صفحة الاستقبال بيداغوجيا النقل التدريسي

كتاب التربية الإسلامية والتنشئة على القيم

النقل التدريسي طباعة أرسل إلى صديق
الكاتب: الأستاذ لطفي البكوش   
هل يمكن أن نتحدّث عن نقل تدريسي في مادتي التربية الإسلامية والتفكير الإسلامي؟

سؤال هام والأهمّ منه الإجابة عنه, لأنّها تحاول تبيّن الخيط الأبيض من الخيط الأسود من تدريسية مادة التربية والتفكير الإسلامي...

ولعلّ من الأسباب الداعية لطرح هذا التساؤل:

-  لُبس مفهوم التربية الإسلامية: فإذا نظرنا إليها من جهة كونها تربية دينية تهدف إلى '' تمرين متواصل لقدرات الإنسان الفطرية على قيم الإسلام وأسسه الفكرية والوجدانية لتكوين شخصيته المحقّقة لخلافة الله في الأرض...أو هي تمرين نفس الإنسان على قيم الإسلام وأسسه الفكرية والوجدانية وتوظيف قدراته الذهنية والحركية لتكوين شخصيته المتوازنة التي بها تتحقق سعادته في حياته الدنيوية والأخروية..‘‘[1] وإذا  اعتبرناها ''العمل على رعاية نمو الناشئ, وتوجيه استعداده ومواهبه ووظائفه النفسية حتى تصل إلى كمالها‘‘[2] تصبح جميع المواد التي لها هذا الهدف تربية إسلامية ويصبح من العسير الحديث عن تدريسية فيها وبالتالي لا يمكن الحديث عن النقل التدريسي.

-  غياب النظرة المدرسية لهذه المادة: إذا نظرنا إلى التربية والتفكير الإسلامي من جهة كونها تربية مدرسية فهي تصبح ''مجموعة من المضامين المعرفية, تكتسي صيغة تعليمية قابلة للتحوّل إلى عدد من الأنشطة التربوية‘‘[3] فيصبح من المشروع الحديث عن نقل تدريسي, باعتبار أنّ التدريسية تنشأ بعد نشأة المادة المدرسية وممارسة تدريسها.

-  خصوصية مادة التربية والتفكير الإسلامي, باعتبارها تشتغل على معرفة متعدّدة المصادر, فهي في وجه أوّل تعتمد ''القرآن الكريم‘‘ ذي المصدر الإلهي المقدّس أو ''السنّة النبوية‘‘. وفي وجه ثان تتعامل مع نصوص ولدت على ضفاف المصدر الأوّل. وهذا التداخل يشكّل صعوبة عند البعض للاعتراف بوجود معرفة عالمة لهذه المادة.

مفهوم النقل التدريسي في الأدبيات التربوية:

   النقل التدريسي(Transposition didactique): النقل التدريسي نشاط (وصفي) وعمل وتقنية تحويل المعرفة من مجالها العالم إلى مجال التعليم بهدف ''جعل المعرفة في متناول التلاميذ‘‘[4]  و''من أجل تحويلها إلى معرفة تعليمية قابلة للتدريس‘‘[5] وهو جملة التحولات التي تمر بها المعرفة إلى غاية وصولها إلى المتعلم. فمن المعرفة العلمية إلى المعرفة القابلة للتدريس إلى المعرفة المتداولة في الفصل إلى المعرفة المتعلمة فعلا. إذن هو''العملية التي يتم بها الانتقال بالمعرفة من مستوى المعارف العلمية الدقيقة إلى مستوى معرفة قابلة للتعليم والتعلّم‘‘[6]

مفهوم المعرفة في النقل التدريسي: بحسب مفهوم النقل التدريسي تصبح المعرفة أربعة أنواع: المعرفة (العالمة), وهي المعرفة العلمية. والمعرفة المدرسية, وهي المعرفة الواجب تعلّمها. والمعرفة المدرّسة وهي المعرفة المتداولة بالقسم. والمعرفة المكتسبة وهي المعرفة المتعلّمة.

المعرفة العالمة وخصائصها.

-  المعرفة العالمة هي ''المعرفة العلمية هي المعرفة المتداولة من طرف المختصّين... مبنية على مفاهيم مجرّدة لا يتمكّن الطفل من تمثّلها في مرحلة الطفولة الثالثة... تمتاز بصفتي الانفتاح (على المكتشفات الجديدة وعلى المخالف) والدينامية‘‘[7]

-       '' أمّا أهمّ سمات المعرفة العلمية فهي:

-   التراكمية: إذ تنضاف المعارف والحقائق العلمية بعضها إلى بعض ويتحقق التقدم بتجاوز المعارف الجديدة الصحيحة للمعارف التي تثبت أخطاؤنا.

-   التنظيم: لأنّ التفكير العلمي يمارس وفق خطّة منظّمة ومنهجية واعية تستبعد المصادفة وتترجم هذه الخطّة من خلال المنهج العلمي.

-       البحث عن الأسباب لأن النشاط العلمي يستهدف فهم الظواهر وتعليلها.

-   الشمولية واليقين: لأن المعرفة العلمية شاملة تسري على جميع أمثلة الظاهرة التي يبحثها العلم وهي يقينية لأن الحقيقة العلمية الثابتة موضوعية تفرض نفسها على جميع الأفراد بمجرّد ثبوتها.

-   الدقّة والتجريد: فالحقائق العلمية تتسم بالدقّة باعتمادها على لغة الرياضيات التي هي لغة رمزية, وتتسم أيضا بالتجريد لأن وجودا ذهنيا يتجاوز الوجود الطبيعي المادي.‘‘[8].

تتميّز المعرفة العلمية بخصائص تميّزها عن المعرفة الشائعة:

خصائص المعرفة الشائعة

خصائص المعرفة العلمية

·       معرفة ما قبل علمية (Préscientifique).

·       معرفة خاطئة على الدوام.

·       تترجم الحاجة إلى المعرفة.

·       مرتبطة بالأشياء من حيث نفعيتها.

·       عقبة أمام تطوّر المعرفة العلمية.

·       لا تنبني على آراء شائعة.

·       لا تمثّل استمرارا للمعرفة الشائعة.

·       تنطلق من أسئلة دقيقة ومحدّدة.

·       معرفة عقلانية تتجاوز الواقع الحسي ولكنّها قابلة للتجربة والتطبيقات.

 

 

 

الممارسات الاجتماعية المرجعية (Pratiques sociales de références)

-   ''الممارسات الاجتماعية المرجعية مفهوم استنبطه مارتيناد (Martinand) لتعديل مفهوم النقل التعليمي.. يقول مرتيناد: إذا أردنا التدقيق, فإنّنا نقول بأنّ صياغة المناهج المدرسية تستلهم محتوياتها ومنهجياتها من الممارسات المرجعية التالية: -البحث العلمي(مصدر المعرفة العلمية), -النشاط الصناعي, -الأنشطة الثقافية والأيديولوجية والسياسية, -القيم الاجتماعية السائدة, -النشاط التربوي(التدريس)‘‘[9]  و''الممارسات الاجتماعية المرجعية في أساسها عملية اجتماعية, نفسية, في نفس الوقت, فهي انعكاس لما في المجتمع من قيم, ومثل وعادات وتقاليد وأنماط سلوك, وغير ذلك من الألوان الثقافية التي تسود المجتمع.[10]

-  هل يكون العرف العملي في القضايا الفقهية مثل (قضايا المساقاة والمغارسة...) غير الممارسات الاجتماعية المرجعية في المعرفة الإسلامية, وبشيء من التوسّع يمكننا القول أن عمل أهل المدينة الذي يأخذ به الإمام مالك في فقهه ما هو إلا الممارسات الاجتماعية.

 

هل يمكن الحديث عن معرفة عالمة في التربية والتفكير الإسلامي؟

يصعب إيجاد تعريف دقيق للمعرفة الإسلامية ولكن المتأمل في التركيب النعتي يمكن أن يسنتج أنّ المعرفة تكتسب صفة الإسلامية إذا:

                          * ولّدها عقل مسلم في تفاعله مع قضايا المعرفة عموما على تنوّعها واختلافها.

                          * ولّدها عقل مسلم في تفاعله مع موضوع الإسلام.

                          * ولّدها عقل إنساني في تفاعله مع موضوع الإسلام.

 

خصائص المعرفة الإسلامية: تتميّز المعرفة الإسلامية بعدّة مميّزات أهمّها:

-   التعقّد والتفتّح: فالمعرفة الإسلامية لا يمكن إرجاعها إلى مرجع واحد محدّد حيث (يتداخل الكلامي بالصوفي وبالفقهي وبالنقلي... في تفاعل مع النص..) كما يمكن فهمها معزولة عن السياق العام الذي ولّدها فهي ''منتسبة إلى غيره‘‘ كما '' تتّسم المعرفة العالمة (الإسلامية) بالتفتّح على جميع أنواع المعارف كيفما كان نوعها ومصدرها, ولا يشترط في تلك العلوم أو المعارف إلاّ أن تكون ساعية وهادفة لخدمة الإنسان على كافّة المستويات.‘‘ والمعرفة في المدوّنة التربوية الإسلامية معرفة منفتحة من حيث الاستفادة مما لدى الآخرين من معارف وإنجازات ومن حيث الإفاضة والعطاء للآخرين لتزويدهم بما وصل إليه العقل المسلم من نتائج في مختلف المجالات...

-   الامتداد الزماني: المعرفة الإسلامية ولدت مع حركة الزمان وصيرورته, وهي إن كانت نزلت لسبب فقد خلّصها الأصوليون منه واعتبروا ''العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب‘‘ فلا يتقيّد المدلول القرآني في نطاق السبب الخاص للنزول أو الواقعة التي نزلت الآية بشأنها بل يؤخذ به على عمومه, لأنّ سبب النزول يقوم بدور الإشارة لا التخصّص. وقد اتفق علماء الأصول على أنّ المتّبع هو مدى عموم النص القرآني وشمول اللفظ فيه, وأنّ سبب النزول مجرّد سبب مثسر لنزول الحكم وليس تحديدا في نطاقه الخاص.[11] وإذا كانت كلّ معرفة عالمة هي عبارة عن أجوبة على أسئلة مطروحة أو معطاة, وأنّ هذه الأسئلة تكون أحيانا عويصة أو معقّدة[12]. فلقد كان الوحي أجوبة نموذجية لمسائل وقعت وقضايا طرحت وتساؤلات ألقيت. فلا يتقيّد المدلول القرآني في نطاق السبب الخاص للنزول أو الواقعة التي نزلت الآية بشأنها بل يؤخذ به على عمومه, لأنّ سبب النزول يقوم بدور الإشارة لا التخصيص. وقد اتفق علماء الأصول على أنّ المتّبع هو مدى عموم النص القرآني وشمول اللفظ فيه, وأنّ سبب النزول مجرّد سبب مثير لنزول الحكم العام وليس تحديدا في نطاقه الخاص.

-   التغيّر والتطوّر: فهي متحوّلة باستمرار, عن طريق حدوث تغيّرات سواء كانت كمّية (نزول القرآن على مدى ثلاث وعشرين سنة) أو الكيفية (التفسير والتأويل) والقرآن وإن كان مكتملا نزولا فإن معانيه مفتوحة ''فالقرآن يفسّره الزمان‘‘[13]. وإذا كانت المعرفة العالمة محكومة بتسلسل المشاكل والقضايا, بمعنى أنّ هذه المشاكل هي المحدّدة لتطوّر العلوم وتقدّمها.....فإن الزمن كان ترجمانا واقعيا للنص القرآني وكم رأينا في الآيات والأحاديث التي نسخت[14] أحكامها, أليس ذلك بعلامة من علامات القابلية لتجلوز ما توفّرت الشروط الموضوعية لتجاوزه.

 هذه الخصائص وغيرها ترشّح المعرفة الإسلامية بكلّ مكوّناتها ومصادرها إلى أن تكون معرفة عالمة يمارس المختصّون من خلالها النقل التدريسي.

تاريخية ممارسة النقل التدريسي في الأدب التربوي الإسلامي.

    لم يكتب العلماء المسلمين في علم التربية بوصفه تخصّصا مستقلاّ, وإنّما يستطيع الدارس أن يستخلص مواقف فكرية أو مبادئ عامة في البيداغوجيا والتدريسية.

يقول ابن خلدون في المقدمة''إنّ الكتابة انتقال من الحروف الخطّيّة إلى الكلمات اللفظية في الخيال, ومن الكلمات اللفظية في الخيال إلى المعاني التي في النفوس...‘‘[15]

Ü حديث عن النقل التدريسي دون الوعي بخصائصه ومكوّناته.

Ü ويتحدّث ابن خلدون عن المعرفة العالمة دون أن يكون قاصدا وصفها بهذه الصفة, وإنّما جعلها أعلى مراتب التعلّم ومدار التخصّص والترقي في العلوم... وقد وصفها بكونها متدرّجة, بمعنى قابلة للانتقاء والغربلة حتى تصبح في متناول المتعلّم. ''يلقى عليه أولا ( يقصد المتعلم ) مسائل من كل باب من الفن هي أصول ذلك الباب. ويقرّب له في شرحها على سبيل الإجمال, ويراعى في ذلك قوة عقله واستعداده لقبول ما يرد عليه, حتى ينتهي إلى آخر الفن, وعند ذلك يحصل له ملكة في ذلك العلم, إلا أنها جزئية وضعيفة. وغايتها أنها هيأته لفهم الفن وتحصيل مسائله. ثم يرجع به إلى الفن ثانية, فيرفعه في التلقين عن تلك الرتبة إلى أعلى منها‘‘[16]

·   إخوان الصفا ''واعلم بأنّ العلم ليس بشيء سوى صورة العلوم في نفس العالم, وأنّ الصنعة ليست شيئا سوى إخراج تلك الصورة التي في نفس الصانع, ووضعها في الهيولى‘‘

Ü علاقة المعرفة العالمة بالممارسات الاجتماعية المرجعية.....

·       يقول الغزالي ''ما من علم إلاّ وله: اقتصار, واقتصاد, واستقصاء‘‘[17]

·   يقول ابن رشد '' كثير من الصدر الأول فقد نقل عنهم أنهم كانوا يرون أن للشرع ظاهراً وباطناً وأنه ليس يجب أن يعلم بالباطن من ليس من أهل العلم به ولا يقدر على فهمه - مثل ما روى البخاري عن علي رضي الله عنه أنه قال: " حدثوا الناس بما يعرفون. أتريدون أن يكذب الله ورسوله ". ومثل ما روي من ذلك عن جماعة من السلف فكيف يمكن أن يتصور إجماع منقول إلينا عن مسألة من المسائل النظرية ونحن نعلم قطعاً أنه لا يخلو عصر من الأعصر من علماء يرون أن في الشرع أشياء لا ينبغي أن يعلم بحقيقتها جميع الناس. وذلك بخلاف ما عرض في العمليات: فإن الناس كلهم يرون إفشاؤها لجميع الناس على السواء ونكتفي في حصول الإجماع فيها بأن تنتشر المسألة فلا ينقل إلينا فيها خلاف. فإن هذا كاف في حصول الإجماع في العمليات بخلاف الأمر في العلميات[18].‘‘

في تقسيم ابن رشد العلم إلى قسمين: علم نظري وعلم عملي, أو المبادئ النظرية التي يسميها ابن رشد ''العلميات‘‘ وهي أمور يتعرّض لها ''الراسخون في العلم‘‘ ولا يجب أن يخوض فيها الدارسون في المراحل الأولى من دراستهم. وواضح أن ابن رشد يعطي العلوم النظرية, أو ''العلميات‘‘, مقاما أرقى في سلّم العلوم من العلوم العملية, لا باعتبار ''العلميات‘‘ الأساس التي تبنى عليها الأفعال والأعمال وحسب, وإنّما لأنّ هذه العلوم النظرية تتجاوز ظواهر الأمور إلى جواهرها وهي تحتاج بالتالي إلى قدرات فكرية لا تتوفّر إلاّ عند الخاصّة من الناّس.

هي المعرفة المختصّة التي يشتغل عليها المختصّون (Noosphère) من أجل نقلها إلى معرفة مدرسية ذلك أنّ ''العلميات‘‘ هي في غالب الأحيان موضع خلاف وليس من الحكمة ولا من المفيد تعريض الدارس المبتدئ لمسائل الخلاف التي تشوّش تفكيره

المعرفة

ابن خلدون

الغزالي

ابن رشد

العالمة

المرحلة التعميقية (التخصّصية)

مرحلة الاستقصاء

مرحلة الجوامع

المدرسية

المرحلة التفصيلية

مرحلة الاقتصاد

مرحلة التلاخيص والحواشي

المتعلّمة (المكتسبة)

المرحلة الإجمالية

مرحلة الاقتصار

مرحلة الشروح

تلك بعض إشارات مهمّة من علماء ما تحسّبوا أن تقوم نظريات في التربية تقعّدها وتفصّلها.

ممارسة العلماء المسلمين للنقل التدريسي:

 مارس الأسلاف النقل التدريسي (Transposition didactique) على المادة العلمية.  فلقد طلب (المعلّم) محرز بن خلف التونسي من أبي محمد عبد الله بن أبي زيد القيرواني أن يؤلّف له مختصرا في الفقه يكون موجّها لتعليم الولدان وهو الرسالة المشهورة فقال مؤلفّها يصف ذلك: ''... سألتني أن أكتب لك جملة مختصرة من واجب أمور الديانة ممّا تنطق به الألسنة وتعتقده القلوب وتعمله الجوارح... على مذهب الإمام مالك بن أنس رحمه الله وطريقته مع ما سهّل سبيل ما أشكل من ذلك من تفسير الراسخين وبيان المتفقّهين لما رغبت فيه من تعليم ذلك الولدان كما تعلّمهم حروف القرآن ليسبق إلى قلوبهم من فهم دين الله وشرائعه... فأجبتك إلى ذلك لِمَا رجوته لنفس من ثواب من علم دين الله أو دعا إليه...‘‘[19]

 

المعرفة المدرّسة

تتمثّل في ما يدرّسه المعلّم لتلاميذه, وتستقي هذه المعرفة محتوياتها من ''المعرفة الواجبة التدريس‘‘ (البرامج ومحتويات الكتب) كما تتأثّر بروافد أخرى نخصّ بالذكر منها:

- مواضيع الامتحانات: فأستاذ السنة الرابعة ثانوي يدرّس تلاميذه ما تعوّد أن يراه يطرح في مناظرة الباكالوريا.

- نصائح المتفقّدين والمرشدين.

- الملتقيات البيداغوجية والحلقات التكوينية.

''ولا يتمثّل (النقل البيداغوجي)[20] النقل التدريسي في تحوير محتوى المعرفة فحسب بل يهتم كذلك بتنظيم التوزيع البيداغوجي للمعارف المدرسية الذي لا يمكن أن يكون كالتوزيع العلمي للمعرفة. من أجل ذلك نرى برامج الرياضيات مثلا تنصح المعلّمين بعدم <<الاعتماد الكلّي على الأوضاع المحسوسة التي تجرّهم في أغلب الحالات إلى فصل بعض المفاهيم الرياضية عن بعض وذلك رغم ترابطها المتين (من ذلك فصل دراسة المجموعات عن دراسة الأعداد أو فصل عمليّة الجمع عن بقيّة العمليّات)>>‘‘[21]

ويشترط فيه المعرفة المدرّسة:

-       أن تكون مقسّمة إلى وحدات البرنامج الدراسي.

-       أن تكون خاضعة لتسلسل منطقي في بناء الأفكار.

-       أن تكون حاوية على الحد الأدنى من تفسيرات المادة العلمية المقرّرة

 

دور المدرّس في النقل التدريسي

يتمثّل دور المدرّس في:

البحث عن الوضعيات التي تعطي معنى للمعارف المتناولة داخل القسم. وحتّى لا يسقط التلميذ من خلال هذا العمل في أَسْر الحالات الخاصّة والمرتبطة بالسياق الذي قدّمت فيه. فعلى المدرّس أن يساعد المتعلّم على تعميم النتائج المتحصّل عليها وتجريدها وإعلائها إلى مستوى المعارف العالمة (القاعدة الأصولية, القاعدة الفقهية, القانون.......) (لا يعني ذلك أن يدرّس الأستاذ المعارف العالمة بل أن تصبح المعارف المدرّس عند التلميذ بمثابة المعرفة العالمة)

يقول بروسو(Brousseau): ''زيادة على كون العالم يقدّم نتائج بحثه على الطريقة التي وجدها بها. فهو ينظّمها ويعطيها شكلا عامّا مجرّدا. فهو يخرجها من إطارها ويفرغها من محتواها الشخصي والزمني ليرفعها إلى مستوى الحقائق المجرّدة والمطلقة. ومن واجب المدرّس أن يقوم بالعمل المعاكس أي أن يضع هذه المفاهيم في سياقات ذات معنى وأن يبحث عن الوضعيات التعليميّة التي تعطي معنى للمعارف التي سيدرّسها... يتمثّ دور المدرّس أساسا في التحرّك بين قطبين: إعطاء معنى للمعارف المجرّدة وإدخالها في سياقات ذات دلالة أوّلا والارتقاء باكتشافات التلاميذ إلى مستوى الحقائق العلمية ثانيا‘‘[22]

الاشتغال على التصوّرات

لا يأتي التلميذ إلى الدرس خالي الذهن أي أنّ المعرفة التي تقدّمها المدرسة له لا تُبنى على فراغ... وسواء تعلّق الأمر بمادّة بمادّة التربية والتفكير الإسلامي أم بغيرها من المواد فإنّ التلميذ يؤمّ المدرسة وهو مسلّح بمعارف أو كما يسمّيها ميني (Migné) ''بتصوّرات حول مختلف القضايا المعرفية التي تتعرّض إليها المدرسة‘‘ فكيف يتعامل المدرّس مع هذه التصوّرات؟

·       هل يتجاهلها؟ ويقدّم المعارف الموضوعيةبدلها فيسبّب ذلك خللا في بناء التلميذ.

·       أم ينطلق منها ليطوّرها وهو أمر ضروري لأن ذلك:

-       يعطي معنى للعمليات المعرفية

-       تمكّن التلميذ من التمييز بين المعارف الموضوعية والمعارف الماقبل علمية.

يقول استلفي (Astolfi) ''تجرّنا مختلف الأبحاث المجراة... إلى إعطاء تصوّرات التلاميذ قيمة أكثر من التي تعطى لها غالبا. ذلك أنّ دراستها تفضي بنا إلى اعتبارها -أفكارا خاطئة- يجب معرفتها لإبدالها بالمعرفة العلمية... بل ركيزة أساسيّة ينطلق منها المدرّس ليتخيّل وضعيات تجريبيّة تحفّز التلاميذ على القيام بعمل ذهني اعتمادا على تصوّراتهم وتمكّنهم من الوقوف بأنفسهم على حدود هذه التصوّرات‘‘[23]

تجديد النظرة للخطأ

يعتبر الخطأ التلاميذ سلوكا شائعا لا يخلو منه درس. فلا يجب أن يتعامل معه المدرّس على أساس كونه جرما... فالخطأ مؤشّر على:

-       محدودية قدرة التلميذ (مصدر نشوئي)

-       صعوبة الفهم (مصدر ابستيمولوجي)

-       طريقة الأستاذ في التدريس (مصدر تعاقدي)

-       عدم وضوح عناصر التعاقد.


يمارس الأستاذ نقلا تدريسيّا من المعرفة الواجبة التدريس إلى المعرفة المدرّسة بحيث يكيّف معارفه التكوينية الذاتية مع المواضيع الواجب تعليمها مع تصوّرات التلميذ. ولعلّ الرسم الوالي يوضّح ذلك:


المثلث التدريسي ضمن المعرفة المدرّسة

يتدخّل المعلّم في النقل التدريسي حيث يتصوّره عند الاشتغال على المعرفة الواجبة التدريس, وذلك بتعديل معارفه حول موضوع الدرس وتكييفها مع المعرفة المدرّسة وتنظيمها مع زمن الدرس ومع المستوى النفسي والمعرفي للمتعلّم. وفي هذه المرحلة وخلال إعداد المعلّم جذاذة درسه يدرج المثلث التدريسي في عمله ناظرا إليه نظرة جديدة.

 

 

في القسم وخلال حصّة الدرس يمارس الأستاذ النقل التدريسي على أربع أنواع من المعارف:

* المعارف المستوجبة التدريس(savoirs à enseigner)

 لها علاقة بفلسفة           عمل الأستاذ: - رسم الأهداف من خلال توصيات البرامج المعرفية والبيداغوجية

المؤسّسةالتربوية                            - اختيار سندات الكتاب المدرسي المناسبة للدرس ولمستويات التلاميذ

    * المعرفة المدرّسة

 

* معارف الأستاذ الخبرية(savoirs praxiques)

  لها علاقة بشخصية         عمل الأستاذ: الممارسات التأمّلية واختيار من تجاربه ما يتناسب والموقف التدريسي

 الأستاذ وتجربته

        * المعرفة المدرّسة

 

* المعارف المعارف العلمية المختصّة(savoirs scientifiques)

لها علاقة بالبحوث         عمل الأستاذ: متابعة المستجدّات والملتقيات التربوية والعلمية في مادة الاختصاص

والدراسات

* المعرفة المدرّسة

 

* المعارف الاجتماعية(savoirs sociaux)

لها علاقة بمجموع                  عمل الأستاذ: - الاشتغال على تصوّرات التلاميذ

معارف تلاميذ القسم                              - التعامل مع خطأ التلميذ تعامل إيجابي

وخبراتهم الفردية

    * المعرفة المدرّسة

 

 

 


---------------------

المراجع

بالسرور عبد الرزاق (1990): في الفكر التربوي الإسلامي, دار السنابل للثقافة والعلوم, تونس

ابن خلدون: المقدمة الشركة التونسية للنشر تونس.

شبشوب أحمد(1997): تعلّمية المواد. تونس.

شبشوب أحمد (1988): الأسس النظرية للتربية والتدريس. تونس

عبد القادر محمّد أحمد(1989): الجديد في تعليم التربية الإسلامية, مكتبة النهضة المصرية ط1 القاهرة مصر

العمراوي أحمد وخالد القاسمي(1999): ديداكتيك التربية الإسلامية, دار الثقافة, الدار البيضاء المغرب

غريب عبد الكريم وآخرون(1998): معجم علوم التربية, منشورات عالم التربية الدار البيضاء المغرب ط2

الغزالي: إحياء علوم الدين

القيرواني ابن أبي زيد, عبد الله: الرسالة

ابن رشد: رسالة النفس

د. فرحان أحمد, د.توفيق مرعي(1984): المنهاج التربوي بين الأصالة والمعاصرة, دار الفرقان, عمّان, الأردن ط1,

Astolfi (1984): Le statut des representations et leur prise en compte didactique. Aster

Brousseau(1987): Les différents rôles du maître. C.F.I. Paris  

Develay Michel (1993): de l'apprentissage à l'enseignement. ESF

 


[1]  عبد الرزاق بالسرور: في التفكير التربوي الإسلامي ص9-43

[2]  محمّد عبد القادر أحمد(1989): الجديد في تعليم التربية الإسلامية. ص.9 مكتبة النهضة المصرية ط1 القاهرة مصر

[3]  أحمد العمراوي وخالد القاسمي: ديداكتيك التربية الإسلامية ص.33

[4]  المصدر السابق. ص.85

[5]  المصدر السابق ص84

[6] عبد الكريم غريب وآخرون: معجم علوم التربية ص.350

[7]  أحمد شبشوب: تعلّمية المواد ص.42

[8]  معجم علوم التربية ص. 289 - 290

[9]  نفس المصدر ص.46

[10] " Toute discipline d'enseignement renvoie à des pratiques sociales de référence avec plus aux moins de force... (P.S.R.) Renvoie à des activités sociales diverses (activités de recherche, de production, d'ingénierie, mais aussi activités domestiques et culturelle) pouvant servir de référence à des activités scolaires " Michel Develay: de l'apprentissage à l'enseignement. p.22

[11]  آية اللعان مثال على ذلك

[12] "Tout savoir est réponse à une question donnée. Cette question est parfois complexe, empruntant à des domaines variés. Le savoir produit ne répond parfois qu'à une partie de la question initiale, ou à une question qui est apparue..." Michel Develay: de l'apprentissage à l'enseignement. p.20

[13]  ابن مسعود......

[14]  حديث زيارة المقابر خير مثال على ذلك.

[15]  ابن خلدون ص429

[16]  ابن خلدون: المقدمة ج2 ص:695

[17]  الغزالي: إحياء علوم الدين, ج1 ص52

[18]  ابن رشد: رسالة النفس

[19]  ابن أبي زيد القيرواني, عبد الله: الرسالة ص3

[20]  هكذا أوردها الكاتب

[21]  أحمد شبشوب (1988): الأسس النظرية للتربية والتدريس ص.129

[22] Brousseau(1987): Les différents rôles du maître. C.F.I. Paris  

[23] Astolfi (1984): Le statut des représentations et leur prise en compte didactique. Aster