صفحة الاستقبال مكتبة المدرّس الزمن والفعل الحضاري

كتاب التربية الإسلامية والتنشئة على القيم

الزمن والفعل الحضاري
الكاتب: الأستاذ خالد بن عائشة   

الزمن والفعل الحضاري مداخلة الأستاذ: خالد بن عائشة

 

الوضعيـة الأولـى

 في أيام الحرب العالمية الثانية تخرجت طبيبا من جامعة برلين وحالت ظروف الحرب دون خروجي من ألمانيا فبقيت أعمل في إحدى مستشفياتها وفي إحدى الليالي لم تترك لنا الطائرات الأمريكية مجالا للنوم. وفي الصباح وصلت إلى المستشفى متأخرا عن الوقت بعشر دقائق. فما راعني إلا أن دعيت من طرف مدير المستشفى الذي بادرني بعد التحية بالسؤال عن سبب تأخري فقلت: تسألني عن السبب كأنك لم تنم معنا البارحة في برلين ولم تر ما قاسيناه من قصف طول الليل. قال بل كنت معكم ولهذا السبب أسألك لماذا تأخرت ولم يتأخر الآخرون؟ فقلت: هذا صحيح. فقال: ولكن ليس هذا هو المهم.- بل تصور أن في هذا المستشفى مائة طبيب وتأخر كل واحد منهم عشر دقائق فكم يكون المجموع. ثم ضرب نتيجة عملية الضرب في عدد المستشفيات الموجودة في ألمانيا وما تحتويه من أطباء تخلفوا كلهم على سبيل الفرض – عشرة دقائق- في نفس الوقت ومن أجل نفس السبب أو سبب يتصل به من ظروف الحرب. إن مجموع الوقت سيحسب بالأيام بل بالأسابيع وأخيرا كم مريضا وخاصة كم من جريح – في ظروف الحرب- يمكن أن يموت بسبب تخلف الأطباء.قال الصديق المتحدث: وهكذا وضعني المدير أمام أكداس من جثث الموتى كنت أنا المسؤول عن موتهم.. فرد أحد المازحين: لعن الله الكفار ما كل هذه العبادة للوقت فليأتوا عندنا نعطيهم منه ما شاؤوا.عبد الله شريط: معركة المفاهيم  ص127-128

الوضعيـة الثانيـة
عن معاوية بن خديج قال: بعثني عمرو بن العاص إلى عمر بن الخطاب بفتح الأسكندرية فقدمت المدينة في الظهيرة فأنخت راحلتي بباب المسجد ثم دخلت المسجد فبينما أنا قاعد فيه إذ خرجت جارية من منزل عمر بن الخطاب فقالت: من أنت؟ قلت: أنا معاوية بن خديج رسول عمرو بن العاص فانصرفت عني ثم أقبلت تشتد فقالت: قم فأجب أمير المؤمنين فتبعتها. فلما دخلت فإذا بعمر يتناول رداءه بإحدى يديه ويشد إزاره بالأخرى فقال: ما عندك؟ قلت خير يا أمير المؤمنين فتح الله الأسكندرية. ثم قال: ماذا قلت يا معاوية حين أتيت المسجد؟ قال: قلت أمير المؤمنين قائل (نائم وقت الظهيرة)قال: بئسما ظننت لئن نمت النهار لأضيعن الرعية ولئن نمت الليل لأضيعن نفسي فكيف بالنوم مع هذين يا معاوية؟                      ابن حنبعل: الزهد 1/122
الوضعيـة الثالثة
استقبل اليابانيون القانون الذي أقره البرلمان مؤخرا بخفض ساعات العمل إلى 46 ساعة أسبوعيا بتحفظ شديد فالاسترخاء والكسل من السلوكيات الاجتماعية الغريبة عن المجتمع الياباني حتى ان الحكومة تجد صعوبة في حث المواطنين على استخدام حقهم كاملا في اجازاتهم السنوية فالمواطن الياباني من حقه قانونا 15 يوما عطلة سنوية مدفوعة الأجر ولكنه لا يأخذ عادة سوى أسبوع واحد.ومن المعروف أن اليابانيين يحتلون المركز الأول بالنسبة لعدد ساعات العمل في العالم مجلة الهداية  عدد 2 السنة 14 - ص 27فهم الوضعيات 
الأطراف موقفهم من الزمن دلالة الزمن عندهم نتائج وعيهم للزمن
عمر بن الخطاب - شدة وعي الزمن - الدقة والصرامة في التعامل معه- الحرص على تملكه والمحافظة عليه واستغلاله لصالح الأمة.- الاعتراف بقيمته وتقدير ما يترتب عن حسن استغلاله واهداره من نتائج. - تقديسه وملؤه بالحركة تعبيرا عن الحضور في الكون. - الزمن ثروة وهو أشرف من أن تضيع منه لحظة يقول علي بن أبي طالب: "من أمضى يومه في غير حق يقضيه أو فرض يؤديه أو مجد يؤسسه أو علم يقتبسه فقد أضاع ذلك اليوم". - ليس للزمن معنى ما لم يتحول إلى حركة وفعل وإبداع في الكون.قال الطهطاوي واصفا أهل باريس: "إنهم لا يكلون من الأشغال سواء الغني والفقير" لكأن لسان حالهم يقول: "إن الليل والنهار يعملان فيك فاعمل فيهما" تخليص الابريز ص 91 - تأكيد حضور الفرد والجماعة في الكون.- رفض الإهمال والتراخي - صنع التاريخ والتحكم في سيره.- بلورة مصير الأفراد والجماعات.=> ضمان حسن المآل.
مدير المستشفى "الألماني"
شخصية الياباني


 

لقد تعمدت الجمع بين هذه الوضعيات رغم تباعد الأزمنة واختلاف البيئات حتى أبين أن تحقيق الريادة والتقدم والتحكم في التاريخ والمصير مرتبط بوعي الزمن وامتلاكه بما ينجز فيه من أعمال وإبداعات في شتى الحقول المعرفية.ولا يشك إلا مكابر فيما بلغته الحضارة العربية الاسلامية وما يحققه اليابانيون والألمان وغيرهم - ممن نظر للزمن نظرتهم- من تقدم أخرجهم ويخرجهم يوميا من الانحسار في المكان نحو الإنتشار في الزمان.ومن المؤسف ألا نجد في واقعنا ووعيننا كعرب ومسلمين معاصرين ما يصلح أن نتماهى به مع غيرنا في تمثل الإحساس بقيمة الزمن ووعيه فنلجأ إلى أسلافنا. لهذا حاولت أن أبحث في هذه المسألة معتمدا ما توفر لدي من مصادر ومراجع ودراسات فقسمت مداخلتي إلى المحاور التالية:  I- مفهوم الزمنII- قيمة الزمن في الاسلامIII- علاقة المسلمين بالزمن مقارنة بغيرهم وبما يحمله من دلالات في نصوصهم التأسيسية وتجربة أسلافهم.   I- مفهوم الزمن:قد لا يكون مفيدا في هذه المداخلة تقصي جميع المفاهيم التي عرف بها الزمن نظرا لكثافتها وتنوع مداخلها بين التناول العلمي والفلسفي والديني وحسبنا تبسيط المعنى وتقريبه للأذهان.- يعرفه جميل صليبا في المعجم الفلسفي قائلا:الزمان: الوقت كثيره وقليله وهو المدة الواقعة بين حادثتين أولاهما سابقة وثانيتهما لاحقة. وفي بعض التعريفات هو "نهر قديم يعبر العالم منذ الأزل يمرق خلال الحياة ويصب في التاريخ تلك القيم التي منحها له ما أنجز فيه من أعمال.وهو أيضا في تصور كثير من الدارسين شيء مطلق كوني يجري أبدا كما هو. وهناك من اعتبره أحد مكونات المسرح الكوني الذي تجري فيه الأحداث.وهناك من رادف بينه وبين الدهر جاعلا بينهما فرقا هو أن الدهر لا آخر له بينما الزمن يمكن تجزئته إلى أوقات.ويجمع الدارسون أن ليس للزمن معنى إلا في وجود حركة لأحداث تميزه.ومن المفيد الإشارة في هذا الصدد إلى أفكار الفيلسوف الفرنسي برقسون (1859-1941) المتعلقة بالزمن وعلاقة الإنسان به.فلقد استغل معنى التحول في الزمن معتبرا أن لا فكر إلا ما اتصل بالأشياء كعناصر متحولة ولم ير في الحاضر زمنا جاهزا مقررا بل الحاضر هو ما لم ينتقل بعد إلى ذاكرة التاريخ معتبرا كل آن فرصة للاختبار أي فرصة لفعل قررته إرادة الإنسان وعن طريق الفعل والحركة في الزمن نصنع أنفاسنا ونوجدها ونصنع العالم ونوجده. وبهذا يقترن معنى الحرية والفعل بالزمن.وينتقد برقسون الجبري الذي يدعي أن الاختيار ليس اختيارا وأنه تم لأنه كان لا بد أن يتم بهذه الصورة وليس بغيرها فيبين له أنه بهذا الفهم يجعل مفهوم الاختيار مكانيا والحقيقة أن التروي والاختيار فعلان زمانيان وليسا مكانيين والإنسان يشعر بالحرية وهو يفعل.  II- قيمة الزمن في الاسلام:قديما شكا الشاعر الجاهلي الزمان فأنشد:                            سئمت تكاليف الحياة ومن يعش                                                                  ثمانين حولا لا أبالك يسأم ورغم ما في هذا البيت من تبرم وشكوى فإن فيه ما يعكس إقبال العربي على الحياة وانغماسه فيها واحساسه بالزمن الذي يشعره بالألم والشقاء ويصرعه في النهاية. ولقد صور لنا القرآن هذا الموقف بقوله تعالى:" وقالوا ما هي إلا حياتنا الدنيا نموت ونحيا وما يهلكنا إلا الدهر " الجاثية 24وقد يكون مرد ذلك لافتقاد العربي في الجاهلية الإحساس بالغاية في الوجود. وبعد ظهور الإسلام تجردت فكرة الزمان في الضمير الإسلامي من كل معاني الألم والشقاء والنقص وصار للزمن في الاسلام فلسفة.لا يجد الناظر في القرآن الكريم لفظة الزمن ولكن يجد مرادفات عديدة لها مثل – الميقات- الأبد – السرمد – الساعة – اليوم – الشهر – العام – السنة – الأجل – الوقت – المدة – الشهر – الحين – الخلد – الدهر – الضحى – الظهيرة – العشاء – العشي – العصر – الغد – الغروب – الغسق – الفجر – القيلولة – الليل والنهار كما وردت قياسات زمنية أكثر دقة مثل خمسون سنة – أربعة أشهر – ستة أيام – ألف عام – مائة عام – ثلاثة مائة عام وازدادوا تسعا...وسأكتفي بذكر بعض الآيات التي وردت فيها هذه الألفاظ دون الخوض في تفاصيلها حتى لا تطول المداخلة ولا نبتعد عن الهدف الذي حددناه.قال الله تعالى: "أقم الصلاة لدلوك الشمس إلى غسق الليل" الاسراء 78                    " والمستغفرين بالأسحار" آل عمران 17                   " وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر" البقرة 187"والضحى والليل إذا سجى" الضحى 1"وله الحمد في السماوات والأرض وعشيا وحين تظهرون" الروم 18 "وكم من قرية أهلكناها فجاءها بأسنا بياتا وهم قائلون" الأعراف 5 " يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشرا" البقرة 234" من بعد ما أهلكنا القرون الأولى" القصص 43"فطال عليهم الأمد فقست قلوبهم" الحديد 16"لا أبرح حتى أبلغ مجمع البحرين أو أمضي حقبا" الكهف 60"هل أتى على الإنسان حين من الدهر" الإنسان 1والزمن كما يظهر في القرآن الكريم مسخر من الله تعالى للإنسان قال تعالى:" ومن رحمته سخر لكم الليل والنهار لتسكنوا فيه ولتبتغوا من فضله ولعلكم تشكرون" القصص 73والطبيعة في القرآن على غاية من الانتظام والتوقيت وخاضعة لناموس محدد.كما أن حركة الزمن فيها مسترسلة. ولقد ورد في السنة ما يفيد معنى الاستمرارية في مفهوم الزمن كقوله صلى الله عليه وسلم "اعمل لدنياك كأنك تعيش مدى واعمل لآخرتك كأنك تموت غدا"ولا تبلغ عناية الإسلام بالزمن ذروتها في دعوته المسلم إلى العمل والكد لكسب معاشه فحسب وإنما في ربطه مصير الإنسان في الدنيا والآخرة بمدى وعيه للزمن وحسن استغلاله بتحويله إلى فعل وحركة.قال تعالى: " يا أيها الإنسان إنك كادح إلى ربك كدحا فملاقيه" الانشقاق 6وقال تعالى: " وإن ليس للإنسان إلا ما سعى وأن سعيه سوف يرى".وقال صلى الله عليه وسلم: " لا تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يسأل عن أربع: عن عمره فيما أفناه وعن شبابه فيم أبلاه وعن ماله من أين اكتسبه وفيم أنفقه وعن عمله ماذا عمل فيه".وقال تعالى:" ولتنظر نفس ما قدمت لغد"فيكون بذلك قد قرر الفاعلية الحقيقية في الوجود من خلال بلورة تصور متجدد للكون ولموقع الإنسان فيه ينسجم مع الحركة المتجددة للزمن. III- دلالة الزمنوالموقف منه لدى المسلمين المعاصرين مقارنة بما تضمنته نصوص القرآن والسنة وتجربة الأسلاف وغيرهم من الأمم: 
دلالات الزمن والموقف منه
في نصوص القرآن والسنة علمنا القرآن والسنة أن: - الزمن مسخر للإنسان وعليه أن ينتهج أفضل السبل لامتلاكه وهو متجدد باستمرار وعلينا محاكاة تجدده بتجديد أنفسنا.قال تعالى: " ومن رحمته سخر لكم الليل والنهار لتسكنوا فيه ولتبتغوا من فضله ولعلكم تشكرون" القصص 73- من أراد أن يصنع خيرا بادر إليه وهو ما يؤكد أن الأفعال في التصور الإسلامي هي الحركة البشرية الموازية لحركة تمادي الزمن والمحولة له إلى وعي ومفاهيم وهي وسيلة الإنسان لفهم الكون وامتلاك التاريخ.- مصير الإنسان يحدده وعيه بالزمن وتحويله إلى فعل وحركة. قال تعالى: " يا أيها الإنسان إنك كادك على ربك كدحا فملاقيه" الإنسان 6
في تجربة الأسلاف حرصهم على بلورة معنى الزمن من خلال كم الحركة التي ينجزونها فيه.تأكيدهم على استغلاله وملئه بالفعل وعدم تضييع شيء منه في غير منفعة.إيمانهم بأن من تعطل وتبطل انسلخ من الإنسانية.ملاءمتهم بين النص الثابت للشريعة والأحداث والمصالح العامة المتغيرة باستمرار.إرساؤهم مناهج للاجتهاد تراعى تبدل الأحوال على مر الزمان (قولهم بالمصلحة والاستحسان...)=> تركيزهم حضارة إنبنت على وعي عميق بالزمن والفعل فيه.
لدى غيرهم من الأمم الدقة والصرامة في التعامل معهتملكه واستغلاله لصالح المجموعة تقدير ما يترتب عن استغلاله أو اهداره ملؤه بالحركة=> قول الطهطاوي" "إنهم لا يكلون... كأن لسان حالهم يقول: إن الليل والنهار يعملان فيك فاعمل فيهما"
لدى المسلمين المعاصرين استحالوا إلى معبر للزمنفقدوا ملكة الاستجابة ورد الفعل وهنوا عن تحويل حركة الزمن إلى مفاهيم وطاقات وقيم=> يعيشون أزمة أفعال والكلمة ما زالت تفضل عندهم الفعل => يعيشون على هامش التاريخ
الحل = يبقى رهين الابداع والفعل والحركة
المصادر والمراجع -         القرآن الكريم -         مفهوم الزمن ودلالته: عبد الصمد زايد – الدار العربية للكتاب -         معركة المفاهيم: عبد الله شريط-         الموسوعة الفلسفية: عبد المنعم الحفني -         التقنية – الحقيقة – الوجود: مارتن هيدجر- ترجمة محمد سبيلا وعبد الهادي مفتاح-         سيكولوجيا القهر والإبداع: ماجد موريس ابراهيم -         المعجم الفلسفي: جميل صليبا-         شروط النهضة: مالك بن نبي-         مجلة الهداية عدد 2 السنة 14-         دراسة محمود أمين العالم: مفهوم الزمن في الفكر العربي الاسلاميضمن الحياة الثقافية عدد 34/1984 -         دراسة ألفاظ الزمن في القرآن. بقلم علي العريبيضمن مجلة المعجمية العدد 7/1991-         دراسة نوفل جراد: الزمان واشكالية المفاهيم . المعنى العلمي والدلالة الفلسفية والتيولوجية.ضمن مجلة الحياة الثقافية. السنة 24 العدد 109 نوفمبر 1999.-         دراسة: د. محمد أحمد الغرب: شخصية الزمان وشخصية المكان من الوجهة الاسلامية

ضمن مجلة الأمة ذو الحجة 1404 هـ