صفحة الاستقبال مكتبة المدرّس التشريع في الإسلام

كتاب التربية الإسلامية والتنشئة على القيم

التشريع في الإسلام طباعة أرسل إلى صديق
الكاتب: خالد بن عائشة - رضا فراد - هاجر بلقاسم   
تقوم المنظومة الفقهية كما بلغتنا عن علماء الاسلام على مصادر يُعوّل عليها في استنباط الأحكام الشرعية وعلى مناهج يوظفها المجتهدون لاستخراج الأحكام وعلى مقاصد تعمل الشريعة ويسعى المجتهدون إلى بلوغها
التّشريع في الإسلام مداخلة: الأساتذة: خالد بن عائشة ، رضا فراد، هاجر بلقاسم
محتوى الدراسة
1. مصادر الشّريعة ومناهج التّشريع 2. تنوّع المناهج الفقهيّة واختلاف المجتهدين في العمل بها3. تطور المنظومة الفقهيّة4. الاجتهادات الفقهيّة المعاصرة بين التقيّد بالنّصوص والتّشريع بالمقاصد التّلقيح نموذجا5. التّشريع بالنّص6. التّشريع بالسنة7. الحاجة إلى الاجماع كمنهج في التّشريع8. محدودية التّشريع بالاجماع9. نماذج من التّشريع بالاجماع 10. التّشريع بالاجماع المستند إلى الكتاب11. التّشريع بالاجماع المستند إلى السنة12. التّشريع بالاجماع المستند إلى المصلحة المرسلة13. المنحى الأول في التّشريع14. التقيّد بالنّصوص 15. توظيف القياس في التّشريع 16. من نماذج التّشريع بالقياس17. مقاصد أصحاب هذا المنحى في التّشريع ومحدوديته18. المنحى الثاني في التّشريع19. التّوسع في توظيف المناهج التشريعيّة20. نماذج من المناهج التي وظّفها هذا المنحى في التّشريع21. التّشريع بالاستحسان – التّشريع بالمصلحة المرسلة – التّشريع بالعرف22. التّشريع بالذرائع – التّشريع من خلال القواعد الفقهيّة23. ظهور علم مقاصد الشريعة24. التّشريع بالمصلحة25. ضوابط التّشريع بالمصلحة26. نماذج من القضايا المعاصرة وآفاق معالجتها في ضوء التّفكير المقاصدي
I- مصادر الشريعة ومناهج التشريع
تقوم المنظومة الفقهية كما بلغتنا عن علماء الاسلام على مصادر يُعوّل عليها في استنباط الأحكام الشرعية وعلى مناهج يوظفها المجتهدون لاستخراج الأحكام وعلى مقاصد تعمل الشريعة ويسعى المجتهدون إلى بلوغها.وبالعودة إلى هذه المنظومة نجدها تقوم في أساسها على الكتاب والسنة بوصفهما المصدرين الأساسيين اللذين يُعوّل عليهما في بناء الأحكام.
1- التّشريع بالنص :
من أمثلة الاعتماد على النّص في التّشريع العودة إلى : قوله تعالى :"لكم نصف ما ترك أزواجكم إن لم يكن لهنّ ولد فإن كان لهنّ ولد فلكم الربع مما تركن من بعد وصية يوصي بها أو دين" (1)وقوله تعالى :"الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة" (2) وقوله تعالى"والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة" (3) اشتملت الآيات على لفظ النّصف والربع ولفظ المائة ولفظ أربعة ولفظ ثمانين. فحميعها مقادير محدودة لا تحتمل إلا معنى واحدا. بمعنى أن ميراث الزوج من زوجته عند عدم الولد هو نصف التركة وحد الزاني والزانية مائة جلدة ... ومن الأمثلة كذلك : قوله تعالى :"والمطلقات يتربّصن بأنفسهن ثلاثة قروء" (4) والقرء في عرف الفقهاء يطلق عند البعض للدلالة على الطهر وعند آخرين يستعمل للدلالة على الحيض فتحمل الآية على أحد المعنيين. ومن الأمثلة أيضا :قوله تعالى :"لا يؤاخذكم الله باللّغو في أيمانكم ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان فكفارته إطعام عشرة مساكين من أوسط ما تطعمون أهليكم أوكسوتهم أو تحرير رقبة فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام ذلك كفارة أيمانكم إذا حلفتم واحفظوا أيمانكم كذلك يبين الله لكم آياته لعلكم تشكرون" (5)تميز الآية بين يمين اللّغو وهو ما يجري على لسان الحالف مجرى العادة واليمين المنعقدة وهو اليمين المؤكّدة والموثقة.والحكم المستفاد من الآية هو أن يمين اللّغو لا يؤاخذ عليه المؤمن .أما اليمين المنعقدة فكفارتها اطعام عشرة مساكين أو كسوتهم أو تحرير رقبة وفي حالة انعدام ذلك صيام ثلاثة أيام.
2- التّشريع بالسنة :
إن الاعتماد على السنة كمصدر للتّشريع – رغم ما أثير حولها من مآخذ وما تطلبه ذلك من جهود لتنقيتها – كان إستجابة لأمر القرآن المسلمين بضرورة العمل بها.قال الله تعالى :"وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا يكون لهم الخيرة من أمرهم ومن يعصي الله ورسوله فقد ضل ضلالا مبينا" (6)كما أثر عن الرسول صلى الله عليه وسلم قوله :"ألا هل عسى رجل يبلغه الحديث عنّي وهو متكئ على أريكة فيقول بيننا وبينكم كتاب الله فما وجدنا فيه حلالا إستحللناه وما وجدنا فيه حراما حرّمناه وإن ما حرّم رسول الله كما حرم الله" (7)ثم إنه ليس بالامكان التغاضي عن دورها في تبيين وتأكيد وتقييد وتخصيص ما جاء في القرآن غامضا ومطلقا وعاما وإن كان استقلالها بتأسيس الأحكام قليلا. ومن الأمثلة التي يجدر ذكرها :قوله صلى الله عليه وسلم : "صلوا كما رأيتموني أصلي" (8) . "لا يرث القاتل" . وتحديده الوصية بالثلث :"والثلث والثلث كثير"
3- الحاجة إلى الإجماع كمنهج في التشريع:
انتبه المسلمون منذ خلافة أبي بكر إلى حدوث قضايا لم يوجد لها حكم صريح في هذين المصدرين فاضطروا إلى إيجاد مناهج يوظفونها في استمداد الأحكام المناسبة لما يواجهونه من قضايا. ومن أبرز المناهج التي اعتمدوها في التّشريع اعتماد الرأي المجمع عليه بعد استلهام روح الشريعة وما ترشد إليه قواعدها العامة منهجا يرقى في قوته إلى مرتبة العمل بما جاء في القرآن والسنة وهو ما اصطلح عليه بالاجماع .غير أن كثيرا من الأصوليين يقصرون هذا المنهج على الصحابة وحدهم دون غيرهم. يقول محمود شلتوت في الاسلام عقيدة وشريعة :"إن عهد الشيخين أبي بكر وعمر هو وحده الذي يصور لنا المعنى الصحيح في مصدرية الاجتهاد فرديا كان أم جماعيا ومنه نأخذ أن الاجتهاد الذي كانت الاستشارة سبيله هو ما عرف باسم الاجماع".
4- محدودية التشريع بالاجماع :
إن الاجماع الذي يعد من أوّل المناهج التي استحدثها المسلمون في التّشريع كان الاعتماد عليه في التّشريع محدودا ولعل ما يقوي الآراء التي تؤكّد على محدوديته وندرته أن الإمام مالك يرى أن الاجماع هو اجماع أهل المدينة فقط زمن الصحابة والتّابعين لأنهم قد ورثوا عمل النبي فصار فيهم تقليدا وعادة فإجماعهم على حكم معناه السير وفق السنة النبوية الت إعتادوا العمل بها. ومن هنا كان عملهم عنده أصلا من أصول التنشريع. وعن أسباب توقف هذا المنهج في التّشريع يذكر بعض الباحثين أنه "بعد ذلك العصر عصر اتساع المملكة الاسلامية وانتقال الفقهاء إلى أمصار المسلمين ونبوغ فقهاء آخرين من تابعيهم لا يكاد يحصرهم العد مع الاختلاف في المنازع السياسية والأهواء المختلفة فلا نظن دعوى وقوع الاجماع إذ ذاك مما يسهل على النفس قبولها" (9)
5- نماذج من التّشريع بالاجماع :
أ‌- التّشريع بالاجماع المسند إلى الكتاب :
- تحريم الجدة استنادا إلى قوله تعالى : "حُرّمت عليكم أمهاتكم وبناتكم وأخواتكم" (10)إن المراد بالأم كما أجمع على ذلك الصحابة الأصل والجدة أصل الأم.
ب‌- التشريع بالاجماع المسند إلى السنة :
- اجماع الصحابة على أن ميراث الجدة السدس استنادا إلى ما روى المغيرة بن شعبة أن الرّسول صلى الله عليه وسلم أعطى الجدة السدس.ج- التّشريع بالاجماع المسند إلى المصلحة المرسلة :- جمع القرآن في مصحف واحد.
II- تنوع المناهج الفقهية واختلاف المجتهدين في العمل بها بعد انقضاء عصر الصحابة وظهور كثير من الفقهاء وتدوين علم أصول الفقه على يد الشافعي الذي أصّل الأصول وقعّد القواعد في الرّسالة والأم ظهر منحيان في استنباط الأحكام الشرعية.
المنحى الأول في التشريع
1- التقيد بالنصوص :
يبحث أنصار هذا الاتجاه في التّشريع عن الحلول داخل النّص أي أنهم يأخذون الأحكام مباشرة من نصوص القرآن والسنة أو حملا عليها بطريق القياس . وزعيم هذا المنحى في التشريع الإمام الشافعي الذي يرفض الاستناد إلى غير النص في الاستدلال معتبرا المصادر الأساسية للّتشريع هي القرآن والسنة. ففي رأيه إن "كلّ ما نزل بمسلم ففيه حكم لازم أو على سبيل الحق فيه دلالة موجودة" (11)وإن الاجتهاد في رأيه لا يكون إلا ضمن القياس فقط فلا تطلب الأحكام إلا من النّصوص أو حملا عليها وفق منهج القياس.
2- توظيف القياس في التّشريع :
أصل القياس يُعلم حُكم في الشريعة لشيء فيقاس عليه أمر آخر لاتحاد العلة فيهما ولكنهم توسعوا في معناه فأطلقوه على النظر والبحث عن الدليل في حكم مسألة عرضت لم يرد فيها نص. وأحيانا يطلقونه على الاجتهاد فيما لا نص فيه فهو عندهم مرادف للرأي فيكون الرأي أو القياس المراد بهما أن الفقيه من طول ممارسته للأحكام الشرعية تنطبع في نفسه وجهة الشريعة في النّظر إلى الأشياء وتُمرن ملكاته على تعرف العلل والأسباب فيتأهل إذا عرض عليه أمر لم يرد فيه نص أن يرى فيه رأيا قانونيا متأثرا بجو الشريعة التي ينتمي إليها وبأصولها وقواعدها التي انطبعت فيه من طول مزاولتها. (12)فحتى يكون هناك قياس يجب أن يكون هناك نص في الكتاب والسنة يؤخذ كأصل ودليل يلتمس منه الحكم. أي أن المجتهد يعمد إلى حكم موجود (حكم الشارع) في قضية فيطبقه على شيء آخر غيره تبيّن له أن ما يبرر هذا الحكم في القضية الأولى (أي المقيس عليه) موجود بعينه في القضية الثانية (أي المقيس).فالقائس لا يصدر حكما من عنده وإنّما يمدد حكم الأصل إلى الفرع إثباتا أو نفيا إعتمادا على ما يجده هو من شبه بينهما يبرر القياس. أي أنّه يقوم على ظنّ المجتهد بأن حكم الأصل تبرره خاصية معينة فيه هي علّة الحكم وبالتالي يُعاد بواسطة القياس إلى الكتاب والسنة دون سواهما.يقول الشافعي :"فمن أدرك أحكام الله في كتابه نصا واستدلالا وفّقه الله للقول بما علمه منه وفاز بالفضيلة في دينه ودنياه" (13)فهو إذن يرفض العمل بالاستحسان والعمل بالمصلحة على اعتبار أن العمل بهما ليس قولا بدليل شرعي له اعتباره بل هو قول بالهوى والرأي الذي لا يستند إلى دليل بل هو تلذذ.يقول الشافعي في الرسالة :"حلال الله وحرامه أولى ألا يقال فيهما بالتعسّف والاستحسان وإنّما الاستحسان تلذذ".أما التّشريع بالمصالح فعنده أنّ العمل به يفتح الباب لوصول ذوي الأهواء إلى أهدافهم تحت شعار المصالح المرسلة. من نماذج التّشريع بالقياس : من النماذج التقليديّة المعتمدة قياس النبيذ على الخمر عن طريق التّسوية بينهما في الحكم لتساويهما في العلّة فكلاهما مزيل للعقل ومضيع له. ومن الأمثلة التطبيقيّة له أنه روي أن رجلا من فزارة أنكر ولده لما جاءت به زوجته أسود اللون فقال له الرسول هل لك إبل ؟ قال ما ألوانها ؟ قال حمر. قال : هل فيها من أورق ؟ قال : نعم. قال : فمن أين ؟ قال لعلّه نزعة عرق. قال وهذا نزعة عرق (14)
3- مقاصد هذا المنحى في التّشريع ومحدوديته :
لو تأمّلنا هذا المنحى في التّشريع بشيء من التجرّد لاحظنا أنه تُحركه مقاصد. فالشافعي في دعوته إلى التقيّد بالنصوص وحصره الاجتهاد في القياس وحملته العنيفة على القائلين بالاستحسان والتّشريع بالمصالح يرى في التّشريع بهذه المناهج تلذذا وقولا بالهوى المجرد عن دليل ومن شأن ذلك أن يحدث اضطرابا في الحكم والفُتيا فيكون في الأمر الواحد ضروب من الآراء والأحكام فضلا عما يراه في ذلك من قطع للطريق أمام دعاة العمل بالمصالح لتحقيق أهوائهم وأهدافهم.لكن تحصيل هذا المقصد من خلال التّشبث بحرفيّة النّصوص والقياس عليها يمكن أن تترتب عنه عدّة نتائج لعل من أبرزها التّضييق من دائرة الاجتهاد خصوصا وأن آيات الأحكام في القرآن متناهية (هناك من عدها 330 آية أي القرآن تقريبا) والسنة المؤسسة اختلف في تحديد الأحاديث المتعلقة منها بالأحكام بين من ضيّق في عددها وبين من ضخّم فيها وبين من قرّر ندرتها. يقول بدران أبو العينين بدران :"وهذا النوع من السنة نادر ومن الامكان أن يرد إلى أصل قرآني" (15)
المنحى الثاني في التّشريع
1- التوسع في توظيف المناهج التّشريعية
يقوم هذا المنحى على نظرة أوسع وأشمل من النّظرة التي تتقيّد بالنّصوص تقيّدا حرفيا. و يُقر أصحاب هذا المسلك في التّشريع بضرورة مراعاة جملة من المسائل عند التصدّي للتّشريع. ويتزعم هذا الاتجاه الإمامان مالك وأبي حنيفة ... وتتجلى طريقتهما في العمل بالاستحسان والمصالح المرسلة والعرف وسد الذرائع واعتماد القواعد الفقهية فهو إذن مسلك في التّشريع لا يتقيّد بالنّصوص تقيّدا حرفيا وإنما يذهب بالاجتهاد إلى أقصى مداه. ولقد وجد أنصار هذا المنحى التّشريعى فيما سبقهم من إجتهادات للصحابة خير حافز لهم على الأخذ بهذه المناهج في التّشريع نحو إبطال عمر بن الخطاب سهم المؤلفة قلّوبهم من الزكاة إذ فهم عمر بحسه الفقهي أن هذا الحكم شرع لعلّة معيّنة أو قل لمصلحة معينّة فلما زالت وجب أن يزول الحكم وهو بهذا الفهم يعبّر عن نضج فقهي على درجة كبيرة من الأهميّة. كما أثر عنه رضي الله عنه نهيه عن قطع يد السارق في عام المجاعة فيكون بذلك قد فهم أنّ الأحكام التّشريعية شُرّعت لمقاصد تؤدي إليها وأنها تدور معها وجودا وعدما وإن أدى ذلك إلى تخصيص النّص أو ترك ظاهره أحيانا على اعتبار أن ذلك المنهج أكثر تمثّلا وإدراكا لروح النّص وأهدافه ومراميه.وبهذا لا يكون الفقهاء الذّين انتحوا هذا المنحى مبتدعين حالين ولقد دفعهم إلى ذلك أيضا ما لمسوه بأنفسهم في الشّريعة الاسلامية من قدرة على التّجدد ومسايرة للحياة وتعقيداتها.
نماذج من المناهج التي وظفها هذا المنحى في التّشريع
ـ التّشريع بالاستحسان :
يرى المجتهد في ظلّ هذا المنهج أنه بتطبيق النّص على عمومه أو القياس عليه قد يوقع النّاس في ضيق وحرج أو يُفوّت مصلحة راجحة أو يؤدي إلى مفسدة واضحة حينئذ يعدل عن ذلك الحكم إلى حكم آخر يصل إليه باجتهاده ويستحسنه ومثاله : إيقاف عمر تطبيق حدّ السرقة عام المجاعة استثناء عن عموم قوله تعالى :"والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما" (16)ولقد عرّفه الفقهاء بكونه : العدول في مسألة عن حكم إقتضاه دليل شرعي إلى حكم آخر فيها لدليل شرعي آخر اقتضى هذا العدول. فهو إذن ترجيح دليل على دليل يعارضه بمرجع معتبر شرعا - التّشريع بالمصلحة المرسلة : يجد المجتهد أمامه مسألة ليس فيها حكم ثبت بالنّص أو الاجماع أو القياس ولكنه يرى أنّ فيها أمرا مناسبا للتّشريع بناء على أنّ ذلك مصلحة مطلقة. مثل جمع القرآن أيّام الخلفاء الراشدين.
- التّشريع بالاستصحاب :
الاستصحاب هو الحكم عن الشيء بما كان ثابتا له أو منفيا عنه حتى يقوم الدليل على خلافه. ومن الأحكام المستندة إليه في التّشريع إثبات كافة الحقوق للمفقود على اعتبار أنّ الحياة باقية له حتّى يحكم القاضي بموته.ومن أمثلته أيضا المتهم برئ حتّى يقوم الدّليل على ثبوت التهمة.
ـ التّشريع بالعرف :
العرف هو وما تعارف عليه النّاس قولا أو فعلا.يذكر أبو اسحاق الشاطبي أن بعض الأحكام تتبدّل من بلد إلى آخر حسب أعراف البلد ومنها ما يكون متبدّلا في العادة من حسن إلى قبح وبالعكس وذلك مثل كشف الرأس فإنه يختلف بحسب البقاع في الواقع فهو لذوي المروءات قبيح في البلاد المشرقيّة وغير قبيح في البلاد المغربيّة. فالحكم الشّرعي يختلف باختلاف ذلك فيكون عند أهل المشرق قادحا في العدالة وعند أهل المغرب غير قادح. (17)
- التّشريع بالذرائع :
الذّريعة هي التّي يتوصّل بها إلى الشّيء خيرا أو شراوالحكم بالذّريعة يقوم على أساس أنّ الوسيلة إلى المحرم محرمة والوسيلة إلى الواجب واجبة فتأخذ الوسيلة حكم الغاية.
ويمثّل الفقهاء لذلك بتحريم بيع السلاح زمن الفتن وكمنع المرأة من السّفر بغير مصاحبة زوجها أو ذي محرم منها.
- التّشريع من خلال القواعد الفقهية :
القواعد الفقهيّة كما عرّفها الأصوليون هي أحكام عامّة وقضايا كليّة تندرج في إطارها مجموعة من الأحكام الجزئيّة المتشابهة.وهذه القواعد تساعد على تكوين الملكة الفقهيّة وتوضّح التصورات والنظريات القانونيّة في الفقه الاسلامي وهي في غاية الدّقة والاختصار مثل قولهم "الأمور بمقاصدها" و "اليقين لا يزول بالشك" و"الضرر العام يدفع بتحمل الضرر الخاص" و "يدفع أشد الضررين بتحمل أخفهما" و "درء المفاسد أولى من جلب المنافع" و "الضرورات تبيح المحظورات" و "المشقّة تجلب التيسير" و "الحرج مرفوع"يقول القرافي (ت 684 هـ) وهو من أعلام المالكية في مقدمة كتاب الفروق :"وهذه القواعد مهمّة في الفقه عظيمة النفع وبقدر الإحاطة بها يعظم قدر الفقيه ... وبها تتضح مناهج الفتوى".
III- تطور المنظومة الفقهيّة :
1 ـ ظهور علم مقاصد الشّريعة :
يعد أبو اسحاق الشّاطبي (ت 790 هـ/1388 م) الغرناطي من المجدّدين في الفكر الاسلامي. ولقد عرفت معه المنظومة الفقهيّة نقلة نوعيّة من خلال دعوته إلى بناء الأصول على مقاصد الشّرع بدل بنائها على استثمار ألفاظ النصوص الدينيّة كما دأب على العمل بذلك علماء الأصول .فلقد دشّن الشاطبي مرحلة جديدة في التّشريع.
يقول الشيخ محمد الطاهر بن عاشور :"والرجل الفذ الذي أفرد هذا الفن (علم مقاصد الشريعة) بالتدوين هو أبو اسحاق ابراهيم بن موسى الشاطبي المالكي" (18) يرى الشّاطبي أنه باستقراء الشّريعة يتبين أنّ قصد الشارع من وضع الشّريعة إنما هو حفظ مصالح العباد في الدّنيا والآخرة ودفع الضرر عنهم وهذه المصالح ثلاثة أقسام : ضروريات وحاجيات وتحسينات. وهو يعوّل في الوصول لهذه المصالح على استقراء الشّريعة والنّظر في أدلتها الكليّة والجزئيّة وما انطوت عليه من الأمور العامة.وإن هذا الاستقراء دلّ على أنّ مقاصد الشّريعة الرّاجعة إلى حفظ مصالح العباد لا تعدو أن تكون ضرورية أو حاجية أو تحسينية. فالضروريّة : هي المصالح التي تتوقّف عليها حياة الناس و قيام المجتمع بأسره و تكون بحفظ الدّين و النّفس والعقل والنسل و المال. و الحاجيّة هي الأمورالتّي يحتاج إليها النّاس لرفع الحرج والمشقة عنهم وإن عدم مراعاتها لا يتولد عنه اختلال في نظام الحياة ولكن يلحق بالناس المشقة والضيق ومن أجل ذلك شرعت الرخص في العبادات والمعاملات والعقوبات. أمّا التحسينيّة : فهي التّي تجعل أحوال الناس تجري على مقتضى الآداب والخلق القويم. وهي بخلاف الضروريات والحاجيات لا يترتب عن التفويت فيها اختلال في نظام الحياة ولا يلحق النّاس مشقّة كالأخذ بمحاسن الأمور في العادات والمعاملات والتقرّب إلى الله بالنوافل.وعلى أساس مراعاة هذه المصالح نشأت القواعد الفقهيّة التي ذكرناها آنفا. وبهذا العلم يكون الشّاطبي قد فتح باب التّشريع بالمصلحة على مصراعيه مؤسسا منهجا جديدا يقوم على التّفكير المقاصدي مؤسسا بذلك معقوليّة منفتحة للتّشريع الاسلامي تُمكّنه من التّحرك في إطار دائرة واسعة من الاجتهادات ومراعاة الظّروف المتجدّدة فإذا كان للعصور الماضية مقاصدها المشروطة بظروفها التّاريخية فإن المطلوب اليوم هو إعادة التفكير انطلاقا من مقدمات جديدة ومصالح معاصرة تستجيب لحاجيات الفكر الراهن وإشكالياته دون أن تضيق بها مُحكمات الشرع وثوابته. (19)
1- التّشريع بالمصلحة :
أفرد كثير من الفقهاء التّشريع بالمصلحة (20) عناية كبيرة فلقد أثر عن ابن عقيل الحنبلي (ت 513 هـ) في مناظرة جرت بينه وبين بعض الفقهاء قوله :"السّياسة ما كان من الأفعال بحيث يكون النّاس معه أقرب إلى الصّلاح وأبعد عن الفساد وإن لم يشرّعه الرّسول ولا نزل به الوحي" (21)ويصرّح العزّ بن عبد السلام في قواعد الأحكام أن : "كل تصرّف تقاعد عن تحصيل مقصوده باطل" ولقد بلغت عناية بعض الفقهاء بالمصلحة في التّشريع تقديم رعايتها على النّص والاجماع فيما عرف لديهم بالتّعارض بين مصلحتين نحو ما أثر عن الامام الغزالي ونجم الدين الطوفي (ت 716 هـ)فعندهما أنّه إذا عارضت مصلحة حكما ثبت بالنّص والاجماع فإذا ترجحت المصلحة المعارضة بمرجحاتها المعتبرة روعيت وعدل عن حكم النّص أو الاجماع فإذا تترس الأعداد بأسرى مسلمين فإن قتلهم جائز خلافا لما يقضي به النص والاجماع من جرمة القتل. (23)ويؤكد ابن القيّم هذا المنحى في العمل بالمصالح قائلا : "كل مسألة خرجت عن العدل إلى الجور وعن الرحمة إلى ضدها وعن المصلحة إلى المفسدة وعن الحكمة إلى العبث فليست من الشّريعة وإن أدخلت فيها بالتأويل" (24)
2- ضوابط التّشريع بالمصلحة :
قيّد الفقهاء التّشريع بالمصلحة بقيود يتعيّن على المجتهد مراعاتها عند كلّ تشريع بالمصلحة لعل أهمها ألاّ يخل التّشريع بالمصلحة بهدف الشّريعة والأصول الثّابتة فيها. يقول محمد الخضر حسين :"ما كان مصلحة محضة فحكمه الاذن قطعا وما كان مفسدة محضة فحكمه النّهي بلا مراء فأمّا ما كان مصلحة من ناحية ومفسدة من ناحية أخرى فالشّارع الحكيم ينظر إلى الأرجح منهما ويفضّل الحكم على قدر الأرجحية" (25) أما في صورة مواجهة مقصدين متضاربين من مقاصد الشريعة أو أكثر يقرّر الفقهاء أنّه يتعيّن علينا أن نُضحي بمقصد أو أكثر في سبيل مقصد أعلى وأسمى منه.
IV- الاجتهادات الفقهيّة المعاصرة بين التّقيّد بالنّصوص والتّشريع بالمقاصد :
1- التلقيح : نموذجا (27) موقف الشيخ عليش : تحريم التّلقيح لما يحدثه من خطورة في بعض الحالات ولما يُسببه من طول العمر والأعمار بيد الله. موقف المفتي المهدي الوزاني: تجويزه : لأن ألم الدواء أخفّ من ألم الداء والتحريم مخالف لمقصد الشريعة والمحافظة على النفس.2- نماذج من القضايا المعاصرة وآفاق معالجتها في ضوء التّفكير المقاصدي :
- زرع الأعظاء وبيعها
- تغير الجنس - الموت الرحيم
- تلقيح الزوجة من ماء زوجها الميت (وقعت في فرنسا في ديسمبر 1983)- زواج رجل من سيدة كانت قبل تغيير جنسها رجلا
- حق الانسان في اختيار معتقده دون أن يلحقه حكم الردة
- قطع يد السارق في العصر الحاضر- التراجع عن تنفيذ حكم الإعدام بسبب الضغوطات على الدول (حاليا ليبيا)
- تطبيع العلاقات مع اليهود. - حكم الرجم والجلد وضرب المراة.
الـــهوامـــش

(1) النساء : 12(2) النور : 2(3) النور : 4(4) البقرة : 228(5) المائدة : 89(6) الأحزاب : 36(7) الترمذي : كتاب العلم (8) أخرجه البخاري(9) الخضري، أصول الفقه ص 278(10) النساء : 23(11) الشافعي، الرسالة ص 444(12) أحمد أمين، ضحى الاسلام ج 2 ص 153-154(13) الشافعي، الرسالة ص 507(14) عبد الوهاب خلاف : مصادر التشريع الاسلامي(15) بدران أبو العينني بدران، أصول الفقه ص 100(16) المائدة : 38(17) الشاطبي/ الموافقات ج 2 ص 284 طبعة دار المعرفة بيروت(18) ابن عاشور : مقاصد الشريعة الاسلامية ص 8(19) نقلا عن كراس تربوي في التربية الاسلامية صادر عن وزارة التربية 1991 ص 45 السنة الرابعة من التعليم الثانوي.(20) المصلحة كما عرفها الفقهاء هي السبب المؤدي إلى مقصود الشارع(21) نقلا عن الاجتهاد، لعبد المنعم النمر ص 104(22) نقلا عن كتاب التفكير الاسلامي 3 آداب ص 98(23) الاجتهاد لعبد المنعم النمر ص 112(24) ابن القيم، اعلام الموقعين ج 3 ص 5(25) كتاب التفكير الاسلامي 3 آداب ص 97(26) عبد المنعم النمر، الاجتهاد ص 102.(27) وردت الإشارة إلى هذه القضية في كتاب التفكير الاسلامي 3 آداب ص 83.أ