صفحة الاستقبال بيداغوجيا بيداغوجيا حل المشكلات

كتاب التربية الإسلامية والتنشئة على القيم

بيداغوجيا حل المشكلات طباعة أرسل إلى صديق
الكاتب: عفيفة بوغزالة   

بيداغوجيا حل المشكلات - الأستاذة عفيفة بوغزالة

المقاربة بالكفايات

لقد أضحت بيداغوجيا الكفايات العمود الفقري لجلّ المنظومات التّربوية في العالم، سواء من حيث التّنظير لها أو التّطبيق، وأضحى معها التّدريس بالوضعيات – المشكلات مطلبا أساسيا. فهذه الوضعيات تشكّل حجر الزّاوية في بيداغوجيا الكفايات. الّتي هدفت إلى إدماج التّعلّمات وإعطائها معنى ضمن وضعيات دالّة.

فبيداغوجيا الكفايات مكّنت من الانتقال من التّدريس بالمحتويات إلى التّدريس بالوضعيات وهو ما سيمكّن من تحقيق مجموعة من التّصوّرات والأساليب والتّقنيات منها :

ü                 عدم اعتبار المعارف هدفا في حدّ ذاتها.

ü                 جعل الوضعيات منطلقا لكلّ نشاط تعليمي.

ü                 إشراك المتعلّمين في تحمّل مسؤولية تعلّمهم.

ü                 إعطاء هامش من حرّية المبادرة للمدرّس والمتعلّمين.

ü                 التّقريب بين الموادّ الدّراسية.

إنّّ المقاربة بالكفايات تجعل عملية التّعلّم أكثر دلالة باعتمادها مبدأ الإدماج[1] فهي تعمل على تطوير قدرة التّلميذ على توظيف معارفه ومهاراته لمواجهة مشكلات وإنجاز مهامّ بإدراجها ضمن وضعيات إدماجية تراعي شمولية الأهداف وأهمّية المعارف المكتسبة. فالمتعلّم كائن فاعل بقدراته وشخصيته الإيجابية ومؤثّر في محيطه. فــــ “المعارف تبنى من قبل من يتعلّمها”[2]ممّا يجعله كافيا في وضعيات مختلفة.

ومن هنا يمكن القول إنّ بيداغوجيا الكفايات انتقال بالأساس من نموذج يتأسّس على تبليغ المعارف إلى نموذج يقوم فيه المتعلّم ببناء معرفته من خلال وضعيات يوظّف فيها إمكاناته وهي تأخذ بعين الاعتبار البعد التّفاعلي، أي إقامة تفاعل بين المعارف القديمة والمواضيع الجديدة داخل الوضعية.

والتّفاعل بين الموادّ في وضعية معيّنة يؤدّي إلى بناء معارف جديدة تعتبر هي الحلّ للمشكل المقترح. فالذّات النشيطة تبني المعارف وتراكمها، وتقيم العلاقات بين المعارف وتحلّل وتعيد النّظر، وتدمج وتصحّح وتبدع وتراقب ذاتها واستراتيجياتها المعرفية ومواردها من أجل حلّ المشكلة والإنجاز في الوضعية المحدّدة. وبهذا تتحقّق الكفاية وهي استراتيجية معرفية وميتامعرفية. كما أنّ علماء النّفس يعرّفونها بــــــالبنيات الذّهنية الكامنة الّتي تتحقّق بالإنجاز من قبل الذّات الفاعلة في وضعية.

 

الوضعية المشكلة

 

إنّ الغاية من التّعلّم ليس مجرّد النّجاح أو الحصول على الشّهائد، وإنّما تحصيل المعرفة فيتمكّن التّلميذ من استغلال معارفه خارج المدرسة، أي حشدها في وضعيات معقّدة ومفاجئة. وهو ما يحيل على مفهوم الكفاية الّتي يعرّفها كزافي روجيرز Xavier roegiers بأنّها “إمكانية التّعبئة، بكيفية مستبطنة، لمجموعة مدمجة من الموادّ بهدف حلّ فئة من الوضعيات المشكلات”.[3]

 كما يحدّها برنار جينيت Ginette Bernard  بأنّها “مجموع مندمج ووظيفي من المعارف والمهارات وقدرات حسن التّصرّف الاجتماعي savoir être وكيفية التّخطيط للمستقبل savoir devenir والّذي يمكن عند مواجهة فئة من الوضعيات من التّكيّف وحلّ المشكلات وتحقيق المشاريع”.

ممّا سبق نلاحظ أهمّية الدّور الّذي تلعبه الوضعية كوسيلة لتحقيق الكفاية وتنشيطها وتفعيلها. فهي من أهمّ العناصر الّتي ترتكز عليها الكفاية. وهي منبع ومعيار الكفاية وبسبب ذلك أصبحت تحتلّ مكانة راجحة في التّدريس بالكفايات. وبالتّالي هي الّتي تبني الكفاية الفعلية لا الكفاية الافتراضية المتوقّعة.

 

I- تعريف الوضعية المشكلة

يعرّف معجم روبيرRobert  الوضعية بأنّها “مجموع العلاقات الملموسة الّتي توحد فردا أو مجموعة أفراد في لحظة معطاة ووسط ظروف عليهم أن يعيشوها ويتدبّروها

إنّها تقاطع والتقاء ظرفيات معيّنة، فيقال هناك وضعية عندما تضع الفاعل النّشيط ضمن شبكة من الأحداث، في معالجة معطيات وتمثّلها باتّساق، وتطرح الوضعية مشكلا عندما تضع الفاعل في مواجهة مهمّة من أجل حلّها.[4]

أمّا المشكل فيعرّفه معجم روبيرRobert  بأنّه “مسألة تستوجب الحلّ” أو “صعوبة تستوجب حلاّ”

ممّا تقدّم يمكن تعريف الوضعية المشكل اصطلاحا بتقاطع لمجموعة من العلاقات الملموسة الّتي تضع الفرد أمام مشكل أو صعوبة تستدعي حلاّ.

إنّ الوضعية المشكلة تعني وضع التّلميذ أمام مشكل معقّد يتطلّب حلاّ، وما المشكل إلاّ وسيلة للتّعلّم. فهي تعتبر إطارا واقعيا، يواجه ضمنه المتعلّم مشكلا يشغّل من أجل مواجهته معارفه ومفاهيمه. إنّها وضعية واقعية وملموسة، كما تمثّل التقاء عدد من العوائق في إطار ظروف وشروط معيّنة يحاول التّلميذ تحدّيها بقدراته ومهاراته. وبهذا يمكن القول إنّ التّعلّم مهمّة تشكّل تحدّيا معرفيّا للمتعلّم وتعدّ معالجتها دلالة على كفاءته وأهليته التّعليمية.

وما يميّزها عن الطّرق التّعليمية الأخرى، كونها ذات صلة بالتّكوين الذّاتي والابتعاد قدر الإمكان عن البيداغوجيات التّقليدية، ثمّ تتميّز بالدّينامية ووضع التّلميذ في قلب المشكل وأمام حواجز بغاية تجاوزها، منطلقين من إثارة التّساؤل ووصولا إلى زعزعة التّمثّلات مرورا بصياغة فرضيات تفسيرية. كما تتميّز بالشّّمولية.

 

 

II- مكوّنات الوضعية المشكلة

تقوم الوضعية المشكلة على مكوّنات ثلاثة حدّدها دكتيل Deketele وهي : الدّعامة والمهمّة والتّعليمات.

1-             الدّعامــــــــــــــــــة :

وهي أيضا السّند والحامل وتتضمّن العناصر المادّية الّتي تقدّم للتّلميذ، فيلم، رسم بياني، وثيقة تاريخية، نصّ... كما تشمل الدّعامة السّياق أي المجال الّذي تمارس فيه الكفاية. فقد يكون السّياق عائليا، أو سوسيوثقافيا، أو تاريخيا... وتتضمّن كذلك الدّعامة المعلومات الّتي سيستثمرها المتعلّم أثناء الإنجاز وقد تشمل أشياء مفيدة وغير مفيدة وهي المعلومات المشوّشة.

2-             المهمّــــــــــــــــــة :

يقصد بها المطلوب من المتعلّم إنجازه ويستحسن أن تتضمّن المهمّة أسئلة مفتوحة تتيح للتّّلميذ فرصة إشباع حاجاته الخاصّة، كالتّعبير عن الرّأي واتّخاذ المبادرة، ويعتبر مفهوم المهمّة مفهوما مركزيّا في التّعلّم بالوضعيات المشكلات.

3-             التّعليمـــــــــــات :

هي مجموع التّوجيهات الّتي تقدّم بشكل صريح للمتعلّم، قصد مساعدته على أداء مهمّته. مثلا: استعمال معجم معيّن، عدد معيّن من الأسطر، توظيف الاستشهادات ... وغالبا ما تحدّد التّعليمات معايير الإتقان في الكفاية.

III- وظائف الوضعية المشكلة :

للوضعية المشكلة وظيفتان : وظيفة الإدماج ووظيفة التّقويم، فالمشكلات المعقّدة أو الوضعيات الدّالّة تقدّم لبناء الكفاية أي إدماج التّعليمات أو لتقويم الكفاية.

 

1- وظيفة الإدماج :

يؤكّد المهتمّون بالحقل التّربوي أنّ الجديد الّذي قدّمته المقاربة بالكفايات، هو إدماج التّعلّمات في إطار وضعيات، وهذا ما جعل روجيرز يتحدّث عن الهدف الاندماجي النّهائي، والهدف الاندماجي الوسيط. فالاندماج هو حجر الزّاوية في بناء الكفاية لدى المتعلّم، وهو ما يؤكّده لوبورتيف Le Bortef في قوله “الكفاية ليست حالة أو معرفة متملّكة، فامتلاك المعارف والقدرات لا يعني أن يكون المرء كافيا، ولا تكمن الكفاية في موارد، معارف وقدرات، يتوجّب تعبئتها، بل في استعمال هذه التّعبئة نفسها”[5]وهذه التّعبئة هي المصطلح عليه بالإدماج.

ويعرّف المجلس الأعلى للتّربية في كيبيك إدماج المعارف بأنّه “العملية الّتي يقوم بها التّلميذ حينما يطعّم معارفه السّابقة بمعارف جديدة وملموسة”.[6]

ويعرّفه روجيرز بأنّه “سيرورة ربط الموارد السّابقة بالموارد الجديدة وإعادة هيكلتها وفق التّمثّلات والمخطّطات الدّاخلية للفرد وتطبيقها على الوضعيّة الجديدة لتحقيق معالجتها[7]

إنّ الإدماج يتمّ ببنية تعلّمات دقيقة بحيث تغدو بالنّسبة للتّلميذ المداخل غير المخارج. فالإدماج ليس عملا تراكميا بل هي عمليةبنائية معقّدة لكنّها عملية تحتاج إلى تعلّمات دقيقة.  وهو ما يؤكده برنار ري Bernard Rey حيث يرى أنّ تطبيق الوضعية المشكلة لا يجب أن ينسينا الإجراءات الأوّلية الّتي لا ننكر أهمّيتها في اكتساب الكفايات. فالمقاربة بالكفايات تبنى على أساس لحظتين أساسيتين من التّعلّم :

ü  التّعلّم المنظّم للمعارف : يتمّ فيها إكساب التّلميذ الموارد الّتي سيحتاجها خلال مرحلة الإدماج، وتنقسم هذه الموارد إلى :

المعارف les savoirs : وهي المعارف الخام : المعجم، الأقوال، الأفكار والمعلومات الّتي تخصّ موضوع الدّرس.

المهارات le savoir-faire  : هي مجموع القدرات والمهارات الّتي يمكن توظيفها على المحتوى، تركيب سؤال، اعتماد أسلوب معيّن...

المواقف والاتّجاهات le savoir être : هي كلّ المواقف والقيم ومهارات التّصرّف في مواقف معيّنة الّتي يمكن إكسابها للتّلميذ.

ü  أنشطة الإدماج والتّقويم : وهي الأنشطة الّتي يتمّ خلالها إدماج التّعلّمات السّابقة في إطار وضعيات مشكلات، وهو ما يتطلّب تنظيما لزمن التّعلّم يقتضي تخصيص فترة من الزّمن  للتّعلّم الدّقيق وزمن آخر لإدماج التّعلّمات والمكتسبات السّابقة في إطار وضعيات دالّة

أهداف الإدماج :

 إعطاء دلالة للتّعلّمات، فاندماج التّعلّمات ضمن وضعيات ذات سياق معيّن يمنحها دلالة بالنّسبة للمتعلّم خاصّة إذا ما ارتبطت هذه الوضعيات بواقعه الملموس وكانت نابعة من محيطه الاجتماعي.

تعلّم كيفية استعمال المعارف وتوظيفها، فالاندماج يكسب المتعلّم القدرة على توظيف معارفه بالشّكل الملائم والمطلوب وفق الوضعية المشكلة المقترحة.

القدرة على التّمييز بين التّعلّمات، فاندماج التّعلّمات الدّقيقة ضمن وضعية معيّنة ليس عملا عشوائيا اعتباطيا، بل يقتضي الاختيار بين الملائم والصّالح وبين المشوّش والزّائد من التّعلّمات.

2- وظيفة التّقويم :

تؤدّي الوضعية المشكلة هذه الوظيفة حينما تقدّم بهدف تقويم قدرة التّلميذ على إدماج التّعلّمات في سياقات مختلفة ووفق معايير محدّدة، ويعتبر النّجاح في حلّ هذه الوضعية المشكلة دليلا على التّمكّن من الكفاية. وتقويم الكفاية يقوم على أربعة أسس :

استهداف الكفاية.

الانطلاق من وضعية على صيغة مشكلة.

انسجام الوضعية في الصّنف مع الكفاية المستهدفة في التّقويم.

وضعية التّقويم تكون دالّة بالنّسبة للتّلميذ، أي تحمل بالنّسبة إليه وتحفّزه لأداء المهمّة المطلوبة.  

IV- خصائص الوضعية المشكلة :

اتّفق التّربويون، منهم روجيرز وكزافيي ودوكتيل وغيرهم على عشر خصائص :

1-  أن ترتبط الوضعية المشكلة بكفاية معيّنة وأن تنتمي لعائلة من الوضعيات الّتي تبني هذه الكفاية وتقوّمها.

2-  أن تكون معبّئة لمجموعة من الموارد بشكل مندمج وليست مضافة لبعضها البعض بشكل تراكمي.

3-  أن ترتبط بأداء مهمّة une tâche complexe أو متمركزة حول مشكل محدّد.

4-  أن تكون دالّة بالنّسبة للتّلميذ أي ذات سياق اجتماعي مرتبط بواقع وحامل لمعنى في حياته اليومية أو المهنية وليست تعلّما مدرسيا عاديا، أي أنّها لا تكون مرتبطة فقط بالمعلومات المدرسية.

5-  أن تكون مستفزّة ومقاومة لقدرات التّلميذ، أي تكون حافزا للتّلميذ ليكون فاعلا وموظّفا لذكائه.

6-  أن تطرح لغزا حقيقيا يجعلها متملّكة من طرف التّلميذ.

7-  أن يمنح حلّها هامشا من المبادرة والحرّية للمتعلّم لعرض وجهة نظره والدّفاع عنها

8-  أن تكون جديدة بحيث لم يسبق للتّلميذ أن واجهها.

9-  أن تشمل تعليمات ومعايير محدّدة إضافة إلى العناصر المشوّشة الّتي تختبر ذكاء التّلميذ.

10-  أن تكون واضحة ومفهومة.

 

      V- صياغة وضعية مشكلة

يتمّ اكتساب الكفاية من خلال التّمكّن من الموارد الممثّلة في الأهداف التّعلّمية، والتّمرّن على إدماج هذه الموارد باعتماد وضعية مشكلة مرتبطة بالكفاية. وتحدّد فئة الوضعيات المشكلات المتكافئة، الخاصّة بكفاية بواسطة وسائط paramètres تدقّق نوع وعدد وطبيعة مكوّنات الوضعية كالسّياق أو المعلومات (المكتسبة من خلال التّعلّم أو المقترحة في شكل وثائق) أو المهمّة أو ظروف إنجازها والمعايير الّتي ستعتمد في تقويم إنتاج التّلاميذ.

   1- تنظيم الوضعية الإشكالية :

ترتكز هذه البيداغوجيا على وضع المتعلّم أمام وضعيات إشكالية، تنشّط حاجات المتعلّمين وتستقطب اهتمامهم. والمدرّس يقوم بتحسّس حاجات التّلميذ ويقوم بتنشيطها، مع التّركيز على الّتي يمكن استغلالها بيداغوجيا، على أن يبتعد عن تلك الّتي قد تؤدّي إلى إخفاقات متكرّرة أو عقوبات، حتّى لا يتراجع اهتمامه وبالتّالي ينصرف عن الدّراسة. ولعلّ أهمّ الحاجات هي الّتي تضع المتعلّم أمام نفسه، وتدفعه للتّعلّم وتبثّ فيه الرّغبة. كما يجب أن تكون المهمّة ذات دلالة ومعنى بالنّسبة له، ومن هذه الحاجات : الفضول وحبّ الاطّلاع، النّجاح الشّخصي، تحسّس الفائدة، تحقيق الذّات مع نفسه ومع الجماعة.

هذا يتطلّب من المدرّس العمل على إيجاد الطّرق الكفيلة لجلب اهتمام التّلاميذ وإثارة فضولهم، لذلك تراه يبحث عن الوضعيات الّتي تناسب التّلميذ. وهذه الوضعيات قد تكون على شكل سؤال يحيّرهم ويقلقهم، فيتوجّهون للبحث عن الإجابة والحصول على المعلومات الّتي تدلّهم على الحلّ. وقد تتفرّع المشكلة إلى مشكلات فرعية تتقدّم بالبحث وتطوّره. يقول سكينر : «يشعر المتعلّم بالسّعادة عندما يتوصّل إلى فكّ عقدة أو لغز أو يتعرّف على شيء كان مبهما في البداية».

إنّ هذه البيداغوجية ترتكز على نشاط التّلميذ الّذي لا ينطلق من تلقاء نفسه، بدون مشكلة او بدون تساؤل. وهذا ما يفسّر السّلبية الّتي يكون عليها التّلميذ عندما تعتمد الأساليب الدّغمائية الّتي تقدّم فيها الإجابات والحلول دون أن تكون هناك أسئلة.

إنّ شكل الدّرس يمكن تصوّره كحلقة تبدأ بالمشكلة كنقطة انطلاق ليدور نشاط التّلاميذ حولها وتكون مرجعا لهم في البحث، وتنتهي بالعودة لها.

2- تنظيم وضعية الانطلاق :

تنجح العملية إذا أدرجت المشكلة ضمن سياق عامّ من النّشاطات لتجنّب الاصطناع والتّكلّف. واستغلال السّياق يهدف إلى إثارة فضول التّلميذ وجلب اهتمامه من أجل طرح الأسئلة، وهو مبنيّ على مبدإ ربط التّعليم باهتمامات التّلميذ ودافعيتهم للنّشاط، وعليه توضع المادّة الدّراسية في سياقها الّذي تؤثّر فيه حتّى يجد التّلميذ معنى لتعلّمه.

 

3- صياغة المشكل :

حتّى تكون المشكلة ناجعة يجب توفّر الشّروط التّالية :

أن يوضع التّلميذ أمام مشكل حقيقي.

أن يكون المشكل واسعا وغنيّا حتّى تتفرّع عنه مشكلات أخرى تشمل كلّ الهدف، وكلّ نشاطات التّلاميذ وزمن الحصّة يكرّس في حلّ هذا المشكل.

- تخصيص المشكلة : هي عملية استقطاب انتباه التلاميذ نحو لبّ المشكلة أو ما يسمّى بالبؤرة، والبؤرة الجيّدة هي الّتي تطرح السّؤال، وتتحدّد فيها المشكلة – الهدف، وتثبت معناه.

 - طرح السّؤال : ترتكز صياغة المشكلة بطرح أسئلة تتّسم بنوع من الشّمولية والعموم، حتّى لا تكون الإجابة مباشرة تلغي دور التّلميذ بسرعة، بل يجب أن يشعر التّلميذ من خلال السّؤال أنّه بحاجة إلى التّفكير والتّحليل وإلى تجنيد طاقته ومعارفه.

 

4- أنواع المشكلات :

& المشكلات العفوية : وهي غير مقصودة، أي دون قصد تربوي لم يهيّأ لها المتعلّم، وهي الوضعيات التّعليمية الطّبيعية الّتي نصادفها في حياتنا اليومية. فالأحداث المستغلّة تكون مرتجلة ولا تنسجم دائما مع مخطّط التّعلّم المقصود الّذي ينطلق من الهدف وصولا إلى حلّ المشكلة. ولأنّ هذه الوضعية تخاطب الّدافعية لدى التّلميذ، فإنّ نجاح العملية التّعليمية يبقى رهين :

درجة صعوبة المهمّة الماثلة أمام الشّخص.

وجود معنى للوضعية بالنّسبة للشّخص.

قدرات الشّخص تجاه هذه المهمّة.

مستوى تطلّع الشّخص.

حساسية كلّ فرد تجاه الانفعالات والضّغوطات (التّوتّر، الخوف...)

الإحساس بالمسؤولية حيال العمل المقدّم.

قيمة وأهمّية أدوات العمل الّتي يمتلكها الشّخص.

& المشكلات المثارة : هي الّتي يثيرها المعلّم عمدا وهي تتّفق مع الأهداف المعدّة سلفا. ونجاح العملية رهين قدرة المعلّم على استدراج التّلاميذ ومساعدتهم على طرح الأسئلة.

& المشكلات المبنية : هي الّتي يبنيها المعلّم بغرض تحقيق أهدافه التّعليمية، لكن التّكلّف والاصطناع قد يفقدها جانب الإثارة والاهتمام. ومع ذلك تبقى مهمّة في العملية التّعليمية خاصّة بمراعاة بعض الشّروط لتكون المشكلة مثيرة للدّافعية وتلقى قبولا لدى المتعلّمين، ويكون ذلك بوضوحها ومراعاتها لمستوى التّلاميذ وحملها للتّحدّي.

فالمشكلة المعروضة متروكة لكفاءة المعلّم وقدرته وخياله وذكائه في اقتناص الفرص ليجعل منها لحظات هامّة وممتعة ومفيدة. كما أنّ عليه أن يتحرّى الوجاهة في المشكلة المقترحة، فتكون حقيقية أي لا تقود إلى الخطإ وتكون ذات مصداقية. تثير اهتمام التّلاميذ وتنال قبولهم وناجعة تسمح ببلوغ الهدف وتؤدّي إلى التّكيّف المطلوب.

VI- القيمة التربوية للوضعية – المشكلة

 

-   تستدرج الوضعية – المشكلة لإنجاز مجموعة من الأنشطة سواء منها النظرية أو التجريبية وذلك بغرض تقديم حل للمشكلة الموضوعة.

-     يستخدم المتعلم فكره.

-     يستثمر معارفه السابقة في إطار تحصيل معرفة وخبرة جديدة.

-     يحدد المتعلم المشكلة.

-     يجمع معلومات تتعلق بالمشكلة.

-     يفترض فرضيات تتعلق بالحل.

-     يختبر فرضياته تلك التي توصل إليها ويمحصها.

-     يحصل على استنتاجات.

-     يعمم ما توصل إليه على مشاكل مشابهة تعترضه.

-     فالتعلم عن طريق وضعية مشكلة يجذب انتباه المتعلم.

-     يجعل المتعلم يهتم بالبحث عن حل للمشكلة.

-     الدرس المؤسس على هذه الشاكلة :

l    يربك المتعلم – يستفزه.

l    يجعل المتعلم يشعر بالمتعة والحماس وهو منخرط في إيجاد الحل.

l    يربط المتعلم معارفه ومكتسباته السابقة بتلك التي يتوصل إليها مما يجعله يبني معارفه وينمي كفاياته.

 

VII- دور المدرّس في بيداغوجيا حلّ المشكلات

1-  المدرّس مصمّما ومهندسا لعمليّة التّعلّم :

إذا كان المدرّس فيما قبل يقوم بتصميم درسه على جذاذات تحضير ، تركّز على خطواته ومراحله الأساسية ومحتوياتها، وبمعنى آخر تركيزه على تخطيط التّعليم، فإنّه أصبح اليوم مطالباـ من أجل تطوير أدائه. بأن يقوم بعمليّة تصميم شامل وعامّ لمسارات التّعلم أيضا، وذلك  بإعداد ملف خاصّ بكلّ وحدة دراسية من وحدات المقرّر، وذلك بأن يعمل على تصوّر وابتكار وضعيات محفّزة ومثيرة أحيانا، بل ومستفزّة في حدود الطّاقة الاستيعابية والتمثّلية للفئة المخاطبة، واقتراح آليّات التّبسيط والتّوجيه، وإعداد وتنظيم فضاء التّعلّم، وتكوين مجموعات العمل، وذلك في ضوء ما تتطلّبه الكفاية أو الكفايات المراد تحقيقها، كما ينبغي أن يكون لديه تصوّر احتماليّ لكيفيّة تدبير وضعيّة الفشل أيضا، فهو مصمّم ومنفّذ في نفس الآن، وهو يقوم بهذه المهام انطلاقا من البرنامج الدّراسي وتأسيسا عليه.

ويمكن أن يشتمل الملف الدّيداكتيكي المشار إليه، إلى جانب جذاذات الدّروس، على كل الوثائق، والأوراق، والأدوات المتعلّقة بالوسائل التّعليمية، من نصوص مكتوبة، وصور توضيحية ، ونصوص مدونة على شرائح مثلا ، وقصاصات إخبارية، وما إلى ذلك مما يمكن استثماره في معالجة مفردات الوحدات الدراسية المقررة.

2-  المدرّس منشّطا

من أهمّ أدوار المدرّس في ظل بيداغوجيا الكفايات، التّنشيط : ونقصد به كل الطّرق والأساليب والوسائل أو الوسائط الّتي من شأنها تنشيط التّعلم، والمضيّ به إلى أبعد الحدود الممكنة، عن طريق نهج أساليب تحفيز واستدراج المتعلّمين إلى المشاركة في التعلّم وأنشطته، فالمدرّس هو الموجّه لدفّة التعلّمات المطلوبة عبر درس من وحدة دراسية، أو عبر وحدة بأكملها.

 

المرحلة

دور الأستاذ باعتباره منشّطا

 

المرحلة الأولى : مرحلة الاستكشاف

-          الإعداد المادي (حجرة الدّرس، الأدوات،..).

-          طرح الوضعية-المشكلة وتوضيحها.

-          إشراك كل المتعلّمين في فهم الوضعية- المشكلة.

-          تحديد زمن العمل.

-         خلق جو مناسب. 

 

المرحلة الثّانية : مرحلة التّحليل والاستثمار

-           تنظيم اقتراحات (فرضيات) المتعلمين.

-           حث المتعلمين على التعبير بوضوح.

-           الإنصات إلى الاقتراحات وإعادة صياغة الأفكار.

-      طرح أسئلة للحصول على مزيد من المعلومات.

-          طلب توضيحات حول ما توصل إليه المتعلمون.

-       تحليل إجابات المتعلمين ومناقشتها

 

المرحلة الثّالثة : مرحلة التّوظيف والتّقييم

-    تذكير بالإشكالية.

-  تذكير بأهم الخطوات التي سلكها المتعلمون في بحثهم عن الحلول.

-    خلاصة النتائج المتوصل إليها.

 

 والتّنشيط التّربوي التّعليمي هو توجيه لمسارات التّعلم من أجل تحقيق الكفاية أو الكفايات المطلوبة، وقد يؤدّي التّنشيط النّاجح إلى اكتشاف قدرات بنّاءة لدى المتعلّمين، يمكن استثمارها والاستفادة منها في الوصول إلى أبعد من الكفاية.

  ولا ينبغي اعتبار التّحفيز ـ على أهمّيته الدّيداكتيكية، مجرّد طرح إشكال أمام التّلاميذ بداية الحصّة، وانتظار استجابتهم لنقول بأن التّحفيز قد أتى أكله، وإنّما على المدرّس أن يدرك بأنّ التّحفيز معناه خلق شروط محيطة تجعل التّلاميذ يطرحون بأنفسهم الأسئلة، ومن ثمّ، تتحوّل المشكلة والبحث عن حلّها إلى مسألة شخصية للتّلاميذ ، وليست مجرد استجابة لطلب المدرس.

3-  المدرس مسهّلا لعملية التّعلم

 إذا كانت القدرات أدوات لترجمة الكفايات، كما تعدّ في الآن نفسه أدوات ربط بين مكوّنات مختلف الموادّ الدّراسية، والأسلاك التعليمية، لطبيعتها الامتدادية الّتي يمكن أن تشكّل موضوع استدعاء من قبل المتعلّم في كل لحظة، مادامت قد أصبحت مندمجة في خبراته الاستراتيجية.

إذا كان الأمر كذلك، فإنّ أهمّ أدوار المدرّس في ظلّ بيداغوجيا الكفايات هو الاستكشاف، استكشاف القدرات لدى تلاميذه، الفطري منها والمكتسب، والعمل على تصحيح الخاطئ منها، أو تعزيز السّليم، أو تطويرها نحو الأحسن، ممّا يساعد المتعلّم على استخدامها وتسخيرها لتحقيق الكفاية، أو الكفايات المستهدفة في أيّة لحظة من لحظات حياته الدّراسية والعامّة.

وأكثر من هذا ـ وهو ما ينبغي التّأكيد عليه هنا ـ هو أنّ المدرّس في ظلّ هذه البيداغوجيا، أصبح ملزما بتمكين المتعلّم من أدوات عمل، ومنهجيات، وأساليب، وطرق، واستراتيجيات، وكلّ ما من شأنه أن يساعد المتعلّم على حسن القيام بدوره في عملية التّعلم على الوجه الأكمل، بل ويسهّلها في وجهه، تمكينه منها عن طريق تمريرها إليه، وتدريبه عليها حتّى تستدمج ضمن خبراته العملية، وجعلها بالتّالي متاحة أمامه للاستفادة منها متى دعاه إليها داع ظرفي.

 

 

4-  المدرّس موجّها لعملية التّعلم

من أخطر وأهمّ الأدوار التي يضطلع المدرّس في ظلّ بيداغوجيا الكفايات، هناك عملية توجيه تعلّم تلاميذه، حتّى لا تزيغ أو تحيد عمّا تمّ تخطيطه ورسمه لها بشكل مسبق، فهو موجّه لدفّة تعلّمات تلاميذه، مسؤول على تحقيقها وترسيخها لديهم، وذلك باتّخاذ كافّة التّدابير والوسائل والأسباب الكفيلة بتعزيز تلك التعلّمات، وسيرها السّليم نحو التحقّق، بدفع كلّ المثيرات غير المرغوب فيها، أو المشوّشة، وتعزيز الإيجابي، وحين التّصرف في إدارة الخطأ مع حسن التّخلص.

            5-  المدرّس مقوّما

هو مقوّم لمفردات البرنامج ككلّ، ومقيّم لكلّ وحدة دراسية ومدى تحقّق الكفايات المرتبطة بها، ومقيّم لكلّ درس من دروس كلّ وحدة دراسية على حدة، تشخيصيا، ومرحليا، وإجماليا.

إنّه في كلّ ذلك يقيّم تعلّمات تلاميذه، ويقيّم الكفايات ومدى تحقّقها، ويرصد الصّعوبات والعوائق الّتي قد تحول دون تحقّقها، كما يقيّم المحتويات الدّراسية ككلّ. فهو باحث بهذا الاعتبار ، فضلا عن كونه  مجرّبا.  



[1] - الإدماج : سيرورة ربط الموارد السابقة بالموارد الجديدة، وإعادة هيكلتها وفق التمثلات والمخططات الداخلية للفرد وتطبيقها على الوضعيات الجديدة لتحقيق معالجتها ومقاربتها. فالإدماج بذلك ربط بين الموارد المكتسبة والمنفصلة لغاية تفعيلها وتوظيفها لتحقيق غاية معينة ( التعاطي مع وضعية ـ مشكلة ).

[2] - فيليب جونايير.

[3] -    Roegiers,x, une pédagogie de l’intégration compétences et intégration des acquis dans l’enseignement,Bruxelles, de Boeck,2000.

[4] - تعريف مركز : C.E.P.E.C

[5] - لوبورتيف Le Bortef، Construire les compétences individuelles et collectives,

Éditions d’Organisation, Paris, 244 p.

[6] - المجلس الأعلى للتّربية بالكيبيك

[7] - Roegiers,x, une pédagogie de l’intégration compétences et intégration des acquis dans l’enseignement,Bruxelles, de Boeck,2000.