كتاب التربية الإسلامية والتنشئة على القيم

سؤال التجديد طباعة أرسل إلى صديق
الكاتب: سالم المساهلي   

" ومثقفو المجتمع الإسلامي لم ينشئوا في ثقافتهم جهازا للتحليل والنقد إلا ما كان ذا اتجاه تمجيدي يهدف إلى إعلاء قيمة الإسلام...فالأصالة ذاتية وعينية وهي مستقلة عن التاريخ" مالك بن نبي 

" ومثقفو المجتمع الإسلامي لم ينشئوا في ثقافتهم جهازا للتحليل والنقد إلا ما كان ذا اتجاه تمجيدي يهدف إلى إعلاء قيمة الإسلام...فالأصالة ذاتية وعينية وهي مستقلة عن التاريخ"

مالك بن نبي /مشكلة الأفكار في العالم الإسلامي ص:11

       على مشارف الألفية الثالثة تظل الأسئلة التي طرحها عصر النهضة في بواكير القرن العشرين، قائمة ومعلقة على حالها وهيئتها، رغم تجدد المفاهيم وتبدل الأوضاع، ولعل تركة الاستعمار التي ساعدت على تجميد التفكير، وارتباك سلم الأولويات في الفكر العربي الإسلامي، جعل الكتابة في هذه الدائرة تراوح مكانها وتكتفي بالدعوة التحسيسية أو جلد الذات ورثائها، إذ أن الخطاب الإسلامي ـ رغم تنوعه ـ يظل مشدودا إلى ذاكرة مجيدة، مبهورا بحاضر آخر متقدم، ذلك ما عقّد خطواته الأولى وألبسه ثوب القلق المنهجي، لذلك لابد من تصحيح السؤال الاستراتيجي وتعديل الأولويات، فهل نحن نريد العودة إلى الماضي؟ أم نرغب في مواكبة الحاضر الأوروبي؟

      مما لا شك فيه أن الحديث عن العودة يبدو رومانسيا ولا عقلانيا  لأن ذلك يعني الخروج من التاريخ، والقفز في المجهول، علاوة على استحالة ذلك عمليا، كما أن اتباع الآخر غير ممكن طالما أننا لم نقرأه ولم نفهمه، إلى جانب اختلافنا الواقعي والعملي عنه، فما وصل إليه العقل الأوروبي أو الغربي ليس وليد لحظة أو قرار سياسي أو ثقافي حيني، وإنما هو نتيجة تراكمات وتضحيات ونضالات فكرية وسياسية طويلة، ولذلك أطلق مصطلح "النهضة " في الغرب على واقع متعين وتجربة متحققة، بينما أطلق في عالمنا العربي الإسلامي على "مشروع ممكن " ـ على حد تعبير محمد عابد الجابري. لا بد إذن من بناء السؤال الحقيقي والانتقال من النظر الطويل إلى الخلف إلى التوجه المتبصر نحو الأمام ويعني هذا الانتقال من سؤال: من نحن؟ الذي يحيل على الماضي، وتمجيده والتوقف عنده، إلى سؤال: من نريد أن نكون؟  الذي يفتح البصر والبصيرة على الواقع وعلى الآفاق الممكنة للحضور في العصر، دون التنازل عن انتمائنا ومحدداتنا الثقافية. الإسلام ليس ماضيا نعود إليه، وإنما هو أفق نسعى إليه ولا هو تجربة نمطية جسدها السابقون وعلينا استنساخها، وإنما هو نص مفتوح وحقل دلالي فسيح الدلالات، نحن مدعوون إلى فهمه ومراجعة قراءاته السابقة، بهدف صياغة رؤية لا تتجنى على الأصول الثابتة ولا تغفل حاجتنا للتميز والتجدد، ولعل ذلك بعض ما قصدته الآية الكريمة: " تلك أمة قد خلت لها ما كسبت ولكم ما كسبتم ولا تسألون عما كانوا يفعلون ".{1}

 

واقع الخطاب

       يعيش العقل الإسلامي نوعا من الركود الذي لا يسمح له بتنشيط حركة الذهن والتفكير في المستقبل، ذلك أن الثقافة الإسلامية الراهنة لم تتجاوز مرحلة "عصر النهضة" إلا في بعض المحاولات المحدودة التي لا ترتقي إلى درجة الرؤية المتكاملة والمشروع الواضح، لذلك، وأمام هذا الوضع القلق والحائر للعقل الإسلامي، يعيش المسلم ارتباكا منهجيا وذهولا حضاريا أمام تسارع التقدم الحضاري الذي لا يترك فرصة للتأمل أو المواكبة، لأن عاصفة التحولات تطال كل شيء، الفكر والسلوك، والثقافة والاجتماع بجميع تجلياته. لهذا كان توصيف حسين أحمد أمين لحالة المسلم بالغة الدقة في كتابه "دليل المسلم الحزين إلى مقتضى السلوك في القرن العشرين"، عندما رآه حزينا، لاحيلة له أمام ما يشهده، فالمسلم متأزم للمفارقات التي تجمع ذاكرته الخصبة وماضيه المشرق بحاضره الذي يكاد يكون مقفرا لهذا الركود المائج بالصراعات العقيمة والعطالة الفكرية والتوقف الحضاري... هذه المفارقات تعيد المسلم المعاصر إلى ذاته متسائلا في حيرة، باحثا عن إجابة مقنعة لسؤال قديم جديد ومؤرق: لماذا تخلف المسلمون ولماذا تقدم غيرهم  {2}؟، لماذا وهم أصحاب رسالة نبوية وتاريخ حافل وثروات طبيعية هائلة وقدر كبير من الموارد البشرية؟ لكن السؤال يرتد على عقبيه لتعدد الإجابات وتشعب مصادرها وخلفياتها، ولعلها تجمع على برود العقل وخمول الإرادة وفتور العزم.

      في ضوء هذه القراءة يبقى الفكر الإسلامي تراكمات لأفهام وتصورات مشوشة حجبت حقيقة الدين وجوهره وتخلفت عن مقاصده الحقيقية، إنها اجتهادات تتجاذب السيادة على الشارع الإسلامي فقهيا وأصوليا، على نحو يحول مساحة التنوع وحق الاختلاف مطية لمزيد إرباك العقل العربي والإسلامي وإرهاقه بالجذب تارة إلى دائرة التحليل والتحريم وتارة إلى مدار الكفر والإيمان وطورا إلى المعارك الطائفية وحينا إلى الواقعية ومنطق العرف، فتشكلت بذلك أغلفة متعددة الألوان حجبت الحقيقة المطلقة للخطاب الإلهي، وعمقت الفجوة بينه وبين الإنسان الخليفة والمكلف، الذي أعياه التخبط الفقهي والتوظيف الإيديولوجي الكسول.   

     الإسلام كما هو معلوم حقيقة مطلقة وقيم وتعاليم كونية لذلك هي مهيأة لأن تُفهم وتُنزل في مراحل تاريخية مختلفة وفي سياقات ثقافية و اجتماعية غير محدودة، شريطة مراعاة الظروف والملابسات الواقعية الخاصة بكل محطة تاريخية، الدين حقيقة مطلقة والتفاسير والأفهام حقائق نسبية محدودة بشروطها المكانية والزمانية، وهنا يجدر بنا كشف القداسة الوهمية لبعض القراءات التي يراد لها ن تكون نمطا ونموذجا يحتذى، من أجل تكريس ما هو قائم، إننا مطالبون بنظرة راهنة دون تبعية ساذجة لأي طرف، سواء تمثل هذا الطرف في الاجتهادات السابقة والتراث الإسلامي أو في الإنجازات الثقافية للغرب، ولعلها ملامح التوازن الفكري والموقف النقدي الحر الذي يثق في القدرة الذاتية الخلاقة وفي إمكانياتها

على اختيار الطريق الأسلم بين اغترابين وتبعيتين، ولا يمكن أن يكون هذا الحياد عداء مجانيا ومرضيا للتراث أو للآخر، ولذلك لا ينفي طريق الإبداعي الذاتي منهج الاستفادة من الإرث الثقافي الذاتي أو الفكر الإنساني عموما، وهي استفادة محكومة بمنطق الندية والتكافؤ، ومنطق "الحرية الذاتية " في الاختيار والنقد والتجاوز. ذلك هو السبيل الذي يخرجنا من الغيبوبة الفكرية والحيرة النفسية، ويبعدنا عما اصطلح على تسميته بأدب الدفاع، وهو الذي يحاول دائما إلحاق الإسلام أو البحث فيه عما يساند هذا الموقف أو ذاك خروجا من الحرج الثقافي، كما فعل العقاد في كتاب "ديمقراطية محمد " أو أحمد شوقي حينما قال شعرا:" الاشتراكيون أنت إمامهم... " وغيرهم ممن أغواه منهج تطويع الإسلام للمحدث أو تطويع المحدث للإسلام،.. ولا يبتعد هذا المنهج عن الأسلوب الانفعالي المتحمس الذي لا يزن المسائل بميزان العقل الرصين فيدخل في خطاب سجالي متشنج ومتوتر تغيب فيه الحكمة والحسنى والرصانة، ويفتح جبهة المهاترة والجدل العقيم الذي يعيق التقدم بالحوار ويعمّي على الحقيقة الإسلامية التي لا تحتاج إلا للمسؤولية وللتحلي بالأمانة والصبر والثقة بالنفس، والاطمئنان إلى صدق الرسالة النبوية.

      لاشك أن هذه التعثرات، لا تنفي عن الخطاب الإسلامي الحديث بعض التوجهات الجادة والاجتهادات الصبورة التي تخطو في ثبات باتجاه رؤية متماسكة وقراءة متبصرة، والتي لا يعوزها غير مزيد من الاهتمام والعمل الجماعي والمؤسساتي، حتى تتحول إلى مشروع متكامل يوجه الاجتهاد ويؤطره ضمن تصور إسلامي يقيه المزالق والانحرافات، ويؤلف حوله الطاقات والقدرات، ويدفع به إلى واجهة الصراع الثقافي العالمي  لتشكيل البديل المرتقب، الذي سينقذ البشرية من جحيم لتصورات المادية والحضور السلبي الاستهلاكي الذي أفرغ الإنسان من بعده المعنوي والأخلاقي.

 

 

 

حقول التجديد

ـ علم أصول الدين أو علم الكلام: هو المبحث الذي نشأ تناغما مع التطور الثقافي والحضاري الذي شهده المجتمع الإسلامي، إذ بعد تركيز العقيدة وانتشار الإيمان وتمكنه من النفوس، وفي غمرة اتساع الفتوحات بعد استقرار الدولة الإسلامية، أصبح العقل بحاجة إلى بناء مؤسساته النظرية من خلال صياغة الفلسفة المتكاملة والرؤية الشاملة للاعتقاد والسلوك، وكان "علم الكلام " من ضمن هذه العناوين، أما موضوعه فهو قضايا الاعتقاد والتصور الإسلامي، قال الفارابي: " وصناعة الكلام مَلَكة يقتدر بها الإنسان على نصرة الآراء والأفعال المحدودة التي صرح بها واضع الملّة، وتزييف ما خالفها بالأقاويل ".{3} والمعلوم أن علم الكلام نشأ مع الجدل الذي أثارته الفرق الإسلامية حول أفعال العباد،  وذات الله وصفاته، والقضاء والقدر، وأبرز من نبغ في هذا المبحث من المتكلمين أصحاب مذهب الاعتزال والأشاعرة، الذين خاضوا عباب هذا الموضوع بمختلف مدارسهم وفروعهم، وتشعبوا في إثارة المسائل والجدل حولها، واستسلموا لصراعات فكرية وأصولية شغلت العقل الإسلامي ولا تزال، وسلّم فيه كل طرف في الجدل باختلاف الآخر عنه، ولذلك عُلّق الجدال على علاته وتوقف عند حدوده التاريخية، رغم بعض المناوشات الفكرية التي تنهض هنا وهناك، دون أن تؤثر في حقيقة الواقع الثقافي الموروث.  ودون الخوض في الموضوعات الكلامية، يمكن الخروج بملاحظات واضحة ودقيقة حول هذا المبحث، منهجا ورؤية وغاية، مع اعتقادنا بأن هذا " العلم " كان مناسبا لتلك المرحلة التأسيسية من عمر الثقافة الإسلامية، كما كان تعبيرا عن حالة التحول التي عرفها العقل الإسلامي في ذلك الظرف بالذات. إن أبرز مميزات علم الكلام طغيان الجدل عليه، هذا المنهج الذي انبنى أساسا على مقدمة أن رأيي صواب لا يحتمل الخطأ، ورأي خصمي خطأ لا يحتمل الصواب، لم يستطع ردم الهوة الفاصلة بين الأطراف المتصارعة، وإنما زادت الهوة اتساعا بفعل سعي كل طرف إلى حشد الأنصار والبراهين والحجج، وتأويل نصوص القرآن تأويلا يدحض حجج الخصم، ووصل الأمر حد الاتهام بالكفر والخروج عن الملة، بل وصل حد تصفية المخالفين جسديا مثل ما فعل الحجاج ابن يوسف الثقفي مع الجعد بن درهم، إذ ذبحه يوم عيد الإضحى تحت المنبر لمعارضته القول بالجبر الذي سعى الأمويون إلى حمل الناس عليه والاعتقاد به. لقد كانت تلك النزعة الإقصائية لكل مخالف، تؤسس لأفهام وخطابات متشددة ومتصلبة، وعقول مقفلة ومنغلقة على أطروحاتها، تتعامل مع النص القرآني من منطلق ضيق جدا هو مقدماتها النظرية، وأصولها الاعتقادية وخرائطها الاصطلاحية، وتضخمت هذه القراءات لتصطبغ بلون المعقولية الصارمة عند المعتزلة التي تعتمد العقل منهجا مقدما على النص، وتتماهى هذه المعقولية عند الأشاعرة مع عقيدة أهل السنة والجماعة، ووصل الحد بالتراشق إلى اتهام المعتزلة بالخروج عن أهل السنة والجماعة، كما اعتبرت الأشعرية من قبل خصومها خالية من النظر العقلي.

 

      إلى جانب الآثار السلبية التي خلفها أسلوب الجدل الكلامي على الصعيد الاجتماعي فإنه أسس لقراءات تمامية للنص تدعي لنفسها الاكتمال، وكل قراءة عداها محض تأويل منبوذ، والحقيقة أن الجميع مؤولون ومجتهدون في النص بآرائهم، وليس ثمة فرقة واحدة تمتلك الموضوعية التامة والنزاهة المطلقة. والغريب في هذه الحالة أن عددا غير قليل مازال يتباهى بانتمائه للمعتزلة أو للأشعرية أو كراهيته لهما، ولعل ذلك نابع من الفراغ الثقافي وارتباك الرؤية، وعدم القدرة على تجاوز التراث من خلال قراءة نقدية له، وبناء على نظرة استشرافية تعول على القدرة الذاتية.

     لاشك أن التواصل مع التراث ضروري، ولكن أن يُنقل بسحنته وهيئته التاريخية إلى واقع لم ينتجه، فإنه يصبح إسقاطا وأمرا عسير الفهم والتطبيق علاوة على ما يضفيه على الواقع الثقافي من إرباك منهجي. ومهما يكن من أمر فإن ذلك الاختلاف التاريخي عبر عن أفق فكري خصب، نحن اليوم بحاجة إليه تأسيسا لعقلية محاورة ومتسامحة، لا على أساس تجديد علم الكلام ذي الطابع الجدلي، ولكن من أجل نقلة من علم الكلام على الفكر الفلسفي المفتوح والمنتج للسؤال والنظر والإضافة إذ مثل ابن رشد نقلة نوعية مهمة في تاريخ الفكر الإسلامي وخاصة الفكر الفلسفي، حيث تجاوز المدرسة الكلامية المنطوية على مصادراتها وأسس لقراءة جديدة تؤلف بين النص والعقل والواقع، وتخرج بالمقدمات النظرية للفكر الإسلامي من دائرة الانغلاق المذهبي والتمامية الإيديولوجية، لينفتح على عوالم الفكر الحر متجردا من طقوس المذهبية التي تحول دون النقد والإضافة والإبداع، ذلك ما أكده ابن رشد من خلال سعيه الجاد للتأليف بين الشريعة والفلسفة / الحكمة، باعتبارهما أختين من الرضاعة ـ على حد تعبيره ـ.

     على عكس الأطواق التي انحبست فيها الفرق الكلامية والأنفاق الجدلية، والصراعات النظرية الجافة، نزل ابن رشد بأصول الدين إلى الواقع الطبيعي والاجتماعي عندما أثار موضوع القدر، وتحدث عن الأسباب الداخلية والخارجية، بما هي قوانين ونواميس كونية طبيعية وتاريخية، ونفسية، وبيولوجية.. وهكذا اتصل ابن رشد بالعلم وأسس لقواعد التفكير المنطقي والواقعي في النظر إلى مسألة من أهم قضايا الفكر الإسلامي وهو الفعل الإنساني. ولم يكن الإنسان حاضرا في الفكر الكلامي بالدرجة الكافية ما عدا شعار "الإنسان خالق أفعاله " الذي رفعته المعتزلة، والذي تاه في الجدل والترف العقلي، الأمر الذي جعل سؤال فاعلية الإنسان وقدرته على قيادة نفسه مطروحا إلى اليوم، مسكونا بذلك الهوس الكلامي، فترى الإنسان المسلم متوتر العلاقة بذاته، قلق المحاولة، مضطرب الوجدان. لم يعد من الممكن إذن إحياء الفكر الكلامي، ولم يعد العقل الإسلامي مطالبا بالولاء الأبدي للأفهام القديمة دون مبرر معرفي أو منهجي، في وضع تاريخي يستدعي الحركة والفعل والمبادرة المشروطة بمراعاة الواقع الثقافي والحضاري والتجاوب مع الظروف الاجتماعية المعيشة. إن التصور الإسلامي هو البديل الثقافي والحضاري في مقابل التصور المادي الذي يختزل كل ما يموج به العالم من حياة مادية وفكرية وشعورية وروحية في معادلات رياضية وفيزيائية صماء، تغيب الإنسان وبعده المفارق. إن التصور المعنوي للعالم هو الرؤية المناسبة والبديلة عن التصور والتوجه الرأسمالي المسكون بالسلوك التجاري ورغبة الربح، والسيطرة والتملك ونشر ثقافة وسلوك الاستهلاك، إنه سباق محموم لتسليع كل شيء.. الناس والعواطف والأفكار  وهي رؤية تكتسح العالم وتخلق قيما وأخلاقا تجارية تعصف بإنسانية الإنسان.

      إن الملاحظ أن الديانات اتخذت في العموم موقفا محتشما وسلبيا من هذا التوجه الذي جعل السوق مقياسا لكل شيء، وقاعدة العرض والطلب موازنة لأي نشاط، وهي الفرصة التي تتاح للدين الإسلامي حتى يدخل الصراع الفكري بين المادة والروح، وبين المبنى والمعنى والجوهر والعرض، وما ذلك إلا لأن الوعي بالتوحيد الإلهي هو الذي يعطي لكل شيء معنى في علاقته بالكل، معنى ذلك أن التوحيد الإسلامي فعل تجميع وتأليف يجعل كل ما في الكون في تواصل مستمر وتكامل أبدي، يوازن بين مكونات الإنسان وأبعاده، ويفتح من خلال تلك المكونات أبواب التواصل مع الطبيعة ومع العالم. وطالما أن الإنسان في التفكير الإسلامي نفخة من روح الله فإنه مطالب بالتجاوب مع نبعه الأول، بتوثيق العلاقة بالله، ذلك ما يدعوه أبدا للتسامي والإحساس بالمطلق واللانهائي في مسيرة ملحمية تجتاز عوائق المادة ومعيقات الأشياء، نحو جوهر الوجود ومعناه الحق: الله. لا يفهم هذا الكلام على أنه شطحات صوفية، وإن تحلى بأسلوبها، ولكنه إقرار بأن الإنسان لا يكون إلا بتميزه عن المعطى الطبيعي، أي بالثقافة، والتي تعني الترفع النفسي والفكري والأخلاقي عن الانشداد لمطالب الغريزة فحسب، لأنه الكائن الوحيد القادر على قيادة العالم وتحريك دفة التاريخ وفتح مغاليق الكون وكشف خبايا الطبيعة، باعتباره خليفة الله. هنا يتصل الإنسان بالله على نحو يجعله حركة دافعة لنظام العلاقات الاجتماعية باتجاه الأفضل، فاتحة لآفاق الممكن، بإرادة مبدعة وخلاقة تضمخ التجربة الوجودية للمسلم بطابع الكدح والنضال الملحمي، تعميرا للأرض، واستثمارا للطبيعة المسخرة، وارتقاء بالإنسانية باتجاه الاكتمال الحضاري.

     الواقع أن افتقاد الإنسان الحديث والمعاصر للهدف والغاية التي تحكم مسيرته الوجودية، هو الذي أدى إلى انحطاطه وتداعيه النفسي والأخلاقي، أي المعنوي، فأصبح أداة في دورة الإنتاج والاستهلاك اليومي، محدود الآفاق، مسكونا بالقلق واللهفة، مغتربا، وفاقدا للانتماء والسكينة والاطمئنان.  الاعتقاد الإسلامي يفسر العالم ويعطيه معنى ويثمن دور الإنسان فيه، وعلى هذا النحو فقط، يصبح الإيمان فسحة نفسية وأملا في المستقبل وإرادة غالبة باتجاه التغيير الحقيقي والمستمر، على اعتبار أن ما هو كائن ليس نهائيا وما يمكن أن يكون، ليس مستحيلا.

     عندما يتحول الاعتقاد في ذهن الإنسان على هذا النحو وتتسع دائرة التعقيل والترشيد، وتتقد شعلة الشوق إلى الجواهر والمعاني، يصبح التدين فلسفة عملية تقاوم الإحباط والسلبية، وتشرع بوابات التجدد، ليتحول وجود الكائن البشري إلى حيوية غائية، ينتفي فيها حضوره التسجيلي والاستهلاكي، وتتقلص دائرة المصادفة والاعتباط والفوضى، كما ينحسر دور الخرافة وتمحي الرهبة والإحساس بالعبثية، لأن الإيمان باتحاد الإنسان بالله هو رفض للاتحاد بالهامشية، وهذا هو الشكل المرتضى الذي والفهم المعقول الذي يعطي للسيرورة البشرية بعدها المعنوي العميق وقاعدتها العقلية الصلبة،وغايتها التقدمية وأفقها المفتوح. وبذلك يتخلص العقل الإسلامي من تركة الجدل الكلامي، ومن تهويمات الفلسفة المثالية، أو دعاة المادية المميتة للروح، ويسلك نهج الفلسفة العملية التي تدفع باتجاه رد الاعتبار لإنسانية الإنسان وفاعليته في التاريخ، وتنزل بمقولة الإيمان من غيبية مبهمة وضبابية ملتبسة، إلى يقظة مستمرة للبصيرة والضمير، على نحو يتأسسان فيه قانونا داخليا رقيبا وملزما للإنسان، فيسهم القانون الأخلاقي بذلك في دعم قيم التعايش بين الناس، لأنه نابع من قناعة تامة، وإرادة حرة.

ـ علم أصول الفقه: هو الذي وضعه علماء أصول الفقه قواعدَ لاستنباط الأحكام من أدلتها، والمعلوم أن القرآن هو المصدر الأول للفقه الإسلامي، ولذلك جاء بقواعد كلية وأسس عامة للأحكام ولم يعالج القضايا الفرعية إلا بالقدر الذي يوضح فيه القاعدة العامة. أما الفقه، الذي يعني في اللغة الفهم، فهو في الاصطلاح علم الشريعة أصولا وفروعا ثم وقع تخصيصه بعلم الفروع حتى يتميز عن أصول الفقه، كما يُراد به أيضا العلم بالأحكام الشرعية المأخوذة من أدلتها التفصيلية. وإذا نظرنا إلى المنتجات الفكرية للحضارة الإسلامية من ناحية الكم أو الكيف فإننا سنجد الفقه في المرتبة الأولى من حيث التصنيف، إذ أن ما كُتب فيه من أصول وقواعد، مطولات ومختصرات وشروح وتنقيحات، يكاد لا يُحصى، ومن هناك كانت أهمية هذه المدونة وصعوبة البحث فيها، والمؤكد أن إثارة ما حمله التراث من تنوع فقهي واختلاف منهجي، لا يساعد على الإحاطة بالمسألة المطروحة، وهي كيف ستستمر هذه المدونة في قوادم الأيام والأعوام؟ أي كيف يمكن تكييفها و صهرها في الواقع الثقافي والاجتماعي للناس؟ هذا إذا سلمنا جدلا بصلاحيتها للاستمرار. إن الاجتهادات الفقهية المؤسسة على قواعد أصولية وضعها الإمام الشافعي في كتاب الأم، ودرج على تبنيها جل الفقهاء، أصبحت اليوم ذاكرة ثقافية نظرا لما أصبح عليه علم الفقه من فتور وتقليد، ونتيجة لذلك تجاوزته الوقائع والأحداث في كثير من الأحيان ماعدا فقه العبادات، أما الاقتصاد والسياسة والثقافة والاجتماع، فإنها مازالت أسئلة معلقة وقضايا حائرة، ومازال الفقه الإسلامي بعيدا عن احتوائها، وغاية ما نسمع به أو نقرأه، فتاوى ومواقف معزولة، تثير من الإشكالات أكثر مما تجيب عن الأسئلة، إن العقل الإسلامي يجد نفسه أمام خيارين: إما أن يحافظ على ذاكرة فقهية يرقع بها بعض فتوق سلوكه، أو أن يتجاوز هذه المدونة ليندمج في معقولية مختلفة وافدة في أغلب الأحيان، ولعله يلجأ إلى المراوحة والدمج بين رؤيتين ومعقوليتين، فيسقط في الفوضى والارتباك , وهذا كله عار من الوضوح

والجدية، فهل يستسلم العقل الفقهي الإسلامي إلى السائد الثقافي التقليدي الهش الذي يتآكل باستمرار، والذي ينصهر باستمرار في دوامة الثقافة الغالبة / الغازية؟ هل يتوقف هذا العقل عن التفكير والتساؤل، ويستقيل من المبادرة الإبداعية، في وقت تتضاعف فيه عمليات التعويم والاكتساح المنهجي لكل الخصوصيات تحت رايات العولمة؟ هو أمر لا يليق في الواقع بشريعة عالمية وثقافة إنسانية وحضارة كونية، جمعت بين السماء والأرض، ورشحت الإنسان سيدا للعالم وصانعا للتاريخ.

     يدعو هذا الأمر إلى مراجعة جادة للمنظومة الفقهية في مستوى الأصول حتى يتجاوز العقل الفقهي الإسلامي محطة المراوحة، يقول الجابري:" إن المطلوب اليوم في ميدان الشريعة هو إعادة بناء منهجية التفكير في الشريعة انطلاقا من مقدمات جديدة ومقاصد معاصرة، إن المطلوب هو تجديد ينطلق، لا من مجرد استئناف الاجتهاد في الفروع، بل من إعادة تأصيل الأصول." {4}، فالمسألة الفقهية المعاصرة اليوم أصبحت مقتصرة على الإفتاء الذي لا يمكنه مهما اتسع أن يحتوي الوقائع التي لا تنتهي، لأن الإفتاء إذا لم يكن محكوما برؤية متكاملة ونظرة شاملة ومنهجية دقيقة، فإنه لن يزيد الاجتهاد إلا ارتباكا، ذلك أن الفقهاء في الأغلب يفكرون للخلف، أي انطلاقا من مقاييس وضوابط منهجية قديمة، كالقياس وغيره، متصورين أن الشريعة هي ما تم إنجازه أصوليا في السابق، والحال أن التاريخ لم ينته، يشير الجابري إلى ذلك في رأي واضح الدلالة:" الشريعة الإسلامية ليست مكونة فقط مما نص عليه القرآن والسنة وما قرره إجماع الصحابة واجتهادهم، بل تضم كذلك ما قرره الفقهاء المجتهدون في كل العصور، وما سيقرره الفقهاء المجتهدون الذين ستعرفهم العصور الآتية... فكمال الشريعة تاريخي، والنظرة التاريخية للمسألة ترى الكمال صيرورة وليس معطى جاهزا جامدا." { 5}وما ذلك إلا لأن التشريع مفتوح على الوقائع المستجدة والأحداث المتبدلة، والعقول المتجددة معرفيا ومنهجيا،وهذا ما يجعل الجهود الفقهية تتجه

ضرورة إلى التفكير في المستقبل مستشرفة آفاق المسائل متحسبة لما سيفصح عنه المجتمع الإنساني.

 

إشكالية الاجتهاد

      الاجتهاد اصطلاحا هو بذل الفقيه الوسع في استنباط الأحكام الشرعية من أدلتها، ويمكن تقسيمه منهجيا إلى مرحلتين: مرحلة الاستنباط ومرحلة التنزيل ذلك أن النظر في النص القرآني أو النبوي لاستنباط الحكم ليس هو الجهد التطبيقي الذي يبحث في ملاءمة  الحكم للواقع أو للحظة التاريخية، كما يمكن أن ينطلق الفقيه أو المجتهد من الواقعة أو الوضعية ليبحث لها عن حكم يناسبها من النص، وهو ما يسمى بالفتوى. غير أن الملاحظ في عصرنا أن المدونة الفقهية لم تتجاوز المنظومة الشافعية للقواعد والأصول التي تأسست في القرنين الثاني والثالث الهجريين، ويبدو أن ثمة قناعة ثقافية واكتفاء بذلك، في حين أن النصوص كلها تشير إلى " أن الوقائع في الوجود لا تنحصر فلا يصح دخولها تحت الأدلة الحصرية، ولذلك احتيج على فتح باب الاجتهاد، من القياس وغيره فلا بد من حدوث وقائع لا يكون منصوصا على حكمها ولا يوجد للأولين فيها اجتهاد، وعند ذلك فإما أن يترك الناس فيها إلى أهوائهم أو أن ينظروا فيها بغير اجتهاد شرعي ". {6}  إن الأمر وصل إلى أكثر من ذلك، وهو استخفاف أهل الشريعة أنفسهم بشريعتهم وفقدانهم الثقة في أنفسهم، فالتجأوا إلى العرف كيفما اتفق، وقليلا ما تسمع هنا أو هناك فتوى، قد تذكرها بعض الصحف للتندر لأنها فتاوى مقلدة لا تراعي خصوصيات الواقع الثقافية والاجتماعية، ثم إن المفتي " يقرأ كتابا أو يسرد عبارة يصعب على السامع فهمها وعلى المتكلم إفهامها وذلك للحرج الذي وضع فيه نفسه، فلا يستطيع التصرف فيما يسمع ولا فيما يعلم ".{7} وسبب ذلك فيما يبدو هو طغيان منهج الحفظ وانتشار أسلوب التلقين، دون تحليل أو تعليل، فالفقهاء الأوائل أفتوا واجتهدوا انطلاقا من ملابسات وظروف ليست بالضرورة نفس الظروف التي نحياها، قد يجوز التقليد في العبادات أو العقائد، أما المعاملات فعلى غاية من التشعب ذلك أن القرآن والسنة لم يحسما فيها بنص قطعي  بل أسسا قيما ومبادئ عامة يستثمرها المجتهد حسب متطلبات زمانه.

      إن الإشكالية الرئيسية اليوم في مسألة الاجتهاد ذات وجهين، الأول يتعلق بمفهوم الاجتهاد ومضمونه والثاني بالمجتهد وشروطه، أما موضوع الاجتهاد فإن الرائج أن الشريعة فصلت كل شيء وأنه " لا اجتهاد فيما فيه نص "، في حين أن النص لوكان خاصا بحكم معين لا يتجاوزه لكان الحديث عن إطلاقية النص غير ذي جدوى، وتعالى الله عن أن يضيق على عقول عباده بفهم واحد على مر الدهور، ثم إن الشواهد التاريخية كثيرة ودامغة في هذا المجال كقتال أبي بكر للمرتدين من مانعي الزكاة في حين يقول صلى الله عليه وسلم " أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله، فإن قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم ". إن حروب الردة التي خاضها أبو بكر وعارضه فيها عمر بن الخطاب قائلا:" أتقتل رجلا يقول لا إله إلا الله؟"، انقلبت في عهد عثمان رأسا على عقب إذ فوض الخليفة الثالث الناس أمر إخراج زكاتهم، يدفعونها كما يشاءون، وهذا اجتهاد يتناقض تماما مع اجتهاد أبي بكر، وكلاهما اجتهاد في النص. المسألة إذن تتعلق بقراءة الظروف وتقليب الملابسات على وجوهها، وليس تجميد عمر بن الخطاب لعقوبة السارق عام المجاعة ـ مع أنها منصوص عليها في القرآن ـ إلا لفهمه أن قصد الشارع معاقبة السارق وليس الذي تفرض عليه الحاجة أن يظهر بمظهر السارق مكرها، لأنه إذا جاع الناس وكان عند غيرهم ما يزيد عن الحاجة، أصبح من حقهم أن يأخذوه وأن يقاتلوا عليه، ألم يقلها أبو ذر الغفاري " إني أعجب لمن لا يجد دقيقا في بيته ثم لا يخرج على الناس شاهرا سيفه "، ألم يكن أبو ذر صحابيا زاهدا وتقيا ورعا يفهم كلام الله ورسوله عليه السلام؟

     أما شروط المجتهد، وهي الإشكال الثاني في هذا الباب، فإن الرائج أيضا هو أن يكون المتقدم للاجتهاد "موسوعيا"، أي أن يكون عارفا باللغة وفنونها والقرآن وعلومه والسنة وأبوابها، والإجماع والمقاصد، مع سعة العقل والإحاطة والذكاء والفطنة... ـ هذا قديما ـ ثم نظيف إليها علوم العصر وتنوعاتها المنهجية والمعرفية، مع  انتشار التخصصات وتشعبها. ولو سلمنا جدلا أنه يمكن وجود هذا الفقيه المجتهد فإنه سوف يجد نفسه أسيرا لقواعد ومقاييس قديمة هي أصول الفقه، من ناحية، وفي مواجهة تجاوزات كبرى لتلك القواعد التقليدية في حياة الناس من جهة ثانية، فهل ينساق مع " العرف السائد " أم يطالب بإعادة الحياة إلى النماذج القديمة؟ الأمر في الحالتين صعب التحقيق، وكل ذلك يجعل كل محاولة للاجتهاد تصطدم بعوائق أبرزها:

ـ العائق المعرفي:ومعناه أن المدونة الفقهية ليست بالكم البسيط الذي يسهل احتواؤه، فهي تشكل الرصيد الأوفر في التراث الإسلامي، فإما أن يحييها المجتهد، أو ينتقي منها المناسب للظرف، ويسقط في الحالتين في التقليد.

ـ العائق المؤسساتي:ويتمثل في المذهب السائد أو الرسمي، الذي يمارس احتكاره لفهم النص، وهو أمر يقود إلى التوقف عن التفكير في تجديد الخطاب، وبذلك تعطل " المؤسسة الرسمية " المبادرة والإبداع الاجتهادي ن إذ عندما جعلت الكنيسة نفسها وسيطة بين الإنسان وربه ثار العقل ضد الاحتكار والانحباس.

ـ النزعة التمامية: وهي الشريحة التي تدعي أن الفكر الإسلامي كامل والشريعة جاهزة للتطبيق. وتحتكر هذه الفئة أيضا الكلام عن الدين بشكل يغيب فيه الوعي التاريخي، إذ تحبس نفسها في دائرة مغلقة من الأفهام والآراء التي تنزلها منزلة القداسة، وتواجه كل من يحاول تحريك الساكن بتهم التكفير والتفسيق.

ـ العائق المنهجي:يقع التمييز في عالمنا العربي والإسلامي بين نوعين من الأحكام، الحكم الشرعي والحكم الوضعي، إذ يمثل الإمام المتفقه في الدين أو الهيئات الدينية الحكم الشرعي وتمثل الدوائر القضائية والحقوقية الحكم الوضعي، وكأن العقل عقلان، فكيف سيجتهد المجتهد؟ وفيم سيجتهد؟ هل أن الحكم الوضعي لا يتعلق بمصالح العباد، أم أن الحكم الشرعي لا يتعلق بوضع؟

ـ إغفال المقاصد: مقاصد الشريعة مبحث نشأ تجاوبا مع الروح التقدمية للقرآن وأفقه المفتوح ذلك أن أحكامه تنبني على مقاصد، والمعلوم أن المقصد العام للشارع من الشريعة هو صلاح العالم بصلاح أهله. فالأحكام منوطة بالمصالح المرتبطة بدورها بالمقاصد، قال الشاطبي " ولا ريب أن العبرة بالغاية لأنها أقوى من الوسيلة المتمثلة في الحكم الشرغي العملي، فلا عبرة بالوسيلة إذا تخلفت عنها غايتها لأن الأحكام لم تُشرع لذاتها بل شرعت لمعان أخرى هي المصالح  "{8} وإثارة مبحث المصالح ليس جديدا، فقد كتب فيه القرافي في فروقه، والعز بن عبد السلام في قواعده، وابن تيمية في فتاواه، إلى أن بلغ الأمر أبا إسحاق الشاطبي الذي أفرد له الجزء الثاني من موافقاته وتوسع في تفصيله، وفي عصرنا الحديث تناول محمد الطاهر بن عاشور المبحث في

كتاب مفرد كما أثاره المصلح المغربي علال الفاسي في كتابه  مقاصد الشريعة ومكارمها،والفكر الإسلامي اليوم مطالب بنفخ الروح في هذا المبحث تجاوبا مع الأفق الفسيح للقرآن ومع مطالب العقل والواقع، حتى لا نسهم دون وعي بإخراج الإسلام من دائرة التوجيه والتأثير، أي من دائرة الوجود والتاريخ.  

      وأخيرا، يقتضي التجديد إذن مرونة عقلية وإلماما بالتراث واطلاعا على العصر وتمكنا من الرؤية المتبصرة والأدوات المنهجية الكافية لإعادة الإشعاع إلى الفكر الإسلامي، ومما يساعد على انتشار فكر التجديد إيمانه بالمستقبل واعتماده على الإنسان المريد والعقل المفكر والعزم المتحرك، فالعالم اليوم متسارع الخطى، يقلص المسافات ويختصر الزمن، كما أن وسائل الاتصال الحديثة عابرة القارات والكواكب، أغرت العقل بالنظر والنشاط وساعدت على نمو الأفكار وعلى انتقالها بيسر وسرعة إلى كافة أصقاع العالم، الأمر الذي يجعل العزلة مستحيلة. والتجدد نداء الكون الأزلي الأبدي، ولغة الزمن، إذ دوام الحال من المحال، والوقوف عند البدايات مهما كانت أهميتها وإغراؤها أمر يعاكس سنة التطور ويخالف قوانين الطبيعة القاضية بالتبدل والحركة المستمر، ولا جمود إلا للموت. ولن يمر التجديد عبر النقل أو الترجمة دون إعداد ثقافي لأرضية صلبة، ولا يمر التجديد عبر تكديس المفاهيم والتلويح بالشعارات ومحاولة زرع الأفكار المستوردة، لأنه لا يمكن لفكر أن يثمر إلا إذا نبت في أرضه الثقافية، وسقي بماء روحها، واستضاء بشمس عقلها، ولا يمكن لأحد أن يفكر بدلا من الآخر. هذا يعني أنه ينبغي إعادة بناء منظومة التفكير الإسلامي انطلاقا من مقدماتها وأصولها العقدية بشكل ينسجم مع روح التقدم والتحرر في القرآن، ولا يغفل الانفتاح على المنجز الإنساني عبر التاريخ من خلال وعي استخلافي يرى نفسه الشاهد على التاريخ والمكلف الأول برعاية الكون وتعميره، كدحا إلى الله. 

 

الهوامش:

{1} سورة البقرة / آية 141

{2} هو إحالة على عنوان كتاب "شكيب أرسلان

{3} أبو نصر الفارابي / إحصاء العلوم، ص: 107

{4} محمد عابد الجابري / وجهة نظر ص: 50

{5} نفس المصدر، ص: 80

{6} الشاطبي، الموافقات، الجزء الثاني، ص: 74

{7} محمد عبده، الإسلام والنصرانية، ص: 145

{8} الشاطبي، مصدر سابق، ج 2 ص، 385