صفحة الاستقبال منبر الجمعة - خطب جمعية خطبة يوم الجمعة 11-9-2009 - االصبر

كتاب التربية الإسلامية والتنشئة على القيم

خطبة يوم الجمعة 11-9-2009 - االصبر طباعة أرسل إلى صديق
الكاتب: khaled   

خطبة يوم الجمعة 21 رمضان 1430      11 ـ09 ـ2009

       جامع الصّبر

 

 الخطبة الأولى

الحمد لله ربّ العالمين ، الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنّا لنهتدي لولا أن هدانا الله ، الحمد لله الذي بلّغنا رمضان وجعلنا من صيّامه وقيّامه ، الحمد لله  الصّبور الشّكور الذي أمرنا بالصّبر فقال :" يا أيّها الذين آمنوا اصبروا وصابروا ورابطوا واتّقوا الله لعلّكم تفلحون " آل عمران 200 ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيّئات أعمالنا وأشهد ألاّ إله إلاّ الله وحده لا شريك له ، له الملك وله الحمد يحيي ويميت وهو على كلّ شيء قدير وأشهد أنّ سيّدنا محمّدا عبده ورسوله أرسله الله بالهدى ودين الحقّ شاهدا ومبشّرا ونذيرا وداعيا إلى الله بإذنه وسراجا منيرا فالصّلاة والسّلام عليك يا سيّدي يا رسول الله وعلى آلك وأصحابك  أجمعين . فاتّقوا الله عباد الله حقّ تقاته ولا تموتنّ إلاّ وأنتم  مسلمون .

أمّا بعد إخوة الإيمان أيّها الصّائمون الصّابرون المحتسبون ، ها أنّنا في العشر الأواخر من رمضان ولعلّكم تعلّمتم من هذه المدرسة الربّانيّة الكثير من القيم والأخلاق الفاضلة ولعلّكم أدركتم  قيمة التّقوى عندما انقطعتم عن الطّعام والشّراب وسائر الشّهوات إخلاصا لله تعالى  ولعلّكم أدركتم كذلك وبالأخصّ قيمة الصّبر هذه الدّرجة التي يجازي فيها الله أهلها بغير حساب ، هذه القيمة التي يخرج فيها الصّابر من الخسران ، وهي قيمة ثابتة  يستعين بها المؤمنون في كلّ الأحوال وخاصّة عند الشّدائد والمحن قال الله تعالى :" يا أيّها الذين آمنوا استعينوا بالصّبر والصّلاة إنّ الله مع الصّابرين  " (البقرة) إنّه الخطاب الذي اتّفقنا على الانضواء تحت رايته باعتبارنا مؤمنين بالله ربّا وبالإسلام دينا وبمحمّد صلّى الله عليه وسلّم نبيّا ورسولا . وإنّ هذا الخطاب اليوم يطالبنا بأمر محدّد  واضح لا غنى لنا عنه :إنّه الصّبر ، الصّبر الذي يمثّل أساس الدّين لأنّنا في الدّنيا دار العمل والابتلاء دار الإعداد ، دار الكدح والمثابرة حيث الشّهوات والنّزوات والأمراض والظّلم  والفقر والحاجة .........وغير ذلك كثير وليس لكلّ ذلك علاج إلاّ الصّبر ، الصّبر على البلاء والصّبر عن المعصية والصّبر حتّى على الطّاعة : تصوّر نفسك وأنت في فراشك الوفير في قلب اللّيل وأنت في أشدّ الحاجة إلى النّوم  وينادي المنادي : الصّلاة خير من النّوم فتجد نفسك بين الطّبع الذي يدعوك لمواصلة النّوم وبين الأمر التّكليفيّ الذي يأمرك أن تستيقظ ، وفي وضعيّة مشابهة يأمرك المولى بالإنفاق من المال الذي تحبّه حبّا جمّا ، يأمرك ربّك مرّة أخرى أن تدع طعامك وشرابك  لأنّك في رمضان رغم حبّك وحاجتك الأكيدة لهما  ...إنّه الصّبر إذا بكلّ أبعاده ودرجاته ، الدّرجات التي ترتقي بك كلّما ارتقيت أنت بنفسك لتبلغ بك إلى أعلى درجات الجنّة ، أمّا إذا رضخت لشهواتك واستسلمت لنزواتك بلغت الدّركات، دركات جهنّم والعياذ بالله  اسمعوا لهذا الحديث :" ألا إنّ عمل الجنّة حزن بربوة (ثلاثا ) ألا إنّ عمل النّار سهل بسهوة" (أحمد عن ابن عبّاس)   والصّبر ليس له جزاء إلاّ الجنّة بل مقدار جزائه لا حدود له .

 قال تعالى :" إنّما يوفّى الصّابرون أجرهم بغير حساب "(الزّمر) لأنّه ما من شيء أحبّ إلى الله من شاب تائب ومن مؤمن يترك شهوته طاعة لله تعالى حتّى أنّه يباهي به الملائكة يقول :" انظروا لعبدي ، ترك شهوته من أجلي " إذا إنّه الصّراع الدّائم بين شهوات النّفس التي ترديك وبين التّكاليف الشّرعيّة التي تحميك ومع ذلك فإنّ الله يجازيك  على صبرك أخي المؤمن عند غضّ البصر وعمّا حرّم الله وعلى ضبط لسانك عن فضل الكلام فضلا عن الغيبة والنّميمة "فمن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرا أو ليصمت "  لأنّ مجرّد الشّروع في الكلام  الغير مفيد يتدرّج بك إلى الكلام الحرام  وفي الحرام لذّة وشهوة قد لا تجدها في الحلال وهي محلّ الاختبار لأنّ الشّيطان يزيّن لنا أعمالنا ويجعل القبيح حسنا والمرّ حلوا والكريه طيّبا ويعكس الأمر بالنّسبة لكلّ ما أحلّ الله  فيجعل الطّاعة شاقّة والحلال ممجوجا والطيّب مألوفا  ومن أجل ذلك حفّت الجنّة بالمكاره وحفّت النّار بالشّهوات ومن أحبّ دنياه أضرّ بآخرته ، ومن أحبّ آخرته أضرّ بدنياه . وهذه الحقائق يدركها العامّة أمّا من بلغ درجة القرب من الله تذوّق حلاوة الإيمان وكشفت له الحجب عن حقائق الإيمان فتذوّق حلاوة الإيمان وكرّه إليه الكفر والفسوق والعصيان وهذا ما يجب أن يدعو به المؤمن الصّادق دائما أبدا :"اللهمّ حبّب إلينا الإيمان وزيّنه في قلوبنا وكرّه إلينا الكفر والفسوق والعصيان " وهذا ما يوجّهنا إليه النبيّ الكريم صلّى الله عليه وسلّم في قوله :" ثلاث من كنّ فيه وجد حلاوة الإيمان : أن يكون الله ورسوله أحبّ إليه ممّن سواهما وأن يحبّ المرء لا يحبّه إلاّ لله وأن يكره أن يعود إلى الكفر كما يكره أن يقذف في النّار"  فإذا اجتمعت فيه  هذه الخصال بلغ درجة الإحسان ونظر إلى الدّنيا على حقيقتها  فلن تكون بعدها أكبر همّه ولا مبلغ علمه ولن يبلغ ذلك إلاّ بالجهاد الدّائم للنّفس والصّبر على ما أصابه من ابتلاءات لا تنقطع وهذا معنى المصابرة  في قوله تعالى :" يا أيّها الذين آمنوا اصبروا وصابروا ورابطوا " فإذا بغضّ البصر عمّا حرّم الله يتحوّل إلى لذّة في القلب لا تعدلها لذّة الحسّ وإذا بالإنفاق في سبيل الله يتحوّل إلى متعة لا يدركها إلاّ البررة  " لن تنالوا البرّ حتّى تنفقوا ممّا تحبّون " وإذا بالصّلاة تتحوّل إلى راحة وسكينة  وسياحة في الملك والملكوت لا يودّ صاحبها أن ينقطع عنها  لأنّه أصبح في حضرة  مولاه الذي لا يبتغي سواه وهذا معنى قوله صلّى الله عليه وسلّم  :" أرحنا بها  يا بلال "  وإذا بالصّيام الذي هو في ظاهره انقطاع عن الأكل والشّرب وسائر الشّهوات يتحوّل إلى  شبع روحانيّ ووجدانيّ لأنّه سما بالمؤمن إلى أعلى درجات الطّهر والنّقاء قد تسمو فوق درجات الملائكة فيحبّ رمضان أشدّ ممّا يحبّ الإفطار ويتمنّى لو كان العام كلّه لأنّه أدرك فضائله وروحانيّاته .......فأين نحن من هذا كلّه ؟

 ولكن لماذا لا نتذوّق حلاوة الإيمان والصّلاة والصّيام والقيام ونؤدّي ذلك كلّه بالإلف الذي وجدناه في عائلاتنا ومجتمعاتنا ؟ لقد تحوّل رمضان   إلى مهرجان الأكل والشّبع والتّصنيف  والتّبذير والسّهرات الطّوال والمسلسلات التي لا  صلة لها به  .لقد انقلبت عندنا المفاهيم وحريّ بنا أن نسعى إلى تصحيحها  بالرّجوع إلى مدرسة النبوّة وتغيير الواقع ولكن بكثير من الصّبر والمرونة  والحبّ والتّفاني قال تعالى :" ولو كنت فضّا غليظ القلب لانفضوا من حولك "

إذا ليس من السّهولة بمكان أن نغيّر عادات ألفها النّاس ووجدوا عليها آباءهم وأجدادهم وهذا أشدّ ما يمكن  تغييره قال تعالى  واصفا تبرير المعاندين في ضلالهم :" وإذا قيل لهم اتّبعوا ما  أنزل الله قالوا بل نتّبع ما ألفينا عليه آبائنا أولو كان آباؤهم لا يعقلون شيئا ولا يهتدون " البقرة 170 

إذا من هو المؤمن ؟  إنّه الصّابر المحتسب ، الصّابر بالأبعاد الثّلاثة  الذي صدق الله عزّ وجلّ وأدرك حقيقة " وللآخرة خير لك من الأولى "  فالمطلوب أن تصبر على الطّاعة وأن تصبر عن المعصية ، صبر على وصبر عن .ـ وقد مثّلنا لهذين الصّنفين ـ والثّالثة أن تصبر على قضاء الله وقدره  وما أكثر ما يتعرّض إليه النّاس من ابتلاءات ونوازل كمّا ونوعا  من أمراض  ومظالم  ومشاكل وفقر وجار سوء وعقوق أبناء و زوج  متهوّر وزوجة سليطة  وحرمان الولد  وبطالة عن العمل.........والقائمة تطول  ، وليس لك أخي المؤمن  إلاّ الصّبر ولتعلم أنّ كلّ شيء في هذا الوجود بقضاء الله وقدره ، ليس لك إلاّ الصّبر لأنّ البديل عنه الضّيق واليأس الذي قد يوصلك إلى الكفر وأخيرا ليس لك إلاّ الصّبر لأنّ الله تعالى يقول :" ولنبلونّكم بشيء من الخوف والجوع ونقص من الأموال والأنفس والثّمرات وبشّر الصّابرين الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنّا لله وإنّا إليه راجعون "  البقرة 155  فما جزاء الصّابرين ؟ " أولئك عليهم صلوات من ربّهم  ورحمة وأولئك هم المهتدون " بل لك البشرى  أخي المؤمن الصّابر المحتسب أنّ الله معك  لأنّ الله مع الصّابرين فيا من سلّط  عليك ظلم الظّالمين اصبر واعلم أنّ الله يحبّك لأنّ الله إذا أحبّ الله عبدا سلّط عليه من يظلمه , ويا من ابتليت بالبأساء والضرّاء اصبر واعلم أنّ الله  يحبّك لأنّ الله  إذا أحبّ عبدا ابتلاه واعلم  أنّ مع العسر يسرا  وأنّ بعد الضّيق فرجا  وأنّ الأزمة كلّما اشتدّت دلّت على قرب الفرج .....وكم من الأحداث والقصص صدّقت هذه الحقائق فنكتشف ولو بعد حين  حكمة الله في النّقص والزّيادة والصّحّة والمرض  والفقر والغنى والقوّة والضّعف وهذه قصّة من القصص  الواقعيّة التي تابعت أحداثها على مدى بضع سنين أختزلها في ثواني :  زوج وزوجة كانا يعيشان في رغد العيش صرفهم عن الله وطاعته ، أصيبت الزّوجة بمرض عضال أقعدها الفراش وأذاقها مرارة العيش ، استعملا كلّ أصناف العلاج فلم يزد الأمر إلاّ سوءا ، فلم يجدا إلاّ طريق الله بالدّعاء والصّلاة والصّيام والقيام والصّدقة ، إنّه طريق الهداية  الذي أفرغ عليهم صبرا لا مثيل له إل الحدّ الذي عبّرا فيه  عن سعادتهما  بما أصبحا عليه من الهدى رغم البلاء فكان الجزاء : الزّوجة  المصابة بالمرض العضال فارقت الدّنيا قريرة العين نسأل الله تعالى لها الجنّة  أمّا الزّوج فتزوّج من جديد بعد صبر سنين وحجّ مع زوجته إلى بيت الله الحرام وهو الآن بين الصّيام والقيام وصلة الأرحام . أسأل الله تعالى أن يفرّج كربة الجميع وأن يجازي الصّابرين خير الجزاء والحمد لله ربّ العالمين 

                                   

                        الخطبة الثّانية

بسم الله الرّحمن الرّحيم والصّلاة والسّلام على سيّد المرسلين وأشهد ألاّ إله إلاّ الله  وأشهد أنّ محمّدا رسول الله .

اللّهمّ متّعنا جميعا بالصّحة والعافية وأفرغ علينا  صبرا أبدا ما أحييتنا

إخوة الإيمان أدركنا قيمة الصّبر وعلوّ مكانته ويكفي أن نعلم انّه من أهمّ ثوابت الإيمان والنّجاح وهذا ما أكّده المولى في سورة العصر هذه السّورة الجامعة التي لو نزلت على النّاس وحدها لكفتهم وهذا ما نسعى إلى التّأكيد عليه من خلال الدّعوة إلى الصّبر ليكون مجالا للتّواصي بهذه القيمة المثلى التي أمرنا الله تعالى بها فقال :"واستعينوا بالصّبر والصّلاة " لندرك قيمة الصّلاة في تثبيث الصّبر والمداومة عليه خاصّة عند الأزمات  وهذا حديث نبويّ شريف رواه مسلم يجمع بين جملة من العبادات والقربات ويبرز الصّبر بينها نورا مشعّا مضيئا قال صلّى الله عليه وسلّم :" الصّلاة نور والصّدقة برهان والصّوم جنّة والصّبر ضياء والقرآن حجّة لك أو عليك وما أوتي أحد عطاء أوسع من الصّبر " وما أروع رمضان الذي جمع بين كلّ ذلك ليرقى بنا إلى أعلى درجات القرب إلى المولى عزّ وجلّ وما يدّخره للصّابرين يوم القيامة لا يقع تحت عدّ او حصر وبهذا يبشّر الله عباده الصّابرين  فيقول :" إنّما يوفّى الصّابرون أجرهم بغير حساب "

عباد الله فلنتوجّه جميعا بيقين المؤمنين الصّادقين إلى السّميع الذي لا تخفى عليه خافيه داعين متذلّلين منكسرين مفتتحين دعائنا بالصّلاة والسّلام على سيّد الخلق أجمعين .

اللهمّ صلّ على سيّدنا محمّد ( الصّلاة الإبراهيميّة )

اللّهمّ إنّا نسألك الهدى والتّقى والعفاف والغنى ونسألك عيش السّعداء ومنازل الشّهداء والصّبر عند البلاء اللّهمّ يا فالقا الحبّ والنّوى ويا عالما بالسرّ والنّجوى اعط لكلّ الحاضرين من الخير ما نوى اللّهمّ إنّا نسألك العافية في الدّنيا والآخرة اللّهمّ إنّا نسألك العفو والعافية في ديننا ودنيانا وأهلنا ومالنا ، اللهمّ استر عوراتنا وآمن روعاتنا ، اللهمّ احفظنا من بين أيدينا ومن خلفنا وعن أيماننا وعن شمائلنا ، اللّهمّ إنّا نسألك خشيتك في الغيب والشّهادة وكلمة الحقّ في الرّضا والغضب ونسألك القصد في الفقر والغنى ونسألك نعيما لا ينفذ وقرّة عين لا تنقطع ونسألك الرّضا بعد القضاء وبرد العيش بعد الموت ونسألك لذّة النّظر إلى وجهك الكريم والشّوق إلى لقائك في غير ضرّاء مضرّة ولا فتنة مضلّة ، اللهمّ زيّنّا بزينة الإيمان واجعلنا هداة مهدييّن غير ضالّين ولا مضلّين بدينك متمسّكين على منهج نبيّك صلّى الله عليه وسلّم سائرين . اللّهمّ إنّا نسألك الجنّة وما قرّب إلها من قول او عمل ونعوذ بك من النّار وما قرّب إليها من قول او عمل   اللّهمّ انصر كلّ من نصر الدّين واخذل كلّ من خذل الإسلام والمسلمين وكن لرئيسنا خير مرشد ومعين للحقّ واليقين واشف  مرضانا وارحم موتانا واجعل الجنّة ماواهم ومأوانا وآخر دعوانا أن الحمد لله ربّ العالمين