صفحة الاستقبال مكتبة المدرّس اتساع معنى الحقيقة في القرآن

كتاب التربية الإسلامية والتنشئة على القيم

اتساع معنى الحقيقة في القرآن طباعة أرسل إلى صديق
الكاتب: الأستاذ: سالم المساهلي   

« هذا القرآن انما هو خط مسطور بين الدفتين، لاينطق بلسان ولابد له من ترجمان وانما ينطق عنه الرجال»  علي بن أبي طالب

اتساع معنى الحقيقة في القرآن

دراسة للأستاذ سالم المساهلي

تصدير :

« هذا القرآن انما هو خط مسطور بين الدفتين، لاينطق بلسان ولابد له من     ترجمان وانما ينطق عنه الرجال»  علي بن أبي طالب

 

 

     إنه من قبيل التذكير الإقرار بأن النص هو الكلام المكتوب المتصف بالثبات، وهو في المعجم الوسيط :" صيغة الكلام الأصلية التي وردت من المؤلف"، وهو عبارة الكلام وصيغ الجمل وتراكيبها اللغوية ، والكلام نص طالما أنه يؤدي معنى سواء كان مفردة أو جملة ، مقالة أو كتابا. وتتنوع النصوص بتنوع موضوعاتها ، من النص الأدبي إلى العلمي والتاريخي والفلسفي ، كما أنه من الطبيعي أيضا أن تختلف النصوص من حيث عمقها وفصاحتها، وبالقدر الذي يكون فيه النص أفصح ، يكون أدعى للنظر  والتمعن .وهكذا ترتقي النصوص في مستوى البناء والتراكيب والأساليب إلى أن تفتح على النص المفارق أو المطلق ، وهو النص الديني موضوع هذا البحث . إن اختلاف مفهوم النص الديني عن النص الحضاري راجع إلى أن الديني يكتسي صفة الانفتاح والإطلاق والقداسة، أما الحضاري فهو نسبي لارتباطه بظروف الإنسان الثقافية والحضارية ، ويتصف النص الديني بالعموم والشمول ، بينما يعبر النص الحضاري عن مشغل أو فكرة ما لها ملابساتها وخلفياتها. أما علاقة العقل بالنص الديني فتتمثل في القراءة والفهم والتحليل والاستنباط ، وتتجاوز ذلك في النصوص الحضارية لتصل إلى النقد والمخالفة والتجاوز النسبي للنص لبناء خطاب جديد على أنقاض الأصل ، كالنصوص الفقهية التي تقبل التنقيحات والحواشي والإضافات .

      يلتقي النصان إذن في المادة اللغوية ، بل لعلهما يلتقيان حتى في بعض المضامين والموضوعات ، فالقرآن مثلا تعرض لمسألة القيم الإنسانية والأخلاقية كالعدل والمساواة والحرية والصدق والمحبة وغيرها ، وهذه الموضوعات تناولتها الأدبيات الإنسانية على مر العصور، غير أن النصين يختلفان في العمق و في الأسلوب وفي طريقة التناول ، حد إعجاز النص الديني ، كما يختلفان في المتاحة ، بين إطلاقية وشمول وعمومية النص الديني وبين ملازمة النص الحضاري وارتباطه بالظرف التاريخي والواقعي الذي أنتجه .

 

 

 

تاريخية العلاقة بالنص القرآني

لا تعدو اللغة أن تكون رموزا وإشارات ودلالات ، تهدف إلى الإعلام أو التوجيه أو الإخبار ، وهي لذلك نابعة من تواضع واتفاق بين الناس في عصور مختلفة ، بهدف تنظيم التواصل بينهم ، وهي بذلك أداة تحمل شحنات الأحاسيس والأفكار والخواطر ، فكأن الإنسان لم يأت إلى العالم إلا ليأخذ الكلمة، ولذلك فال علي بن أبي طالب " المرء مخبوء تحت لسانه متى تكلم عُرف "، وسيقت الأمثال والحكم للدلالة على علاقة اللغة بجوهر الإنسان ومن ثم اكتست خطورتها ، ولذلك احتلت اللغة مكانة جوهرية لدى العربي على وجه الخصوص ، فبرع فيها وخلدتها الأمثال والأشعار والحكم والمواعظ ، في تلك البيئة اللغوية نزل كلام الله قرآنا عربيا مبينا ، أفحم الفصحاء وأدهش البلغاء ، وكانت تلك إحدى ملامح تاريخية التواصل مع النص المقدس ، وإحدى ميزات الواقعية في القرآن، حيث أن العرب سيغريهم البيان المعجز ، هذا الإعجاز ليس هدفا في حد ذاته ولكنه استدراج وترغيب في التواصل مع النص الجديد الذي لم تألفه العربية ، وسيعمل العرب على التقرب من النص في محاولة لمعرفة عالمه البنيوي والمعنوي ، فيتحسسون عجزهم عن مجاراته ، ويندفعون بشغف وشوق إلى محاولة كشف هذه الشعاب اللغوية العجيبة تأملا ودراسة ، مع وعي وتبصر ، لأن النص شكل بالنسبة إليهم حدثا ثقافيا وحضاريا ، حرك وجدانهم وأرواحهم وفتح أبصارهم وبصائرهم على فنون من القول جديدة ، واقتحم عليهم مجالات خالوها قلاعا حصينة .

      صاحب القرآن الإنسان العربي ذا البيئة الثقافية اللغوية فعالج قضاياه اليومية المباشرة ، وحفزه على الارتقاء بواقعه النفسي والفكري والاجتماعي إلى مستوى المقصد الإلهي . ولن نستطيع تلمس معاني تاريخية هذا التلقي المبكر للوحي / النص إلا من خلال التعرف على ما نشأ حوله من علوم وسائل ، اتخذت نهجا لفهمه وإدراك أبعاده التي لا تدرك . وسوف نعرض بإيجاز غير مخل إلى نماذج ثلاثة من هذه العلوم وهي : أسباب النزول ، والناسخ والمنسوخ ، والمحكم والمتشابه ، محاولا استجلاء أبعاد هذه المباحث وما توفره منهجيا من دلالات للتعرف على معاني تاريخية فهم النص القرآني .

ـ أسباب النزول : ويتعلق الأمر بشكلين معينين للنزول ، يعرف الشكل الأول بالدواعي العامة للنزول ومراحله ، ويتمثل في نزول القرآن حسب البيئة والمستوى الذهني للناس ، ويظهر ذلك في اختصاص قدر كبير من السور ـ وهو ما عرف بالقرآن المكي ـ بإعداد النبي الرسول نفسيا ومعرفيا وسلوكيا لتحمل أعباء الرسالة ومهمة القول الثقيل ، إلى جانب بيانه لأهم منطلقات الدعوة وأبرز أهدافها ومضامينها . أما وقد تمكنت العقيدة من نفوس المؤمنين ، وانخرط الرسول عليه السلام في الدعوة عمليا ، فهاجروا إلى المدينة  فقد انتقل الخطاب الإلهي إلى مستوى المجتمع المنظم والمكتمل وهو ما عرف بالدولة الإسلامية ، وتطلب هذا الأمر آيات ذات بعد تنظيمي واجتماعي . أما الشكل الثاني فيتعلق بالدواعي الخاصة لنزول الوحي ، والمقصود هو تعلق عدد من الآيات بأسباب محددة اقتضت نزولها ، وهي كثيرة ، غير أن الإشارة إلى هذا العلم يؤكد حقائق أساسية ويضع علامات منهجية لعل أهمها :

ـ أن القرآن ارتبط إلى حد كبير بالواقع وصاحب المؤمنين فيما يشبه الملازمة والاحتضان . 

ـ اعتباره لفعل التاريخ سواء في الدواعي العامة للنزول أو في الدواعي الخاصة ، أي أن الخطاب القرآني تطور أسلوبا ومضمونا من المرحلة المكية إلى المرحلة المدنية كتطوره في تشريعيا عن طريق التدرج في تحريم الخمر تلاؤما مع طبائع النفوس وملابسات الواقع .

ـ اكتسى القرآن بعدا تقدميا ارتقائيا بالوعي والسلوك البشري من خلال تدرجه في تأسيس منظومة التفكير الإسلامي .

ـ لم يكن القرآن خطابا فوقيا مهزوزا ، وسلطة معنوية قاهرة لا تراعي شواغل الناس ومستوياتهم الثقافية ولحظتهم التاريخية وظروفهم المعيشية .

ـ انتهج القرآن أسلوبا منطقيا ومنهجا عقليا متدرجا ومبسطا في مخاطبة الناس .

   ومن الضروري التذكير هنا بأن أسباب نزول القرآن لا ينبغي أن تعتبر الوجه الوحيد لفهم الآية ، إذ العبرة كما حدد المشرعون بعموم اللفظ لا بخصوص السبب ، أي أن نهي الله لرسوله صلى الله عليه وسلم عن العبوس في وجه ابن أم مكتوم لا يعني إباحته لغيره من الناس . كما أنه من الهام أيضا الإشارة إلى ارتباط بعض الآيات بأسباب وظروف محددة لا تتعداها وذلك مثل قوله تعالى : {ولله المشرق والمغرب فأينما تولوا فثم وجه الله}البقرة:115 ، ومما ذُكر في سبب نزول هذه الآية أنها نزلت تسلية للرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه رضي الله عنهم، الذين أخرجوا من مكة، وفارقوا مسجدهم ومصلاهم، وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي بمكة إلى بيت المقدس، والكعبة بين يديه. فلما قدم المدينة وُجِّه إلى بيت المقدس ستة عشر شهرًا، أو سبعة عشر شهرًا، ثم صرفه الله إلى الكعبة بعدُ؛ روي في هذا قول ابن عباس رضي الله عنهما، قال: أول ما نُسخ من القرآن فيما ذكر لنا - والله أعلم - شأن القبلة: قال تعالى{ولله المشرق والمغرب فأينما تولوا فثم وجه الله}  فاستقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم، فصلى نحو بيت المقدس، وترك البيت العتيق، ثم صرفه إلى بيته العتيق ونسخها، فقال{ومن حيث خرجت فول وجهك شطر المسجد الحرام وحيثما كنتم فولوا وجوهكم شطره} البقرة:150). رواه الحاكم في "المستدرك"، وقال: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين . وحاصل هذه الرواية أن الآية منسوخة، والناسخ لها قوله تعالى: {وحيثما كنتم فولوا وجوهكم شطره}، ومن القائلين بنسخها ابن عباس رضي الله عنهما، و قتادة ، وغيرهما .

ـ الناسخ والمنسوخ : النسخ اصطلاحا هو إبطال حكم شرعي ثابت بالقرآن أو بالسنة بحكم آخر صدر بالقرآن أو بالسنة ، والنسخ مظهر من مظاهر الارتقاء بالتشريع حتى يستوفي مقاصده وأغراضه النهائية ، ويقود المكلف ليصل مستوى من النضج المعرفي والمنهجي يجعله يلتزم الحكم المقرر، هذا إذا وضعنا في الاعتبار أن التشريع يهدف بوجه عام إلى مراعاة المصلحة الإنسانية لذلك يكون الحكم الإلهي مرتبطا بالظروف الموضوعية للمكلفين ، وينقلوا برفق وواقعية إلى الحكم الإلهي .

    ولا يفوت الملاحظ هنا أن النسخ تقنية تشريعية تتطلبها كل القوانين سماوية ووضعية ، لأن القوانين توضع أساسا لتنظيم حركة الواقع وتأطيرها ، وكلما تغيرت العلاقات الاجتماعية وجب تغير الحكم ، وشبيه بهذا ما عناه المشرع والفقيه الإسلامي حين وضع قاعدة "العلة تدور مع المعلول وجودا وعدما " . و فقد حدد الفقهاء والأصوليون مجالات النسخ فاستثنوا منها أصول العقيدة ومبادئ الأحكام وقواعد الفضائل ، ومن هناك وطالما أن المسائل الاجتماعية والسياسية تناولها القرآن بصيغة التعميم والإطلاق انفتاحا على التاريخ وتحريرا للعقل ودفعا للاجتهاد ، فإن وظيفة المثقفين المسلمين في جميع اختصاصاتهم ، تتمحور حول تخصيص تلك المطلقات وتنزيل تلك العلامات ضمن منظومات فكرية متكاملة تراعي حاجة المجتمعات إلى التقدم اقتداء بروح القرآن وانسجاما مع دعوته المتكررة للتعقل والتدبر . إن عملية النسخ بعيدة عن كل الشبهات ، وهي تربية منهجية تدعو العقل للتبصر والموضوعية أثناء نظره في استنباط حكم أو إقراره في الواقع . التفكير الواقعي ليس خروجا عن النص ولا هو تنطع خارج أحكامه ، ولكنه قدرة على استجلاء حيثيات الأحكام ومقاصدها بهدف التأليف بين الشرع والعقل والواقع ، في إطار حوار مستمر ، لن يلجأ معه البعض إلى ما عرف بالحيل الفقهية ، التي تعبر عن رغبة في " رفع الحرج" وعن ارتباك منهجي في إدارة وتنسيق الحوار بين العقل والنص والواقع .

ـ المحكم والمتشابه:المحكم من القرآن هو المتقن والظاهر الذي لا شبهة فيه ولا يحتاج إلى جهد تأويلي عميق ، لقوله تعالى " منه آيات محكمات هن أم الكتاب "{آل عمران: 7 } ، أما المتشابه فهو الملتبس ، وغير المبهم ، القابل للتأويل ، قال محمد الطاهر بن عاشور في المصطلحين :" أطلق المحكم في هذه الآية على واضح الدلالة على سبيل الاستعارة لأنّ في وضوح الدلالة، منعاً لتطرّق الاحتمالات الموجبة لتردّد في المراد.وأطلق التشابه هنا على خفاء الدلالة على المعنى، على طريقة الاستعارة لأنّ تطرّق الاحتمال في معاني الكلام يفضي إلى عدم تعيّن أحد الاحتمالات، وذلك مثل تشابُه الذوات في عدم تمييز بعضها عن بعض " {1}.            

      ولعل الحكمة من إيراد المتشابه تكمن في بيان إعجازه أولا، ثم لإتاحة مجال التدبر للناس حيث يتفاضلون في الفهم والصبر على النظر العميق ، بهدف التأويل الحسن والمحمود ، ذلك أن النص القرآني ليس تعليمات محدودة الدلالات والمعاني، أو نصا قانونيا واضح المقاصد ، ولكنه النص المركزي المؤسس والمولد للمعاني والأحكام مدى الدهر ، فليس غريبا أن تكون ألفاظه وعباراته داعية للتفكير والاختلاف في التفسير، ونورد رأيا للعلامة محمد الطاهر بن عاشور حيث يقول في دواعي التشابه :" على أنّ من مقاصد القرآن أمرين آخرين:أحدَهما كونه شريعة دائمة، وذلك يقتضي فتح أبواب عباراته لِمختلِف استنباط المستنبطين، حتى تؤخذ منه أحكام الأولين والآخرين، وثانيهما تعويد حَمَلة هذه الشريعة، وعلماء هذه الأمة، بالتنقيب، والبحث، واستخراج المقاصد من عويصات الأدلة، حتى تكون طبقات علماء الأمة صالحة - في كلّ زمان - لفهم تشريع الشارع ومقصده من التشريع، فيكونوا قادرين على استنباط الأحكام التشريعية، ولو صيغ لهم التشريع في أسلوب سهل التناول لاعتادوا العكوف على ما بينَ أنظارهم في المطالعة الواحدة. من أجل هذا كانت صلوحية عباراته لاختلاف منازع المجتهدين، قائمة مقام تلاحق المؤلّفين في تدوين كتب العلوم، تبعاً لاختلاف مراتب العصور                                              
فإذا علمت هذا علمت أصل السبب في وجود ما يسمّى بالمتشابه في القرآن {2}"ولعل مسألة التأويل محوطة بعدد من المحاذير والمزالق للخروج بهذا المنهج من دائرة الاتهام والتوجس، فثمة من يقف من التأويل موقف الرفض التام ، باعتباره مذموما ومقترنا بالذين في قلوبهم زيغ ، ويتبعون الفتنة، وقد أفاض الشيخ بن عاشور في التحرير في بيان ذلك وننصح بالعودة إليه في تفسير الآية المذكورة ليزول اللبس ، لأنه يصعب أن نورد كل ما قال ، وحسبنا هذه الإشارة منه ، يقول رحمه الله عن التأويل المذموم في الآية  : " المراد: التأويل بحسب الهوى، أو التأويل المُلْقِي في الفتنة، بقرينة قوله تعالى: { وما يعلم تأويله إلا اللَّه والراسخون في العلم يقولون ءامنّا به } ، كما فهم من قوله: { فيتّبعون } أنّهم يهْتَمُّون بذلك، ويستهترون به، وهذا ملاك التفرقة بين حال من يتبع المتشابه للإيقاع في الشك والإلحاد، وبين حال من يفسّر المتشابه ويؤوّله إذا دعاه داع إلى ذلك "{3} ولمزيد استجلاء تجربة التأويل في التراث لبيان الفسحة الدلالية المتسعة للقرآن ، نحاول التعرض للمفهوم ، مبرزين الفرق بينه وبين التفسير ، ونستعرض بعده نماذج من التأويل في التراث الإسلامي .

 

النص بين التفسير والتأويل

       تجمع أغلب المعاجم على أن التأويل في اللغة هو الإرجاع. أوّلَ الشئ أي أرجعه، وآل إليه الشئ أي رجع إليه{6} ، كما أن عمل التأويل الاساسي يكون في الجمل والمعاني عكس التفسير الذي يتعلق بشرح الالفاظ والمفردات {7}  فكأن التفسير وقوف عند مدلول اللفظ وظاهر النص ، بينما يعرف التأويل بكونه تجاوزا لظاهر اللفظ إلى معناه المحتمل ، وقد ذكر الخازن في " لباب التأويل في معاني التنزيل " أن " التفسير يتوقف على النقل المسموع والتأويل يتوقف على الفهم الصحيح "{4}، ومعنى هذا أن للنص معنى لا يختصره اللفظ ، ولابد فيه من إعمال العقل ، فالتأويل صرف اللفظ عن معناه الظاهر إلى معنى مرجوح يحتمله، لدليل يُصيِّره راجحاً ،  فالمهم ألا يحدث التأويل إلا بدليل أو بقرينة توجب صرفه عن المعنى الأصلي، وإلا بطلت الثقة باللغة ومهمتها. فإذا وجدنا الدليل أو القرينة صرفنا اللفظ من الصريح إلى الكناية، ومن الحقيقة إلى المجاز. ولعلنا نذكر هنا دعاء النبي صلى الله عليه وسلم لابن عباس بقوله :" اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل " {5} كما نتذكر قوله تعالى في معرض كلامه عن تكريمه ليوسف عليه السلام :" وكذلك يجتبيك ربك ويعلمك من تأويل الأحاديث{يوسف 21}" ، وقد ذكر ابن عاشور أن المقصود بالتأويل هنا هو تعبير الرؤيا ، غير أن مصطلح التأويل في الآية وفي الحديث ورد في معرض المدح .

       لم يلاق مصطلح التأويل عمليا ترحيبا خصوصا من أغلب أهل السنة مثل ابن كثير،وابن قيم الجوزية، وابن تيمية، ولكنهم وإن  كانوا لا يرحبون بالتأويل كقاعدة عامة لهم إلا أنهم قد مارسوه فعلا ومثال لذلك ما قاله ابن عباس في قول القرآن(أنزل من السماء ماء فسالت أودية بقدرها) قال : الماء هو القرآن والأودية قلوب العباد {8} ، غير أن الجرجاني يوافق عليه بشرط موافقته للكتاب والسنة {9} .

     غير أننا إذا اقتربنا من عالم اللغة ، وجدناها أدعى للنظر والتعمق وأبعد ما تكون عن المباشرة والسطحية ، خصوصا في دائرة المجاز ، الذي يعني خروج اللفظ عن المعنى الذي وضع له أصلا ، وهو معنى حقيقي مادي في الغالب ، ومجاوزته إلى معنى آخر جديد ومعنوي ، على أن تكون هناك رابطة منطقية بين المعنيين ، قال ابن جني " اعلم أن أكثر اللغة مع تأمله مجاز لا حقيقة " {10} ، والمجاز مساحات معنوية جديدة للفظ تغني الدلالة وتوسع التعبير ، كقول الرسول الكريم في فرس استعاره " إنا وجدناه لبحرا" فتشبيه الفرس بالبحر مجاز يغني دلالة اللفظة ويفتح مجال التخيل والجمال ، كما يثبت وجها ثريا للغة وفسحة معنوية رحبة ، ومن هناك يمكن أن نتحدث بمزيد من العمق عن المعجزة البيانية للقرآن ، ولا جدوى ـ فيما يبدو ـ من الحديث عن الإعجاز البياني للقرآن دون تصور امتلاك النص الموحى لوجوه كثيرة من المعاني ، الأمر الذي يجعله فضاء دلاليا مفتوحا لانبجاس الرؤى والأفكار وهو ـ ربما ـ ما عناه علي بن أبي طالب في توصيته لأحد مبعوثيه للخوارج ، حين قال :" لا تجادلهم بالقرآن فإنه حمال ذو وجوه" . ومن هناك أيضا نفهم معنى صلاحية القرآن لكل زمان ومكان ، حين يقبل النص المقدس المطلق الأفهام والقراءات والتفاسير  ويظل بكرا إلى يوم القيامة

 

نماذج من التأويل في التراث

ـ التأويل الكلامي :المقصود هنا هو اجتهاد الفرق الكلامية  الإسلامية في فهم النصوص بشكل منسجم مع أطروحاتها الفكرية ومقدماتها النظرية ، ولعل أبرز تنوع ظهر بين هذه الفرق هو في ميدان المتشابه من القرآن ، كما أن مشكلة الجبر والاختيار من المشاكل الاولى التي طرأت على الفكر الاسلامي بعد الفتنة الكبرى.فمن الواضح تماما أن نصوص القرآن تمتلئ بتسيير الانسان، كما توجد إشارات أخرى لتخييره. و بنت المعتزلة موقفها ضد التسيير على مبدأ العدل الالهي التي هي أحد أهم أصولها الخمسة. والعدل الالهي يتطلب -حسب المعتزلة - أن لا يجبر الله الإنسان على فعل ثم يحاسبه عليه. وهذه الفكرة، كانت أحد أهم مبادئ الاعتزال وهي العدل إلى جانب بقية أصولها. ولكن نظرة التخيير المطلقة جعلت المعتزلة في مطب حاولوا الفكاك منه بشتى الطرق والوسائل، حتى انهم عمدوا إلى تغيير دلالة النص الظاهرة شكلا لعدم تمكنهم من تأويل بعض النصوص وفق نظريتهم. ولقد قاموا بانكار النصوص النبوية التي لا تتماشى مع فلسفتهم في التاويل ففي المثال الاول قاموا بتغيير إعراب سورة الفلق عند قول القران : {قل أعوذ برب الفلق* من شرِ ما خلق} إلى {من شرٍّ ما خلق}. وبوضع تنوين على كلمة { شرٍّ} أ صبحت (ما) هنا نافية، وهذا بخلاف إجماع أهل القرآن في هذا النص {11} ، وتم هذا التأويل الاعتزالي طبقا لاعتقادهم أن الشر من صنع الإنسان ولا يخلقه الله .كما تأولت اليد في قوله تعالى " يد الله فوق أيديهم " الفتح، الآية 10 على أنها القدرة ، في حين تثبت الأشعرية اليد وغيرها من الصفات ولكن بلا كيف ، ولعل أوضح مثال على ذلك ما رآه مالك بن أنس عندما سئل عن قوله تعالى " الرحمان على العرش استوى " طه 5 فقال:" الاستواء معلوم والكيف مجهول والسؤال عنه بدعة " {12} ، أما المشبهة والمجسمة فإنها تثبت هذه الصفات دون تأويل . والجدير بالذكر أن هذه التأويلات نابعة من مقدمات نظرية وخلفيات اعتقادية ، فالتأويل الاعتزالي للمتشابه في الصفات نابع من حرصها على التنزيه المطلق وهو أحد أصولها الخمسة " التوحيد" ، كما أنها ترى في التشبيه والتجسيم تشييئا ، وكل شيء يحتاج إلى مكان ومن احتاج كان ناقصا ، والله منزه عن ذلك وهو فوق المكان وهو بكل شيء محيط .أما الأشعرية فإنها لا تميل إلى التأويل ولا إلى التجسيم ، وإنما أثبتت الصفات دون دخول في كيفياتها . وهو ذكاء كلامي أشعري معروف .

ـ التأويل الصوفي : اختارت الصوفية المنهج الباطني العرفاني الذي يعتمد الإشارة ويتعالى على العبارة ففي قضية التسيير يرى المتصوفة ومن منطلق تأويلهم للنصوص أن الانسان مسير بلا شك، وان القول بغير ذلك توهم لإرادة غير موجودة ومن المستحسن أن نورد بعض الشواهد هنا: جاء في كتاب أخبار الحلاج أن (عبد الله بن طاهر الأزدي قال: كنت أخاصم يهوديا في سوق بغداد. وجرى على لفظي أن قلت له ياكلب. فمر بي الحسين بن منصور ونظر الي شزرا وقال: لا تنبح كلبك. وذهب سريعا، فلما فرغت من المخاصمة قصدته فدخلت عليه فأعرض عني بوجهه، فاعتذرت إليه فرضى ثم قال: يا بني الأديان كلها لله عز وجل، شغل بكل دين طائفة لا إختيارا فيهم بل إختيارا عليهم، فمن لام أحدا ببطلان ما هو عليه فقد حكم أنه أختار ذلك لنفسه، وهذا مذهب القدريةـ والقدرية مجوس هذه الأمةـ وأعلم أن اليهودية والنصرانية والاسلام وغير ذلك من الاديان هي ألقاب مختلفة وأسام متغايرة، والمقصود منها لا يتغير ولا يختلف "{13} ، وتقول الصوفية في قوله تعالى :

" وَأَلْقِ عَصَاكَ فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَآنٌّ وَلَّىٰ مُدْبِراً وَلَمْ يُعَقِّبْ يٰمُوسَىٰ لاَ تَخَفْ إِنِّي لاَ يَخَافُ لَدَيَّ ٱلْمُرْسَلُونَ " النمل {10 }" ،{ وألق } عصا نفسك القدسية المؤتلفة بشعاع القدس، أي: خلفاً عن الضبط بالرياضة وأرسلها ولا تمنعها عن الحركة فإنها تنوّرت { فلما رآها } تضطرب وتتحرّك { كأنها }حيّة غالبة بالظهور { ولى } إلى جناب الحق { مُدْبِراً } خوف ظهور النفس { ولم يعقب } أي: لم يرجع وبقي مشتغلاً بتدارك البقية { لا تخف } من استيلاء النفس وظهور الحجاب، فإن النفس إذا حييت بعد موتها بالإرادة وفنائها بالرياضة إن استقلت بنفسها واستبدت بأمر كانت حجاباً وابتلاء، وإذا تحرّكت بأمري حيّة بنور الروح والمحبة الحقانية لا بهواها لم تكن حجاباً { إني لا يخاف لديّ المرسلون } الذين أرسلتهم بالبقاء بعد الفناء وأحييت نفوسهم بحياتي. {14} .ونكتفي بهذين المثالين دليلا على المنهج الصوفي الباطني الذي يوغل في التأويل ويذهب فيه بعيدا  ولا يمكننا أن نتخذ منه موقفا لأنها تأويلات مختلفة " ولم يقل أحد من العلماء بتكفير أصحابه أو خروجهم عن الملة" {15}

ـ التأويل الباطني : وهو التأويل الذي يذهب إلى أن للقرآن ظاهرا وباطنا ، ونستدعي هنا رأيا لأبي حامد الغزالي يقول فيه:" والباطنية  إنما لقبوا بها لدعواهم أن لظواهر القرآن والأخبار بواطن تجري في الظواهر مجرى اللب من القشر ، أنها بصورها توهم عند الجهال والأغبياء صورا جلية ، وهي عند العقلاء والأذكياء رموز وإشارات إلى حقائق معينة؛ وأن من تقاعد عقله عن الغوص على الخفايا والأسرار ، والبواطن والأغوار ، وقنع بظواهرها مسارعا إلى الاغترار ، كان تحت الأواصر والأغلال معنّى بالأوزاروالأثقال ، وأرادوا بالأغلال التكاليف " {16} ومن الباطنية الفلاسفة إخوان الصفا وخلان الوفاء الذين يرون التفلسف تشبها بالإله في العلوم والصنائع وإفاضة الخير بحسب طاقة الإنسان .ويقر الإخوان بمنهجهم الباطني وبنهجهم في التأويل بقولهم :" واعلم أن الكتب الإلهية ، تنزيلات ظاهرة ، وهي الألفاظ المقروءة المسموعة ، ولها تأويلات خفية باطنة ، وهي المعاني المفهومة المعقولة "  . يقولون مثلا في تفسير قوله تعالى :{ وسخرنا مع داوود الجبال يسبحن والطير "الأنبياء 78} ،{ إن تسبيح الجبال معناه تسبيح رجال أشداء في الدين راسخين في اليقين }  { 17}، ولا يخفى هنا لجوء إخوان الصفا إلى المعنى المجازي لكلمة الجبال وتوظيفها لتأويل معنى الآية باتجاه فهم غير ظاهري ، إذ لا معنى برأيهم لتسبيح الجبال إلى جانب داوود عليه السلام ، إذا لم يُلمس لذلك أثر واقعي .ويذهب محمد الطاهر بن عاشور إلى اتهامهم بالمغالاة والتحريف فيقول:"وحرَّف أقوام آيات بالتأويل البعيد ثم سموا ذلك بالباطن وزعموا أن للقرآن ظاهراً وباطناً فكان من ذلك لبس كثير، ثم نشأت عن ذلك نحلة الباطنية، ثم تأويلات المتفلسفين في الشريعة كأصحاب «الرسائل» الملقبين بإخوان الصفاء.{18} ، غير أن ما يهمنا في هذا العرض الموجز هو إثبات وجود هذه التأويلات ، بغض النظر عن الاختلاف والمعارضة .

ـ التأويل الفلسفي : لم يكن الفلاسفة بمنأى عن النص القرآني فاقتربوا منه من خلال رؤى ومواقف تحاول فهمه أو تفسيره ، ومن أبرز رواد التأويل الفلسفي في الإسلام ، الكندي وابن سينا والفارابي ، ولا يخفى تأثر الفلسفة الإسلامية بنظيرتها اليونانية ، والكندي أول الفلاسفة المؤولين وقد ذهب في تأويل قول الله تعالى :" والنجم والشجر يسجدان " الرحمان {6}، إلى أن " السجود في اللغة يقال على وضع الجبهة في الصلاة على الأرض ويقال على الطاعة فيما ليست له جبهة ولا كفان ولا ركبتان ، والطاعة تقال على التغير من النقص إلى التمام ، كالذي يقال في النبت فإنه إذا زكا قيل أطاع النبت أي كثر ونما  وتقال الطاعة أيضا على الانتهاء إلى أمر الآمر بالاختيار، والاختيار لذوي الأنفس التامة ، أعني المنطقية ، فلم يبق من معنى الآية إلا الانتهاء إلى أمر الآمر ."{19} يتضح إذن لجوء الفيلسوف إلى المعاني المختلفة للفظ الطاعة ، انطلاقا من لفظ السجود ، وهو ضرب من التأويل يلتقي مع وجه من وجوه المعنى اللغوي أو المجازي للطاعة أو السجود  لا يمكن إنكاره تحت أي تبرير إذا اقتنعنا بإطلاقية النص القرآني وباستحالة انتهاء "كلماته" أي معانيها ودلالاتها ولن نسهب في ذكر المزيد من الشواهد ، وحسبنا أن التفاسير المتعددة ، على اختلاف المدارس والمذاهب وتنوع مناهجها من التفسير بالمأثور إلى التفسير بالرأي ، إلى ما ذكرنا من التأويلات التي لا يمكن حصرها ، تقوم حجة على قابلية النص الكريم لوجوه من الفهم عديدة ، وسيظل المفسرون عبر التاريخ باحثين عن المعاني المبتكرة والدلالات الجديدة التي لم يتوصل لمعرفتها السابقون ، وسيبقى القرآن كما قال علي بن أبي طالب حمالا ذا وجوه ، لا تنتهي عجائبه ولا يخلَق على كثرة الرّد .

ـ التأويل في الفكر الإسلامي الحديث :لا يخفى ما لأثر احتكاك الفكر العربي والإسلامي بالغرب من رؤى وأسئلة جديدة تحاول صياغة الفكرة الإسلامية من خلال تجديد النظر والقراءة الحديثة ، وانتهج كثير من الباحثين والمفكرين درب التأويل على أنه طريق مفتوح لإنتاج المعنى ، على نحو غير مكرر ، لا يغفل التطلع لحداثة إسلامية لا تنفصل عن أصولها العقدية ولا تتخلف عن ركب التنوير ، واعتبر محمد عزيز الحبابي أن التأويل "صناعة تعلمنا كيف نرغم سياق الكلام على أن يبوح ، صراحة ، بما تظهره وما تخفيه إشاراته ، هذه الإشارات التي قد تقول الكثير لقارئ ، ولا تقول إلا القليل لآخر " {20} ، هذا الرأي يفيد أن التأويل مهمة صعبة وشاقة لا يستطيعها إلا المتمكنون من ثقافتهم ومرجعياتهم والمطلعون على المناهج المعرفية والدراسات اللغوية قديمها وحديثها ، ولذلك " يختلف التأويل باختلاف حال المؤول من صفاء الفهم ورتبة المعرفة {21} ، وتجاوزا لهذا التذكير بأهمية التأويل في الراهن الثقافي للعرب والمسلمين ، فإن عددا من المفكرين العرب نظروا في الثقافة الإسلامية وفي مرجعياتها من خلال رؤى متعددة المداخل والمناهج اختلطت فيها الإيديولوجيا بالاختصاص المعرفي ، وانغمس المادي الجدلي والعلماني والسلفي في قراءة التراث ، فازدحمت التأويلات ولكنها لم تكن إلا انعكاسا لمنظومات فكرية جاهزة ، لذلك لم تتقدم بقراءة النص ، وأثارت من القلق والخصام الفكري أكثر مما أثارت من الاطمئنان والوعي النهضوي ، ثمة مشاريع مرت بالشارع الثقافي العربي مثل مشروع الطيب تيزيني ، وقراءة عبد الله العروي ، ثم حسن حنفي ومحمد عابد الجابري ومحمد شحرور " الكتاب والقرآن "، و "نحو أصول جديدة للفقه الإسلامي " ، يقول محمد شحرور في مقدمة "الكتاب والقرآن {محاولة فهم التنزيل الحكيم وإعادة تأسيس فقه اسلامي معاصر يتلخص في نقاط أساسية نراها صالحة كمنطلق لقراءة ثانية للكتاب والسنة، على ألا ننسى أنها ليست القراءة الأخيرة، وإلا لوقعنا فيما وقع فيه السلف والسلفيون والآباء والآبائيون. فالذي يدعي فهم كتاب الله ككل من أوله إلى آخره فهماً مطلقاً، إنما يدعي شراكة الله في المعرفة في ضوء قوله تعالى {ويقول الذين كفروا لست مرسلاً قل كفى بالله شهيداً بيني وبينكم ومن عنده علم الكتاب} الرعد 43 ، {22} غير أنها إسهامات مازالت في فلك الدعوة والسؤال باستثناء مشروع حسن حنفي " من العقيدة إلى الثورة "الذي يرى فيه ، أن " التاريخ العام من صنع الله فإن التاريخ الخاص من صنع الإنسان ،فالنظر والعمل مقولتان إنسانيتان ،كما أن الحكم والدولة نظامان إنسانيان ،... وفي التاريخ المتعين ينتهي علم أصول الدين ويتحقق المقصد الإلهي "{23} ، و ينطلق حسن حنفي من قراءة داخلية للفكر الإسلامي ولأصوله تتسم بالجرأة ، ولكن أسلوب حنفي الفلسفي يضبب في أحيان كثيرة الرؤية العملية لأفكاره التجديدية .كما أن مشروع الجابري اشتغال جاد ، يدخل في قراءة التراث والأصول من خلال قواعد منهجية وفلسفية من خارج دائرتهما، ويحاول مساءلتهما من خلالها وهو أحد النقود المنهجية الموجهة له ، وشرع الجابري في قراءة جديدة للقرآن أطلق عليها اسم:{ فهم القرآن الحكيم ، التفسير الواضح حسب ترتيب النزول}{24} و يرى فيه أن القرآن الكــريم نزل منجّماً، وخلال أزيد من عشرين سنة، وأن تسلسل صوره حسـب النزول" يباطنه تسلسل منطقي يتطابق مع تسلسل الوقائع، ما يوضح أن مسار التنزيل مساوق لمســيرة الدعوة " ويرى أيضا أن  المكتبة العربية الإسلامية تفتقر إلى تفسير يستفيد في عملية »الفهم« من جميع التفاسير السابقة{25} ، والمؤكد أن ثمة محاولات كثيرة تنشد التجديد ، غير أنها أفكار نقدية لا ترتقي إلى مستوى المشروع المتكامل مثل صوت المفكر المصري نصر حامد أبوزيد الذي لا بد من أن تسبقه الضجّة ويلحق به النقاش  المتواصل. يبني هذا المفكر سؤال  «التأويل الإنساني للقرآن هل هو ممكن؟»، داعياً إلى إعادة ترتيب القرآن وفق التسلسل الزمني لنزوله، بهدف إعادة إنتاج المعنى الإنساني له ، بالنسبة إلى أبي زيد، التأويل أمر ممكن، إذا أعيد التفكير في القرآن وتم تحويله من «نص إلى خطاب»، وهذه مسألة معروفة عنه، هو الذي بدأ حياته الفكرية بكتاب عن مفهوم النص. وتحويل القرآن بهذا المعنى، يقتضي إعادة ترتيبه، والحاجة إلى قراءته قبل أن يصبح مصحفاً أو كتاباًُ... فالحالة الراهنة التي يتم تفسير القرآن على ضوئها هي الحالة العمودية الإلهية التي تطغى وتلقي بظلها على الأفقية الإنسانية. {26} لن ندخل في مناقشة أبي زيد ولا في القواعد والمنهج الذي اعتمدها ، أو مشروعية الأسئلة والحلول التي يقترحها غير أننا نشير إلى أن تجاوز التراث جملة واحدة ، أو التعامل مع النص القرآني كظاهرة لغوية فحسب يعتبر إفقارا لهذا النص من أبعاده الروحية والثقافية والحضارية .

 

حدود التأويل

     إن الخوض في التأويل لا يعني أنه الطريق الملكي الوحيد لفهم النص ، ذلك ما يقره ابن رشد بقوله :"أجمع المسلمون على أنه يجب ألا تُحمل ألفاظ الشرع كلها على ظاهرها ولا أن تخرج كلها عن ظاهرها بالتأويل " {27 وهو بذلك يضع حدودا للتأويل الذي لا يكون إلا فيما أشكل فهمه والتبس مقصده من الأحكام ، كما أنه لا يبيح التأويل للكافة فالناس عنده أصناف ثلاثة في الشريعة "صنف، ليس هو من أهل التأويل أصلاً، وهم الخطابيون الذين هم الجمهور الغالب. وذلك أنه ليس يوجد أحد سليم العقل يعرى من هذا النوع من التصديق. وصنف هو من أهل التأويل الجدلي، وهؤلاء هم الجدليون بالطبع فقط، أو بالطبع والعادة. وصنف هو من أهل التأويل اليقيني، وهؤلاء هم البرهانيون بالطبع والصناعة، أعني صناعة الحكمة."{28} وينضاف بهذا التقسيم حد ثان للتأويل إلى جانب الحد الأول الذي يقصره على ما التبس وأشكل ، الحد الثاني هو في عدم إتاحة التأويل للعامة أو لأهل الجدل ، سواء بإعلامهم به من قبل أهل البرهان أو بإشاعة التأويل دون تخصيص أو تحفظ ، يقول ابن رشد :"وهذا التأويل ليس ينبغي أن يصرح به لأهل الجدل فضلاً عن الجمهور. ومتى صرح بشيء من هذه التأويلات، لمن هو من غير أهلها، وبخاصة التأويلات البرهانية لبعدها عن المعارف المشتركة، أفضى ذلك بالمصرح له والمصرح إلى الكفر. والسبب في ذلك أن مقصوده إبطال الظاهر وإثبات المؤول، فإذا بطل الظاهر عند من هو من أهل الظاهر، ولم يثبت المؤول عنده، أداه ذلك إلى الكفر، إن كان في أصول الشريعة ."{29}المسألة إذن على درجة كبيرة من الخطورة والمسؤولية ولذا لا يمكن أن تتم إلا في إطار من الرصانة والتروي ومن قبل مختصين في المبحث قادرين على ضبط ألسنتهم والحفاظ على ما توصلوا إليه وعدم إطلاع الناس عليه خشية ما يحدث من بلبلة في الاعتقاد بين الناس تؤدي إلى الفتنة أو الكفر . التأويل إذن ليس مركبا ذلولا متاحا للجميع ، وخصوصا من غبر المختصين ، قد يتاح التأويل في مجالات كثيرة كالأدب والفن عموما ، ولكنه لا يكتسي نفس الخطورة كما هو الشأن بالنسبة إلى مجال الشريعة أو حتى مجال القانون الوضعي ، فالتمييز بين المجالين ضروري ، كما أن الانضباط لحدود التأويل وضوابطه مسألة بالغة الأهمية ، ولعل أبرز الضوابط إلى جانب التخصص والنزاهة والموضوعية والاطلاع على علوم القرآن ، ضرورة القراءة الشمولية للنصوص حتى لا يسقط المؤول في التجزئة، والتزام منطق التواصل الداخلي للنص ، مع الاعتماد العلمي الدقيق على اللغة العربية وتصاريفها البيانية والمعنوية ، كما لا يمكن إغفال علم مقاصد الشريعة باعتباره غاية الأحكام ومنتهى التشريع . فإذا تسلح التأويل بتلك الآليات وغيرها مما تتطلبه شروط النزاهة ومطلب اليقين ، أصبح التأويل معبرا جديا وضروريا من أجل وعي أدق بمتطلبات المرحلة التاريخية الثقافية والحضارية ، حتى لا تنقطع العلاقة بين النص والعقل والواقع  على نحو يصير فيه العقل مجرد متلق سلبي للأفهام التراثية ، أو مجرد عقل قياسي ، يقيس الشاهد على الغائب دون تبصر منهجي أو تاريخي ، في غياب تلك الحيوية والتواصل بين الأطراف الثلاثة تطغى سلطة الواقع ، ويخبو نور العقل ، وتفتر العلاقة بالنص ، فتجف منابع الحق ، إذ ليس التأويل إيجاد معنى لشيء لم يكن له معنى ولا هو نصب دلالة لموضوع يبحث عن دلالته ، وإنما هو إحالة من دلالة إلى أخرى ,وإعادة تأول معنى سابق ... وبذلك تتضاعف دلالة الوجود ويتسع معنى الحق ." {30} ومتى كف النص عن العطاء والتجدد تقلصت معاني الحقيقة الواسعة في القرآن الكريم ، واطمأن الفكر إلى الجمود والصمت . إن شرط التكليف العقل ، معنى ذلك أن الحقيقة لا تفصح عن نفسها إلا بالقدر الذي يتاح فيه للتعقل والفهم نوع من الاتصال بالنص ، وكل حوار مع النص هو بالضرورة ذاتي لكونه محفوفا بشروط ثقافية وحضارية متعلقة بالمرحلة التاريخية للقارئ أو المفسر نفسه وهو أيضا محكوم بشروط يفرضها منطوق النص نفسه ، من أجل ذلك كان الاختلاف في الفكر الإسلامي علامة على ثراء النص وعلى اتساع معنى الحقيقة والمعقول ، فكم نحن بأمس الحاجة إلى وقفة جادة تخرج بنا من دوائر العراك الإيديولوجي القديم والحديث ، من أجل تفعيل العلاقة بالنص ، خروجا به من دائرة التتريث إلى معالم الحضور المحرك للفعل الثقافي المحلي والكوني ، تجاوبا مع مطالب الواقع ووفاء للرسالة النبوية الخالدة.   

الأستاذ سالم المساهلي

ـــــــــــــــــــــ

الهوامش والإحالات :

{1} محمد الطاهر بن عاشور /التحرير والتنوير ، ج 4 ،ص:53

{2}المصدر السابق ، ص : 54

{3} نفس المصدر والصفحة

{4} الخازن ، لباب التأويل في معاني التنزيل ، ص :71

{5} محمد عابد الجابري ، وجهة نظر ،ص:80

{6} المعجم الوجيز :ص30 0

{7} الموسوعة الفلسفية العربية، عاطف العراقي ، كلمة تأويل ، ص207

{8} راجع تفسير القرطبي/ سورة الرعد/ آية رقم 17

{9}  الموسوعة الفلسفية العربية، ص208

{10}   الخصائص   ج 2  ص   447

{11} فتح القدير/محمد بن علي الشوكاني/ المجلد الخامس/ص520 0

{12}  البيهقي في "الأسماء والصفات "ص408

{13} أخبار الحلاج والطواسين/ مكتبة الجندي/ الطبعة الثانية/ص 54

{14} تفسير تفسير القرآن / ابن عربي ـ ت 638 هـ.

{15} الاتجاهات السنية والمعتزلية في تأويل القرآن.د . التهامي نقرة ، ص : 264 

{16} أبو حامد الغزالي  فضائح الباطنية ، ص23

{17} تاريخ الفلسفة في الإسلام ،دي بور ، ترجمة :محمد عبد الهادي  أبو ريدة ، ص : 95

{18} التحرير والتنوير ج 1ص : 471

{19} أي أن الشجر لا وجه له ولا كفان فلا يمكن فهم الآية برأيه إلا على هذا الوجه من التأويل ، رسائل الكندي ، ص : 244