صفحة الاستقبال مكتبة المدرّس الإعجاز العلمي في القرآن الكريم

كتاب التربية الإسلامية والتنشئة على القيم

الإعجاز العلمي في القرآن الكريم PDF طباعة أرسل إلى صديق
الكاتب: الأستاذ: السيد الشريف، معهد الأغالبة القيروان   
الأربعاء, 16 تموز/يوليو 2008 07:52

 الإعجاز العلمي في القرآن الكريم.             الأستاذ: السيد الشريف، معهد الأغالبة القيروان 

مقـدّمـــة :          

 ليس هناك دين كالإسلام، ولا مذهب من المذاهب السابقة له واللاحقة عليه، دعا إلى العلم وجعله أساس الحياة، و ركيزة العقيدة، واعتبره أساس كلّ تقدّم وحضارة وتطوّر، فحضّ عليه، ورغب فيه، و جعله فريضة على الناس فقال عليه الصلاة والسلام :" طلب العلم فريضة على كلّ مسلم " (1)، وجعل الأرض كلّها دار تعلّم وتعليم، وأمر المسلم أن يطلب العلم حيث كان، و يلتقط الحكمة أنّى وجدها فقال صلى الله عليه وسلّم :" اطلبوا العلم ولو في الصين "(2)، بل ذهب الإسلام إلـى أبعد من ذلك فجعل العلم سبيل الجنة و أسـاس الفوز برضـى الله مصداقا لقولـه عليه الصلاة والسلام :" ما من رجل يسلك طريقا يلتمس فيها علما إلا سهّل الله له طريقا إلى الجنّة ... الحديـث "(3) 

مقــام العلـم والعلمـاء فـي ديننــا :        

   لقد رفـع الإسـلام من شأن العلم حتـى جعله عبادة و قربة و فضيلة و خيرا، فقال عزّ وجـلّ :" فلولا نفر من كلّ فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين و لينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون "(4).ورفع مجالس العلم وساعاته حتّى جعلها أفضل من العبادة نفسها، فقال رسول الله عليه الصلاة والسلام :" مجلس علم ينتفع به، خير من عبادة سبعين سنة "(5).وقد بلغت عناية الإسلام بالقلم وشأنه والترغيب فيه قمّتها وأوجّها، حتى إنّ أوّل آيات نزلت من القرآن على الرسول الكريم كانت دعوة إلى العلم والكتابة والقراءة.ولا نعرف كتابا إلاهيا كالقرآن الكريم، و لا هديا كالسنة النبوية أكبرت العلم وعظمت أهله حتى جعلت :" العلماء ورثة الأنبياء "(6). وجعلهم الرسول شفعاء بعد الأنبياء وقبل الشهداء فقال :" يشفع يوم القيامة ثلاثة : الأنبياء ثم العلماء ثم الشهداء "(7).ولم يكتف الإسلام بالترغيب في طلب العلم و تحبيبه إلى الناس، بل جعل له آدابا وقواعد يلتزم بها العالم والمتعلّم من التخلّق به والمواظبة عليه ... وجعل تبليغه و نقله مسؤولية كبرى، و حذّر من كتمانه ومنعه الناس...ويكفي العلم والعلماء مقاما في ديننا الحنيف، أن العالم لا ينقطع عمله وعلمه بانتهاء حياته، فإنه يبقى خالدا مذكورا حتى بعد وفاته مصداقا للحديث الشريف :" إذا مات الإنسان... الحديث "(8) و قد جعله الإسلام حقا و فريضة على الجنسين و يشمل الأمّة جميعا... كما جعل مفهومه شاملا واسعا لعلم الدنيا والدّين، للعبادات والمعاملات، ولسائر نواحي الكون ومجالاته حتى جعل شعار الإسلام :"وقل ربّ زدني علما "(9).

 القــرآن والعلــم :         

  لقد مثّل ظهور الإسلام و تنزّل القرآن على قلب الرسول الأمين عليه الصلاة والسلام تحوّلا جذريا في تاريخ البشرية جمعاء، ومرحلة فريدة، انطلق بالإنسانية نحو آفاق جديدة وفتح جديد تمثّل في تحرير العقل البشري من الخرافات والأوهام والضلالات و ربط الإيمان بالعلم عن طريق توجيه الناس إلى فهم حقائق الكون واكتشاف آيات الله فيه، وفي الأنفس و الآفاق، وفي السماوات والأرض، عن طريق العلم بأسرارها والتفكّر في خلقها وإيجادها، إثباتا لوحدة هذا الكون ووحدة صانعه وخالقه. ومن هنا نجد القرآن في آياته و سوره يستعمل الأدلّة العلمية ويستدلّ بالحقائق الكونية لإيصال الناس إلى حقيقة الكون الأزلية، ومقاصد الرسالات السماوية، لتعريف الخلق بربّهم ووحدانيته وسرمديته، ويكثر من الشواهد والدلائل من كلّ ما يحيط بالإنسان من عوالم ومظاهر وحقائق، مما جعل العلوم كلّها والحقائق جميعها لا تخرج عمّا قرّره القرآن من قواعد الكون وحقائقه.وهكذا نلاحظ من بين هذه الأصول والحقائق التي أتى بها القرآن الكريم : 

1-     أنّ كلّ العوالم والموجودات وسائر مكونات الطبيعة في الأرض وفي السماء مخلوقة لله تعالى محكومة بسلطانه، أسيرة لقدرته و إرادته مصداقا لقوله تعالى :" أو لم ينظروا في ملكوت السماوات والأرض وما خلق الله من شيء ".(10) وقوله :" ألا له الخلق والأمور "(11). وبذلك أبطل القرآن الكريم اعتقاد الناس في بعض الجمادات الأرضية والكواكب من تأثيرها في حياة الناس ومصائرهم، ممّا حرّر الإنسان من العبوديّة لها والخوف منها ومن تأثيرها.

2-     إنّ هذه المخلوقات والموجودات بما أدع الله فيها من عجائب الصنع و الإبداع دليل على وجوده ووحدانيته، ولذلك وجّد الناس إلى التدبّر فيها والتفكّر في مكوّناتها ومظاهرها وأسبابها. ولهذا فتح القرآن آفاق البحث و المعرفة أمام الإنسان ودعاه إلى ذلك ووجّهه إليه وكلّفه به في الوقت الذي كان العالم كلّه يحظر ذلك ويعتبره مناوأة لله تعالى مصداقا لقوله عزّ وجلّ :" إنّ في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار لآيات أولي الألباب الذين يذكرون الله قياما... الآية "(12).

3-     إنّ كلّ شيء في هذا العالم يسير بنظام دقيق وبإحكام وتقدير مصداقا لقوله تعالى :" وكلّ شيء عنده بمقدار "(13).

4-     إنّ كلّ هذه العوالم والموجودات خلقت لمنفعة الإنسان، وسخّرت ويسّرت له، باعتباره أكرم المخلوقات على الله تعالى مصداقا لقوله تعالى :" وسخّر لكم ما في السماوات وما في الأرض جميعا منه "(14).

5-     ربط الإيمان بالعلم وهو ما لم يحدث لا في السابق ولا في اللاحق على القرآن من ديانات ومذاهب ونظريات، وذلك عن طريق التمثيل والاستدلال بآيات الكون وعجائبه على وحدة الله وربوبيّبته للعالمين أجمعين مصداقا لقوله تعالى :" إنّ في السماوات و الأرض لآيات للمؤمنين، وفي خلقكم وما يبث من دابة آية لقوم يوقنون واختلاف الليل و النهار وما أنزل الله من السماء من رزق فأحيا به الأرض بعد موتها وتصريف الرياح آيات لقوم يعقلون تلك آيات الله نتلوها عليك بالحق فبأي حديث بعد الله وآياته يؤمنون "(15).

6-     إبراز القرآن لحقائق الكون وظواهر الطبيعة وآيات الله في الوجود ودعوة الإنسان للتفكير في صنعها والانتفـاع بها مصداقا لقوله تعالى :" هو الذي جعل الشمس ضياء والقمر نورا وقدّره منازل لتعلموا عدد السنين والحساب ما خلق الله ذلك إلا بالحقّ يفصّل الآيات لقوم يعلمون "(16). و من أجل ذلك دعا الإنسان ووجّهه إلى التفكير في عجيب صنعه وتكوينه وإيجاده مصداقا لقوله تعالى :" أو لم يتفكّروا في أنفسهم "(17). والتفكير في الأرض وفي نفسه :" وفي الأرض آيات للموقنين وفي أنفسكم أفلا تبصرون "(18). والتفكير في جميع المخلوقات لقوله :" أفلا ينظرون إلى الإبل كيف خلقت وإلى السماء كيف رفعت وإلى الجبال كيف نصبت وإلى الأرض كيف سطحت "(19).

7-     هداية القرآن وتوجيه الناس إلى النظر والتفكير عن طريق استعمال العقل والحواس مصداقا لقوله تعالى :" والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئا وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة قليلا ما تشكرون "(20). ومن هنا نفى القرآن على من لا يستعملون عقولهم وحواسهم، والذين لا يتفكرون ولا يبصرون آيات الله وعجائب الكون فقال :" لهم قلوب لا يفقهون بها ولهم أعين لا يبصرون بها ولهم آذان لا يسمعون بها أولئك كالإنعام بل هم أضلّ و أولئك هم الغافلون "(21).

8-     العلم وسيلة لإشاعة نعم الله في الوجود وتحقيق رسالة الإنسان في الكون، ودوره في الحياة ومن هنا فتح القرآن آفاق المعرفة والتعلّم أمام الإنسان في حياتها كلّها، وفي مجالات الدنيا جميعا مسجّلا حقيقة أزلية وهي أنه مهما تعلّم ومهما أوتي من علم، فإنّ :" فوق كلّ ذي علم عليم "(22). وذلك مدعاة إلى عدم غرور العلماء بما علموا و ليبقوا مرتبطين دوما بالتعلّم والمعرفة والاغتراف من بحر الله ما أراد لهم من ذلك، مصداقا لقوله تعالى :" ولا يحيطون بشيء من علمه إلا بما شاء "(23). 

الإعجـاز العلمـي فـي القـرآن الكريـم :          

وهكذا نجد أنّ مادّة "علم" وردت بمشتقاتها أكثر من 800 مرّة في القرآن الكريم، مما يجعل آيات العلم و ألفاظه في الكتاب العزيز تشمل معارف الإنسانية كلّها، ومختلف العلوم الكونية جميعا، وممّا يجعل مفهوم العلم في القرآن شاملا واسعا لعلوم الدنيا و الدين، مصداقا لقوله عزّ وجلّ في سورة البقرة :" وعلّم آدم الأسماء كلّها... الآية "(24). أي أنّ حقيقة العلم في الإسلام هي ما يحصّله الإنسان في حياته وبكلّ ما يدركه عن طريق حواسه وفكره، يؤكد ذلك ويوضّحه أننا عندما نتتبع فعلم "علم" في القرآن نجده منسوبا إلى الله تعالى وإلى الناس فرادى وجماعات، و بصيغة التعميم والتخصيص وفي أزمنة مختلفة. وأكتفي هنا بعرض شاهد من شواهد القرآن الكثيرة في هذا المجال وهو قوله تعالى :" ألم تر أنّ الله أنزل من السماء ماء فأخرجنا به ثمرات مختلفا ألوانه... كذلك إنما يخشى الله من عباده العلماء إنّ الله عزيز غفور "(25).فخشية الله هنا إنما أتت بعد ذكر مباحث علوم الجيولوجيا والبيئة والوراثة والنبات والحيوان والأجناس البشرية، وفي ذلك إشارة إلى أن معرفة المشتغلين بهذه العلوم لبعض الأسرار المذهلة وراء هذا التنوّع الرائع في الخلق، هي التي تبعث في قلوبهم الخشية من بديع السماوات والأرض (26).وكما أوضح ذلك الإمام البيضاوي قائلا :" إنّ شرط الخشية معرفة المخشى والعلم بصفاته وأفعاله فمن كان أعلم به كان أخشى منه... "(27)، وهذا هو ما دفع الفلكي العظيم – سير جيمس جينز – مؤلّف كتاب " الكون الغامض " أن يصرّح عندما قرئت عليه هاتان الآيتان قائلا :" ماذا قلت؟ (إنما يخشى الله من عباده العلماء) مدهش وغريب وعجيب جدا، إنّ الأمر الذي كشفت عنه دراسة ومشاهدة استمرّت خمسين سنة ممّا أنبأ محمّد به؟ ولا يمكنه أن يكشف عن هذا السرّ بنفسه ولكن الله هو الذي أخبره بهذا السرّ مدهش... "(28).إنّ القرآن الكريم كلّه معجز في أسلوبه وألفاظه ومعانيه وآياته وسوره.... ومصدر هذا الإعجاز كونه كتابا إلاهيا منزلا من خالق الكون العلم بأسراره ونواميسه وقوانينه، و على هذا الأساس تعامل المسلمون مع كتاب ربّهم، فاتخذوه منذ البدء وإلى يوم البعث دستورهم الخالد، ومصدر حياتهم السياسية والفكرية والاجتماعية، ومنطلق علومهم وكشوفهم ومعارفهم جميعا.ومن هنا استطاع المسلمون أن يتلمّسوا دلائل إعجازه في شتى المجالات، وإشاراته في مختلف أنواع العلوم، ولمحاته نحو أسرار الكون وعجائب الخلق وآيات الإبداع، والتي تتميز بصفة الصدق المطلق، الذي يجده العلماء في القرآن الكريم كما صرّحت به الآية الكريمة :" أفلا يتدبرون القرآن ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا "(29). والذي يعتبر أهمّ مظهر للإعجاز العلمي في القرآن، كما أوضح ذلك ابن رشيد :" وإذا كانت هذه الشريعة الإسلامية حقا داعية إلى النظر المؤدي إلى معرفة الحق، فإننا معشر المسلمين نعلّم على طريق القطع أنّ النظر البرهاني لا يؤدي إلى مخافة ما ورد به الشرع. فإنّ الحقّ لا يضاد الحقّ، بل يوافقه ويشهد له،ونحن نقطع قطعا أنّ كلّ ما أدّى إليه البرهان القطعي وخالفه ظاهر الشرع، أنّ ذلك الظاهر يقبل التأويل العقلي وهذه القضية لا يشك فيها مسلم "(30).وهذا المعنى نفسه هو الذي وفق الله إليه الباحث الفرنسي- موريس بيكاي -  لتسجيله في معرض دراسته للكتب المقدّسة في ضوء المعارف الحديثة :" لقد أثارت هذه الجوانب العلمية التي يختصّ بها القرآن دهشتي العميقة في البداية، فلم أكن أعتقد قط بإمكان اكتشاف عدد كبير إلى هذا الحدّ من الدعاوى الخاصة بموضوعات شديدة التنوّع، ومطابقته تماما للمعارف العلمية الحديثة، ذلك نصّ جمع منـه أكثر من  ثلاثة عشر قرنـا "(31). ثمّ زاد قائلا :" إنّ تصريحات القرآن على العكس – أي مـن الكتب المقدّسة السابقة عليه – مطبوعة بالإيجاز فـي القول، وبالاتفاق مـع المعطيات الحديثة للعلم "(32). وأستسمحكم هنا لإيراد بعض الآيات القرآنية المتضمنة لإشارات ولمحات إلى العلوم والمعارف، والتي تعتبر من دلائل الإعجاز العلمي في القرآن الكريم من ذلك:  المنشأ المائي لجميع المخلوقات الحية :" وجعلنا من الماء كلّ شيء حي "(33).  تعايش الحيوانات في جماعات تشبه المجتمعات الإنسانية :" وما من دابة في الأرض ولا طائر يطير بجناحيه إلا أمم أمثالكم "(34).  دائرية السماء والأرض :" يكوّر الليل على النهار ويكوّر النهار على الليل "(35).  كرويّـة الأرض غير المكتملة عند الأقطاب :" أفلا يرون أنا نأتي الأرض ننقصها من أطرافها "(36).  التلقيح بواسطة الرياح :" وأرسلنا الرياح لواقح... "(37).  ثنائية النباتات والمخلوقات الأخرى وتزاوجها :" سبحان الذي خلق الأزواج كلّها مما تنبت الأرض ومن أنفسهم ومما لا يعلمون "(38).وهكذا تمتلئ آيات القرآن وسوره بالإشارات الواضحة العديدة إلى النجوم وطبيعتها وتكوينها، والكواكب، والبنية السماوية وتطوّر العالم السماوي، وتوسّع الكون، ودورة الماء والبحار، وتضاريس الأرض، وعالم النبات، وعالم الحيوان... إلى غير ذلك من الإشارات التي حفل بها كتاب الله العزيز والمؤكدة لإعجازه الخالد.  كما لاحظنا أنّ دلائل الإعجاز العلمي عديدة ومتنوعة ولا يسمح المجال لحصرها جميعا والوقوف على تفاصيلها وجزئياتها واحدة واحدة فإنّ ذلك يتطلّب ساعات بل أيام.بيد أنّي اخترت أن أعرض عليكم عبر – قرص ليزري – أعظم المعجزات العلمية المتحققة والتي شدّت إليها عديد العلماء والباحثين في علوم الأحياء والبيولوجيا وأحدثت نقلة جوهرية في حياتهم...فإذا تأملنا القرآن نجد كثيرا ما توجّه آياته نظر الإنسان لكي يلتفت و يتمعّن ويتأمّل في خلقه ونفسه: كيف وجد وكيف خلق، ماهي المراحل التي مرّ بها بالتفصيل من هذه الآيات :" خلق من ماء دافق يخرج من بين الصلب والترائب "(39). " فإنا خلقناكم من تراب ثمّ من نطفة ثمّ من علقة ثمّ من مضغـة مخلّقة وغير مخلّقة "(40). " يخلقكم فـي بطون أمهاتكم خلقا من بعد خلق في ظلمـات ثلاث "(41). 

العـرض : " بواسطـة قرص ليـزري "

           بعد هذا العرض النظري والمشاهد فإني أطرح السؤال التالي :إذا كان القرآن الكريم يزخر بهذا الكمّ الهائل من الحقائق والإشارات العلمية المتنوّعة والهامة...، فهل يمكن اعتباره مرجع تأسيسي في هذا المجال؟ أي كتاب نظريات علمية...؟الحقيقة أن القرآن الكريم ليس كتاب نظريات علمية مفترضة، أو شارحا لحقائق علمية ثابتة، أو معملا تجري فيه التجارب، ليتوصّل منها إلى نتائج علمية تخالف المتعارف عليه أو تؤكده، وإنّما هو كتاب هداية للبشرية جمعاء تسعد إذا سارت على تعاليمه، وتشقى إذا ضلت عنها. وهو منهج متكامل لحياة الفرد والمجتمع لينطلق في الحدود التي رسمها له دون أن يلجأ إلى تفصيلات وجزئيات علمية وتجارب معملية، وإنما يدع ذلك للعقل بعد أن يأخذ حظّه من التقويم ليعمل على صلاح البشرية وإسعادها.وتطبيق النظريات العلمية على النصوص القرآنية لا يتماشى مع سنة التطور، فالنص القرآني ثابت ومتيقن لا مجال للشك فيه، أما العلم فإنه متغير ومحتمل بحكم التطوّر الذي يطرأ عليه، فالنظرية العلمية التي نعتنقها اليوم ونحاول تطبيق النص القرآني عليها باذلين الجهد والمشقة حتى نصل في النهاية إلى الاتفاق الكامل بينهما، فهذه النظرية الثابتة اليوم قد يثبت خطؤها غدا وتنتقض بنظرية أخرى تخالفها، ومن يدرينا أن هذه النظرية الأخرى قد يطرأ عليها ما يغيرها ويفنّدها هي أيضا...، ولذلك ينبغي أن نتهيب كثيرا قبل أن نتورّط في إقحام العلم على النصوص القرآنية.نعم قد يشير القرآن إلى بعض الحقائق الكونية إشارة مجملة لا تفصيل فيها. ومن الواجب أن نتفهمها ونأخذ بها لأننا نستيقن من صحتها لمجرّد ذكر القرآن لها، والقرآن كتاب لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، وما دام القرآن قد ذكرها مجملة، فكل تفصيل في الظواهر الكونية من خلال النص القرآني قد يجعل القرآن نفسه عرضة للتغيير والتبديل، فالشيء إذا ذكر مجملا في القرآن أخذنا به كما هو لأنه صادق، أما ذكر التفصيلات وحشد الجزئيات والتماس العلل والأسباب فهي غير صحيحة دائما، وغير مسلّم بها أبدا، وإنما تحتمل الخطأ والصواب...ومن ثمّ لا ينبغي أن نجري بالنص القرآني وراء آية نظرية علمية، وإنما نتقبلها فقط حين لا تعارض الحقائق المجملة التي ذكرها القرآن وقررها.و إذا كنا لا نجد تناقضا بين الآيات الكونية المذكورة في القرآن و بين ما يكتشفه العلم في حاضره أو مستقبله، فليس هذا دليلا على إعجازه، وإنما هو دليل فقط على أنه منزّل من قبل الله سبحانه، ويؤكد هذا السيوطي في معترك الأقران :" وليس كل ما نزل من السماء معجزا، فالتوراة والإنجيل وغيرهما من الكتب السماوية جاءت من قبل الله ولم توصف بالإعجاز كما وصف القرآن، ولم يقع بها التحدي كما وقع في القرآن "(42).ونضيف إلى ذلك أيضا أن الآيات الكونية لا تشتمل سور القرآن كلّها، ولا آياته كلّها وإنما تقع فقط في بعض السور دون بعضها الآخر، وفي بعض الآيات دون البعض الآخر وعددها (800 آية)، ومعلوم أن التحدّي  قد وقع بأي سورة من سور القرآن، فكل سورة من سوره فيها إعجاز لا يبلغه أحد، فلو كان القرآن معجزا بسبب الإشارات العلمية المتفرقة في ثنايا بعض آياته لكان كثير من سور القرآن التي تخلو من مثل هذه الإشارات بعيدة عن الإعجاز، ولم يقل بذلك أحد، حتى العلماء أنفسهم الذين نادوا بالإعجاز العلمي للقرآن.وحسبنا هنا ما قاله الشيخ محمود شلتوت بهذا الصدد :" فلندع للقرآن عظمته وجلالته ولنخلع عليه قدسيته ومهابته، ولنعلم أن ما تضمنه من الإشارة إلى أسرار الخلق وظواهر الطبيعة، إنما هو لقصد الحث على التأمل والبحث والنظر ليزداد الناس إيمانا مع إيمانهم. وحسبنا أن القرآن لم يصادم ولن يصادم حقيقة من حقائق العلوم تطمئنّ إليها العقول "(43).فإذا تحققنا من أنّ الغرض من إدراج كل هذه الأسرار والظواهر والإشارات هو تعميق إيمان الفرد وتقويته، فكيف يستطيع علماء المسلمين اليوم تأكيد هذه الحقيقة في واقع تغيرت فيه الأساليب والآليات والثقافات، وتفاقمت التحديات؟إنّ حيوية القرآن وديناميكيته تستوجب مسايرته لكل الظروف والمغايرات وانطواءه على سرّ استمراريته وسيرورته، فرغم مرّ السنين والعقود وتنوّع القراءات والدراسات والتفسيرات...، فإنه سيظلّ محتفظا بهذا السرّ العجيب بحيث يشعر كلّ من يعيد قراءته كما لم يقرأه من قبل، وهو ما يؤكده الأثر :" يحشر هذا القرآن يوم القيامة بكرا ".فأي مرحلة يمرّ بها المسلمون اليوم في علاقتهم بكتابهم من الناحية الفكرية والثقافية؟

شكــرا والســلام

القيروان في : 21/02/2007

الأستــاذ : السيـد الشريـف                             

 (1)   رواه ابن ماجه (2)   ابن عبد البر: جامع بيان العلم وفضله(3)   أخرجه مسلم في صحيحه(4)   سورة التوبة  - 123(5)   رواه الإمام أحمد في مسنده(6)   رواه أبو داود والترمذي وابن ماجه(7)   رواه ابن ماجه

(8)   رواه البخاري ومسلم

(9)   طه - 111(10)  الأعراف - 185(11)  الأعراف – 54       (12)  آل عمران – 190/191(13)  الرعد - 8(14)       الجاثية – 13 (15)  الجاثية – 3/5(16)  يونس - 5(17)  الروم - 8(18)  الذاريات -21(19)  الغاشية – 17/20(20)  النحل - 78(21)  الأعراف - 179(22)  يوسف - 76(23)  البقرة - 254(24)  البقرة – 31/32(25)  فاطر – 27/28(26)  العلوم البيولوجية في خدمة تفسير القرآن الكريم "عبد الحفيظ حلمي محمد" / مجلة عالم الفكر (مارس 1982)(27)  تفسير الإمام البيضاوي "الجامع لأحكام القرآن"(28)  مجلة نقوش الباكستانية (وحيد الدين خان) –1973-(29)  النساء - 82(30)  العلوم البيولوجية في خدمة تفسير القرآن الكريم "عبد الحفيظ حلمي محمد" / مجلة عالم الفكر (مارس 1982)(31)  دراسة الكتب المقدسة في ضوء المعارف الحديثة – موريس بيكاي – ص 144(32)  المصدر السابق ص 174(33)  الأنبياء – 30  (34)  الأنعام - 38(35)  الزمر - 5(36)  الأنبياء - 44(37)  الحجر - 22(38)  يـس - 36(39)  الطارق – 6/7(40)  الحج - 5(41)  الزمر - 6(42)  معترك الأقران - السيوطي(43)  محمود شلتوت (الرسالة)

 

تاريخ آخر تحديث: الأربعاء, 16 تموز/يوليو 2008 08:01