صفحة الاستقبال بيداغوجيا لإنساني والقيمي في الثقافة المدرسية

كتاب التربية الإسلامية والتنشئة على القيم

لإنساني والقيمي في الثقافة المدرسية طباعة أرسل إلى صديق
الكاتب: محمد سخانة   


الإنساني والقيمي في الثقافة المدرسية

 نحو مقاربة إيتيقية للممارسة التعليمية التعلّمية



محمّد سخّانة، متفقّد أوّل للمدارس الإعدادية والمعاهد


بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله

تتنزّل مداخلتي في المحور الثالث من محاور هذه الندوة الوطنية ذات الأهمية الاستراتيجية في تاريخ المنظومة التربوية التونسية "أية منهجية لإصلاح المنظومة التربوية". أتوقّف من خلالها عند أربع محطات:




1. الأولى تمهيدية: أتساءل فيها عن الأدوار القيميّة والإنسانية للمدرسة.  

2. الثانية، تشخيصيّة: أرصد فيها درجة حضور القيمي والإنساني في شخصية الشاب التونسي.

3. الثالثة تحليلية: أتناول فيها بالتحليل أهمّ مقومات الثقافة المدرسية في المؤسسة التربوية التونسية والممارسات التعليمية التعلّمية الواقعة فيها، وإسهامها في نحت شخصية الفرد.

4. الرابعة استشرافية: أقترح في نهايتها عددا من الحلول والتوصيات، أدّعي أنّها كفيلة بالمساهمة في إحداث نقلة إيجابية في الضمائر الفردية والارتقاء بأداء المدرسة التونسية في هذا المجال الذي اخترت أن أتدخّل فيها وهو مجال الإنساني والقيمي في الثقافة المدرسية.

1. المحطّة الأولى: تمهيدية

لماذا الحديث عن الإنساني والقيمي في الممارسة التعليمية التعلّمية؟

ما ملامح خرّيج المدرسة التونسية في أبعاده الإنسانية والقيمية؟

وما القيم التي ينتظر المجتمع من المدرسة تحقيقها في المتعلمين؟

إنّ التربية في بعدها السيكولوجي الفرداني، وسيلة لإيصال الأفراد إلى أقصى ما يمكن أن يصلوا إليه من درجات الاكتمال الروحي والبدني والمهاري والمعرفي، أمّا في بعدها الاجتماعي فهي كما يرى دوركايم: «الفعل الذي يمارسه الراشدون على الذين لم يرشدوا بعد لتأهيلهم للحياة الاجتماعية، بحيث ينتقل الفرد من وضع أناني وغير اجتماعي إلى وضع اجتماعي، يجعله قادرا على تحمّل حياة الجماعة»[1].

إنّ الارتقاء بالجانب الإنساني في الإنسان وتأهيلَه ليكون ذاتا فاعلة متوازنة قادرة على الانخراط لإيجابي في محيطه الأسري والمدرسي والمهني والاجتماعي هو الهدف الأسمى لكلّ منظومة تربوية. هذا المعنى نجده عند "أوليفي ربول" الذي يقول: «إننا لا نربي الولد لكي يبقى ولدا، كما لا نربيه لنجعل منه "عاملا ومواطنا" وإنما نربيه لنجعل منه إنسانا، أعني كائنا قادرا على التبادل والاتحاد بكل ما هو إنساني. فالآثار الجمالية الكبيرة والقوانين العلمية والقيم الأخلاقية ليست اجتماعية بل إنسانية»[2].

ولأنّ القيم هي جوهر كينونة الإنسان ومصدرُ تكريمه، فإن المدخل الطبيعيَّ لتشكيل إنسانية الإنسان هو مساعدته على بناء شبكة من المفاهيم القيمية والإنسانية بعد مقاربتها مقاربة فلسفية أخلاقية بالمعنى الإيتيقي للكلمة، على نحو يضمن شروط تحقّقها بالتوازن المطلوب، تعلّما وتعليما وتقييما، وذلك من خلال العمل الجادّ على تأصيلها في المتعلّم في أبعاده المختلفة: سواء كانت أبعادا ذاتية مثل قيم المسؤولية والسموّ النفسي وتحقيق الذات والاعتدال، أو اجتماعية مثل قيم المواطنة والإيثار وحقوق الإنسان وقبول الآخر، أو أبعادا جمالية مثل قيم التذوّق والحسّ الجمالي، أو إبداعية مثل قيم المبادرة والفعل في الكون والتاريخ.

فإلى أيّ مدى ساهمت المدرسة التونسية في تجسيم هذه القيم الرفيعة، وإلى أيّ حدّ وفّقت في ذلك؟


2. المحطة الثانية: تشخيصية

نحاول في هذه المحطّة أن نشخّص ولو بصورة سريعة ومقتضبة الواقع الراهن لشخصية الشابّ التونسي خرّيج المدرسة التونسية.

نستند في هذه المحاولة التشخيصية إلى المعاينة الميدانية وبعض الدراسات والإحصائيات الصادرة عن وزارة التربية وفي عدد من الصحف والمجلات التونسية. (نشير بالمناسبة إلى ندرة البحوث والدراسات الميدانية في هذا الموضوع).

خلاصة هذا التشخيص أنّ الشابّ التونسي عموما، وإن كشفت ثورة 14 جانفي 2011 أنّه يتّصف بنزعة واضحة نحو التحرّر من القيود والتمرّد على الموجود، والرغبة في التغيير والاستعداد للمغامرة والتحدي، وهي مقومات إيجابية يمكن البناء عليها والاستفادة منها تربويا، فإنّها لا تُخفي ما يعانيه من صعوبات ومشكلات نفسية وثقافية وقيميّة تحول دون توازن شخصيته وتكيّفه مع محيطه الأسري والمدرسي والمهني والاجتماعي. أهمّ هذه الصعوبات:

 صعوبات في التواصل مع الذات:  من أبرز مظاهرها، حالة الاستصغار والنزوع إلى نقد الذات وتجريحها وشعورٌ مُعلَن بالمرارة وعدم الرضا.

إنّ أزمة الشابّ التونسي هي بالأساس أزمة ثقة في النفس، تتولّد عنها بالضرورة أزمةُ ثقة في الآخرين، إذ كيف للمرء أن يثق في الآخرين وهو أصلا لا يثق في نفسه. من تجليات هذه الأزمة الذاتية:

-      استفحال ظاهرة المخدِّرات: إذ تشير آخر الاحصائيات أنّ أكثر من 10% من الشباب التونسي معنيون بتعاطي المخدرات.

-      ضيق الأفق وضعف القدرة على قبول الآخر المختلف، والميل نحو التعصّب والانغلاق، وهي حالة نفسية وذهنية تؤدي كما هو معلوم إلى ممارسة العنف بأشكاله المختلفة، داخل المدرسة وخارجها.

-      ضعف روح المبادرة، وغياب الدافعية وقلّة التفكير في تطوير الذات وميل نحو الجمود والتقليد الساذج.

صعوبات في التكيّف داخل المحيط الأسري: من مظاهرها تشنّج العلاقات بين الزوجين وبين مختلف أفراد العائلة (أكثر من 10 آلاف حكم طلاق مقابل 16 ألف عقد زواج سنويا). وقد أكّدت البحوث التي أجراها عدد من علماء النّفس الاجتماعي أنّ الصعوباتِ النفسيّةَ آنفةَ الذّكر وضعفَ الشعور بالمسؤولية وعدمَ القدرة على مواجهة المشكلات ومعالجتها، إضافة إلى فقدان الإحساس بقدسية العلاقة الزوجية، هي العوامل الرئيسة لتشنّج العلاقات والعنف اللفظي والمادي الواقع في الأسرة.

صعوبات في التكيّف مع المحيط المهني: إذا كان العمل بالنسبة للإنسان المتحضّر قيمة اجتماعية وحضارية، ووسيلة لتحقيق الذات والسموّ بها، وأداة للإبداع والإنجاز في الكون، فإنّه غالبا ما يمثّل في نظر الشابّ التونسي مصدر معاناة وشقاء، وهذا ما يفسّر إلى حدّ كبير ضعف أداء العامل التونسي وتدني مستوى إنتاجيته مقارنة بأداء العامل في أوروبا واليابان وحتّى في بعض الدول النامية[3].

صعوبات في التكيّف مع المحيط الاجتماعي: وهي امتداد طبيعي للصعوبات النفسية التي كنّا نعدّد بعضها. ومن مظاهرها الأنانية المفرطة وتشنّج العلاقات والجنوح والتعصّب ورفض الرأي المخالف والتطرّف الديني والايديولوجي عامّة، بالإضافة إلى ما يُلاحظ عند البعض من ضعف الإحساس بالهوية الثقافية والانتماء الوطني.


3. المحطة الثالثة: تحليلية

لا شكّ أنّ الصعوباتِ النفسيةَ والمشكلاتِ القيميةَ والإنسانيةَ التي يعانيها الشابُّ التونسي لها أسبابٌ وعواملُ عديدةٌ ومتنوعةٌ، منها ما هو ثقافي ومنها ما هو اجتماعي، لكنّ الذي نعتقده هو أنّ المؤسسة التربوية تلعب دورا حاسما في التنشئة الاجتماعية والقيمية للأفراد، وأنّها المسؤولة الأولى عن نحت ملامح المواطن وترسيخ القيم التي يحملها، لذلك نتناول في الأسطر التالية تحليل عددٍ من المظاهر والممارسات التربوية، في مسعى إلى رصد مسؤوليتها في بناء الملامح النفسية والذهنية للفرد ومدى إسهامها في تدنّي الجوانب القيمية في شخصيته:

  • ·      المناخ العلائقي والتواصلي السائد في مدارسنا

يجمع الملاحظون أنّ المدرسة التونسية يسودها مناخ نفسي وعلائقي مشحون غالبا بالتوتّر والارتباك في مستوى علاقات روادها بعضهم ببعض، مناخ تكشفه معطيات موضوعية منها العدد الضخم للإقصاءات اليومية عن الدرس والإحالات المتكرّرة على مجالس التأديب، وحالات العنف الجسدي واللفظي[4] المستفحلة في مدارسنا.

لا شكّ أنّ أسباب العنف المدرسي عديدة ومتشعبة، لكنّ أهمّها حسب الخبراء والدارسين هو حالة الاحتقان التي يشعر بها التلميذ. فهو يعتقد أنّه لا يَحظى بالتقدير اللازم داخل الفضاء التربوي، ولا يُعامل معاملة إنسانية، ولا يُسمح له بالتعبير عن مشاغله ومشاكله، ويتعرض للإهانة والعقاب كلما أبدى اعتراضا أو موقفا لا يعجب الكبار.

إنّ السؤال الذي يجب طرحه من جديد، هو: ما موقع الطفل/التلميذ في ثقافتنا المدرسية الحالية؟ هل نعتبره فعلا ذاتا إنسانية مكرّمة ومفكّرة نعاملها بمقتضى القيم الإنسانية وحقوق الإنسان بالشكل الذي يحفظ كرامته ويحقّق توازنه؟ أم هو بالنسبة إلينا في مرتبة دون مرتبة الإنسانية، فنسمحَ لأنفسنا في لحظات انفعالنا أن نعامله بأسلوب تسلّطي يستند إلى "اختلال موازين القوى بيننا وبينه" ويحتكم إلى القوانين والتراتيب الزجرية التي وضعناها له لنحكمه بها؟


  • ·      المنحى التراكمي وحشو الأدمغة بالمضامين المعرفية

رغم المحاولات الجادة التي قام بها الإصلاح التربوي لجويلية 2002 في تنصيصه على ضرورة «تكوين عقول مفكّرة بدل حشو الأدمغة»، فإنّنا لم ننجح في التخلّص من النظرة التقليدية التي تعتبر المدرسة مصدرا وحيدا للمعرفة، والتي تَقصِر دورها على نقل المعارف والعلوم إلى الأجيال المتعاقبة، ولا يهمُّ أن تكون تلك المعارف بعيدة عن اهتمامات التلميذ، عديمة الدلالة والمعنى بالنسبة إليه، يضاف إلى ذلك التفاوت الكبير في قيمة المواد التعليمية من حيث ضواربها والتوقيت المخصّص لها، بطريقة أسّست في المتعلمين إحساسا بضآلة المواد الإنسانية والاجتماعية وقلّة فائدتها، وأنّها مواد للحفظ والترقيع.

  • ·      أساليب التدريس  وعلاقتها بالمسألة القيمية والإنسانية

إلى أيّ حدّ تتلاءم الأساليب البيداغوجية والديداكتيكية مع تطلعات المتعلمين الفكرية وانتظاراتهم النفسية وميولاتهم العاطفية؟ وإلى أيّ حدّ تسهم تلك الممارسات في تنمية ثقافة المواطنة والعيش معا وقيم الحوار والمسؤولية والمبادرة؟

لا أكشف سرّا إذا قلت إنّ التلقين هو الطريق الذي ينتهجه أغلب المدرسين، أمّا المجددون فالاستجواب طريقهم، تحكمهم خلفيات وأحكام مسبقة، تعتبر التلميذ وعاء نملؤه بالعلم، فاقدا للقدرة على التفكير، فلا نسمح له بالتفكير. لذلك تغيب الأنشطة ويغيب الحوار، وتغيب البنائية والصراعات العرفانية والنظريات التجديدية التي تحدّث عنها بياجيه وغيره، ولا نرى لها أثرا إلا في الكتب والوثائق.



  • ·      المنظومة التقييمية

إنّ المنطق الذي يحكم ممارساتنا التقييمية هو نفس المنطق التراكمي للممارسة التعليمية التعلّمية. نلقّن التلميذ كمّا من المضامين والمفاهيم المعرفية، ثمّ نمتحنه فيها بطريقة تؤكّد أنّها مستهدفة لذاتها، والحال أنّها موارد خادمة لكفايات أرقى.

إنّ مشهد أطنان الأوراق والكراسات الملقاة أمام مدارسنا ومعاهدنا، مشهد ألفناه وكدنا نعتبره أمرا طبيعيا، لأنّه يتكرّر نهاية كلّ عام دراسي مباشرة إثر انقضاء الامتحانات، صورة عميقة التعبير والدلالة، يعلن التلاميذ من خلالها أنّهم يتخلّصون مما درسوه لأنّهم لم يعودوا في حاجة إليه. إنّها إحدى عناصر ثقافتنا التربوية القائمة على منطق «التعلّم للامتحان» بدل «التعلّم للحياة». ثقافة تتعامل مع المعرفة (تعليما وتقييما) باعتبارها مادة مستهلكة تُلقى مباشرة إثر استهلاكها. (le savoir jetable) .

إنّ منظومتَنا التقييميةَ مصابة بأمراض مزمنة، لا لأنّها لا تُوفّق في قيس مكتسبات التلميذ المعرفية، فهي تفعل ذلك بامتياز، بل لأنّها "لاإنسانية" و"لاقيمية":

-      هي "لاإنسانية" لانّها لا تسمح بالإبداع الفردي وتحقيق الذات، ولانّها لا تراعي الفوارق في أنماط الذكاء بين المتعلمين ولا تُنوّع مواهبهم ومؤهلاتِهم الذهنيّةَ والوجدانية. إنّها منظومة نمطيّة مغلقة، تحكمها قوالب جامدة، شكلا ومضمونا، وممارساتٌ زجرية غالبا ما تكون متعسّفة (ولكم في الشكل الذي تجرى به الاختبارات الشفوية، الشبيهة إلى حدّ كبير بالاستجوابات البوليسية، خير مثال على ما يتعرّض له التلاميذ من ضغوط نفسية، وما يمكن أن يغرسه فيهم من خوف واستصغار).

-      وهي "لا قيميّة" ولا تربوية: لا تعير كبير اهتمام لكينونة الفرد ومقومات شخصيته، إنّها تُنجَزُ في مناخ من السرّية والرقابة الصارمة، تحكمها  خلفية «الممتحَن متهّم حتى تثبت براءتُه»، مناخ يزرع الغشّ والتحيّل ويزرع الشكّ والخوف وقلّة الثقة في الآخرين.


4. المحطة الرابعة: استشرافية

إنَّ تحديث المدرسة والارتقاءَ بأدائها المعرفي والتنظيمي، من العناصر الأساسية التي يتوقّف عليها كل إصلاح لأيّ منظومة تربوية، لكنّ الذي يجب التأكيد عليه هو أنَّ أيّ جهد يكتفي بالجوانب المعرفية والتنظيمية مهما كانت درجة العناية به، ومهما توفرت له من إمكانيات،  محكوم عليه بالفشل «ما لم يمرَّ بتحوّل روحي وتأسيس قيمي في الفرد والمجتمع»[5]، لأنّه يتجاهل الإنسانيّ والقيمي في الإنسان ويُحوِّل الفردَ عندئذ إلى كائن سلبي عاجز عن المبادرة  والإبداع والنقد.

وبما أنّ القيم لا يمكن إرساؤها في مناخ من الضغط  والتوتّر، ولأنّ المدرسة تمارس على المتعلمين سلطة ضاغطة تتمثّل في منظومة تعليمية فوقية ومنظومة تقييمية منغلقة، فإنّ المطلوب اليوم وفي ظلّ التحولات الثقافية التي يشهدها العالم والتحولات النفسية التي يخضع لها المتعلّمون، أن نتحلّى بالجرأة الكافية وأن نعيد النظر والتفكير في عدد من قناعاتنا وممارساتنا، خاصّة تلك التي تضخّم من شأن بعض التعلّمات وتقلّل من شأن بعضها الآخر.

إنّ السؤال الذي وجب تعميق النظر فيه هو: كيف نُحدث نقلة في تركيبة الفرد التونسي تُحوّله من متفرّج سلبي يكتفي بالنظر الساذج  إلى ضمير فاعل حامل لقيم المواطنة والمسؤولية والفعل؟

إنّنا على يقين من أنّ إصلاح منظومتنا التربوية يمرّ بالضرورة عبر إصلاح الإنساني والقيمي في الإنسان، وهذا يتطلّب إجراءات عملية وممارسات فعلية تفعّلها منظومة وطنية أصيلة وواقعية، لا تسقط في منطق الاستنساخ الساذج، بل تؤسّس لنفسها مرجعياتها النظرية، استنادا إلى مقومات الهوية الوطنية وثقافة المجتمع وخصوصياته دون انغلاق.

استنادا إلى تحليلاتنا السابقة، نتقدّم بعدد من الاقتراحات والتوصيات، نعتقد أنّها كفيلة بالمساهمة في إحداث نقلة إيجابية في الضمائر الفردية في اتجاه بناء ذات متوازنة وعقلانية ومسؤولة متشبّعة بروح المواطنة .


تتلخّص هذه المقترحات في النقاط الستّ التالية:

  1. 1.   في مجال الحياة المدرسية:

-   بعث مرصد وطني للتربية، يكون من مهامه، متابعة الشأن التربوي، عبر دراسات وبحوث ميدانية في شتّى المجالات ومنها المجال القيمي والإنساني.

-   إعادة النظر في طريقة تكليف المديرين والنظّار، وتمكينهم من فترة تأهيل تعمّق فيهم كفايات التصوّر الاستراتيجي والتواصلي.

-    تشريك التلاميذ في مظاهر الحياة المدرسية، ومن الإجراءات الممكنة: مراجعة المنطق الذي يقوم عليه توزيع قاعات الدروس، وذلك بتخصيص قاعة لتلاميذ كلّ قسم، توضع تحت مسؤوليتهم، ويساهمون في العناية بها وتحويلها إلى فضاء له حرمته وجماليته ودلالته بالنسبة إليهم، وهي فكرة يمكن تطويرها في الاتجاه الذي ينمّي في المتعلمين قيم المواطنة والحسّ التشاركي، ومقومات الذوق والجمال.

-   تطوير مجال النشاط الثقافي اللاصفي، باتخاذ إجراءات عملية، من قبيل تنظيم مسابقات وجوائز وطنية وجهوية ومحلّية في مختلف المجالات والفنون (رسم، مسرح، فكر، موسيقى،...) على غرار ما هو معمول به في الرياضة المدرسية.

  1. 2.   في مجال البرامج:

يضطلع مهندسو البرامج ومؤلفو الكتب المدرسية بدور فاعل في إضفاء المعاني والدلالات القيميّة على التعلّمات، لذلك فهم مدعوون إلى إبراز أبعادها الإنسانية والتصريح بمقاصدها القيميّة في مختلف المواد بما ذلك المواد العلمية، التي يُنتظر منها أن تتجاوز الطرح النظري والتطبيقي إلى طرح أعمق يوائم بين العرفاني والوجداني، ويربط بين مفاهيم البحث العلمي وقيم الإبداع والجودة وحماية البيئة في علاقتها بقيم الخير والارتقاء بإنسانية الإنسان وسعادته. أمّا اللغات والمواد الاجتماعية والفنون فإنّ دورها يبقى مركزيا في هذا المجال وهي مطالبة بمزيد العمل على إعلاء شأن  القيميّ والإنساني في مقارباتها المعرفية والديداكتيكية. وفي هذا الإطار، أنبّه إلى ضرورة إيجاد صيغة للتوافق على حدّ قيمي أدنى مشترك بين مختلف المواد.

  1. 3.   في المجال البيداغوجي:

تشجيع المدرسين على التجديد واعتماد المقاربات البيداغوجية ذات المنحى الإنساني و"الديمقراطي"، مثل بيداغوجيا المشروع، العمل الفرقي، والبيداغوجيا الفارقية وغيرها، التي تُسند الفعل للمتعلّم وتشعره بأنّه ذات مفكّرة قادرة على إنتاج المعرفة، والتفكير في صيغ لمكافأة المبدعين منهم.

  1. 4.   في مجال التقييم:

مراجعة طرائق التقييم وتنويعُها حسب خصوصية كلّ مادة بما يكرّس الممارسات التأمّليةpratiques reflexives  les ويساعد المتعلّم على تعديل مسارات واستراتيجيات تعلّمه، ويمكن في هذا السياق الاستفادة من مجلوبات مجال التنمية البشرية، لقيس المقومات الشخصية والقيمية والإنسانية للتلميذ، واعتماد تقنيات أثبتت نجاعتها مثل التقييم الفردي والجماعي والتقييم بالمشروع والبورتفوليو، والعروض الجماعية وغيرها، وهي أدوات من شأنها تعزيز قدرة المتعلمين على التقويم الذاتي وتساعدهم على تحقيق التوازن النفسي و تطوير مهارات الحياة.

  1. 5.   في مجال التكوين المستمرّ:

العناية بالجانب القيمي والسلوكي والبسيكوبيداغوجي في تكوين المدرسين، وذلك بـــــ: إقرار خطّة وطنية للتكوين لفائدة جميع العاملين في الحقل التربوي من متفقدين ومديرين ومدرسين، وقيمين، ومرشدين تربويين، في ثلاثة مواضيع، أعتبرها أساسية لا غنًى عنها:

-      المواطنة وحقوق الإنسان

-      أخلاقيات المهنة (مقاربة إيتيقية)

-      التنمية البشرية وعلم نفس الكهول

  1. 6.   في مجال التكامل والتوازن بين الموادّ:

-   إرساء تقاليد جديدة تسمح بانفتاح المواد على بعضها البعض بشكل عام والمواد المنتمية إلى نفس العائلة بشكل خاصّ، تقاليد توفّر فرصا حقيقية للتكامل بينها، في الاتجاه الذي يساعد على إبراز الأبعاد الإنسانية والقيمية. ومن الإجراءات المحقّقة للانفتاح: تمكين ممثّلي المواد المتقاربة والمنتمية إلى نفس العائلة من متابعة أشغال اللجان المكلّفة بهندسة البرامج، بصفة ملاحظين، (وكمثال على ذلك يمكن لمواد الفلسفة والعربية والتربية المدنية والتاريخ واللغات والتربية التشكيلية والمسرحية وغيرها أن تواكب وضع برامج التربية والتفكير الإسلامي من خلال حضور ممثلين عنها أشغالَ اللجنة المكلّفة بذلك والاطلاع على الوثائق والنصوص المُنتَجة، والعكس بالعكس)

-   تقليص الفوارق بين الضوارب وحصص التدريس والوسائل المتاحة لكلّ مادة، حتّى تحظى المفاهيمُ الإنسانيةُ والقيميةُ بتقدير أكبر لدى التلاميذ، ولا تتأسّس لديهم القناعةُ السائدة، بأنّ المدرسة للعلم فحسب، بل  هي فضاء للحياة كذلك. على أن تتراوح الضوارب بين واحد واثنين في المرحلة الإعدادية، وبين واحد وثلاثة في المرحلة الثانوية.

-   تكليف معلّم مختصّ بتدريس مواد التنشئة الاجتماعية (التربية الإسلامية والتربية على المواطنة) وتوفير كتاب مدرسي في الغرض.

-   تعميم تدريس الفلسفة بداية من السنة الأولى من التعليم الثانوي باعتبارها مادة حاملة لمفاهيم إنسانية وخادمة لمضامين قيمية، ويمكن أن يكون تدريسها بمعدّل حصّة أسبوعية في السنة الأولى والسنة الثانية، وحصّتين في السنة الثالثة والرابعة شعب علمية، وأربع حصص في السنة الرابعة آداب.

-   ردّ الاعتبار لمادتي التربية الإسلامية والتفكير الإسلامي، وهو إجراء تتضاعف الحاجةُ إليه بالنظر إلى ما تشهده الساحة الفكرية في تونس وخارجها من تجاذبات مذهبية متصاعدة، وللدور الحاسم الذي يمكن أن تضطلع به هاتان المادتان في عملية التنشئة القيمية والاجتماعية للفرد وقدرتِهما على خلق التوازناتِ النفسيةِ والفكريةِ  المطلوبة من خلال تكريس فكر تربوي إسلامي أصيل ومعتدل ينبذ كلّ أشكال التعصّب والتطرّف ويحمي الناشئة من التفسّخ والتأثّر بالأفكار الراديكاليّة، وينمّي فيهم قيم المواطنة والحوار وقبول الآخر.   وحتّى يكون ردّ الاعتبار صادقا، ولتنجح مادتا التربية والتفكير الإسلامي في التعبير عن انتظارات المجتمع التونسي المتطّلعة إلى إسلام عقلاني منفتح، نوصي بـــــ:

-      بعث شعبة "الحضارة الإسلامية" بالتنسيق مع وزارة التعليم العالي تمكّن من الالتحاق بجامعة الزيتونة، أو كليات الآداب والعلوم الإنسانية

-      تعميم تدريس مادة التفكير الإسلامي في المرحلة الثانوية على كلّ الشعب بما في ذلك الشعب العلمية

-      الترفيع في التوقيت المخصّص لها بحيث تخصّص لها ساعتان لجميع المستويات على الأقلّ.

-      ترفيع ضاربها إلى 2 بالنسبة إلى شعبة الآداب و3 بالنسبة إلى شعبة الحضارة الإسلامية.

 

الخـــاتــــمة

إنّ النظام المدرسي المعاصر لا يمكنه أن يقدّم معرفة موسوعية شاملة، لذلك تتأكّد الحاجة إلى النظر إلى الثقافة نظرة واقعية تعتبرها «علاقةً تقيمها الذات مع معارفها»، وهي علاقة لا يمكن أن تكون معرفية صرفة، أي ليست قائمة على الإدراك والمعرفة والفكر فحسب، بل هي فوق ذلك علاقة إجرائية قائمة على الممارسة والقدرة على تغيير الذات وفق نسق تصاعدي متدرّج.

لذلك آن الأوان لتتحوّل المدرسة من فضاء منغلق للمعارف والمفاهيم والأحكام الجاهزة، إلى فضاء منفتح للحياة والقيم الإنسانية.

كما أنّ العلاقة البيداغوجية ليست مجرّد مسألة عمليّة تخصّ المدرّس والتلميذ، يمكن حلّها بواسطة وصفات جاهزة، بل هي أساسا مسألة أخلاقية وإيتيقية، تتطلّب تفكيرا معمّقا داخل إطارها الاجتماعي والثقافي الموسّع، إذ يصعب الحديث مثلا عن علاقة مفتوحة داخل فضاءات المؤسسة التربوية، دون الحديث عن ثقافة ديمقراطية تضبط شروط التواصل الجيّد خارج المدرسة وداخلها، كما لا يمكن الحديث عن ممارسة بيداغوجية حوارية وتشاركية في غياب مرجعية فلسفية تعتبر الإنسان ذاتا فاعلة حرّة ومريدة.

ختاما أقول: لقد كان الشعار الذي رفعه الإصلاح التربوي لسنة 2002 هو: «مجتمع المعرفة»، ولانّه لا معنى لمعرفة مهما عظمت إذا لم تتأسّس على منظومة قيميّة أصيلة ومتكاملة، أقترح أن يحمل الإصلاح التربوي القادم شعار:

«مجتمع العلم والقيم».

وأنهي بقوله تعالى:

«إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ» (هود،88)

والسلام عليكم ورحمة الله



[1]    نقلا عن محمد فؤاد حجازي، النظريات الاجتماعية، ص 112

[2]   أليفي روبول، فلسفة التربية، ترجمة عبدالكريم معروفي، دار توبقال للنشر ط  1994، ص 84

[3]  أصدرت المنظمة العالمية للتربية والعلوم والثقافة  (UNESCO)  دراسة حول إنتاجية العامل خلال يوم عمل (8ساعات) في مختلف دول العالم وردت فيها الأرقام التالية: في اليابان 8 ساعات إنتاج على 8 ساعات عمل، في الدول الأوروبية يتراوح الرقم بين 6 و7 ساعات إنتاج على 8 ساعات عمل، أفضل رقم عربي في لبنان هو 45 دقيقة على 8 ساعات، في تونس 40 دقيقة على 8 ساعات.

كما تؤكّد الدراسات التي أجرتها منظمات دولية مستقلة أن الكفاءة الإنتاجية في الدول العربية لا تتجاوز 14% ، في حين إنها 45% في الدول النامية و65% في الدول الصناعية، رغم أنّ عدد ساعات العمل في السنة يقدر بـ 2200 ساعة في الدول العربية ولا تزيد عن 1700 ساعة في الدول الصناعية

انتاجية العامل الاردني تتراوح بين 60 و 80 دقيقة في يوم العمل الواحد والمقدر بحوالي ثماني ساعات بينما تصل انتاجية العامل الياباني الى سبع ساعات وخمس واربعين دقيقة في يوم العمل الواحد

[4]  تؤكّد الدراسات التي أنجزتها وزارة التربية في السنوات الأخيرة حصول أكثر من 3000 حالة عنف مادي كلّ سنة، دون اعتبار العنف اللفظي المتداول في المؤسسة التربوية، كشفت دراسة سوسيولوجية ثقافية أجراها المرصد الوطني للشباب سنة 2008 وشملت ظاهرة العنف اللفظي أن المؤسسة التربوية تعد ثاني الفضاءات الأساسية من حيث انتشار العنف اللفظي لدى الشباب بنسبة 43،21% وأكدت نفس الدراسة على أن %93  منهم أكدوا على ضرورة التدخل بدرجة أولى في الفضاء التعليمي للحد من هذه السلوكات

[5]  هشام جعيط، الشخصية العربية الإسلامية والمصير العربي، ، ص 146 دار الطليعة بيروت