صفحة الاستقبال مكتبة المدرّس التوحيد - دلالاته وأبعاده

كتاب التربية الإسلامية والتنشئة على القيم

التوحيد - دلالاته وأبعاده طباعة أرسل إلى صديق
الكاتب: الأستاذ يونس عطية   

التوحيد : دلالاته وأبعاده                مداخلة الأستاذ يونس عطية  

التخطيط :

 1/  مفهوم التوحيد    * لغة     * اصطلاحا

2/   أقسام التوحيد: * توحيد الربوبية * توحيد الأ لوهية أو توحيد العبادة  * توحيد الأسماء والصفات

 3/   دلالات التوحيد:* وحدانية الخالق   * وحدة الكون على مستوى المأتى / الحركة / المصير    * وحدة الإنسان    * وحدة المعرفة      4/  رهانات التوحيد وأبعاده:     * القيم    * الحرية     

الخاتمة  

المقدمة:

يقول الفيلسوف الوجودي " كارل ياسبيرس " ليست هناك فلسفة وجود واحدة بل هناك فلسفات وجود كثيرة ومتنوعة وأنا أقول ليست هناك فلسفات كثيرة بل هناك فلسفة واحدة أي ليس هناك حقائق بل حقيقة واحدة على اعتبار أن الفلسفة في حدّ ذاتها بحث عن الحقيقة .فالذي دفع كارل ياسيبرس إلى القول بالكثرة والتعدد وهو وجود أكثر من تصور وأكثر من رأي في المسألة الواحدة .لكن المتأمل بعقله يستطيع أن يبصر وراء هذا التنوع وهذه الكثرة  وحدة جامعة ، ومأتى هذه الوحدة  هو وجود مدبّر واحد للكون وبالتالي هناك علّة واحدة من حيث النّظام و الغاية و الهدف .وحتى العقل البشري  يشهد بذلك ولا يمكن أن يتصور إلا وجودا واحدا مرتبط الأجزاء والمظاهر كما أنّ هذا الوجود لا يمكن أن ينفصل عن مصدره ولو لحظة من الزمن .إلى جانب  أنّ من طبيعة العقل البحث عن العلة والوحدة ويكره التركيب والتجزؤ .والإنسان العاقل لا يمكن أن يعترض على تصرف هذا الخالق الموجد المالك لما أوجد وخلق . وبما أنّ الإنسان شأن من شؤون الوجود الواحد المطلق فإنه عليه أن لا يتصور أنه مستقل في أفعاله استقلالا تاما بالنسبة لموجده ، ذلك أن الاستقلال الحقيقي في الفعل يحتم القول بالاستقلال الحقيقي في الوجود وهذا يخالف الواقع .و الإنسان برغم شعوره بقدرته واستقلاله يشعر من جهة أخرى بأنه جزء من الكون وهو فيه فاعل ومنفعل في نفس الوقت ثم هو يرتبط بما تحته من طريق طبيعته المادية ويرتبط بما فوقه ارتباطا حقيقيا بما يحمله من روح وعقل ونفس . فهو إن صحّ التعبير حلقة اتصال بين عالمين لهذا السبب وصفه الفيلسوف الألماني " كانط "  بقوله إنّه مواطن في عالمين " إنّ على الإنسان باعتباره مخلوقا لإله حكيم ومدبر أن يستشعر هذا الوجود بفعل خالقه له فيه فعل لأنّه موجد له ولقواه ولملكاته  من جهة  كما عليه في نفس الوقت أن يستشعر حريته وقدرته من جهة ثانية  ، وهذا ليس فيه تناقض كما يعتقد البعض باعتبار أنّه صادر من جهة واحدة . 

مفهوم التوحيد :

 * لغة : مشتق من وحّد الشيء إذا جعله واحدا فهو مصدر وحد يوحد أي جعل الشيء واحدا .

* اصطلاحا : هو إفراد الله سبحانه وتعالى بما يختص به من الربوبية والألوهية والأسماء والصفات  .

 أقسام التوحيد : ينقسم التوحيد إلى ثلاثة أقسام توحيد الربوبية وتوحيد  الإلوهية أو ما يسمى أيضا بتوحيد العبادة وتوحيد الأسماء والصفات ،وهذه الأقسام اجتمعت في قوله تعالى : ( ربّ السماوات والأرض وما بينهما فاعبده واصطبر لعبادته ها تعلم له سميا )سورة مريم الآية65 

 1/ توحيد الربوبية : وهو إفراد اله عزّ وجلّ بالخلق والملك و التدبير ، فإفراده بالخلق أن يعتقد الإنسان أن لا خالق إلا الله حيث يقول الله تعالى : ( هل من خالق غير الله يرزقكم من السماء والأرض )الآية 56 من سورة مريم فالآية تفيد اختصاص الخلق بالله لأنّ الاستفهام فيها يعني أو يفيد التحدي . أمّا ما ورد من إثبات خلق غير الله كما ورد في قوله تعالى : ( فتبارك الله أحسن الخالقين )الآية 3 من سورة فاطر ،  فهو خلق على المجاز وليس خلقا حقيقيا بل هو تحويل للشيء من حال على حال فالخلق الحقيقي هو الإيجاد من عدم أي إيجاد الشيء من عدمه وفي هذا يقول تعالى :     ( إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون ) الآية 14 من سورة المؤمنون  كما أن هذا الخلق ليس شاملا بل هو خلق محصور إن صحّ تسميته خلقا بل هو مجرد صنع عند البعض .وأمّا إفراد الله بالملك فأن نعتقد أنه لا يملك الخلق إلا خالقهم كما قال تعالى : ( ولله ملك السماوات والأرض ) آل عمران الآية 19، كما قال تعالى : ( قل من بيده ملكوت كل شيء ) المؤمنون الآية 88والسؤال هو كيف نفهم قوله تعالى : ( إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم فإنهم غير ملومين  )المؤمنون الآية 6        هذا الملك هو ملك محدود لا يشمل إلا شيئا يسيرا من هذه الموجودات ، فالإنسان يملك ما تحت يده ولا يملك ما تحت يد غيره ، كما يعتبر ملك قاصر من حيث الوصف فنحن نعلم أن الإنسان لا يملك ما عنده تمام الملك ولهذا نجده لا يتصرف فيه إلا على حسب ما أذن له فيه الشرع مثال ذلك لو أن الإنسان أراد أن يعذب حيوانه أو يحرق ماله قلنا لا يجوز له ذلك أمّا الله سبحانه وتعالى فهو يملك ذلك كله ملكا عاما شاملا تاما ولا يعاتب على ذلك ولا يسأل .فتفرد الله تعالى بالملك وتصرفه المطلق في كل شيء دال على ربوبيته ، إذ من المسلم به لدى كافة البشر أن الإنسان كغيره من الكائنات الحية في هدا الوجود لا يملك على الحقيقة شيئا بدليل أنه يأتي إلى الدنيا عند الولادة عاري الجسم لا شيء معه حافي القدمين و يغادر هده الدنيا ليس معه شيء سوى كفن يواري به جسده .فكيف إذا يصح أن يقال إن الإنسان مالك لشيء على الحقيقة في هدا الوجود ؟ وإذا كان أشرف وأفضل المخلوقات ( الإنسان) لا يوصف بالملك فمن هو المالك الحقيقي في هذا الوجود ؟لا يمكن أن يكون إلا الله تعالى وبدون جدل أو شك وما قيل في الملكية وسلم به يقال أيضا في التدبير والتصرف قال تعالى : ( قل من يرزقكم من السماء والأرض أمن يملك السمع والأبصار ومن يخرج الحي من الميت ويخرج الميت من الحي ومن يدبر الأمر فسيقولون الله فقل أفلا تتقون فذلكم الله ربكم الحق فماذا بعد الحق إلا الضلال  ) يونس 31فإفراد الله بالتدبير فهو أن يعتقد الإنسان أنّه لا مدبر إلا الله وحده ،و أما تدبير الإنسان فمحصور بما تحت يده ومحصور بما أذن له فيه شرعا .وهذا القسم من التوحيد أي ( توحيد الربوبية ) لم يعارض فيه المشركون الذين بعث فيهم الرسول صلى الله عليه وسلم بل كانوا معترفين ومقرين  به . قال تعالى : ( ولئن سألتهم من خلق السماوات و الأرض ليقولن خلقهن العزيز العليم ) الزخرف 9 فهم يقرون بأن الله هو الذي يدبر الأمر وهو الذي بيده ملكوت السماوات و الأرض ولم ينكر أحد من بني آدم ، ولم يقل أحد من المخلوقين إن للعالم خالقين متساويين و بالتالي فلم يجحد أحد توحيد الربوبية لا على سبيل التعطيل ولا على سبيل التشريك ، إلا ما حصل من فرعون فإنه أنكره على سبيل التعطيل مكابرة ، فإنه عطل الله من ربوبيته وأنكر وجوده يقول الله تعالى إخبارا عنه : ( فقال أنا ربكم الأعلى )النازعات 24  ، وقال تعالى :( ما علمت لكم من إله غيري ) القصص38وهذا مكابرة من فرعون وجحود لأنه يعلم أنّ الرب غيره وهو إنسان مصنوع ومخلوق لا خالق والرب الحقيقي يجب أن يكون خالقا لا مخلوقا صانعا لا مصنوعا .قال تعالى : ( وجحدوا  بها  واستيقنتما أنفسهم ظلما وعلوا )النمل 14  .ففرعون أنكر توحيد الربوبية على سبيل التشريك كما فعل المجوس حيث قالوا إنّ للعالم خالقان : إله الظلمة وإله النور ومع ذلك لم يجعلوا هذين الخالقين متساويين فهم يقولون إن النور خير من الظلمة لأنه يخلق الخير والظلمة تخلق الشر والذي يخلق الخير خير من الذي يخلق الشر .كما أن الظلمة عدم لا يضيء والنور وجود يضيء فهو أكمل في ذاته ، لكن الله يفند أقوالهم بقوله تعالى : ( ما أتخذ الله من ولد وما كان معه من إله إذا لذهب كل إله بما خلق ولعلا بعضهم على بعض ) المؤمنون 91  إذ لو أثبتنا للعالم خالقين لكان كل خالق يريد أن ينفرد بما خلق ويستقل به كعادة الملوك ،إذ لا يرضى أن يشاركه أحد ، و إذا استقل به فإنه يريد أن يكون السلطان له لا يشاركه فيه أحد  ، وهنا ينشب الصراع بينهما فإما أن يعجز كل منهما عن الآخر وفي هذه الحالة زالت الربوبية منهما جميعا لأن العاجز لا يصلح أن يكون ربّا و إن سيطر أحدهما على الآخر ثبتت الربوبية له .

 2/  توحيد الإلوهية:

 توحيد الإلوهية أو ما يسمى بتوحيد العبادة  فباعتبار إضافته إلى الله تعالى يسمى بتوحيد الألوهية وباعتبار إضافته إلى الخلق يسمى توحيد العبادة  . وهو إفراد الله عزّ وجلّ  بالعبادة فالمستحق للعبادة هو الله تعالى قال الله تعالى : ( ذلك بأن الله هو الحق وأنّ ما يدعون من دونه الباطل ) 1 – سورة لقمان الآية 30   والعبادة تطلق على شيئين : الأول : التعبد بمعنى التذلل لله عزّ و جلّ بفعل أوامره واجتناب نواهيه محبة وتعظيما .الثاني : العبادة هي اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الظاهرة والباطنة " كما يقول ابن تيمية رحمه الله .مثال ذلك الصلاة ففعلها عبادة وهو التعبد ونفس الصلاة عبادة وهو المتعبد به فإفراد الله بهذا التوحيد أن تكون عبدا لله وحده تفرده بالتذلل محبة وتعظيما وتعبده بما شرع قال تعالى : ( لا تجعل مع الله إلها آخر فتقعد مذموما مخذولا ) 2 – سورة الإسراء الآية 22    ويقول تعالى : ( الحمد لله رب العالمين ) 3 – سورة الفاتحة الآية  1  فوصفه الله سبحانه بأنه رب العالمين فبما أنّ الله هو المنفرد بالخلق فهو المستحق للعبادة .إذ من غير المعقول أن تجعل المخلوق الحادث إلها تعبده فهو في الحقيقة لن ينفعك لا بإيجاد و لا بإعداد ولا بإمداد فمن السفه أن تأتي إلى قبر إنسان صار رميما تدعوه وتعبده وهو بحاجة إلى دعائك وأنت لست بحاجة إلى أن تدعوه فهو لا يملك لنفسه نفعا ولا ضرا .فكيف يملكه لغيره ؟ وهذا القسم كفر به وجحده أكثر الخلق ومن أجل ذلك أرسل الله الرسل وأنزل عليهم الكتب قال الله تعالى : ( وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي إليه أنّه لا إله إلا أنا فاعبدون )      4 – سورة الأنبياء 25  ومع هذا فأتباع الرسل قلة قال عليه الصلاة والسلام : " فرأيت النبي ومعه الرهط والنبي ومعه الرجل والرجلان والنبي ليس معه أحد " لكن إن أكثر المصنفين في علم التوحيد من المتأخرين يركزون على توحيد الربوبية وكأنّما يخاطبون أقواما ينكرون وجود الرب وإن كان يوجد من ينكر الرب . لكن ما أكثر المسلمين الواقعين في شرك العبادة . ولهذا ينبغي أن يركز على هذا النوع من التوحيد حتى نخرج إليه هؤلاء المسلمين الذين يقولون بأنهم مسلمون وهم مشركون ولا يعلمون .

 3/ توحيد الأسماء والصفات:  وهو إفراد الله عزّ وجلّ بما له من الأسماء والصفات وهذا يتضمن شيئين : الأول : الإثبات وذلك بأن نثبت لله عزّ وجلّ جميع أسمائه وصفاته التي أثبتها لنفسه في كتابه أو سنة نبيه صلى الله عليه وسلم .الثاني : نفي المماثلة وذلك بأن لا نجعل لله مثيلا في أسمائه وصفاته كما قال تعالى : ( ليس كمثله شيء وهو السميع البصير ) 1 – سورة الشورى الآية   11  فدلت هذه الآية على أن جميع صفاته لا يماثله فيها أحد من المخلوقين فهي وإن اشتركت في أصل المعنى لكنها تختلف في حقيقة الحال فمن لم يثبت ما أثبته الله لنفسه فهو معطل وتعطيله هذا يشبه تعطيل فرعون ومن أثبتها مع التشبيه صار مشابها للمشركين الذين عبدوا مع الله غيره ومن أثبتها بدون مماثلة صار من الموحدين .إنّ توحيد الأسماء والصفات هو أيضا اعتراه بعض اللبس حيث ضلت فيه بعض الأمة الإسلامية وانقسموا فيه إلى فرق كثيرة فمنهم من سلك مسلك التعطيل فعطل ونفى الصفات زاعما أنّه بذلك منزه لله تعالى وقد ضلّ لأنّ المنزه حقيقة هو الذي ينفي عنه صفات النقص والعيب فإذا قال بأنّ الله ليس له سمع ولا بصر ولا علم ولا قدرة لم ينزه الله بل وصمه بأعيب العيوب لأنّ الله يكرر كلامه ويثبته في قوله تعالى : (سميع بصير) و ( عزيز حكيم ) و (غفور رحيم ) .ومنهم من ذهب مسلك التمثيل زاعما بأنه مطبق لما وصف الله  به  نفسه وقد ضلوا لأنهم لم يقدروا الله حق قدره إذ وصفوه بالعيب والنقص لأنهم جعلوا الكامل من كل وجه كالناقص من كل وجه . وإذا كان اقتران تفضيل الكامل على الناقص يحط من قدره كما قيل ألم تر أنّ السيف ينقص قدره إذا قيل إنّ السيف أمضى من العصا ، فكيف بتمثيل الكامل بالناقص ؟ فالمجسمة والمعطلة كلاهما لم يقدرا الله حق قدره . فالواجب أن نؤمن بما وصف الله وسمى به نفسه في كتابه وعلى لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم من غير تحريف ولا تعطيل و لا تكييف ولا تمثيل .وفي هذا المنحى ذهب الكثير من العلماء المسلمين كابن تيمية وابن رشد وأهل السنة فبهذا نستطيع أن نبرأ عقيدتنا من هذه الأمور الأربعة ونقصد بالتحريف هنا التأويل الذي سلكه المحرفون لنصوص الصفات لأنّهم سمّوا أنفسهم أهل التأويل لأجل تلطيف المسلك الذي سلكوه لأنّ النفوس تنفر من كلمة تحريف .وفي هذا يقول الرازي : " لقد تأملت الطرق الكلامية والمناهج الفلسفية فما رأيتها تشفي عليلا ولا تروي غليلا ووجدت أقرب الطرق طريقة القرآن أقرأ في الإثبات ( الرحمان على العرش استوى )   1 – سورة طه الآية 5   وقوله تعالى : (   إليه يصعد الكلم الطيب  ) 2 – سورة فاطر الآية 10   وهذا كله يفيد الإثبات وأقرأ في النفي قوله تعالى : ( ليس كمثله شيء )      3 -  سورة الشورى الآية 11 وفي قوله تعالى : ( ولا يحيطون به علما ) طه 110يعني أنّ الله نفى المماثلة ونفى الإحاطة به علما ومن جرب مثل تجربتي عرف مثل معرفتي فتجدهم حيارى مضطربين ليسوا على يقين من أمرهم وتجد من هداه الله الصراط المستقيم مطمئنا منشرح الصدر هادئ  البال يقرأ في كتاب الله وفي سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ما أثبته الله لنفسه من الأسماء والصفات فيثبت ، إذ لا أحد أعلم  من الله بالله و لا أصدق خبرا من خبر الله و لا أصحّ بيانا من بيان الله كما قال تعالى : ( يريد الله ليبين لكم ) النساء 26  ويقول تعالى :          ( ونزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شيء ) النحل الآية 89  .وقال تعالى أيضا : ( ومن أصدق من الله قيلا )النساء122  فهذه الآيات وغيرها تدل على أن الله يبين للخلق غاية البيان الطريق التي توصلهم إليه وأعظم ما يحتاج الخلق إلى بيانه  ما يتعلق بالله تعالى وبأسماء الله وصفاته حتى يعبدوا الله على بصيرة لأن عبادة من لم نعلم صفاته أو من ليس له صفة أمر لا يتحقق أبدا فلابد أن تعلم من صفات المعبود ما يجعلك تلتجئ إليه وتعبده حقا " .كما على الإنسان أن لا يتجاوز حدّه إلى التكييف أو التجسيد أو التمثيل لأنّه إذا كان عاجزا عن تصور نفسه التي بين جنبيه فمن باب أولى أن يكون عاجزا عن تصور حقائق ما وصف  الله به نفسه ولهذا يجب  على الإنسان  أن يمنع نفسه عن السؤال ب " لم " و" كيف " فيما يتعلق بأسماء الله وصفاته وكذا يمنع نفسه من التفكير بالكيفية وهذا الطريق إذا سلكه الإنسان استراح كثيرا وهذا حال السلف الصالح رحمهم الله ، ولهذا لمّا جاء أحدهم يسأل الإمام مالك عن قوله تعالى : ( الرحمان على العرش استوى )سورة طه الآية 5   كيف استوى ؟  أطرق الإمام مالك برأسه وتصبب جبينه عرقا وقال : " الآستواء معلوم والكيف غير معقول والإيمان به واجب والسؤال عنه بدعة وما أراك إلا مبتدع"أمّا في عصرنا الحاضر فنجد من يجسم ومن يمثل ومن يعطل ومن يحرّف دون علم ودون دراية ، انظروا ماذا قال الرسول صلى الله عليه وسلم لأصحابه  " فكروا في الله ولا تفكروا في ذات الله فتهلكوا " وبالتالي في هذه الأمور علينا أن نستسلم وأن نقول سمعنا وأطعنا واتبعنا الرسول وآمنا ، فهذه حدودنا لا نتجاوز القرآن والحديث في هذه المسائل .إنّ قضية التوحيد تقتضي منا مسألتين هامتين وهي الإثبات والنفي معا. فما المقصود بالإثبات ؟ وما المقصود بالنفي ؟  يقول تعالى : ( ولقد بعثنا في كلّ أمّة رسولا أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت )سورة النحل الآية26 أي تذللوا له بالعبادة واجتنبوا الطاغوت أي ابتعدوا عنه بأن تكونوا في جانب وهو في جانب .والطاغوت مشتق من الطغيان وهو صفة مشبهة وهو مجاوزة الحد وفي هذا يقول ابن القيم الجوزية رحمه الله بأنه " ما يجاوز به العبد حده من متبوع أو معبود أو مطاع " ومراده من كان راضيا بذلك أو يقال هو طاغوت باعتبار عابده وتابعه ومطيعة لأنّه تجاوز به حده حيث نزّله فوق منزلته التي جعلها الله له .فتكون عبادته لهذا المعبود وإتباعه لمتبوعه وطاعته لمطاعه طغيانا لمجاوزته الحدّ بذلك . فالمتبوع مثل الكهان والشجرة وعلماء السوء والمعبود مثل الأصنام فإذا اتخذهم الإنسان أربابا يحل ّ ما حرّم الله من أجل تحليلهم له ويحرم ما أحلّ الله من أجل تحريمهم له فهؤلاء طواغيت والفاعل تابع للطاغوت فبالتالي التوحيد لا يتم إلا بركنين اثنين وهما الإثبات والنفي . أي إثبات العبودية لله وحده  ونفيها عن من سواه إذ النفي المحض تعطيل محض والإثبات المحض لا يمنع المشاركة مثال ذلك زيد قائم فهذا يدل على ثبوت القيام لزيد ولكن لا يدلّ على انفراده به  . ولم يقم أحد نفي محض ، أمّا لم يقم إلا فلان فهذا توحيد له بالقيام لأنّه اشتمل على إثبات ونفي معا . إذن فالتوحيد يقتضي هذين الأسين .

  3 / دلالات التوحيد:  إنّ مسألة التوحيد بأقسامها الثلاثة لها أكثر من دلالة لكن يمكن ذكر أهمها :

 1/ وحدانية الخالق : إنّ الوجود الإلهي يقوم على الوحدانية المطلقة حتى أنّ القرآن الكريم والسنّة النبوية ركزا على مسألة الوحدانية أكثر من التركيز على قضية الوجود الإلهي وذلك لأنّ مشكلة الإنسان في تصوراته الدينية عموما وفي انحرافاته عن الأديان السماوية الصحيحة ليست إنكار الوجود الإلهي وإنّما اتخاذ آلهة أخرى من دون الله   وإشراكها إياه في الإلوهية بوجه من الوجوه .إنّ فكرة الوجود الإلهي تعتبر مسألة فطرية في الذات البشرية منذ وجود الإنسان على البسيطة ويشهد على ذلك تاريخ الإنسانية الطويل ، ولكن توحيد الله هو الذي كان مناطا للضلال والانحراف .لذلك جاء القرآن الكريم مخصصا عددا كبيرا من الآيات لإثبات مفهوم الوحدانية والإقناع بها  مقاومة  لكل لون من ألوان الشرك بالله تعالى ، كما أنّ الرسول صلى الله عليه وسلم كرّس جزءا كبيرا من حياته لمقاومة معاني الشرك وتركيز حقيقة التوحيد في النّفوس .كما أنّ العلماء المسلمون أنفقوا جهدا كبيرا من حياتهم الفكرية في تجلّية مفهوم الوحدانية وإثباته بالأدلة ورد الشبه التي وردت عليه والدفاع عن هذه العقيدة .إنّ مسألة التوحيد لا تقتصر كما يرى العامة من النّاس على الإيمان بوجود الله تعالى باعتباره  ذاتا  فحسب ، وإنّما هو إلى جانب ذلك إيمان بتفرد هذه الذات الإلهية بالخلق و تفردها بالتدبير والتسيير و تفردها بالتعبد نتيجة لتفرده بكل ما تقدّم فهو لذلك الجدير الوحيد بأن يكون الإنسان له عبدا ويكون له خاضعا .إذن فلا خضوع ولا استكانة إلا لله تعالى وحده .

 2 / وحدة الكون:  إنّ هذا العالم الذي نحياه في ظاهره تنوع وكثرة لكن للمتأمل شيء آخر بل على خلاف ذلك تماما  ، إذ نجده وحدة متكاملة وهذه الوحدة مأتاها الوحدانية الإلهية . وهذه الوحدة تظهر جليا في المسائل التالية :أ – على مستوى المأتى إنّ جميع الموجودات تشترك في المصدر حيث أنّها ناشئة من عدم وأنّ منشأها هو الله سبحانه وتعالى . يقول تعالى :   ( خلق كل شيء فقدره تقديرا ) الفرقان 2 ب – على مستوى المصير كما أنّ هذا الكون يفسر على أنّه وحدة في المصير حيث تشترك جميع مخلوقاته في أنّها راجعة في نهايتها إلى من خلقها قال تعالى : ( إنّ إلى ربّك الرجعى )سورة العلق    الآية8  حيث يتولى الله مصيرها بالإفناء التام كما يفيد قوله تعالى : ( كلّ شيء هالك إلا وجهه له الحكم وإليه ترجعون ) سورة القصص الآية88أو بالبعث بعد الإفناء كما يفيده قوله تعالى : ( ثمّ إنّكم بعد ذلك لميتون و إنكم يوم القيامة تبعثون ) سورة المؤمنون الآية 16وبين هذا المأتى وهذا المصير يعتبر العالم كذلك عبارة عن وحدة متناغمة في صيرورته تلك وتظهر هذه الوحدة على مستوى الحركة .ج – على مستوى الحركة لقد ثبت علميا أنّ كلّ المخلوقات في الكون من الذّرة إلى المجرة أي من أصغر كائن في الكون إلى أكبر كائن تحكمها حركة واحدة وهي حركة دائرية الشكل تتم من اليسار إلى اليمين . مثلها مثل حركة الطّواف في الحج .* حركة الذرة : الالكترونات تدور حول النواة بشكل دائري من اليسار إلى اليمين .* حركة الأرض حول نفسها : شكل دائري من اليسار إلى اليمين * حركة الأرض حول الشمس : شكل دائري من اليسار إلى اليمين* حركة القمر :  تتم بشكل دائري من اليسار إلى اليمين  * حركة الأرض والقمر حول الشمس:  نفس الحركة السالفة الذكر * حركة الدورة الدموية في الإنسان تتم من اليسار إلى اليمين  فهذا مظهر من مظاهر التوحيد في مجال الحركة ومن مظاهر وحدة هذه الحركة أنّها مقهورة كلّها لإرادة عليا هي الإرادة الإلهية نفس الاتجاه من اليسار إلى اليمين وبشكل واحد دائري  .فلماذا نفس الحركة ؟ ولماذا نفس الاتجاه ؟ فلماذا لا تكون مثلا عمودية ؟ أو من اليمين إلى اليسار   ؟ فليس منها شيئا ذاتيا يدين لنفسه أو يدين لعنصر عالمي آخر ولكنها مدينة جميعا لتلك الإرادة العليا قال تعالى : ( ثمّ استوى إلى السماء وهي دخان فقال لها وللأرض ائتيا طوعا أو كرها قالتا أتينا طائعين )سورة فصلت الآية    

3/ وحدة الإنسان  إنّ أغلب الديانات الوضعية وحتى الفلسفات المتعاقبة كانت لها آراء متضاربة من تركيبة الإنسان فمرة تراه أجزاء متفرقة ومرّة تراه  وحدات متصارعة ومتضاربة ، فهناك من فصل بين ما هو مادي وبين ما هو روحي في الإنسان بل واعتبر هذه الثنائية قائمة على الصراع .وهناك من غلّب جانب على الجانب الآخر ، وهناك من ألغى جزءا سواء كان ماديا أو روحيا إلغاءا تامّا . بخلاف القرآن فإنّه طرح فهما جديدا ومتميزا لتركيبة الإنسان من خلال الموازنة بين ما هو مادي وما هو روحي ، بين ما هو عقلي وما هو إيماني ، بين ما هو دنيوي وما هو أخرويصحيح أن التركيبة الإنسانية قائمة على هذه الثنائية السالفة الذكر ، بين ما هو مادي جسدي باعتباره عنصر ترابي حيث يقول تعالى : ( ولقد خلقنا الإنسان من صلصال من حمإ مسنون ) سورةالحجر الآية 26وعنصر روحي غير مادي يقول تعالى : ( فإذا سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين )  سورة الحجر 29   وبالتالي فالصدام وعدم التوافق حاصل لا محالة باعتبار التناقض الفعلي بينهما . لكن الوحدة في الحقيقة ليست رهينة الوفاق دائما فربما تتحقق أيضا نتيجة التعارض بينهما في الحركة وفي المسار ، والدليل على ذلك أنّ جلّ الأجسام المركبة في الكون هي مدينة في الحفاظ على تماسكها ووحدتها إلى هذا التعارض بين قوتين متضاربتين يدفعانها .ونوضح هذه المسألة أكثر في الإنسان حيث أنّ هذه الوحدة وهذا التناغم يظهر من خلال تلك المعادلة بين هذين العنصرين دون تغليب جانب على جانب آخر . وهذه المعادلة بين هذين العنصرين هي التي تحفظ وتحقق توازن الكيان الإنساني .كذلك هناك معادلة وتوازن بين الذكر والأنثى بل هما وحدة متكاملة يقول تعالى :  ( ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجا لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة إنّ في ذلك لآيات لقوم يتفكرون )سورةالروم الآية21.وهناك معادلة وتوازن على المستوى الفردي والجماعي فالفرد له كيانه الذاتي الذي يحظى باحترام وتقدير لهذا أقرّ له الإسلام جملة من الحقوق والحريات ، ولكن في مقابل ذلك أعطى للمجموعة حقها من مصالح دون المساس بالإنسان كفرد

. 4 /  وحدة المعرفة  عندما نتحدث عن مصادر المعرفة في الإسلام نجدها ثلاثة ، المعرفة الحسية المتأتية من الحواس ، والمعرفة العقلية التي مصدرها العقل ، والمعرفة النقلية التي مأتاها الوحي ,لكن الإسلام بيّن أنّ كلها وسائل أو أدوات معرفية تمثل وحدة وظيفية باعتبار أن الحقيقة تتكشف للإنسان شيئا فشيئا من خلال هذا التسلسل وهذا التتابع بين هذه الأدوات الثلاث . فكل من الحس والعقل والنقل تتكامل للوصول إلى إدراك الحقيقة ككل .انظر إلى قوله تعالى :(أولم يروا كيف يبدىء الله الخلق ثم يعيده إنّ ذلك على الله يسير ) سورة العنكبوت الآية 19 وفي قوله تعالى : ( قل سيروا في الأرض فانظروا كيف بدأ الخلق ثمّ الله ينشىء النشأة الآخرة إنّ الله على كلّ شيء قدير ) سورة الأنعام 11فقضية البعث بعد الموت حقيقة واحدة أدت إليها الطرق الثلاث ، إلى جانب دعوة الإسلام إلى ما يسمى بالإيمان العقلاني ونبذ التقليد .وهذا التصور الإسلامي يعتبر طرحا جديدا ومنطقيا مقارنة بالتصورات الفلسفية الأخرى المدرسة الحسية ، والمدرسة الوضعية والمدرسة المثالية . حيث يلاحظ المتتبع وجود تناقض وتضارب بين هذه المدارس بل ربمّا الإقصاء تماما من الحقل المعرفي .فالحقيقة تنكشف للإنسان شيئا فشيئا من خلال التتابع والتتالي .فالوحي هو الأساس الأول للحقيقة يلقي بها لدى الإنسان ليعمل فيها وسائله الذاتية فتقع حركة تقوم على أساس من الحس الذي يقدم المادة المحسوسة والعقل الذي ينتهي منها إلى ما وراءها من المعاني المجردة ليحصل الاقتناع الذاتي وبالتالي تكون الوسائل الثلاث قد تساندت للوصول إلى حقيقة واحدة وينتفي بشكل قطعي أي تعارض في النتيجة إذا ما تم استيفاء الشروط الموضوعية لاستعمال الوسائل من فهم صحيح لمراد الوحي وإيقاظ الداعي النفسي في تشغيل الحس وتحرر عند استعمال العقل وقد قال أحدهم في هذا المعنى : " كل كشف علمي من أي طبيعة كانت ومن أي نوع كان لا يمكن بأي صورة أن بناقض مجال الإيمان أو أن ينتقص منه بل بالعكس يسهم في إثرائه والعلم الذي يتقدم داخل الإيمان يزيد من أبعاده " إن هذه الوحدة في المعرفة عرضتها آيات قرآنية كثيرة في معرض الحث على استعمال الوسائل الذاتية في النظر والبحث لأنها توصل إلى إدراك الحقيقة التي ألقى بها الوحي والاقتناع بها .  

    مسألة القيــــم :

مفهوم القيم : القيم جمع لقيمة ومعناها الاقتصادي  " الثمن " فنقول هذا الشيء ثمنه كذا أو سعره كذا فنعرف قيمته الاقتصادية .أمّا فلسفيا فإنّ القيمة تتحقق في ثلاث محاور تتحقق في الهدف الذي نسعى إلي تحقيقه ، فإذا كان هدفنا السعادة ، فالسعادة تعتبر قيمة .وتتحقق القيمة أيضا في الفعل الذي تمارسه فإذا كان فعلنا خيرا كان الخير قيمة ، ويمكن أن تكون القيمة في الإحساس نحو ما يحيط من أشياء فإذا أحسسنا بالجمال في شيء ما كان الجمال قيمة .فالقيم من حيث الفلسفة تدور حول السعادة والخير والجمال والفن فإذا كان الأمر لا علاقة له بالسعادة أو الخير أو الجمال فهو ليس من القيم في شيء .وهذا ما توصل إليه الإنسان عن طريق استخدام  عقله المجرد ومعاينته لواقعه المعيش .أمّا على مستوى التوحيد فإن قيم السعادة والخير والجمال مشروطة بعبادة الله تعالى وذلك لأنّ الإسلام قسم حياة الإنسان إلى قسمين حياة دنياوية يعيشها الإنسان في الدنيا ، وحياة أخروية يعيشها الإنسان في الآخرة بعد حسابه فإذا حصرنا السعادة والخير والجمال في الدنيا فقط فإنها تكون مؤقتة وفانية ومحدودة بل ستكون مصدرا للشقاء والشّر . والقيم إذا أعقبها عذاب أليم في الآخرة . فمن أراد السعادة الدائمة والخير الحقيقي فعليه بتوحيد الله والإيمان به وطاعته في أوامره واجتناب نواهيه ،  فكل هذه القيم من سعادة وخير وجمال لا تكون في أتم صورها إلا بطاعة الله وتوحيده .كما أنّ هذه القيم في الإسلام تنقسم إلى قسمين :      * قيم غايات :     قيم الغايات هي القيم التي تطلب لذاتها وهي قيم مطلقة لا  تختلف باختلاف الزمان ولا المكان ولا الأحوال ومن أمثلتها قيم الخير والجمال والحق والإسلام يدعو إلى هذه القيم على أحسن صورة وارفع نموذج .      * قيم وسائل :وهناك قيم وسائل وهي القيم التي تكون وسيلة لتحقيق قيمة أعلى منها وهذه تكون نسبية وتتغير في الزمان والمكان وحسب الأحوال ومن أمثلتها المعرفة والصحّة والثروة فقد يسعى الإنسان لجمع المال لا لمجرد جمع المال ولكن لأنّه يريد اتخاذه وسيلة لهدف آخر .

 مسألة الحرية : إن الإنسان رغم شعوره بقدرته واستقلاله يشعر أيضا بأنه مخلوق من جهة ويحسّ من جهة ثانية بأنّه جزء من الكون وهو فيه فاعل ومنفعل في والوقت نفسه ، ثمّ هو يرتبط بما تحته من طريق طبيعته المادية ويرتبط بما فوقه ارتباطا حقيقيا لا يخفيه عنه إلا شعوره باستقلاله واتجاهه إلى ما تحته من طريق طبيعته المادية .فهو حلقة اتصال بين عالمين ولذلك اعتبر الفيلسوف الألماني  " كانط " في وصفه للإنسان في المقام الذي تكلم عنه  فيه بأنّه " مواطن في عالمين " وينبغي مهما كان الأمر ألا يتصور الإنسان أنّه مستقل في أفعاله استقلالا تامّا بالنسبة لموجده لأنّ الاستقلال الحقيقي في الفعل يحتم الاستقلال الحقيقي في الوجود وهنا نفهم سرّ ما في القرآن الكريم في مثل قوله تعالى : ( قل كلّ من عند الله )سورة النساء الآية78     وثمّ نقطة مهمّة هي كيف يمكن التوفيق بين شعور الإنسان بحريته وقدرته من جهة وبين أنّه موجود بفعل إله له فيه فعل باعتبار أنه موجد له ولقواه وملكاته من جهة أخرى ؟ هنا لا يوجد تناقض لأنّه لا يوجد حكم على الشيء الواحد من جهة واحدة بحكمين متضادين وكل ما في الأمر أنّ الإنسان حرّ قادر ومخلوق وليس في هذا تناقض عقلي .إذا أردنا   الكلام عن مشكلة الجبر والاختيار فإننا لا نجد في القرآن ما هو نص صريح على أنّ الإنسان مجبر و لا نصّ  صريح على نفي الإرادة الإنسانية بل الإنسان في القرآن يخاطب  ويكلّف باعتباره أنّه مريد قادر . ولكن لو قال أحد إنّ الإنسان حرّ حرية تامّة لكان مصيبا من وجه أعني من جهة شعور الإنسان بإرادته وقدرته عندما يتصور نفسه إرادة مستقلة مع صرف النظر عن أنواع المقاومة الداخلية والخارجية التي يواجهها عند تنفيذ العمل . وكذلك لو قال أحد إنّ الإنسان مجبر لكان أيضا مصيبا من ناحية أعني من جهة أنّه مخلوق و أنّ أفعاله تتأثر بمؤثرات كثيرة عند تنفيذها ، ولذلك عبّر بعض الفلاسفة عن موقف الإنسان بأنّه حرّ في ميدان من القيود والقرآن يخاطب الإنسان بحسب موقفه أعني مع مراعاة أنّه حرّ من الناحية الصورية المنطقية وأنّه لابد أن يتغلب على المقاومات المختلفة من النّاحية الواقعية .  

مفهوم الحرية : في اللغة العربية نجد أنّ تاريخ هذا المصطلح ليس واضحا بما فيه الكفاية رغم أنّه بمعناه المجرد كان شائعا في استعمال العرب قبل الإسلام  بحيث كانت كلمة  الحر تعني النيل وقد كان استعمال حرّ بمعنى شريف حسن شائع  الاستعمال  في اللغة العربية في بواكيرها . وفي الأدب العربي شاع استخدام الكلمة مصطلحا وصفيا يتضمن قيما سائدة مثل حرّ الكلام وتعني كلاما بالغ الفصاحة وقد تعني كلمة حرّ أحيانا كل ما تتضمنه كلمة سيد وتأكيدا لهذا البعد الأخلاقي لكلمة حرّ نجد أنّها تستعمل أحيانا جنبا إلى جنب مع كلمة كريم  أو ما شابهها ، فالحرّ الكريم هو السيد الحقيقي .ويعود أصل هذا الاستخدام لكلمة حرّ إلى ذلك الميل الإنساني العام إلى نسبته كل الصفات القبيحة للرقيق وقدره السيئ في أن يحظى الإنسان الحرّ قانونا بنسبة كل الصفات الطيبة إليه .وهنا حين تظهر كلمة حرّ فإن المقابل الطبيعي لها هو كلمة عبد وحتى في الموت فالحرّ لا يرضى إلا بموت يليق بمكانته .والحرية كما في موسوعة السياسة مفهوم سياسي واقتصادي وفلسفي وأخلاقي عام ومجرد ذو مدلولات متعددة ومتشعبة ويمكن تمييز ثلاثة مستويات مختلفة في تعريف الحرية .+ المستوى الأول هو المستوى اللغوي والعادي والمتعارف عليه والذي يعني انعدام القيود القمعية أو الزجرية ويرتبط هذا المستوى بشبكة معقدة من المفاهيم مثل المسؤولية والقدرة على اتخاذ القرار والقدرة على تنفيذ مشروع أو هدف .+ المستوى الثاني : يقع في نطاق التفكير الأخلاقي السياسي وهي في هذا المستوى ذلك الشيء الذي يجب أن يكون ولم يتحقق بعد ويرتبط  هذا المستوى بشبكة أخرى من المفاهيم مثل القانون والشريعة والمؤسسة والسلطة السياسية .+ المستوى الثالث هو مستوى الفلسفة الخالصة حيث يطرح السؤال التالي كيف ينبغي أن يكون تكوين الواقع في كليته حتى يصبح من الممكن أن يشتمل على شيء ما يشبه الحرية ؟ إنّ هذا السؤال هو سؤال عن ماهية الحرية وجوهرها يربط وجودها بمجموعة من المفاهيم والتعابير مثل السببية والحتمية والاحتمال والإمكان تتعلق كلها بصيغ الوجود وطرقه .ومن هنا فإنّ المعرفة الطبيعية والنعمة الإلهية تزيدان الحرية ولا تنقصانها ، تقويانها ولا تضعفانها فكلما ازدادت معرفتي للحق والخير كلما ازدادت حريتي .فالحرية إذن تمرّ عبر علمية التحرر من الخطأ وهي في نهاية المطاف مع الخير المطلق .

 أ – تحرير العقل إن مسألة العقل هي مسألة شديدة الصلة بخالقتيه تعالى وسائر صفاته ولا سيم بتوحيد ه ولهذا نجد القرآن الكريم يقدس العقل الحر والتفكير الجريء وينعى عن التقاليد الجامدة والمعتقدات الموروثة .فقد أنكر على القوم محاكاتهم آباءهم فيها بغير علم ولا هدى ولا كتاب منير .كما قضى الإسلام على  الأسباب و العوامل التي جمدت روح الخلق والإبداع لدى المسلمين .لقد أكد القرآن على وحدة الله وكرامة الإنسان وقوة عقله وسلطانه على جميع الموجودات . كما أنه يدعو إلى التحرر من الوثنية والكهنوتية ، فقد أبطل القرآن سلطان الأحبار والرهبان والوسطاء بين العبد والرب ، فلا ترجمان بين الله تعالى وعباده ولا أحد يملك التحريم والتحليل والغفران ويقضي بالحرمان أو بالنجاة .فالخطاب في القرآن إنما يتجه إلى عقل الإنسان حرا طليقا من سلطان الهياكل والمحاريب وسلطان الكهنة والقساوسة .وهدا من شأنه أن ينمي في الفرد الإحساس بالمسؤولية ويفتح لعقله وروحه منفذا واسعا إلى الإلوهية   .كما أن مسألة التوحيد تبعث في النفوس مشاعر القوة والعزة والكرامة .والتوحيد يتطلب من أتباعه الإيمان باله واحد لا شريك له والخضوع لإرادته والإسلام له لكن يجب أن لا نفهم من ذلك الخضوع خضوع العبيد وإنما يجب أن نفهم منه انقياد الذات انقيادا حرا كله ثقة وإيمان ولقد أطلق النبي على هدا الانقياد الإرادي كلمة إسلام .إن الخضوع المطلوب في الإسلام إنما هو أن يخضع المرء لله وحده لا لأحد غيره لأن الإسلام يفرق بين الخضوع لله والخضوع للبشر وينظر إلى هذا الخضوع الأخير على أنه ضرب من الشرك يجب تجنبه .

ب – تحرير الإنسان من الطبيعة : إنّ الجهل بالشيء ينشىء غربة قاتمة بينه وبين الجاهل به وهذه حقيقة لها من الشواهد ما يجده كل إنسان في نفسه وهذه الغربة تتجلى في جملة من المشاعر و الأحاسيس كالخوف والحزن والكآبة والتعلق بالأوهام والإعراض عن المجابهة . يقول تعالى : ( فإذا جاءتهم الحسنة قالوا لنا هذه وإن تصبهم سيئة يطيروا بموسى ومن معه ألا إنّما طائرهم عند الله ولكن أكثرهم لا يعلمون ) الأعراف   131 إنّ هؤلاء البشر جهلوا أنّ الله تعالى هو الخالق الحقيقي للكون وهو المسيطر عليه فأدى بهم هذا الجهل إلى التعلق بالأوهام من اعتقاد طائر الخير والبركة وطائر الشؤم .وأخذوا يفسرون بهذا التصور أحداث الطبيعة فيما تعطي من النعم وما تبدي من القحط .أو من خلال تفسير الظواهر الطبيعية كالبراكين والزلازل والطوفان والفيضانات والجفاف ... تفسيرات مثيولوجية خرافية لا تمت للواقع أو المنطق بصلة ، كما حدث في عهد عمر بن الخطاب مع أقباط مصر حيث اعتادوا على تقديم قربان كل سنة إلى النيل باعتباره إلها يجب إرضاءه والتقرب منه حتى يفيض عليهم ببركاته فيسقي أرضهم ويروي عطشهم ، لكن والي مصر أمرهم بالتخلي عن هذه العادة بأمر من خليفة المسلمين عمر بن الخطاب .باعتبار أنّ هذا الاعتقاد هو ضرب من الشرك ويتعارض مع مسألة التوحيد الصحيح  فنهر النيل لا يجري من تلقاء نفسه وليس بإله خير أو بركة كما يعتقد الأقباط وإنّما هو مسخر من طرف الله إذا شاء أفاضه وإذا شاء حبسه .فعوض تأليه هذه الظواهر الطبيعية المخلوقة على الإنسان فهمها وتصور حقائقها والعلم بقوانينها وهذا سيولد ألفة مع هذه الظواهر وسينقلب الخوف إلى أمن والضعف إلى قوّة وسيطرة واستغلال .فالمعرفة بحقائق الأشياء وحصول فكرة شاملة عليها تبدل مشاعر الخوف والقلق إلى طمأنينة وسيطرة وأمان . فالعلم بالخالق وصفاته والعلم بالطبيعة وقوانينها يزيل من النّفس الحيرة من أمر الوجود مأتى ومصيرا ، ويزيل الخوف والهلع من أحداث الطبيعة كما يزيل الضيق والقنوط من قحطها مادام الله هو الخالق والمدبر والمسيطر وما دام للطبيعة قوانين وسنن سيّرها الله تعالى عليها .  بل إنّ العلم بها يمهد إلى الانطلاق في الكون والسيطرة عليه واستغلاله فضلا عن انتفاء الحيرة والغربة .

ج – التوحيد يحرر الإنسان من شهوات نفسه : ربّما أن هذه هي الحرية الحقة التي أرادها الله للنّاس أجمع وبعث من أجلها أنبياءه ورسله تلك التي تنطلق منها بقية معاني الحرية وهي تحرر الفرد من شهوات نفسه .وهذه الحرية بحق تعد من أكثر أنواع الحريات تأثيرا على حياة الفرد والمجتمع .والرق الحقيقي هو الإنسان الذي يسير وفق أهواء  نفسه وشهواتها . فقد ورد في الأخبار الكثير الذي يصف الإنسان بكونه فاقدا للحرية فيما لو خضع لسلطان شهواته من قبيل : +    الإنسان عبد الشهوة أذل من عبد الرّق +    عبد الشهوة أسير لا ينفك أسره +   مغلوب الشهوة أذلّ من مملوك الرق ويعلق  " سبينوزا  "   على هذا بقوله : "  ثمة من يظن الحرية والقوّة في قدرته على إتباع هوى نفسه وأن في اعتبار التمسك بالأخلاق والفضائل ضربا من القيد والأسر غافلا عن إتباع أهواء النّفس هو الأسر والعبودية بعينها إنّ طريق الخلاص يكمن في أن نرى العبودية ضعة فنبتعد عنها بوجوهنا وأن نلتفت إلى الحقيقة ونسعد بها ، وبديهي أن بلوغ هذا المقام ليس سهلا يسيرا  " إنّ الحرية هنا تعني ضبط النّفس إذ لا يعد حرّا من لا يتمكن من ضبط نفسه فالطمع والأنانية أحد الوجوه للعبودية التي هي نقيض الحرية وفي هذا يقول على بن أبي طالب كرّم الله وجهه : " لا يسترقنك الطمع وقد جعلك الله حرّا " فالاسترقاق يقضي على الحرية إذا تمكن الطمع في النّفس البشرية . 

كيف نفهم إشكالية الحرية ؟ ما دام الله هو الموجد وهو الحافظ للوجود في بقائه الظاهر في المدة المقدرة له وطابع كل شيء على ما هو عليه من أفعال طبيعية أو إرادية فلا شك أن كل شيء مادام من آثار فعله فهو في ميدان قدرته المطلقة وهدا شيء منطقي واضح .وهو لا يضير المخلوقات بل لها أن تسعد بأنها ليست في عزلة ولا في قطيعة عن المصدر الأعظم لوجودها .وهنا نستطيع أن نفهم المعنى الحقيقي للآية القرآنية ( وما تشاؤن إلا أن يشاء الله )سورة الإنسان     الآية 30  وقوله تعالى : ( وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى ) سورةالأنفال 17     فالله وان كان قد أوجد الإنسان حرا قادرا مريدا فانه يريد أن ينبهه إلى أن لا ينسى أنه لم يصبح إلها آخر ، بل هو لا يزال في حضرة وجوده ومرتبطا به وداخلا في نطاق الملك الإلهي .إن الإنسان العاقل الذي قد نفد في كيانه الشعور العميق بأنه مخلوق فيريد أن يخرج عن حوله وقوته وينسب الخير لله والشر لنفسه أو يريد أن ينسب كل شيء لله نسبة ميتافيزيقية لا ماديةصورية لا فعلية بحيث يجد في القرآن ما يناسب ذلك إن المؤمن الحقيقي المعتز بفعله للخير المعترف بالمسؤولية في فعله للشر يجد ما يرضي شعوره بذاته ويتفق مع العدالة التي يتصورها  .وإذا احتج متسائل لماذا يوجد الشر والأشرار في الكون على الإطلاق ؟ فليحاول كما حاول الفلاسفة أن يمحص أولا معنى "  الشر "  بوجه عام و أن يميز بين الشر الميتافيزيقي الحقيقي المطلق وبين الشر الاعتباري النسبي ، وليعلم أن الشر الأول غير موجود في الكون وأن الثاني مجرد نقص أو فشل أو خير أقل أو من اللوازم الطبيعية للكائن المحدود أو الكائن الروحاني الملابس للمادة .والشر ليس له علة فاعلة بالمعنى الحقيقي بل هو شيء سلبي فقط لابد منه لظهور الخير ومعرفته فلولا الشر لا ما عرفنا الخير ورغبنا فيه واتبعناه ، فالشر إذن له وظيفته وله من القيمة بمقدار .والشر النسبي مع أنه موجود فانه مهما كان أمره أقل من الخير وهو على كل حال لا يفسد نظام الوجود وقد يكفي من عظم الخير للكائن أن يكون قادرا على معرفة الشر والتغلب عليه .اذن ما يمكن استخلاصه هو أن الإنسان حر مختار بمعنى مقيد كالمجبور بمعنى ولو كان حرا قادرا كاملا بالمعنى المطلق لكان إلها، واذن فمهمته أن يعمل جاهدا حتى يحقق في نفسه صفات الوجود الحق الذي هو منه .  

الفرق بين الحرية والتحرر؟ اعتبرت الحرية في التصورات الكلاسيكية على أنها معطى ميتافيزيقي فذهب روسو إلى القول بأن الإنسان يولد حرا ولكنه أينما ولى وجهه يجد نفسه مكبلا بالأغلال وبقطع النظر عن مضامين وأبعاد هذا الطرح فان ما يسمح به لنا هو التمييز بين الحرية كشعور سيكولوجي أو معطى فطري أو ميتافيزيقي وبين الحرية كفعل كانجاز .فتكون الحرية تحررا من الضرورات والمحددات الموضوعية تحرر من الضرورة الطبيعية للإنسان والتي تفوضها الميولات والدوافع الغريزية وتحرر من الضرورة الاقتصادية التي تفرضها علاقات إنتاجية معينة  داخل مجتمع ما وتحرر من الضرورة التي يفرضها العالم الخارجي ، وبالتالي فالتحرر لا ينفصل من إدراك الضرورة والوعي بها فالوعي بالضرورة هو شرط إمكان التحرر .فلا بد أن نميز بين الحرية كمعطى ثابت وبين التحرر كفعل إنساني في التاريخ ، إن الحرية إدراك للضرورة ووعي بها فلا تكون في الاستقلال الوهمي عن قوانين الطبيعة أو عن القوانين الموضوعية التي تحكم العالم الخارجي بل تكون من خلال الوعي بهذه الضرورة فلو افترضنا انعدام الضرورة في الكون أي لو افترضنا أن الظواهر الطبيعية لا تخضع لنظام حتمي فتسير على نحو عرضي فهل سيقدر الإنسان على فرض سيطرته وتحقيق سيادته على الطبيعة ؟ أي هل سيكون الإنسان أكثر حرية من ذي قبل ؟ قطعا لا فبانعدام القوانين تنعدم السيطرة على الطبيعة ولما استطاع الإنسان أن ينتقل من عبوديته للطبيعة  ( ديانة الطبيعة )إلى مرحلة السيطرة عليها ، ولأن هذا يستلزم الوعي بالضرورة التي تحكم الطبيعة في نظام سيرها وما ينطبق على الطبيعة في هذا المجال ينطبق على المجتمع ، فمجتمع بلا قوانين ليس مجتمعا حرا بل هو مجتمع فوضى .لكن بعض الفلاسفة لا يعتبرون الوعي بالضرورة كافيا للتحرر بل يضيفون شرطا آخر وهو العمل على تغيير ها أي تسخير الضرورة لخدمة الإنسان بمعنى تحويل العوائق إلى وسائل . 

الخـــاتمة :

لقد مر مفهوم التوحيد عبر مسيرته الطويلة بمراحل متعددة نذكر منها العهد القديم حيث كان مفهوم التوحيد إما غائبا بصورة كلية وكاملة مما يؤدي إلى الشرك والوثنية وإما ضبابيا يكرس  التجسيم والتشبيه وهذا ينعكس على التصورات اليهودية القديمة التي ترددت بين الوثنية والتوحيد .ويلاحظ هذا التردد وهذا التذبذب من خلال تعدد الأسماء المتعلقة بالإله مثل  " إيل " و " إيلوهيم " و " يهوه " ... وهي ليست أسماء متعددة لمسمى واحد وإنما هي تسميات متصلة بمعتقدات يهودية سابقة للتوحيد . فإيلوهيم مثلا يعني الإله بصيغة الجمع ( أكثر من إله واحد في الكون ) .أما التوحيد في العهد الجديد فلإله هو الأب وقد تواترت هذه التسمية وهذا التصور الجديد في إنجيل يوحنا ومتى ومرقس ، وهذا التصور بلغ إلى حد تقاطع الإلهي في البشري وهي ازدواجية تشير إلى حلول الابن في الأب أو إلى وحدة الأب والابن  " أنا والأب واحد  " أما في ظل الإسلام فقد أخذ التوحيد مسارا مشتركا بين جميع المسلمين وهو مفهوم يكرس نفي التجسيم والتشبيه عنه في ذاته وفي صفاته فليس كمثله شيء "لهذا شدد النص القرآني على التوحيد من خلال الإقرار بأن الله واحد لا ثاني ولا ثالث له قال تعالى : ( وإلاهكم إله واحد لا إله إلا هو الرحمان الرحيم ) البقرة 163 . إلى جانب التأكيد على مسألتي الخلق والبعث وهي صفات خاصة بالله سبحانه وتعالى . إنّ نظرة إلى الأديان الكتابية الصحيحة التي لم يقع تحريفها تبرز أن فكرة التوحيد واحدة من خلالها باعتبار أن الأديان ترتد إلى أصل اعتقادي ثابت يقوم على الإلوهية غير أن المنظرين لهذه الأديان كانوا يحاولون دوما العمل على إلغاء اللاحق للسابق أو السابق للاحق متجاهلين التواصل الحاصل بينها .لكن والحق يقال إنّ التوحيد الثابت هو التوحيد الإسلامي الذي يمثل التنزيه المطلق ، وهو توحيد خالص من كل ضروب التقييد والإضافة من خلال بيان الأخطاء التوحيدية سواء التي وقع فيها اليهود " القول بتعدد الإلهة " أو بإبطال مفهوم التثليث عند النصارى من خلال تأكيد القرآن على بشرية عيسى عليه السلام وتكذيب مسألتا قتله وصلبه .إنّ التوحيد الثابت والخالص من كل شائبة من شأنه أن يدعو إلى التواصل والتحاور بين الأديان الثلاث ويخفف من ظاهرة الإقصاء  والعلو