صفحة الاستقبال مكتبة المدرّس التشريع في العصر الحديث

كتاب التربية الإسلامية والتنشئة على القيم

التشريع في العصر الحديث طباعة أرسل إلى صديق
الكاتب: الأزهر البريكي   

 

العقل الإسلامي في العصر الحالي     دراسة للأستاذ الأزهر بريكي ، المعهد النموذجي بالقيروان

المقدمة

عقل الفرد المكلف هو أداة فهمه للأحكام والامتثال إليها وهو مطالب شرعا بمزاولة أقدار عقلية تتناسب مع إمكاناته واستطاعته ومحمول على لزوم بذل أكبر ما يمكن من حظوظ الفهم والاستيعاب والتفكر في الشرع والكون والنفس، بهدف تقوية الإيمان، وتصحيح التعبد والتعامل وترشيد السلوك وتهذيب الأخلاق، حتى بلوغ درجات الكمال أو الاقتراب منه.

-أما عقل الخاصة والنخبة والصفوة فهو عقل العلماء والمجتهدين والخبراء الذين توفرت لهم حظوظ من الفهم والاستيعاب والتمييز لم تتوفر لغيرهم من العامة... وهي تتفاوت رسوخا وعمقا بتفاوت صلاح النفس وعمق التحصيل وطول الخبرة وتدريب الملكة على البذل والنظر والتأمل...

وواجب العلماء اليوم تشكيل عقل جماعي متخصص ينظر إلى الواقع بشمول وإحاطة واستيعاب ...

إن التحديات الفكرية والاقتصادية والحضارية المعاصرة التي تواجه الكيان العام وتستهدف البناء القيمي التشريعي الإسلامي لن يكون مقدورا عليها إلا بتشكيل العقل العام والضمير الجماعي المتشبع بالروح العقدية والفكرية الأصيلة، والروح المعنوية المتشبع بالروح العقدية والفكرية الأصيلة، والروح المعنوية والوجدانية العالية والنفس الإصلاحي التعميري الشامل والرغبة في الشهادة على العالم وإحياء الخيرية والرحمة لكافة الناس.

فطبقة العلماء المجتهدين لا يقدرون على توجيه الأمة نحو ما اعتبروه صلاحا لها، واجتهدوا في عده واجبا أكيدا في نوازل العصر ومشكلات التنمية الحضارية، التقدم الصناعي والتكنولوجي والإعلامي، إنهم لن يكونوا قادرين على ذلك، إلا إذا تهيأت العقول العامة لذلك، وتصححت المفاهيم والتصورات، وانتظمت الأفكار والرؤى وفق منهجية تراعي الأولى والأهم والأصلح والأكثر فائدة، وزالت همومها الفكرية السلبية من تعصب لا مبرر له، ومن تقليد لا وجاهة له، ومن تحلل لا مسوغ له ...

فإعادة بناء العقل العربي الإسلامي وتحديد صياغته (أنظر ما كتبه كل من عماد الدين خليل في كتابه "إعادة تشكيل العقل المسلم" والطريري في كتاب "العقل العربي وإعادة التشكيل" وفق منهج الإصلاح الإسلامي يعد من أعظم المهام الاجتهادية المنوطة بدور الخاصة من الأمة، مجتهدين ومصلحين وقادة ودعاة وخبراء وغيرهم، بل أنه الهدف الأكبر والإطار الأجمع الذي ستؤول إليه كافة الإصلاحات والاجتهادات العامة والخاصة الكلية والجزئية.

إن هذه الصياغة الجديدة للعقل لها مهمتان اثنتان:

أ- إعادة التأصيل للعملية العقلية حتى لا ينظر إلى القواطع الثوابت - الموافقات ج 2 ص 11 - على أنها مما يعاد فيها النظر تحت ضغط الواقع وتأثير المتغيرات ومواكبة التطورات والحضارات فواجب العقل الخاص والعام التحرك في إطار المنظومة الشرعية ...

ب- إعادة المعاصرة وتأكيد واقعية العقل وتفاعله مع الطيات الاجتهادي المحكومة بالمقاصد الشرعية المنضبطة ومناظرته للمستجدات والتطورات، واتسامه بالنزوع نحو العلمية والتخصصية والعملية والتجاوب مع فوائد الحضارة المعاصرة والأخذ منها بأقدار مصلحية تستجيب للضوابط الشرعية والأخلاقية .

الثوابت والمتغيرات في الشريعة :

إن علماء الشريعة ومجتهد بها توصلوا باستقراء الأدلة والأحكام والقرائن والأمارات الشرعية إلى تقرير صفتين اثنتين للشريعة وأحكامها وتعاليمها، صفة الثبات والقطع وصفة التغير والظن "سميت كذلك: منطقة الفراغ العفو".

¬ أطلقوا صفة الثبات والقطع على طائفة من الأحكام التي اعتبروها من المسلمات والمقررات الدائمة والثابتة على مر الأيام والعصور وفي كل ملة وأمة ...

¬ كما أطلقوا صفة التغير والظن والاحتمال على غير تلك الأحكام التي اتسمت بمراعاة البيئات والظروف ومسايرة أعراف الناس وعاداتهم وحاجياتهم.

فما هي إذن القطعيات المقررة التي لا يمكن بأي حال من الأحوال تغييرها أو تنقيحها بموجب النظر المقاصدي والمعلمي؟

 

المبحث الأول

القطعيات التي لا تقبل الاجتهاد المقاصدي

 

العقيدة هي جملة القضايا والتصورات التي يجب على الإنسان أن يؤمن بها على سبيل القطع واليقين والتسليم الكامل للخالق المعبود، ومثالها: الإيمان بالله تعالى وبجميع صفاته وأسمائه وأفعاله، والتصديق بجميع الرسل والأنبياء وكتبهم ورسالاتهم، والإقرار بوجود الحياة بعد الموت، وحصول الجزاء ثوابا وعقابا، والإقامة الدائمة والسعادة الأبدية بجوار الرحمان رب العالمين... وغير ذلك من مسلمات العقيدة الإسلامية وأركانها المبسوطة في القرآن الكريم والسنة الصحيحة.

فهذه المسلمات قطعية وثابتة بمرور الأعصار وتقلب الأمصار، ولن يقوم أمر الإنسانية وأمنها وفلاحها في الدارين إلا إذا كانت تلك المسلمات والتصورات مركوزة في الأذهان، ومشفوعة بالأعمال الصالحة، متبوعة بنظم وعلاقات متزنة ومتماسكة ومفيدة في شتى نواحي الحياة وأحوالها وتصاريفها، في السياسة والاقتصاد والاجتماعي والتربية والأسرة والتعليم وغيره.

ومن هنا فإنه لا مسوغ  لبروز بعض الاختلالات الاعتقادية على مسيرة الحياة الإنسانية تحت غطاء التطور، وسنة الحياة، وضغط الواقع، ومسايرة الحضر، وذلك على نحو ما يرد من حين لآخر في تصورات الناس ومعتقداتهم وأفكارهم، مثل ادعاء النبوة، والتثليث، واتخاذ الأصنام الحسية أو المعنوية، واتخاذ الأضرحة وتقديس ساكنيها، اعتقادا في نفهم وضررهم وطول سلطانهم على الناس، ووضع التمائم في الصدور والأعناق، والمعلقات في البيوت والجدران، اعتقادا في ما وضعت له تلك التمائم والمعلقات.

إن كل ذلك وغيره باطل ومردود، وفساده بين وجلي، ومآله خسران صاحبه في العاجل والآجل واستحقاقه عذاب الله الأليم والخلود الأبدي في الجحيم.

 

العبادات:

وهي جملة النيات والأقوال والأعمال التي تنظم علاقة المعبود بالعابد، على نحو الطهارة والتيمم والصلاة والصوم والحج والزكاة والذكر والتنقل والتهجد والاستغفار والاستسقاء والكفن والدفن، وما يتعلق بكل ذلك من شروط وآداب وكيفيات مبينة في مواطنها.

وهذه العبادات لا يجوز تبديلها وتغييرها أو تعديلها وتنقيحها زيادة أو تنقيصا بدعوى الاستصلاح المرسل وزيادة الأجر، وتحسين الأداء، ومسايرة التطور، ورفع الحرج، ودفع المشقة، وتقرير التيسير.

والأصل فيها التعبد كما أراد المعبود، والامتثال كما أمر الشارع، إذ لا يعبد الشارع إلا بما شرع.

وقد يطرأ على المسيرة الإنسانية ما يعطل هذا المبدأ العظيم تحت أنواع من العناوين والشعارات والتعبيرات، منها: مراعاة التطور وتحرير طاقة الإنسان، والتخلص من القيود والمكبلات والحواجز، وتقرير الاجتهاد والتعليل والتفكر، والعبرة بالمقصد والغاية وليس بالوسيلة والكيفية، وغير ذلك مما يروجه بعض من لم يفهموا أن التعبد الشرعي الصحيح قائم على الثبات والقطع واليقين والدوام، وأن مصالحة المعتبرة لن يكون لها وجود إلا بتلك الصفات، وأن أي تغيير أو تنقيح لها يبطل فوائدها، ويضيع مصالحها، ويوقع الناس في هرج الفوضى العبادية والاضطراب الديني، ويحرمهم من خيرات التعبد المنضبط والثابت.

ومن أمثلة ما يطرأ من وقت لآخر: شواهد الابتداع والتزيد في العبادة، والدعوة إلى التحلل من بعض العبادات التي لم تعقل معانيها، أو التي لم تعد صالحة في هذا العصر، أو التي تلحق الضرر بالناس مثل ترك الإحرام في الطائرة، لأنه قد يؤدي إلى خلل في الطائرة بسبب الازدحام في دورات المياه، وترك شرب زمزم لأنه يورث الحجارة في الكلى، وتغيير مكان الحج وزمانه، وتعطيل الرؤية لثبوت الشهر والاكتفاء بالحساب، وترك الصلوات في الجماعة في الحرمين وفي غيرهما من المساجد لتجنب الازدحام وإذاية المسلمين. والضرر يزال؟؟؟ وحرارة الطقس، وضربات الشمس، واحتمال العدوى، وإدخال الطاقة لأركان الحج وواجباته التي هي أعظم من المستحبات والسنن كالجماعة التنفل !

 

المقدرات :

وهي جملة الأمور التي بينها الشارع بيانا محددا ومضبوطا لا يقبل الاحتمال والتأويل، ومثالها مسائل الميراث والعدة والحدود والكفارات الموضوعة لمعالجة الأخطاء والجنايات.

وهي متسمة بالثبات والقطعية والتقديثر المحكم، الذي لا يتبدل بتبدل الزمان والمكان والحال، وبتغير المصلحة والعرف والعادة الظرف.

وما قيل في المظاهر المقاصدية لهذه المقدرات ونواحيها المصلحية، إنما هو في فهم مصالحها المنوطة بهان وليس في تغييرها بحسب المصلحة وبما دعت إليه الضرورة، وكذلك ما قيل في أن السلف والمجتهدين يعطلون أحيانا أمرا مقدرا كما فعل عمر في إسقاط منهم المؤلفة قلوبهم، وإسقاط الحد عام المجاعة، وقتل الجماعة بالواحد، وغير ذلك من الأمثلة التي قضى فيها عمر وغيره من أعلام الاجتهاد سلفا وخلفا. والتي ظن أو توهم أنها خضعت لعملية الاستصلاح والتعليل، وتغيرت أحكامها على وفق ذلكن إن كل تلك الأمثلة المقدرة لم تعطل بسبب النظر المصلحي، أو أن العقل توصل إلى تغيير ذلك، بل لم يقع تطبيقعها لأنها بعد النظر والتحقيق تبين أن مناطاتها وشروطها لم تتوفر بعدن وان مصالحها المعتبرة المنوطة بها ليس لها وجود لو طبقت على ذلك الوضع، فهي في الحقيقة معللة بالمصالح المشروعة المعتبرة وجودا وعدما، وليس بتوهم المصالح الخيالية كما يدعي أصحاب هذا الرأي.

أصول المعاملات:

وهي مبادئ التعامل الكبرى وقواعد الأخلاق العامة، على نحو: قيم العدل والشورى والأمانة، والأمر المعروف والنهي عن المنكر، والوفاء بالوعد والصلح، وأخذ الحكمة، وتبجيل الكبير، ومساعدة الصغير وذي الحاجة والفاقة، وتفريج الكرب والنوائب عن المعسرين والغارمين والمصابين، وإكرام الضيف، وغير ذلك من الفضائل المقررة في كل أمة وملة، والجارية على وفق المعقول الراجحة والطباع السليمة، والتي لا ينبغي أن تعطل أو تغيب عن واقع الناس مهما كانت الادعاءات والإغراءات، ولا يمكن استخدام الاجتهاد المقاصدي إلا في معظم تفاصيلها وكيفياتها كما سنبين ذلك قريبا.

عموم القواطع:

وهي جملة ما يعد قطعيا في منظور الشرع إما بالتنصيص عليه، أو الإجماع عليه، أو ما علم من الدين بالضرورة أو غير ذلك مما لا يقبل التغيير والتعديل بموجب النظر المصلحي والعمل الاجتهادي مهما علت درجات ذلك الاجتهاد والاستصلاح وبلغت ما بلغت من القطع والوضوح والظهور والمشروعية، ومن قبيل ذلك قطعية المتواتر والإجماع، وكيفيات بعض المعاملات وغير ذلك.

المبحث الثاني

الظنيات التي تقبل الاجتهاد المقاصدي

 

وهي المجالات التي تتغير مسائلها وفروعها بتغير الأزمان والأحوال مراعاة من الشارع، لتحقيق المصالح الإنسانية والحاجيات الحياتية المختلفة وفق الضوابط الشرعية المعلومة، وليس تقرير طابعها الظني الاحتمالي غلا لكونه ينطوي على عدة معان ومدلولات تتعين وتترجح وفق الاجتهاد المقاصدي، وتقدير المصالح وشروط التأويل وغير ذلك، وتلك المجالات هي على النحو التالي:

الوسائل الخادمة للعقيدة:

ونعني بذلك مجموع الطرائق والكيفيات الدعوية والخطابية والتعليمية والجدلية التي تستخدم في بيان العقيدة الإسلامية، وترسيخ مبادئها وأركانها ومسائلها في نفوس الناس وعقول الجماهير، وغرسها في عقول الخاصة والعامة، وبث آثارها ونتائجها في أحوال الحياة ومناحي الوجود وميادين الحياة عامة.

فالعقيدة الإسلامية أمر قطعي مسلم به، أما وسائل وطرائق بيانها وتجذيرها فمتغير بحسب تغير الزمان وأهله وعلومه وأحواله وأساليبه، فهي تتراوح بين الكلمة الطيبة، والموعظة الحسنة، والقول البليغ، والحجة الدامغة، والجدل البناء، والحار الأدبي، والمناظرة الفكرية والفلسفة المنطقية واستعمال العلوم المعاصرة والتكنولوجيا ووسائل الإعلام والاتصال، والمكتشفات الطبية والكونية والإنسانية، وكل ما توصلت إليه الحضارة الحالية من نتائج علمية وتجارب ميدانية قد تخدم قضية العقيدة الإسلامية، وتقوي بنيانها، وتجذر مسائلها، وتعمق الارتباط والاعتماد عليها.

والحياة المعاصرة اليوم هي في أشد الحاجة إلى أني قوم أهل العلم في مختلف فنونه وفروعه بدورهم البناء في إعادة بناء العقيدة في نفوس الناس، بتطوير ما يوصل إليها من طرائق وسبل تجمع بين الموروث النقلي والمحصول العصري، وباستثمار المستجدات العلمية من وسائل سمعية بصرية وفنية وإعلامية، وهذا ما يحتمه الاجتهاد المعاصر، ويؤكده النظر المصلحي الواقعي، مع وجوب المحافظة على جوهر تلك العقيدة  والإبقاء عليها صافية ونقية وسليمة من التحريف والتشويش كما نقلت عن صاحب الشرع العزيز، وكما رويت عن النبي المعصوم r .

إنه لا يعد من المبالغة القول بأن الألوف المألفة في العصر الحاضر قد عزفت عن القراءة والمطالعة، وانشغلت بما صرفها عن ذلك من جهاد في الرزق ومتابعة للمواسم والمهرجانات الثقافية والفنية والرياضية، واستقبال الشاشات التلفزية والحاسوبية والإلكترونية وغير ذلك، ثم إن أولئك الألوف لم يكن بينهم وبين لعقيدة سوى بعض الخيوط البسيطة والروابط الضعيفة التي لا يمكن أن تقوى على مواجهة ما يتحدى عقيدتهم ويتهددها، هذا إن لم نقل إن ألوفا آخرين في حالهم مع العقيدة كحال الميت مع الحركة والوعي والتعبير، إذ هم في واد والعقيدة في واد، ولا يكادون يسمعون شيئا عما يذكر بالاعتقاد الصحيح ويجدده ويقويه.

إن العلماء والمصلحين أمام هذه الحالة التعيسة في عصر الثورة العلمية والتكنولوجية والمعلوماتية ليس لهم من بد سوى توظيف تلك الثورة لإعادة المسلم إلى سالف عقيدته الصحيحة، ولدعوة غير المسلم إلى تلك العقيدة وإلى إعلان خضوعه لله تعالى، والائتمار بما أمر به والانتهاء عما نهى عنه.

أليس من المصلحة القطعية والضرورية والكلية أن تربط العقيدة بأجهزة الإنترنت والفضائيات، وأن تسجل في سجلات الأجهزة المعلوماتية المختلفة بطرق مرغبة وأساليب ميسرة وسائل معاصرة تكون مساوية أو أفضل من البرامج المختلفة التي استخدم فيها أصحابها أنفس الأساليب وأقوم المسالك بكيفية جعلت جمهور المتابعين يقدسونها ويسبحون بحمدها ويضحون بكل ما عندهم في سبيل تحصيلها ومشادها وترديدها والتأثر بها؟

أليس من الضرر القطعي والمفاسد الكلية والخراب المدمر أن تسخر المكتشفات الإعلامية والاتصالية لهتك القيم والفضائل، ودرس النظم والمحاسن، وتشويش العقل بما لا يحفظه، وإشغال النفس بما لا يصونها من سلامة المآل في العاجل والآجل، وتلهيه الجماهير الكثيرة عن مستقبلها المنشود وحضارتها المضيئة، وإنهاكها بالإثارة والإغراء والاستخفاف والاحتقار والدعايات والمغالطات والتحريفات والمزايدات والإهانات والاستفزازات؟

أليس من الواجب إذن كما قال الشاطبي أن تسخر هذه المكتشفات في خدمة العقيدة الإسلامية بمعناها الشامل، لأنه إن لم تسخر في ذلك فستسخر لخدمة ما يفسد العقيدة ويغيبها عن نفوس الناس وظواهر الحياة؟ وهذا هو الذي قصدناه بوجوب البحث عن أنجع الوسائل وأحسن الطرائق لتحقيق القاعدة النظرية الاعتقادية التي ستكون منطلقا نحو البناء الحضاري الإسلامي المأمول.

وامتنا أحوج ما تكون اليوم إلى من يجدد إيمانها ويجدد فضائلها، ويحدد معالم شخصيتها، ويعمل على إنشاء جيل مسلم يقوم في عالم اليوم بما قام به جيل الصحابة من قبل.

الوسائل الخادمة للعبادات:

ونقصد بها مجموع الطرائق والسبل والكيفيات التي تساعد على قيام العبادات، والمحافظة عليها، وضمان وقوعها وتعاظمها وتكاثرها بشدة الإقبال عليها، والإكثار منها، والارتباط بها وذلك بتوفير ما يكون شعريا مقبولا، وميسرا لأدائها والقيام بها.

وأمثلة ذلك كثيرة منها: استعمال مضخمات الصوت في الآذان والصلوات والجمعات والأعياد، وترحيل الحجاج وتنظيمهم، واتخاذ طوابق الطواف والسعي بين الصفا والمروة ورمي الجمرات، وتفويض جهات معينة لتولى ذبح الهدي والإفادة به، كل ذلك يفعل لتجنب الازدحام والاختلاط والضرر والهلاك والتلوث والعدوى وغير ذلك.

وبناء الحمامات ودورات المياه وبعث الإنارة، والتكييف المناخي، ووضع المتكآت في المساجد والجوامع والمصليات، ونقر الدفوف، وضرب الطبول، وإعلان الصيحات عند رؤية الهلال وإثبات الشهر والصوم والعيد، تعميما لفرحة عبادية كبرى، وإشاعة لعظمة المقدسات وحرمتها، وترسيخا لمعاني المظاهر التعبيدية والدينية في نفوس الناشئة وأذهان العامة، وحبيبهم في الارتباط بعبادة الخالق وطاعته ومحبته.

لقد ثبتت هذه الكيفيات والوسائل لتخدم العبادة، وتيسر أداءها، وتحقق ضمانها وكثرة الإقبال عليها وشدة التعلق بها، وهي مما استخدم فيها الاجتهاد المقاصدي الأصيل، وعمل فيها بالمصلحة الشرعية المعتبرة، إذ أن تلك الوسائل في حكم مقاصدها من حيث الوجوب والأهمية، وهي لا ينبغي أن تقدح في مشروعية العبادة ولا في جوهرها وحقيقتها.

أما إذا وجد غير ذلك فهو مردود باطل وليس له وجاهة مهما كانت المصلحة التي علل بها، كمن اقترح تغيير صلاة الجمعة إلى يوم الأحد في الدول الغربية لضمان العدد الأكبر من المصلين، ولعدم حرمان المسلمين من الصلاة والاستفادة منها في بلاد الكفر، وكمن اقترح أن تصلى الصلوات على الكراسي بدلا من القيام، لتحقيق الأداء الأحسن والخشوع الأفضل، وترك الإحرام من الميقات وفعله في جدة، قصد التيسير والتخفيف، ونفي الضرر المحتمل من التوارد على حمامات الطائرة، واحتمال تسرب المياه إلى أسلاكها وأجهزتها، وغير ذلك .. فالعبادة لا تفعل إلا كما أمر الشارع، والعابد لا يعرف حال تعبده إلا بفعل ما أمره به المعبود على الوجه المحدد، ولذلك قيل عن (التعبدي) إنه غير معلل ولا يعقل معناه، أي أنه لا يقبل التأويل والتوظيف بحسب الأنظار والآراء والشهوات والأمزجة، فلا يعبد الشارع إلا بما شرع.

تنبيه هام: الوسائل الموضوعة شرعا لا تقبل الاجتهاد المقاصدي:

الجدير بالذكر والتنبيه أن المقصود بالوسائل الخادمة للعبادة ليس هو جملة الوسائل الفقهية المصطلح عليها بشروط الصحة والكليف وسائر ما وضعه الشارع من أمارات وعلامات وأمور لا تصح العبادة إلا بها مثل الطهارة واستقبال القبلة وستر العورة والقيام والركوع والتشهد واستلام الحجر وشرب زمزم والتجرد وغير ذلك مما لا يقبل التغيير ولا التعديل مهما بلغت الإنسانية من أطوار التحضر والتحرر، ومهما جودل بالمصلحة التي يراد تغيير العبادة أو شروطها بها.

كيفيات بعض المعاملات:

ذكرنا سابقا أن أصول التعامل مضبوطة ومحددة ولا تقبل التغيير بموجب المصلحة والمنفعة، أما كيفيات تلك الأصول وتفاصيلها على سبيل الإجمال فهي محل نظر واجتهاد واستصلاح وتعليل في ضوء المبادئ والمقاصد الشرعية ودون أن تعود على أصولها بالإبطال والإلغاء.

ومثال ذلك: تفاصيل تطبيق الشورى والعدل وكيفيات الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. ففي مثال الشورى يجوز النظر في مدة لتعيين وطرقه، وشروط المشاركة والترشح، وأسباب العزل، وتوزيع الناخبين، وطرق الفرز، وعلاقة المجالس الشورية أو النيابية يغيرها من مؤسسات الدولة وأجهزتها. وفي مثال العدل تتحدد في ضوء المقاصد والمصالح تفاصيل التقاضي والمرافعات والاستئناف والتعقيب والتنفيذ. وفيما يتعلق بالنظم الإدارية فإنه يقع وفق مصالح الدولة ورعاياها ضبط إجراءات العمل والتقاعد والمعاش والترسيم والتفقد والمرافقة والتربص والتأديب والعزل وغيره.

 

 التصرفات السياسية:

وهي جملة التصرفات التي أوكلها الشارع إلى أولي الأمي من الساسة والحكام والعلماء كي يحددونها على وفق المصالح الشرعية، وذلك على نحو: إعـداد خطط التنمية وسياسات التعليم والإعلام، وتنظيم الهياكل والنظم الإدارية والمالية والفضائية، وضمان الأمن، وزجر البغاة، وصد المعتدين، وتقوية الجيوش، وإنشاء الحروب، وإبرام المصالحات والمعاهدات والاتفاقيات، وغير ذلك مما يراه أهل السياسة الحكماء بمصالح الدولة، والخبراء بقواعد الشريعة ومقاصدها المقررة.

ويتفرع عن ذلك تقييد بعض المباحات، والحد من الحريات العامة والخاصة، واتخاذ التعازير والإلزامات المالية الإضافية، وغيرها مما تتعين ضرورته حسب ضوابط الدين، وشروط الاجتهاد، وقواعد الاستصلاح المقرر، وليس لمجرد الهوى والتشهي، أو بسبب الفساد المالي والسياسي، واستثار طبقة الحكام والخاصة بمالية الأمة على حساب العامة من الرعايا والمواطنين.

النوازل الاضطرارية:

وهي جملة الحوادث التي يضطر إليها المسلمون، فرادى أو جماعات، وليس لهم من سبيل سوى الأخذ بالمحظور بقدره، وإلا وقعوا في الهلاك البين والمشقة غير المعتادة ومثالها: سائر أحكام الرخص والضروريات، كأكل الميتة للمصاب بالجوع الشديد المفضي إلى الوفاة أو الإشراف عليه. وشرب الخمر لمن أصيب بغصة مميتة له، وجواز أخز مال الغير خشية الهلاك المحقق، وما أشبه ذلك مكن الحوادث والنوازل التي يعمل فيها بترجيح مصلحة المضطر على ملازمة الحظر والمنع، كل ذلك يعمل فيه بشروط الضرورة القصوى والاكتفاء بالقدر الذي يزيلها دون بغي وتماد.ومما ينبغي التأكيد عليه أن الضرورة المبيحة للمحظور وفي الحالات الفردية أو الجماعية، ينبغي أن يتحقق منها فعلا ويتأكد مناطها ومتعلقاتها على سبيل القطع أو الظن الغالب وليس على مجرد الشك والوهم، وادعا ما ليس فيه حجة ووجاهة.

المسائل المتعارضة:

وهي المسائل التي تتعارض فيما بينها ولا يمكن الجمع بينها، فإنه يمكن الترجيح بينها باعتماد مصلحة مرجحة أو مقصد أقوى في درجة الاعتبار والمناسبة، ومن قبيل ذلك الأحكام الاستحسانية التي عدل فيها عن القياس وإلحاقها بنظائرها، لأنه لو استعمل فيها القياس لوصلت إلى نتائج تأبها الشريعة الإسلامية، وأحكام الرخص الفقهية كما مر قبل قليل، وكذلك سائر ما تتعارض فيه المصالح ويكون قابلا للترجيح بحسب النظر المقاصدي والتقدير المصلحي المشروع.

عموم الظنيات:

وهي المسائل التي لا نص ولا إجماع على أحكامها، والتي تسمى منطقة الفارغ أو منطقة العفو، والتي يحكم فيها بموجب النظر المصلحي والمقاصد الشرعية عن طريق القياس الفرعي والكلي والاستحسان والعرف واعتبار المآل، وهي شاملة لكل ما يقابل القطعي اليقيني مما ذكرناه سابقا، ومما يمكن أن يطرأ على مسيرة الحياة الإنسانية فيكون خاضعا للاجتهاد المقاصدي، وهذا يدب على الرفق الإلهي بالناس، وذلك باعتبار أن الإباحة أوسع ميدان لجولان حرية العمل، كما يدل على مرونة الشريعة وقابليتها للتأبيد والدوام والخلود إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها وهو خير الوارثين.

 

المبحث الثالث:

خطورة الإفراط في الاجتهاد المقاصدي

 

ذكرنا في ثنايا هذا البحث أن اعتبار المقصد الشرعي في عملة الاستنباط أمر مهم للغاية، بل هو من الضروري الذي لا ينبغي الاستغناء عنه، إذ الحكم الذي لا يلفت إلى مقصده وغايته وعلته يظل جسما بلا روح، وهيكلا خاليا من جوهره وكونه حقيقته.

غير أن التأكيد على هذا لا يعني المبالغة في استخدام المقاصد في الاجتهاد، ولا يفيد الإفراط بلا موجب، ولا الإقبال المتهور لعمل بالمصالح على حساب النصوص والضوابط والشروط الشرعية المقررة، وإنما يفيد كما هو معلوم التوسط والاعتدال، والأخذ بالعمل المقاصدي بمقداره وحدوده دون إفراط أو تفريط، ومن غير الوقوع في ما وقع فيه غلاة الظاهرية والحرفية الذين أهدروا الأقيسة والتعليل، وألغوا من دائرة الاجتهاد مصالح الخلق ومراعاة الأعراف والتطور واختلاف البيئات والأزمان والظروف، وما يتعلق بالوقائع والنصوص من حيثيات وقرائن وأمارات وملابسات، وغير ذلك مما يتوقف عليه الاجتهاد الشرعي الصحيح.

وقد وردت على مسيرة الفكر الإسلامي وتاريخ الفقه والاجتهاد حالات من الشذوذ عن منهج التوسط المقاصدي والاعتدال المصلحي، ومظاهر من الإفراط في التعويل على المصالح والمبالغة في الاعتداد بها

القول باستقلالها عن النصوص والأدلة الشرعية، أو لجعلها مصدرا يضاهي الوحي الكريم والإجماع المبارك، وكل ما في الأمر أن المقاصد التي تحددت في ضوئها أحكام تلك المشكلات، إنما هي معان ومدلولات شرعية مستخلصة من الأدلة ولانصوص والقرائن الشرعية الدينية، ومندرجة ضمن الضوابط والقواعد والقواطع الإسلامية المعلومة، فكأن معالجة تلك المشكلات قد تمت بما أوصل إلى تقرير تلك المقاصد من نصوص وأدلة وقرائن.. ولكن وبموجب تناهي النصوص ومحدوديتها في مقابل ضخامة الأقضية والحوادث، تأكد الاجتهاد فيما يستجد على وفق المقاصد وفي ضوء النصوص والأدلة.

ومما يجدر التذير به أن عرض هذه المشكلات والوقائع ليس بالأمر الجديد، إذ ليس فيه من الإضافة سوى الترتيب والتبسيط والتوضيح، وإبراز الناحية المقاصدية والجانب المصلحي لها تمشيا مع طبيعة هذا البحث ومتطلباته، وقد كان لمن تصدى لهذه المشكلات أفرادا أو مؤسسات فضل البحث والدراسة والتكييف الفقهي ومناقشة الأقوال والأدلة والترجيح بينها، واستخلاص ما ينبغي استخلاصه من أحكام ومواقف شرعية فقهية.

وقد التزمت بطابع الاختصار والتنوع والأمانة، فأبرزت المشكلة بإيجاز وأوردت حكمها وذكرت الخلاف حيالها غالبا، وركزت على إبراز ما تضمنته من مصالح ومنافع جلبا وتحصيلا، ومفاسد وأضرار درءا وإبعادا.

وتلك المشكلات وغيرها مبسوطة في مظانها من الكتب المعاصرة والدراسات الجامعية والبحوث والقرارات المجمعية، وهي مفيدة جدا ومهمة في بيان طبائعها وجوهرها ومتعلقاتها الفقهية والمقاصدية والواقعية، وغير ذلك مما يرهن قطعا ويقينا على صلاحية الشريعة وفاعلية الاجتهاد، ودور العلماء في بيان أحكام الله تعالى وتثبيتها في الوجود والحياة في مختلف النوازل والوقائع والمستجدات.

ويمكن أن نوزع تلك المشكلات إلى ثلاثة مجالات: المجال التعبيد، والمجال الطبي، والمجال المالي.

 

المبحث الأول :

المشكلات التعبدية في ضوء الاجتهاد المقاصدي

 

مكبرات الصوت في العبادة:

اتخذت في العصر الحالي مكبرات الصوت ومضخماته في الآذان والصلوات والجمعات والعيدين وخطبة عرفات وتنظيم الحجاج وترحيلهم، والمقصد من ذلك كله هو إسماع الجمهور وإفادتهم بمحتوى ما يذاع من معان وتوجيهات إسلامية، وكذلك تنظيم العابدين المصلين وحملهم على أداء العبادة على أحسن وجه، من حيث الاستواء، والائتمام، وعدم سبق الإمام، وتجسيد مظاهر الوحدة والاعتصام، وغير ذلك من مقاصد العبادة، التي يكون إسماع القائمين بها شرطيا ضروريا لها، هذا فضلا عن أن اتخاذ تلك المضخمات ليس له ما يعارضه من الناحية الشرعية، فهو لا يخل بجوهر العبادة ولا يعطل ما وضعه الشارع لصحتها وكمالها، ولم يأت على خلاف الأصول والقواعد العامة، بل إن له ما يعضده ويقويه، وهو المتمثل فيما يعرف بالمسمعين الذين يتولون إسماع المتأخرين والمتباعدين عن الخطيب والإمام والمدرس في المناسبات الكبرى، كمناسبة خطبة عرفة وصلاة العيد وغير ذلك، ثم إن القاعدة الشرعية تقول: بأن ما لا يتم واجب الاستفادة مما يقوله المتكلم إلا به فهو واجب.

الصلاة في الطائرة والمكوك والصاروخ:

يرى بعض الفقهاء أنه إذا حان وقت الصلاة والطائرة مستمرة في التحليق، وخشي المسلم من فوات وقت الصلات، فغنه يجوز له أو يجب عليه أداؤها بقدر الاستطاعة، أما إذا علم أنه يقدر على أدائها في وقتها بعد نزول الطائرة، أو جمعها مع غيرها كالظهر مع العصر أو المغرب مع العشاء، فإنه في هذه الحالة لا يجوز له أنه يصليها في الطائرة. والمقصد من ذلك هو المحافظة على أداء الصلاة في وقتها ونفي الضرورة والتكليف بما لا يُـطاق، والتيسير على المصلي بأمره بأدائها بحسب مستطاعه ومقدوره.

الصلاة على الكراسي:

اقترح أحدهم أداء الصلوات الجماعية على الكراسي كما يفعل النصارى في الكنائس، لضمان الخشوع والتأمل وتكميل مظاهر الوحدة والسكينة، وقد اعترض على هذا الاقتراح الهزيل المضحك بأنه سذاجة وسخافة لمعارضته لأصل التعبد والامتثال، ذلك أن القيام في الصلاة والاستواء في الصفوف وأعمال الركوع والسجود والجلوس والقيام وغيره، هي من الأمور المطلوبة بالكيفية التي حددها الشارع، وهي لا تقبل الاجتهاد بالتغيير أو التنقيح أو التعديل، لأنها من القواطع اليقينية الدائمة إلى يوم الدين، وهي مما تحقق إرادة الامتثال.الأكمل والخضوع الأتــــم لله المعبود، ولا يعبد الشارع إلا بما شرع.

تغيير صلاة الجمعة إلى الأحد:

اقترح أحدهم كذلك تغيير صلاة الجمعة للمقيمين في أمريكا على يوم الأحد، لإحضار أكبر عدد ممكن من المصلين ولتعميم الفائدة والنفع، وقد اعترض على هذا الاقتراح السخيف المضحك بأنه وقوع في التشريع بالهوى والتشهي، وتعطيل لثوابت لعبادة والامتثال، وأنه تغيير لحدود الله تعالى، وتبديل لما وضعه من أمارات وشروط وقرائن  مضبوطة لا تقبل الزيادة ولا النقصان، مهما تطورت الحياة وازدهرت الحضارات، فالجمعة عبادة محددة بزمن معلوم وهو زوال يوم الجمعة وليس يوم الأحد.

اعتماد الرؤية والاستئناس بالحساب في ثبوت الشهر:

ثبوت الشهر يتم بالرؤية الشرعية ويستأنس فيه بالحساب لورود الأدلة على ذلك، أما الدعوة على ترك الرؤية والاكتفاء بالحساب فهي مردودة وضعيفة لمعارضتها لأدلة على ذلك، أما الدعوة على ترك الرؤية والاكتفاء بالحساب فهي مردودة وضعيفة لمعارضتها لأدلة موضوعة لتقرير أمر تعبدي وشعائري، تثبت بموجبه فريضة الصيام المحكمة ومناسك الحج القاطعة، ولأنه مفوت لحكم وأسرار كثيرة تترتب على ممارسة الرؤية، لعل من أهمها تهيئة المسلمين، روحيا ووجدانيا لاستقبال الصيام والحج، وتعميم الفرحة والسعادة بالعيدين، وإشاعة الأجواء المعنوية والمظاهر الحسية العامة المؤدية إلى تحبيب الناس في الشعائر وتقريبهم منها، وإعمال النظر في الأفق المتعالي والتأمل في الكواكب السيارة وتطوير معارف الفضاء، وغير ذلك من مدلولات الحث على الرؤية، صوما وإفطارا، حجا واعتمارا، تأملا واختبارا.

الإحرام من جدة :

الإحرام له مواقيته الزمانية والمكانية، وهو من التعبدي الذي لا يقبل الاجتهاد، والدعوة إلى  تغيير مكان الإحرام وتعويضه بجدة عموما قول مردود، وما قيل في إمكانيته في بعض الأحوال فهو من قبيل الإفتاء الخاص المحدد بشروطه وحدوده، وليس من قبيل التشريع المؤبد المغاير لأحكام الشرع، فالمواقيت محددة ومضبوطة، وجدة ليست منها، والإمكانات العصرية متوفرة لأداء الإحرام في الطائرة أو السفينة من الميقات المكاني الشرعي المحدد بالنصوص الشرعية الثابتة والصحيحة.

وما قيل في أن محاذاة الميقات من الطائرة غير ممكن، أو إن ظروف الطائرة الداخلية غير مناسبة على نحو ما يتهددها من مخاطر تسرب المياه في أسلاكها وأجهزتا، وعلى نحو شدة برودة الجو ويحتاج إلى التدثر بالثياب، وفي الغالب لا يوجد في ثياب الإحرام ما يصلح للتدثر، فكل ما قيل لا يصمد أما مبدئية ومشروعية الإحرام من الميقات المكاني المحدد، فتحديد الميقات معناه عدم تجاوزه إلا في حالة إحرام وقصد وتجرد، واستعداد معنوي وحسي كامل، تعظيما لشعائر الله، ومخالفته للمعهود من العيش، واستحضارا لحال الإنسان عند موته وبعثه، وإرادة الامتثال وطلب العفو والرضا والمغفرة من الرحمن الرحيم، وغير ذلك مما يحصل بفعل الإحرام بشروطه وآدابه والتي منها أداؤه في ميقاته برا أو جوا أو بحرا.

أما ظروف الطائرة فهي في العصر الحالي أفضل من ظروف البر بكثير، فمناخها مكيف وأجهزتها متطورة، ومواسير مياهها في حل من أسلاكها وأجهزتها، وصانع الطائرة ما صنع دوراتها المائية إلا ليستعملها الركاب كلهم أو بعضهم، والحجاج يمكنهم الاغتسال والتجرد من منازلهم، وليس لهم في الطائرة سوى فعل النية والتلبية وغيرها مما لا يوقع في حرج الازدحام والاختلاط في الطائرة، بل إن فعل أعمال الإحرام في الطائرة ليس فيه بأمن الطائرة أو راحة الركاب أو سماحة الإسلام، أو غير ذلك مما يبرر به الكثير قولهم بفعل الإحرام من جدة.

طوابق الطواف:

اتخذ ذلك لتيسير المناسك ورفع الضرر المترتب على كثرة الوافدين وشد الازدحام، ودرء المشاق غير المعتادة والتي تصل إلى حد الموت المحقق والهلاك المبين، وفي أقل الحالات إلى تفويت الحج، وأدائه بكيفية مختلة ومضطربة ومنقوصة بسبب ذلك الازدحام، وقد بني هذا الأمر على قواعد التيسير والتخفيف ومبادئ نفي الضرر وإزالته، وعلى التوجيه النبوي الكريم المتعلق بفعل الميسور، وتجنب الحرج الواقع أيام مني.

الرجم ليلا:

أفضل الرجم بعد الزوال كما هو معلوم في السنة العطرة، غير أن الفقهاء والمجتهدين توسعوا في وقت الرجم، مراعاة للتيسير والتخفيف عن الحجاج ورفع الحرج والضيق ونفي الهلاك المحقق أو المحتمل، وبناء على بعض الآثار الشرعية الداعية إلى واجب رفع المشقة عن أصحاب الأعذار الشرعية الذين لا يمكنهم فعل الرجم في الوقت الأفضل، مثل الرعاة والسقاة والنساء الثفالى والقائمين على الرعاية الصحية والمرورية والأمنية لضيوف بيت الله الحرام.

 

 المبحث الثاني:

المشكلات الطبية في ضوء الاجتهاد المقاصدي:

 

الاستنساخ:

أجمعت كل الآراء والمواقف الفكرية والسياسية والقانونية على منع الاستنساخ البشري، وعلى اعتباره من أخطر الكوارث العلمية وأفزع منتجات الحضارة والتقديم والنماء المعرفي التكنولوجي، وذلك لما سيؤول إليه من نتائج مروعة وعواقب وخيمة على مستوى النظام الكوني ومنظومة الأخلاق والقوانين والأعراف الإنسانية العامة والخاصة.

فهو مميت للمؤسسة الزوجية وقاتل للمجتمع الإنساني، لإحداثه لأسلوب غريب في عملية التناسل والإنجاب، ولمعارضته الصريحة لمعاني المودة والسكن، والرحمة والتآلف، والإعمار والتنمية، وغير ذلك من المعاني والقيم التي تتربى لدى الناشئة، بموجب البناء الأسري والتماسك الاجتماعي، وليس بمقتضى آلية الاستنساخ وطريقة إخراج الناس في شكل علب ومصنوعات معملية مخبرية.

وهو موقع في إبادة مقصد حفظ النسب والعرض، ومفض إلى الفوضى الأسرية، والطوفان الاجتماعي، ومضيع لقيمة الأمومة والبنوة والزوجية وسائر القرابة الدموية والعلاقة الصهرية، التي بني نظام الكون وسنن الحياة على وفقها، ففي نظام الاستنساخ لا تقدر على معرفة علاقة المستنسخ بغيره لا على سبيل القطع ولا الظن، فكيف تقدر على فهم ما ترتب على ذلك من حقوق وواجبات وآثار قانونية وأدبية لازمة.

إن الاستنساخ مناف لقيمة التنوع الإنساني واختلاف الألوان والأشكال والألسنة، قال تعالى: "ومن آياته، خلق السماوات والأرض واختلاف ألسنتكم وألوانكــم" (الروم 22) .. وقد كان من أغراض التنوع المذكور تحقيق التمايز، وتحديد نوعية الأواصر الأسرية والاجتماعية والكونية، وإثبات الحقوق والواجبات، وإقامة العدل والأمن، والتفريق بين المتهم الحقيقي والمتهم الوهمي الذي قد يحمل نفس العلامات والشبه الذي يحمله المتهم الحقيقي، فماذا تنتظر من الأشخاص المستنسخين سوى التشابه والتماثل المضيعين للحقوق، الموقعين في الفساد والهلاك؟

إن الاستنساخ معارض لقيمة حقوق الإنسان وكرامته ومكانته بين سائر الكائنات والمخلوقات، فالإنسان الذي كرمه الله تعالى وشرفه بنعم الإيمان والإسلام، والحياة والعقل، سيستوي مع الفئران والضفادع والقردة الموضوعة في المختبرات والمعامل، لإجراء الاختبارات والتجارب عليها، ثم عرض نتائج ذلك لعامة الناس، لإدخالها في سوق المساومات والمزايدات، وفي دور السمسرة والمتاجرة، كما أنه سيتعرض إلى أبشع مذبحة في التاريخ وأرذل مجزرة، من خلال إماتة شخصه وعواطفه وأحاسيسه، وتدمير خصائص كيانه وسماته، وجعله كتلة من اللحم جامدة، ونسخة مطابقة للأصل، ليس لها من الفعل والكدح والمجاهدة والتعبد والتحرر والتوجه نحو قيم الله الخالدة سوى ألقاب جوفاء وشعارات خاوية وفارغة.

إن الاستنساخ موقع في توهم مضاهاة خلق الله تبارك اسمه، وفي ادعاء درجة مهمة من التخليق، كما سولت لهم نفوسهم تسمية الاستنساخ بالتخليق للدلالة على أنه قريب من الخلق تعالى الله عما يقولون علوا كبيرا - فأين هم من الخلق أو من بعض الخلق الذي تفرد الله ذو العزة والجبروت به، وأين هم مما أوهموا به ضعاف النفوس، مغفلي العوام، ومرضى القلوب، ولعلهم يدركون ذلك جيدا ويقينا، إذ لم يسعفهم حظ النجاح بنسبة واحد في البليون، ولم يكن عملهم في الاستنساخ إلا باعتماد مواد مخلوقة وموجودة قبل خلقهم هم أنفسهم، والانطلاق منها بالتنسيق بينها وفق سنن الله وقوانينه، التي دعا الناس على إعمالها ومراعاتها، فهم مطبقون لأحكام الله، ومنفذون لأوامره اختيارا واضطرارا، ومقيدون بما فوضهم فيه خالق السماوات والأرض، وصدق الله حين قال: "والله خلقكم وما تعملون" الصافات 96.

الاستنساخ النباتي والحيواني:

انظر إلى الاستنساخ في دائرة النبات والحيوان على أنه ذو فوائد ومنافع مختلفة، على نحو الإكثار من المنتوج، وتحسين النوعية بأيسر جهود واقل التكاليف، وتحسين الأدوية كما ونوعا. إلا أنه وعلى الرغم من ذلك فإنه يظل محل حيطة وحذر وتريث في الحكم عليه وعلى آثاره ونتائجه، لتجنب ما قد يحدثه من أخطار خفية ومفاسد محتملة لا تظهر إلا بعد التجارب المتواصلة والمدد المتعاقبة، كما هو الحال في

آفة جنون البقر، التي لم تعرف إلا بعد أن "وقع الفأس في الرأس".

فواجب العلماء والخبراء تحقيق أمر الاستنساخ النباتي والحيواني، وتدقيق وضعه وطبيعته، وبذل الجهد الأقصى لاستشراف آثاره ومآلاته، وحتى لا يعود على الإنسان بوبال أعظم وخطر أعم مما ينتظر من فوائد ومنافع اقتصادية وصحية وبيئية، وأصل ذلك مقرر معلوم، ودرء المفاسد مقدم على جلب المصالح، ويرتكب الضرر الأخف لدرء الضرر الأشد، وغير ذلك كثير.

قتل المريض الميؤوس من شفائه:

حكم العلماء قديما وحديثا بمنع وتحريم قتل المريض الميؤوس من شفائه مهما كانت جسامة مرضه، ومهما تقدمت درجة إشرافه على الموت المحقق والهلاك الواضح والظاهر، وقد نظر في ذلك الحكم إلى جملة من المعطيات الشرعية والأسرار المقاصدية التي نوردها بإيجاز فيما يلي:

-إن أجلى حكمة لمنع القتل هو المحافظة على حق الحياة، الذي هو هبة إلهية عظمى لا يجوز لأي مخلوق أن يضعه تحت تأثير التلاعب والأمزجة والعواطف، فقد جعل الخلاف العليم الحياة حقا شرعيا وإنسانيا، يتصرف فيه وحده، بداية ونهاية، صحة ومرضا، وأمرا مقدسا لا يخضع للاستخفاف واللامبالاة، لذلك اعتبر قاتل النفس الواحدة كقاتل الناس جميعا.

-إن الآجال بيد الله تعالى، وإن دور الأطباء يتمثل في اتخاذ الأسباب والسنن التي توصل في الغالب إلى نتائجها ومسبباتها بحسب مشيئة الله تارك وتعالى، وإن حكم الطبيب على صحة هذا المريض أو موته هو كذلك بحسب الظاهر والظن الغالب، وقد يكون بعض المرضى الذين يئس من شفائهم وحكم معليهم بالموت ممن لا ينطبق عليهم ذلك الحكم فيكونون عرضة للتلاعب والإجحاف والتعسف والحرمان من فرصة الحياة، بموجب قرار إنساني قاصر ومتعجل وعام وأغلبي، وبمقتضى ادعاء وهمي لا فائدة فيه.

-إن تشريع هذا القتل ذريعة إلى الاستخفاف بصحة المريض، وطريق مفض على عدة أعمال وممارسات قد تتناقض مع شرف مهنة الطبيب وأخلاقياته الإنسانية النبيلة، ومع إيمانه المغلظة بأن لا يبيح سرا للمريض ولا يعطيه دواء قاتلا، ولا يؤذيه بأي نوع من أنواع الأذية، ماديا أو معنويان بل إن قصد قتله لبعد من أكبر الكبائر في عالم الجنايات والجرائم، هذا فضلا عن تنفيذ ذلك وفعله.

-إن تمكين المريض الميؤوس من شفاه من أخذ حقه في العلاج حتى في الفترات المستعصية دون تدخل لوضع حد لحياته وآلامه، إن تمكينه من ذلك فيه فوائد كثيرة، منها:

-تعميق البحوث والخبرات والتجارب الطبية التي ستحقق بلا شك التطور الطبي المنشود، إذ إن البقاء مع المريض ومعاشرته وبذل الجهد لإنقاذه حتى في الحالات التي يظن أنها مستحيلة الشفاء والآمال، كل ذلك قد يخدم المجال الطبي، وقد يجعل من قطعيات اليوم ظنيات الغد، فيصير المرض الذي اعتبر اليوم هلاكا محققا مفضيا إلى الموت داء عاديا سهل لعلاج غدا.

-تعميق معاني المواساة والتضحية والصبر والوفاء والتضامن بين أهل المريض وأبناء المجتمع، فيتماسك المجتمع وتتكامل جهوده وتزدهر حضارته.

أما إذا شرع هذا النوع من القتل ذاته، فإنه سيكون طريقا سهلا للفرار من الواجب الإسلامي والأدبي إزاء المريض من قبل أهله وذويه، وهو في حاجة ماسة إلى عطفهم ومعاناتهم، هذا فضلا عما سيكتب لهم من الأجر والثواب والجزاء الحسن عند الله تعالى نظير صبرهم وتضحياتهم.

-إعطاء المريض فرصة للخروج من الدنيا بأقل الذنوب والأوزار، وذلك بما يعانيه من الآلام المخففة للذنوب والعذاب، فقد ورد أن المريض أو المحتضر الذي يصارع آلام السقم أو النزع، له من الأجر والخير العظيمين في الدنيا والآخرة، لكن لا ينبغي أن يفهم هذا على أنه تنويه بالعذاب وحث عليه، ولكنه واقع لا محالة.

زرع الأعضاء:

التبرع بالعضو والتوصية به قبل الموت قصد الانتفاع به، بزرعه بدل عضو معطل، أو التعلم به، أمر اختلفت فيه أنظار الفقهاء، فمنهم من أجازه لما فيه من المصالح الشرعية المقررة، ومنافع الاستفادة من العضو تعلما أو استعمالا، مع وجوب استيفاء الشروط الضرورية الشرعية لذلك، والتي منها : أن لا يؤخذ العضو من الميت إلا بعد تحقق وفاته، ولا من الحي إلا بعد التأكد من عدم ضرره عليه، ويرجى يقينا نفعه لمن سيزرع له هذا لعضو.

ومنهم من منعه محافظة علىحرمة الميت وكرامته، وبناء على أن الجسم ملك لله تعالى لا يجوز التصرف فيهب البيع أو التبرع أو غير ذلك .. وعلى أي حال، فإن القول بجوازه أو منعه مبني في جزء

كبير منه على مراعاة المقاصد والالتفات إليها والتعويل عليها في الجواز أو المنع.

 

 نقل الدم :

وهو نقل الدم على سبيل التبرع من شخص صحيح إلى من يحتاجه لإجراء عملية جراحية أو تعويض الفقر الدموي ونحوه، فهو جائز ومرغب فيه لما فيه من التعاون على البر والتقوى، وإدامة المعروف والإحسان، وإسهاما في إنقاذ النفوس من الهلاك والموت بسبب الحوادث والأمراض، فهو بهذا الاعتبار محقق لمقصد حفظ النفوس، ومقصد حفظ الدين من ناحية تربية الناس على معاني التعاون والمواساة والتضحية ودرء الأنانية والجشع، وحبيبهم في أحكام الله ورسوله الداعية إلى فعل المعروف وإدامته.

بيع الدم:

وهو الأمر الذي اختلف في حكمه، فمنهم من منعه لأن الدم المسفوح نجس، ولأنه جزء من أجزاء الإنسان التي يمنع بيعها لحرمتها وكرامتها، ومنهم من إجازة لما فيه من المنفعة المشروعة، وحتى لوكان نجسا فإنه لا يمنع بيعه بناء على جواز بيع النجاسات، إذا تعلقت بها مصالح ومنافع، على نحو بيع الزبل وسائر النجاسات التي تتخذ سمادا للأرض بغرض إخصابها، وكذلك يمكن أن يقاس على بيع لبن الآدمية في أصح الأقوال، وعلى أخذ الأجرة في العبادات كالإمامة والأذان ورعاية المساجد وغيرها، أضف إلى ذلك الضرورة القاهرة التي تحتم بيعه حفظا لمصالح الناس وإحياء النفوس، ولا سيما عند عزوف الناس عن التبرع والتطوع، وهذا لا يغني عن حث الناس على فعل المعروف، وإدامة التطوع والإحسان، عوضا عن بيع الدم وأخذ عوض عنه.

الإجهاض في حالة الاغتصاب:

من أبشع الجرائم والمنكرات الاغتصاب والتعدي على العرض الذي أقره الله تعالى أصلا مقطوعا به في كل الملل والنحل.

وقد تتعرض المرأة إلى تلك الجريمة البشعة ويتكون في بطنها جنين بسبب ذلكن فتبقى في حيرة لا نهاية لها وتظل في تردد بين إسقاطه وما يستتبع ذلك من شعور بإثم الجناية على مخلوق، وبين إبقائه وما يستتبع ذلك من شعور بالخزي، وحصول أمراض نفسية وجسمية !

وحكم الإسقاط يختلف باختلاف مدة الحمل، فإذا كانت مدة الحمل أقل من أربعة أشهر يجوز الإسقاط على أساس أنه لم يتخلق،  والمقصد من ذلك هو درء المشكلات النفسية والحالات المرضية للمعتدى عليها، وتمكينها من التخلص من آثار الجريمة البشعة.

أما إذا كانت مدة الحمل قد تجاوزت أربعة أشهر، فإن المرأة عليها أولا أن تتأكد طبيا قبل مرور هذه المدة من حملها مباشرة إثر اغتصابها، وعليها الإسقاط إذا تأكدت من ذلك الحمل قبل مرورو الأشهر الأربعة، وإذا لم تتمكن من ذلك لعذر شرعي كحالة قيام الحروب، كما وقع في حرب البوسنة والهرسك، وبلغ الجنين مائة وعشرين يوما، "فإن قواعد الشريعة تتسع لجواز الإسقاط كحالة من حالات الضرورة مع دفع الكفارة، والضرورة لها أحكامها".

"وتدرك الضرورة في حالة الاغتصاب بأن المعتدى عليها تصاب - في الغالب والأعم - يمرض نفسي يؤدي على مرض جسماني قد يؤدي بحياتها، فإسقاط الجنين في هذه الحالة أخف ضررا من موتها .. وتدرك الضرورة أيضا من وجود طفل غير شرعي يحتاج على نفقة وإلى من يقوم بتربيته، ناهيك بأن المجتمع المحافظ كما هو الحال في المجتمعات الإسلامية لا يقبل في الغالب وجود أطفال غير شرعيين، الأمر الذي قد ينتج عنه أضرار لهم أنفسهم وللمجتمع الذي يعشون فيه"

وإذا أرادت المعتدى عليها إبقاء حنينها ولم توجد ضرورة قاهرة وحرج أقصى، وجب عليها عندئذ المحافظة عليه ورعايته، وإخراجه إنسانا صالحا، "فالمسألة ليست مجرد رغبة جامحة أو استخفاف بمخلوق من مخلوقات الله، ولكنها مسألة ضرورة إذا وجدت جاز ارتكاب المحظور لدفع ما هو أكبر منه، وإلا فلا"

 المبحث الثالث:

المشكلات المالية في ضوء الاجتهاد المقاصدي

 

زكاة المستغلات:

المستغلات هي الأموال التي تعود على أصحابها بفوائد وأرباح بواسطة تأجير عينها أو بيع ما يحصل من إنتاجها، ومثالها: العمارات والمصانع والفنادق وقاعات الأفراح والسيارات والطائرات والسفن وسائر وسائل النقل التي تنقل البضائع والأشخاص، وغير ذلك.

وقد اختلفت أنظار الفقهاء حيال مسألة الزكاة في هذه الأصناف المالية، فمنهم من مال إلى عدم الزكاة فيها، بناء على أنها ليست من الأصناف التي تحددت الزكاة فيها، ومنهم من أوجب الزكاة فيها، بناء

 

•-       على عدة أمور، منها،

•-       أنها من الأموال التي أوجب الله فيها الزكاة.

•-   أن علة وجوب الزكاة معقولة المعنى، وهي النماء والزيادة، وهذه الأموال توجد فيها هذه العلة، فيكون الوجوب لدوران العلة مع المعلول، وجودا وعدما.

•-   أن حكمة تشريع الزكاة هي التزكية والتطهير لأرباب المال أنفسهم، مساعدة المحتاجين، والإسهام في حماية دين الإسلام وتقوية الدولة المسلمة، وغير ذلك من الحكم والأسرار التي تجعل الزكاة في هذه الأصناف أولى وأنسب.. وإذا كانت الزكاة واجبة على صاحب الزرع والثمر القليل، فكيف لا تكون واجبة على مالك العمائر والمصانع والسفن والشاحنات، التي يكون دخلها أضعافا مضاعفة؟!

زكاة الرواتب والأجور ومختلف أنواع المال المستفاد:

المال المستفاد إذا حصلت شروط الزكاة فيه مثل النماء والنصاب وغيره، وجبت فيه الزكاة، وذلك مثل أجرة الطبيب والمحامي والمهندس والصانع والأستاذ ورجل الأعمال والموظف والحرفي وغيرهم، ودليل ذلك:

دخولهم في عموم الناس الموجب للزكاة.

إذا كان الشارع افترض الزكاة على الفلاح الذي يملك خمسة أفدنه، فإنه من الأنسب والأولى أن تجب الزكاة على صاحب حرفة كبيرة كالمحاماة والطب والهندسة، الذي تدر عليه خمسين فدانا، بل إنه ما يكسبه الطبيب في يوم واحد والمحامي في قضية واحدة يعدل ما يكسبه الفلاح طوال سنة بحاله، وهذا الرأي هو الأقرب إلى روح التشريع ومقاصد الشرع، وأنسب لصاحب المال، من حيث تطهير نفسه وماله، ولصاحب الحاجة من حيث مواساته مساعدته.

دفع القيمة في الزكاة:

اختلف العلماء في ذلك، فمنهم من منع إخراج القيمة استنادا بالأساس إلى اعتبار الزكاة عبادة وقربة أكثر منها معاملة غايتها المواساة والإحسان وسد الحاجة، ومنهم من أجاز إخراج القيمة بدلا عن العين، بناء على عدة أمور، منها ما يتصل بالمقاصد والتعليل، ويتمثل بالأساس في أن إخراج القيمة هم الأليق بالعصر وأهون على الناس، وأيسر في الحساب، ما لم يكن في ذلك ضرر بالفقراء أو أصحاب المال.

ففي زكاة الفطر مثلا يكون إخراج قيمتها أقرب إلى روح التشريع ومصلحة الفقراء، من حيث التوسعة عليهم وإغنائهم عن الحاجة في يوم العيد، ولا سيما فيما يتعلق باقتناء بعض حاجات اللباس والطعام (مثل حلويات العيد)، وغير ذلك من الحاجات أن يعودها ويحضروها إلا في وقت متسع، وإذا أخذوها نقدا وقيمة.

البيع بالتقسيط:

حكمه الجواز، لأن الأصل في الـأشياء الإباحة، ولم يرد نص على تحريمه وللبائع أن يزيد في الثمن لاعتبارات يراها ما لم تصل إلى الفحش.

أم الذين اعتبروه شبيها بالربا من جهة أنه زيادة في المال في مقابل الزمن، فهو غير ذي وجاهة معتبرة، لقيام الفرض بين الزيادة بسبب الزمن في القرض، وبين الزيادة بسبب البيع والتجارة.

بيع المزاد العلني:

 وهو بيع جائز، كما في بيع السيارات والحيوانات ومختلف الأمتعة، التي تعرض للبيع، ويتزايد الناس في سعرها، إلى أن يرضى البائع عن سعر معين، فيبيعها لمن اقترح ذلك السعر.

وهو نوع من أنواع المشروع الملبي لحاجيات السوق ومصالح الناس، مع ما ينبغي من استيفاء للشروط والضوابط الشرعية، حتى لا يخل بحقيقة العقد ومشروعية البيع ومصلحة أحد الطرفين.

ربط الديون والقروض والمعاملات بمستوى الأسعار:

حكمه المنع والتحريم، لأنه يؤدي إلى الغرر الفاحش بمقدار الثمن، وبقلب الأوضاع، فتقوم النقود بالسلع بدلا من أن تقوم السلع بالنقود، ولا يحقق العدالة، ولا يعالج مشكلة التضخم، ويعمق نفس علل الربا من الجهالة والنزاع والفحش الفادح بين المتعاملين، ويفضي إلى مزيد الظلم والإجحاف، لأنه يحمي الدائنين على حساب المدينين، الذين ليسوا سببا في ارتفاع التضخم، والدائنون هم الأثرياء في الغالب، والمدينون هم الفقراء في الغالب كذلك.

ومن ثم فهو لون من ألوان التعامل المفضية على تعميق الأحقاد والضغائن، والتحامل بين المتعاملين بسبب التحايل والغرر والجهالة والضر، وقد جاء قرار مجمع الفقه الإسلامي بجدة مانعا لذلك فيما يلي:"العبرة في وفاء الديون الثابتة بعملة ما هي بالمثل وليس بالقيمة، لأن الديون تفضي بأمثالها، فلا يجوز ربط الديون الثابتة في الذمة أيا كان مصدرها بمستوى الأسعار".

التأمين التعاوني:

وهو عقد بين جماعة كالتجار والمدرسين والجيران على دفع مقادير مالية، قصد الاستفادة منها عند حدوث مصيبة أو ظرف معين، يحتاج فيه صاحبه إلى المساعـدة والمواساة، والغرض من هذا التأمين هو تخفف المصيبة ودفع آثارها، وليس الربح وهو واضح الجواز والحلية لما فيه من مراعاة المبادئ والقيم الإسلامية النبيلة على نحو: التعاون على البر والتقوى، وتفريج الكرب، وتخفيف النوائب، وتعميق معاني التكاثف والتضامن والتقارب بين أفراد البلدة الواحد والمجتمع الواحد.

ويمكن أن يكون الغرض منه كذلك الربح الذي سيعود نفعه على المشتركين المصابين، وذلك باستثمار الأموال المدفوعة في الأعمال المشروعة كالمضاربة والمزارعة، مع ضرورة استحضار شروط ذلك من معرفة رأس المال و الربح وكيفية توزيعه.

فالربح هنا ليس هو مجرد كسب المال و حيازته لشخص واحد، بل هو محقق لهدف التعاون، لأنه سيعود على الكل، فكأنه زيادة للمقادير المالية المدفوعة الموضوعة، لمواجهة النوائب والشدائد، كما أنه واقع بممارسة طرق مشروعة في استثماره وتنميته.

التأمين التجاري:

  وهو عقد بين طرفين: مؤمن و مؤمن له، يقوم المؤمن بدفع مال للمؤمن له عند حلول خطر به، وقد عـده الفقهاء عقد غرر من قبل المؤمن له، لأنه قد يأخذ العوض إن حصل الحادث وقد لا يأخذه إن لم يحصل.. ومن قبل المؤمن، لأنه قد يأخذ المبلغ المتفق عليه وقد لا يأخذه، وهو غير متعادل غالبا.. وقد عده بعضهم بأنه عقد جهالة وقمار وربا وضمان بجعل ورهان محرم، وهو منهي عنه لتلك الاعتبارات ولما يفضي إليه من التنازع والغين والضرر بأحد المتعاملين أو بكليهما، أضف إلى ذلك فإن هناك الكثير من التأمينات التجارية المرتبطة بالشركات الأوروبية والصهيونية المتعاملة بالربا والتي تسخر ذلك لمزيد الإذلال والاستغلال والهيمنة.

وقد أصدر المجمع الفقهي بمكة المكرمة قرارا بالإجماع، يقضي بتحريم التأمين التجاري بكل أنواعه، سواء على النفس أو البضائع أو غيره، وذلك لأنه مشتمل على الغرر الفاحش، ولأنه ضرب من ضروب المقامرة، ولأنه مشتمل على ربا الفضل والنساء، فإن الشركة إذا دفعت للمستأمن أو لورثته أكثر مما دفعه من نقود لها، فهو ربا فضل، والمؤمن يدفع ذلك للمستأمن بعد مدة فيكون ربا نساء، وإذا دفعت الشركة للمستأمن مثل ما دفعه لها يكون ربا نساء فقط، وكلاهما محرم بالنص والإجماع، وهو كذلك مشتمل على الرهان المحرم، وسبيل لأخذ أموال الغير بلا وجه شرعي.

 اعتماد التدرج والمرحلية والفقه الأولوياتي:

تعد هذه الخاصية من الثوابت المهمة في عملية الإصلاح والتغيير وتنزيل الأحكام، وهي ذات أصول ممتدة إلى العصر النبوي وعصر السلف.. وليس موضوع مناسبات النزول والنسخ وبعض مباحث التعارض والترجيح في الأخبار والمعاني وغير ذلك، إلا دليلا على تقرير هذا المبدأ العظيم، ووجوب الالتفات إليه في عملية تنزيل الأحكام، وإصلاح الناس، وتحقيق المقاصد.

وعصرنا في أشد الحاجة إلى طروحات ومناهج تعتمد تقديم الأهم على المهم، وترجيح الأصلح على الصالح، ودرء الأفسد على الفاسد، فعصرنا قد سادت فيه أنواع من الفساد الاعتقادي والمالي والاجتماعي والأخلاقي، وليس فيه من بد سوى باعتماد ما يراه المصلحون والمجتهدون طريقا أوليا في العلاج والتوجيه.. فترى مثلا حصول أفهام خاطئة عن الإسلام بموجب التحامل والاحتكاك بالحضارة المادية، أو بموجب اهتراء الناحية العقائدية وضعفها.. وتلك الأفهام تؤثر بلا شك في تطبيق بعض الأحكام وتنزيلها، بل في اعتقادها والتسليم بها أحيانا.. والله المستعان - فإنه يتعين عند هذا الأمر بحث السبل المصححة لتلك الأفهام الخاطئة، حتى تعاد صياغة الشخصية الإسلامية التي ستتقبل تنفيذ ما أمرت به، وتتهيأ لقبوله واعتقاده.

إن ما ورثه العالم الإسلامي من (الغير) في مجالات حياتية

 

مختلفة، على نحو النظام الإداري والمالي والسياسي والتربوي والاقتصادي، وعلى الرغم من إيجابياته ومحاسنه، إن ذلك أثر على عقول كثيرة بقصد أو بغير قصد، وهو يحتاج بصورة أكيدة وملحة إلى فقه أولياتي مرحلي تدرجي، قصد الإصلاح والتحسين، وكي لا تصب المعالجات والحلول دفعة واحدة، فالزمن نفسه جزء من العلاج.. وما أصيب به المسلمون من تحامل أثر في البناء القانوني والاقتصادي والأخلاقي وغيره، لا يمكن أن يتغير بين عشية وضحاها.. وما تراه فئة إسلامية ضروريا ولازما، يراه غيرها جديرا بالتأخير والتريث حتى تتوفر ظروفه وأرضيته، وحتى يطبق على أحسب وجه، وحتى يحقق ما أراده الله تعالى من مقاصد وغايات.. وما يراه بعض العلماء في زمن ما مخلصا شرعيا، يراه غيرهم في زمن آخر مأزقا دينيا خطيرا يجب تركه، وهكذا تحدث للناس أقضية بقدر ما أحدثوا من أنزعة.

وما أردته في طرح هذه القطيعة المنهجية ليس هو الإطناب في بيان طبيعته وخصائصها وتطبيقاتها وصورها، وإنما هو تأكيد عليها عموما بما يتماشى والاختصار المفيد، وهي نفسها مما تخضع إلى الاعتبارات الميدانية العملية التي تتحدد كيفياتها وملامحها على وفق ما يراه أرباب الإصلاح وأهل الاجتهاد مناسبا وضروريا لزمانهم وعصرهم ومشكلات حياتهم.

زيادة تحقيق وتدقيق مسميات شرعية مقاصدية:

هناك الكثير من المسميات والمصطلحات الأصولية المقاصدية، التي لها أهميتها القصوى في عملية الاجتهاد والاستنباط الفقهي، ومن تلك المصطلحات: القياس الكلي أو الموسع، والضرورة الخاصة والعامة، والمناسبة وترتيب الحكم عليها، وغير ذلك، وتلك المصطلحات ولئن كان السابقون قد درسوها بما يعطيهم فضل السبق والتأسيس، غير أنها لا تزال في حاجة ملحة لزيادة درسها وتحقيقها ولا سيما فيما يتعلق بتطبيقاتها وفروعها المعاصرة.

فالقياس الكلي أو الموسع هو قياس النظير بنظيره لأمر جامع بينهما، كمقصد عال أو مصلحة كلية، أي أنه الإلحاق بجامع المصلحة الكلية أو عموم الحكمة. جاء عن الرازي أن الفقهاء قد اختلفوا في ذلك كثيرا والأقرب جوازه.. وجاء عنه قوله:"قلنا لا نسلم، بل التعليل بالحكم حاصل في صور كثيرة... الوصف

لا يكون مؤثرا في الحكم إلا لاشتماله على جلب نفع أو دفع مضرة".. وجاء عن ابن عاشور:"أن الأصل في الأحكام الشرعية كلها قبول القياس عليها ما قامت منها معان ملحوظة للشارع، فيجب أن تكون أنواع الأحكام التي يجري فيها القياس قليلة جدا"، وأن "أحكام الشريعة قابلة للقياس عليها باعتبار العلل والمقاصد القريبة والعالية"، "فتكفي الفقيه مؤونة الانتشار في البحث عن المعنى من أجناسه العالية بما فيها من التمثيل والضبط، وتنتقل بالمجتهد إلى المعنى الذي اشتمل عليه النظير غير المعروف حكمه، فيلحقه في الحكم بحكم كلياته القريبة ثم بحكم كلياته إذ لا يعسر ذلك الانتقال حينئذ فتتجلى له المراتب الثلاث"، "نقول بحجية القياس مصلحة كلية حادثة في الأمة لا يعرف لها حكم، على كلية ثابت اعتبارها في الشريعة، باستقراء أدلة الشريعة".. ويبدو أن ابن عاشور لم ينطلق من فراغ بل انطلق مما علمه من أعلام المالكية باعتبار تشبعه بالتكوين المالكي الأصيل، ومما استوعبه من آثار غير المالكية.. وقال ابن عبد البر:"ومن أشكل عليه شيء لزمه الوقوف، ولم يجز له أن يحيل على الله قولا في دينه لا نظير له من أصل ولا هو في معنى أصل، وهو الذي لا خلاف فيه بين أئمة الأمصار قديما وحديثا، فتدبر"،. "... وقد جاء عن الصحابة من اجتهاد الرأي والقول بالقياس على الأصول عند عدمها".

ونجد من بين المعاصرين الداعين إلى إجراء هذا النوع من القياس في دراسة الحوادث الحياتية المتنوعة الدكتور الترابي، الذي أطلق عليه اسم القياس الواسع، حيث قال:"ولربما يجدينا أيضا أن نتسع في القياس على الجزئيات لنعتبر الطائفة من النصوص، ونستنبط من جملتها مقصدا معينا من مقاصد الدين أو مصلحة معينة من مصالحه، ثم نتوخي ذلك المقصد حيثما كان في الظروف والحادثات الجديدة. وهذا فقه يقربنا من فقه عبر بن الخطاب رضي الله عنه، لأنه فقه مصالح عامة واسعة، لا يلتمس تكييف الواقعات الجزئية تفصيلا - فيحكم على الواقعة قياسا على ما يشابهها من واقعة سالفة - بل يركب مغزى اتجاهات سيرة الشريعة  الأولى، ويحاول في ضوء ذلك توجيه الحياة الحاضرة...".

والقياس الجزئي أو الفرعي، على الرغم من أهميته ومكانه في الاستنباط، إلا أنه يبقى في بعض الأحوال عاجزا عن معرفة أحكام بعض النوازل والوقائع، وليس تقرير الاستحسان بأنواعه إلا دليلا على لزوم العدول عن القياس الجزئي فيبعض الأحوال إلى الحلول الاستحسانية وإلى تقرير القياس الموسع الكلي، فالتضييق أحيانا يحصل بإجراء الأقيسة، والتوسع يأتي في مقابلة بإجراء القياس الكلي والإلحاق بالأصول والقواعد التي لها نفس أحكام الفروع والجزئيات المعروضة والملحقة.

وتعود قلة اهتمام الأوائل بالقياس الكلي، وتركيزهم كثيرا على القياس الجزئي والمضيق، يعود إلى أن دلالة النظير على نظيره في القياس الجزئي أقرب إرشادا إلى المعنى الذي صرح الشارع باعتباره في نظيره، أو أومأ إلى اعتباره فيه، أو أوصل الظن بأن الشارع ما راعى في حكم النظير إلا ذلك المعنى، فإن دلالة النظير على المعنى المرعي للشارع حين حكم له بحكم ما، دلالة مضبوطة ظاهرة مصحوبة بمثالها".

زيادة تحقيق مسمى المناسبة وتطبيقاتها:

المناسبة في المسألة المهمة جدا في القياس بنوعية الجزئي والكلي. "والمناسبة تفيد العلية إذا اعتبرها الشارع...لأن الشارع دل على أن الله شرع أحكامه لمصالح العباد تفضلا وإحسانا، فحيث ثبت حكم وهناك وصف ولم يوجد غيره، ظن كونه علة وإن لم تعتبر، وهو المناسب المرسل"، ومعنى المناسب:"الذي يفضي إلى ما يوافق الإنسان تحصيلا وإبقاء". أي تحصيل المصالح ودفع المفاسد، وهي بهذه المعاني حقيقة بالعناية والاهتمام، فإنها لب القياس وجوهره، والتي تعتبر فيها المصالح حفظا والمفاسد تجنبا، ومن ثم كان ينبغي على أهل العلم والاجتهاد مزيد من الإقبال على دراسة المناسبة وتمحيص متعلقاتها وتدقيق تطبيقاتها وتجلياتها في الواقع المعاصر.

زيادة تحقيق مسمى الضرورة وتطبيقاتها:

الضرورة الشرعية سبب من أسباب التخفيف والتيسير، وقد أقبل الدارسون عليها تحقيقا وتمثيلا وتدليلا وتطبيقا وتقعيدا، وقد ترتب عليها عدة أحكام فقهية شهدت لها الأصول والقواعد والمبادئ الشرعية، غير أن الملفت للانتباه هو الإفراط في استخدامها ومجاوزة الحدود بها، فإنك تلحظ معي أحيانا تجويزا مبالغا فيه لما يدعى أنه ضروري وهو على خلاف ذلك، الأمر الذي أورث التوهم لدى بعضهم بأنهم في حالة ضرورة تبيح لهم ما لا يباح عادة، وتزيل عنهم ما لا يُزال في غير الضرورة القاهرة والحاجة القصوى، فتراهم يفتون أنفسهم أو غيرهم بمزاولة المحظور وبأقدار غير محدودة تحت غطاء الضرورة والإشراف على الهلاك.

ومن المضحكات في هذا السياق تجويز أخذ الربا لتلبية حاجات كمالية أو ترفيهية أو حتى حاجية لم تبلغ درجة الضرورة القصوى، كل ذلك يفعل تحت هذا الغطاء الذي صار يستعمل بلا حد ولا ضابط. فالواجب يحتم حسم هذه المسألة وبيان ما تدخله الضرورة وما لا تدخله، وخاصة فيما يتعلق بضرورات الأمة عامة، فضلا عن ضرورات فردية درج العلماء على بيانها وتحديدها.

إعادة صياغة العقل العربي والإسلامي:

العقل هو أداة فهم الأحكام، وتنزيل المقاصد، وفعل التكليف جملة، وقد علقت بالعقل العربي والإسلامي في عصرنا هذا شوائب وعلل وشبهات عطلته كليا أو جزئيا عن القيام بدوره التشريعي والاستخلافي على الوجه المطلوب، وقد كان ذلك حاصلا بموجب عدة عوامل وأسباب ذاتية وموضوعية تتصل إجمالا بظواهر الركود والجمود والكسل والتقييد واللامبالاة والتقليد والاستقالة وغيرها، وتتصل كذلك بحملات الفكر والاستشراق والتغريب، والتنصير والتهويد، والتميع والتهميش.

وقد أدى ذلك كله إلى إحداث عقلية عربية وإسلامية عامة متفاوتة من حيث التفاعل مع المشروع الإسلامي في شتى نواحيه ونظمه وخصائصه، فتبعثرت بعض الأفهام والأنظار، واختلفت بعض التصورات الآراء إزاء بعض الحقائق الإسلامية، فصار بعضهم ممن تأثروا بتلك المؤثرات يناقشون ما هو معلوم من الدين بالضرورة ويشككون في القطعي أحيانا، ويستخفون بالمحظور أحيانا أخرى، تحت غطاء الاجتهاد، وهم مع ذلك يعلنون أنهم مسلمون يصلون ويصومون ويحجون وأنهم يفعلون ذلك ليس عنادا أو تحاملا، وإنما فقها واستنباطا واجتهادا وتأويلا.

إن واجب العلماء والمصلحين والمفكرين والساسة، إصلاح العقول قبل إصلاح الأعمال، وتغيير الأفهام قبل تشريع الأحكام، حتى تتهيأ العقلية العامة لقبول دين الله تعالى على أنه نظام شامل وواقعي، وإنساني ومتوازن، وباق إلى يوم القيامة، وليس كونه دينا يخاطب الروح على حساب الجسد، أو العائلة على حساب الدولة أو التعبد على حساب التقنين والتشريع.

إن إعادة صياغة العقل يساعد كثيرا على تطبيق الاجتهاد المقاصدي  الوسطي بلا إفراط ولا تفريط، أما ترك العقل بما عليه من شوائب واختلالات سيؤدي غالبا إلى إحدى حالتي التناقض المقاصدي، أي إلى حالتي:

•-   الإفراط في اعتبار المقاصد، بسبب ما ورثه العقل من دعوات الفكر المعاصر إلى التخلي عن الضوابط والشروط الشرعية، والتعويل المبالغ فيه على العقل والواقع والتفتح وغير ذلك.

•-   التفريط في اعتبار المقاصد، بسبب تأصل الميل إلى الظاهرية الحرفية والشكلية، والبعد عن الفهم الحقيقي الشمولي المقاصدي لأحكام الإسلام.

الاستئناس بعلوم الاجتماع والنفس والاقتصاد وغيرها:

علم الاجتماع بالأساس من الفنون المعرفية المهمة في تنظيم حركة المجتمع ودراسة ظواهرها ومتعلقاتها، والعمل على تحقيق أفضل النظم والمعاملات، ولا نريد في هذا السياق أن نبحث عن نشأة العلم وتطوره وغير ذلك مما لا يسعه مجال هذا البحث، غير أننا نريد التأكيد على أن أول من نبه إلى وجود هذا العلم واستقلاقه عن غيره هو العلام المسلم هبد الرحمن بن خلدون.

وقد اعتبر بعضهم أن تاريخ علم الاجتماع المعاصر بدأ مع (أوغست كونت) الفرنسي وغيره، وقد أهملوا ذلك ابن خلدون الواضع الأول لفكرة هذا العلم واستقلاله وموضوعه كما أشرنا قبل قليل. فقد نشأ إذن علم الاجتماع المعاصر في

الحضارة الغربية في أوروبا، وقد تطور استجابة للتطورات والمشكلات الاجتماعية في مرحلة الانتقال من النظام القديم إلى النظام الجديد، وقد فرض نفسه على العالم بمقتضى ارتباطه بالحضارة الغربية المسيطرة.

ومن هناك كان ينبغي الاستفادة من تلك العلوم على حذر حتى لا نقع فيما لا يتماشى وطبيعة المنظومة الدينية التي نتعبد ونتدين بها، وذلك لارتباط تلك العلوم غالبا بالفلسفة الغربية والاتجاه الفكري والمادي الأوروبي.

"ومن البين أن المعارف العقلية التي تستخدم في فهم المراد الإلهي، ينبغي أن تكون على درجة من الوثوق، تنأى بها عن الفرضيات الاحتمالية الضعيفة، فإن إقحام هذه الفرضيات الضعيفة في تحديد المراد الإلهي، يسيء إلى النص الديني حينما يظهر خطؤها، وقد عدت مدلولات له، كما أنه يجر إرهاقا وحرجا في شؤون الحياة لما تصبح جارية على أساسه، وهذا ما يدعو إلى الاقتصاد في استخدام المعارف العقلية في فهم الدين بما يضمن إصابة الحق في أقصى درجات الإمكان".. ومن قبيل ذلك، التسوية المطلقة بين الرجل والمرأة التي يروج لها علم الاجتماع المعاصر، وأن الواحد نسخة مطابقة للأصل الآخر، وهذا اقتضى أن يعمل كل من الرجل والمرأة في مجال واحل بدون تمييز أو تفريق، وقد ترتبت على ذلك مخاطر كثيرة منها التدني التربوي والعاطفي للأطفال، وحرمان الكبار والمسنين من رعاية الأقرباء والأوفياء.

وتتمثل ضروب الاستئناس بتلك العلوم في الاستفادة من مناهج البحث والتوثيق والتفسير والتخريج، وفي إجراء المقارنات والملاحظة، والإحصاء والاستبيانات، واختبار العينات، أو المقابلة، وهذه كلها يستعان بها، لأنها تمثل قاسما مشتركا بين جميع البحوث أينما أجريت، "فهي من العناصر التي يختار بينها حسب الظروف والإمكانات" .. وهي تهدف إلى إعطاء نتائج قريبة من الصحة أو صحيحة، فيدرك بالإحصاء والاستقراء النمط الأفضل في التعامل، فيعمل به في المجالات الشرعية الظنية الاحتمالية التي لم يتحدد موقفها الشرعي على سبيل القطع واليقين، ذلك أن "من الحصيلة البشرية من العلوم والمعارف، ما فيه عون على تبين ما فيه مصلحة من أوضاع المسلمين المستجدة، فعلم الاقتصاد وعلم الاجتماع وعلم النفس وغيرها من العلوم الإنسانية، تشتمل على قوانين هي أقرب على الحقيقة العلمية الموضوعية، وهو ما يرشحها لأن تكون وسيلة صالحة لتحديد ما فيه خير الإنسان ونفعه، ومن ثم فإنها تصبح أداة مهمة للمسلم في اجتهاده لتقدير مصلحة الإنسان في خضم الأوضاع التي انقلبت إليها حياته اليوم".

إنجاز التقنية الإسلامية وأسلمة العلوم الإنسانية:

لعل هذا الهدف يعد من الأهداف الرئيسية جدا في قيام الحضارة الإسلامية من جديد، وإعادة تمكين الدور العالمي والسمة الكونية لرسالة الإسلام، الذي يتوقف تحقيقه وتحصيله على مراعاة سنن الله في الكون، وامتلاك الشروط الضرورية للنهضة والتنمية والتحضر، وتسخير جميع الأسباب الذاتية والموضوعية بغية حيازة المبادرة العلمية والحضارية في بناء التقنية الإسلامية، وامتلاك معلوماتها ودقائقها، واستثمارها في البناء الحضاري العام، وفي تحريك الدورة التنموية وتعميمها وتفعيلها وتأييدها حتى يتحقق أمن المسلمين في غذائهم وأموالهم ونفوسهم، ويبعدوا مفاسد ارتمائهم في أحضان التنصير والتكفير والتضليل بسبب الجوع الشديد والفقر الذي كاد أن يكون كفرا، بل إنه في هذه الأحوال صار كفرا وجحودا بوقوع آلاف وملايين الجائعين في فلك العاملين على تأليف قلوبهم، واستجلابهم لحظيرة عقائدهم، وأخراجهم من دينهم وفطرتهم، وحتى يتحقق حفظ عقولهم وأذهانهم من الجهل والأمية والسفاهة الفكرية والسياسية، ومناولة المخدرات الحشيشية والتضليلية، وحتى يتحقق حفظ أعراضهم وكرامتهم من الشذوذ والإثارة والتحرش والدونية والإهانة، وحتى يتحقق الأمن العام

للأمة وسعادتها الدائمة في العاجل الدنيوي وفي مصير الآخرة بحوار الله رب العالمين.

إن امتلاك شروط التقنية العلمية والاكتفاء الاقتصادي الغذائي، وجعل المسلمين أغنياء متعففين وليسوا كلا على الأمم والمنظمات الإنسانية والجمعيات الخيرية - فهم مشكورون وجزاهم الله خيرا إن كل ذلك وغيره يعتبر من قبيل المقاصد المقررة والمأمولة في واقع الحياة المعاصرة، وهو لن يتكون بمجرد التمني والتحلي - فالسماء لا تمطر ذهبا ولا فضة - ولكن يصير واقعا ملموسا، إذا تهيأت النفوس، وعزت الإرادات، وكدحت الأجيال، وجاهدت الشعوب في الله حق جهاده.

ثم إن قيام علوم إنسانية إسلامية سيعود نفعه على سائر الأمم والشعوب، باعتبارها نابعة من الفكر الإسلامي، الذي يتسم بسمات العالمية والكونية والواقعية والمصلحية، وليس مصفا بما يكرس الانعزالية والانطوائية والقبلية والجهوية، كما هو الحال في كثير من التصورات الفلسفات الوضعية..فالإسلام وعلومه ومعارفه وفنونه، ينبغي أن تشيع فيشتى أنحاء الأرض وبين مختلف الطوائف والملل والجماعات، قصد إصلاحهم بالحسنى ودعوتهم لما فيه خيري الدنيا والآخرة، وانطلاقا من وجوب الشهادة على الناس وإرادة الرحمة بكافة أفراد العالمين.

ضرورة الاجتهاد الجماعي:

الاجتهاد الجماعي في العصر الحالي ضرورة قصوى ومقصد جليل في حد ذاته، ليس لكثرة المشكلات والوقائع، ولضخامة حجم الهيمنة الأجنبية التي تركت آثارها في بعض أنماط التفكير والسلوك لدى شعوب الإسلام وأمته، التي هي في أشد الحاجة إلى استـفراغ منقطع النظير، ومتابعات قد تفني أعمارا وأحقابا لو تركت لأفراد وأعلام معنيين.

فليس هناك من سبيل سوى اعتماد الجماعية الاجتهادية، القائمة على عمل الخبارء واستنباط الفقهاء، ودور المؤسسات العلمية والجماعية والشرعية، والاستئناس بالعلوم والمعارف العصرية.

ولأن الغرض من الاجتهاد المعاصر ليس هو بيان أحكام بعض النوازل الخاصة والجزئية بقدر ما هو بحث في طبائع العصر وظواهره المعقدة وخصائصه العامة،  وتداخل علاقاته، وتشابك مصالحه، التي لها تأثير ما بالنوازل والأوضاع المعروضة للاجتهاد، فقد ولى عصر الاجتهاد الفردي وعلماء الموسوعات، وحل محله عصر المؤسسات والمجامع والاتصالات والموسوعات (المدونة لا الموسوعات الآدمية) والتخصصات، وقد دعا إلى هذا الكثير من العلماء والفقهاء والمصلحين الذين رأوا في الاجتهاد الفردي عجزه عي المعالجة الشمولية للعصر وأحواله، على الرغم من أهميته المعتبرة في الإفتاء والاحتكام في بعض النواحي الفردية والعامة والتي لا تحتاج إلى مجهود كبير وغير يسير.

إن دور الاجتهاد الفردي يبقى محصورا ضمن حدوده ومجالاته، كأن تطغى عليه جوانب الإفتاء والنقول ومعالجة بعض الأحوال الفردية وغير المعقدة، أو أن يكون دوره متمثلا في إعداد الرؤى والمقترحات والخواطر التي يجعلها الاجتهاد الجماعي منطلقا ومدخلا لأعماله ونتائجه، أم أن يتولي عالم بمفرده أو قلة من الفقهاء في قضية من قضايا الأمة أو نازلة من نوازل المحدثات المعقدة، فهذا لا يوصل إلى المراد من تحصيل صحيح المقصود الشرعي أو القريب منه.. فاجتهاد الأمة هو الصواب عينه والضرورة نفسها، وهو الذي باركه الله تعالى وأثنى على أربابه وأهله، وهو الذي له أصوله وجذوره، فقد مورس في سقيفة بني ساعدة لاختيار خليفة للمسلمين بعد وفاة الرسول صلي الله عليه وسلم، ومارسه علي رضي الله عنه كثيرا، بل ومنق الفقهاء من مغادرة المدينة ليأخذ رأيهم فيما يستجد من مشكلات الدولة، ومارسه طبقة الحكام والأئمة في مخلتف العصور والظروف، وهو الأجدر بالتطبيق والأليق بطبيعة العصر وتطوراته، والأنسب لتعاليم الشرع ومقاصده.

 

قائمة المصادر والمراجع المعتمدة

 

-كتاب الأمة "الاجتهاد المقاصدي" للدكتور نور الدين الخادمي.

- إعادة تشكيل العقل المسلم - لعماد الدين خليل

- العقل العربي وإعادة التشكيل - الطربري

- الموافقات للشاطبي ج II

- عوامل السعة والمرونة - اللقرضاوي

- مقاصد الشريعة - ابن عاشور

- أصول الشريعة الإسلامية - عبد الرحمان النحلاوي

- الاجتهاد وقضايا العصر - محمد بن إبراهيم

- مجلة البحوث الفقهية المعاصرة عــ11ــدد

- مجلة الهداية التونسية عــ02ــدد لسنة 1977

- فقه الزكاة للقرضاوي

- عقود التأمين بين الاعتراض والتأييد - أحمد محمد جمال

- أصول الفقه - علي حسب الله