليه نبيّ الهدى والرّحمة  بأمر فيه الكثير من الشدّة والحزم بعد أن نهانا عن التسيّب و الميوعة والتبعيّة قائلا :" ولكن وطّنوا أنفسكم " أي اجعلوا لأنفسكم موطن أقدام أي ثوابت تقومون عليها وشخصيّة حازمة ثابتة لا تهزّها الأحداث ولا التيّارات مهما عصفت بكم الرّياح  .

وهكذا ، وبهذه المواصفات تكون الأمّة شاهدة على النّاس لأنّها أصبحت تمثّل المرجعيّة العليا وتمثّل الصّدارة في كلّ شيء فالمسلم بالضّرورة عزيز، أبيّ ، قنوع، صبور لا تزعزعه الأهواء  ولا تأسره الدّنيا في مطامعها فهو على يقين من أنّها عرض زائل وعقيدة المسلم منهج حياة كامل ، وهذا المنهج هو الذي يميّز هذه الأمّة المستخلفة الوارثة لتراث العقيدة الشّهيدة على النّاس المكلّفة بأن تقود البشريّة كلّها إلى الله .

أسأل العظيم أن يوحّد صفوفنا كما وحّد قبلتنا وأن يؤلّف بين قلوبنا ويهدينا سبل السّلام  والحمد لله ربّ العالمين .

                         الخطبة الثّانية

بسم الله  والحمد لله والصّلاة والسّلام على رسول الله وأشهد ألاّ إله إلاّ الله وأشهد أنّ محمّدا رسول الله

إخوة الإيمان رأينا كيف نستلهم العبر من الأحداث التّاريخيّة الجلل، خاصّة تلك التي يسجّلها كتاب الله العزيز الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه  وبتقدّم الزّمن تختلف قراءة هذه الآيات الكريمة في أبعادها ودلالاتها ومضامينها  وبتقدّم العلم نكتشف حقائق جديدة تزيد الذين آمنوا إيمانا وتهدي الذين ضلّوا سبل الهدى . والسّؤال الذي نطرحه هنا وليس من منظور دينيّ :" لماذا نتوجّه إلى الكعبة تحديدا ؟ لقد أكّد العلماء وكان ذلك عام 1977 أنّ الكعبة تمثّل مركز اليابسة فهي إذا بمنزلة العاصمة للكرة الأرضيّة وقد عبّر القرآن الكريم على هذه الحقيقة العلميّة بقوله :" وكذلك جعلناكم أمّة وسطا " وإن كان الوسط في اللّغة يعني الاعتدال واليسر وعدم المغالاة فهو يشير كذلك إلى الوسط المكاني ليظهر الإسلام في منطقة مركز الأرض حتّى ينتشر بالتّساوي بين البشر . ومّما يؤكّد هذا المعنى أن وصف الأمّة بالوسط جاء على إثر قوله تعالى :" ولله المشرق والمغرب " إذا الأمر أصبح متعلّقا بالجهة والمكان .

 إلى جانب ذلك فقد أكّد العلم الحديث أنّ منطقة مكّة  هي مركز الجاذبيّة الأرضيّة في العالم وبالتّوجّه إليها عند الصّلاة يصبح المسلم منسجما جسديّا وروحيّا إلى مركز الجاذبيّة . ومن هنا نفهم تلك الرّاحة العظيمة التي يستشعرها المصلّي الذي أدّى صلاته على الوجه الصّحيح فيخفّ لديه الضّغط ، وينجلي القلق والاضطراب وتنزل عليه السّكينة ومن هنا نفهم مرّة أخرى وبطريقة أخرى معنى قوله صلّى الله عليه وسلّم لبلال :" أرحنا بها يا بلال "  كما أنّ الصّلاة تخلّص جسم الإنسان من الشحنات الكهربائيّة التي لها تأثيراتها السّلبيّة على الأعصاب وعلى الجسم بصفة عامّة وللتّمثيل فإنّها تشبه تلك السّلسة التي تربط بهيكل الشّاحنة أو السيّارة وتسحب على الأرض لتفرغ الشحنات الموجبة  الزّائدة بسبب الحركة وإلاّ تعرّضت الشّاحنة للانفجار . ونحن نلاحظ مثل هذه الشّحنات في جسم الإنسان عند تمشيط الشّعر أو لبس أنواع معيّنة من الأقمشة  أو حتّى عند مصافحة الآخرين .......وما أحوجنا اليوم أكثر من أيّ وقت مضى إلى  الصّلاة لما نعيشه من توتّرات نفسيّة وضغوطات حياتيّة  ومشاكل اجتماعيّة ما أحوجنا إلى نلقي كلّ هذه الهموم وراء ظهورنا قائلين :"الله أكبر " الله أكبر من الدّنيا وما فيها

هكذا هي الصّلاة ، خير كلّها، بركة كلّها، رحمة كلّها، لمن أدرك سرّها ،وامتثل فيها أمر من أمرنا بها ، واستنّ فيها بسنّة من أدّاها على أكمل وجهها، فإذا بها شفاء من كلّ داء , ودفع لكلّ بلاء ، وحصن من الشّيطان ، وبلاغ إلى الرّحمان ولقاء مع الديّان  دون موعد أو استئذان  فإذا بك أيّها المصلّّي  تخاطب الله ويخاطبك الله ذلك انك إذا أردت أن تخاطب الله فصلّي وإذا أردت أن يخاطبك الله فاقرأ القرآن والصّلاة فيها الاثنان .

اللّهم ّ فأذقنا لذّة المثول بين يديك  وحلاوة القرب إليك .

اللّهمّ صلّ على سيّدنا محمّد ( الصّلاة الإبراهيميّة )

اللّهمّ لك الحمد كما ينبغي لجلال وجهك وعظيم سلطانك ، اللّهم لك الحمد  أن جعلتنا من المسلمين ولك الحمد أن جعلتنا من أمّة هذا النبيّ الكريم الذي تركنا على خير الهدى وعلّمنا الصّلاة والصّيام وأخرجنا من الظّلمات إلى النّور . اللّهمّ فاجعله شفيعا لنا يوم القيامة واسقنا من يده الكريمة شربة لا نظمأ بعدها أبدا . اللّهمّ أعزّ الإسلام والمسلمين وأذلّ الشّرك والمشركين . اللّهم من أراد بالإسلام والمسلمين خيرا فوفّقه إلى كلّ خير ومن أراد بهم شرّا فاجعل كيده في نحره وخذه أخذ عزيز مقتدر . اللّهمّ حبّب إلينا الصّلاة والصّيام وحبّب إلينا كلّ عمل يقرّبنا إلى حبّك واجعل أعمالنا كلّها خالصة لوجهك الكريم . اللهمّ اجعل القرآن العظيم ربيع قلوبنا وجلاء أحزاننا وذهاب همومنا وغمومنا وقائدنا وسائقنا إلى جنّاتك جنّات النّعيم . اللّهمّ آنس به وحدتنا  وفرّج به كربتنا  ونوّر به دروبنا وبيوتنا وقبورنا  اللّهم ألّف به فرقتنا وليّن به قلوبنا واجعله حصنا لنا من الشّيطان ومن الظّلم والطّغيان ومن الكيد والسّحر و العدوان  اللّهمّ اجعله شفيعا لنا يوم الحشر وأعنّا على تلاوته آنا ء اللّيل وأطراف النّهار على الوجه الذي يرضيك عنّا .

اللهمّ إنّا نعوذ بك من قلب لا يخشع ومن عين لا تدمع ومن عمل لا يرفع ومن دعاء لا يسمع . اللّهم إنّا نعوذ بك من القبر وغمّته ومن الصّراط وزلّته ومن يوم القيامة وروعته .  اللهمّ أرنا الحقّ حقّا وارزقنا اتّباعه وأرنا الباطل باطلا وجنّبنا اتّباعه  واجعل لنا من أزواجنا وذرّياتنا قرّة عين لنا . اللهمّ وقيّض لأبنائنا الزوجات الصّالحات ولبناتنا الأزواج الصّالحين ووفّق رئيسنا لما فيه خير البلاد والعباد . وارحم والدينا وارحم من علّمنا وآخر دعوانا أن الحمد لله ربّ العالمين