صفحة الاستقبال

كتاب التربية الإسلامية والتنشئة على القيم

دور الكتاب المدرسي في تنمية ثقافة الحوار طباعة أرسل إلى صديق

مشاركة الأستاذ محمّـد سخّـانة في الندوة الدولية

 حول دمج قيم الحوار الإسلامية في مناهج التعليم وتعزيزها

القيروان  من 12 إلى 14 أكتوبر. 2009






للحوار ثلاثة مستويات: حوار مع الذات، (مونولوغ)، ومع الآخر، (ديالوغ)، ومع العالم، (ديالكتيك)، وهذه المستويات الثلاثة  تتداخل مكوناتها وتتفاعل تفاعلا جدليا مستمرا يؤدي عادة إلى حدوث تطورات في موقف الفرد من الحوار وقدرته عليه وتعامله مع الآخر ثقافة ومعرفة وقبولا. 

بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله

أيها الإخوة، ضيوف القيروان عاصمة الثقافة الإسلامية،  أحييكم بتحية الإسلام، وأتمنى لكم إقامة طيبة بين إخوانكم في تونس.

تندرج مداخلتي ضمن المحور الأول من هذه الندوة "الحوار وصورة الآخر من خلال الكتب المدرسية" وتتناول موضوع دور الكتاب المدرسي في تنمية ثقافة الحوار من خلال قراءة في الفلسفة التي انبنت عليه كتب التربية الإسلامية والتفكير الإسلامي في تونس، وتتضمّن مداخلتي المحاور التالية:

1.   الحوار: مفهومه - مستوياته

2.   الكتاب المدرسي: مفهومه - أبعاده

3.   دور كتاب التربية والتفكير الإسلامي في تنمية ثقافة الحوار لدى الناشئة

 

 

1.   ثقاقة الحوار  أو الحوار الذي نريد

1.   أولا:  في المفهوم

الحوار في الاصطلاح اللغوي: نشاط عقلي ولفظي يقوم على تقديم الأدلة والبراهين التي تبرر وجهات نظر المتحاورين عند معالجة قضية أو حلّ مشكلة ...

أمّا الحوار والتواصل في المجال المدرسي والتربوي فهو كفاية compétence   من الكفايات التي  تشتغل عليها المنظومة التربوية،  وتعني  قدرة الأفراد على التفاعل الفكري والمعرفي والعاطفي والسلوكي مع الآخرين والاستمرار في التواصل معهم  بشكل إيجابي في مناخ من الراحة والطمأنينة.

كفاية الحوار علامة لتوازن الشخصية والثقة بالنفس:  لذلك نقول: إنّه كلما سما الإنسان وترفّع عن أنانيته، أوجد في ذاته مكاناً أرحب للآخر.

إنّ أوّل شرط لقيام حوار بين طرفين هو الاستعداد المبدئي لقبول الآخر المختلف، والإنصات إلى ما يقول واحترام حقه في تبني الآراء والموقف، والدفاع عنها في كنف الأدب واللياقة.

2.   ثانيا:  مستويات الحوار

للحوار ثلاثة مستويات: حوار مع الذات، (مونولوغ)، ومع الآخر، (ديالوغ)، ومع العالم جملة وتفصيلاً، (ديالكتيك)، وهذه المستويات الثلاثة  تتداخل مكوناتها وتتفاعل تفاعلا جدليا مستمرا يؤدي عادة إلى حدوث تطورات في موقف الفرد من الحوار وقدرته عليه وتعامله مع الآخر ثقافة ومعرفة وقبولا.

المستوى الأوّل: الحوار مع الذات (مونولوغ)

الحوار مع الذات يفترض "استقلال الوجدان وجهاد المعرفة"، وجهاد النفس الأمارة بالسوء. أي إنه يفترض مجاهدة النفس وكبح جماح الهوى، والتخلي عن الأفكار المسبقة والمطلقات؛ والاعتراف من ثم بالنقص والاحتياج الملازمين للكائن البشري، وبإمكانية خطأ الذات، ووجوب التعلم من الآخرين، واستحالة المطابقة بين الفكر والواقع. ويفترض بعد هذا كله الصدق مع الذات ومع الآخرين، والصدق والشجاعة صنوان. وذروة الصدق والشجاعة هي الصدق مع الذات والشجاعة في مواجهة رغباتها ونزواتها وأوهامها وأباطيلها ورؤيتها لذاتها.

إنّ قبول الآخر ومحاورته يشترط قبول الأنا ومحاورتها،  حوارا ذاتيا عقلانيا يحاسب النفس ويحملها على الحق قبل أن يتهم الآخر. إنّ لكلّ منّا شخصيته الخاصّة به، وقد أراد الله أن يكون كلّ واحد فينا شخصا فريدا، لا نسخة مكررة عن الآخرين، فليس العيب أن يكون أحدنا مختلفا عن الآخر، بل العيب ألاّ يكون واثقا من نفسه مقدّرا لذاته تقديرا عاليا، إنّ الشخص الذي لا يحبّ ذاته ولا يحترمها، لا يستطيع أن يحبّ الآخرين ويحترمهم، إنّ أقوياء الشخصية يحترمون أنفسهم ويحترمون الناس من حولهم

الحوار مع الذات يفترض:

        «استقلال الوجدان» ، ومغالبة هوى النفس الأمارة بالسوء

        التخلص من الأفكار القبلية والمطلقات

        الاعتراف بإمكانية خطأ الذات، وإمكانية التعلم من الآخرين

        الصدق مع الذات المؤدي إلى الصدق مع الآخرين

المستوى الثاني: الحوار مع الآخر، (ديالوغ)

الحوار مع الآخر يفترض الاعتراف بأن "الآخر" هو "أنـا"، وحقوقه ضمانة موضوعية لحقوقي وحريته ضمانة موضوعية لحريتي. فكل واحد منا هو "أنا" لذاته و "آخر" لغيره.

الحوار مع الآخر يفترض:

        الثقة في النفس التي تخلق استعدادا لقبول الآخر المختلف

        الاعتراف بأن "الآخر" هو "أنـا"، وأنّ ضمان حقوقه وحريته يعني موضوعيا ضمانا لحقوقي وحريتي.

        اقتناعا بأن لا حوار بلا تناصت وتعارف وتسامح

        حذق تقنيات التواصل والتحلي بآداب الحوار

المستوى الثالث: الحوار مع العالم، (ديالكتيك)

الحوار مع العالم يفترض الاعتراف بوجود العالم مستقلاً عن الوعي، وبأن الوعي هو العالم مدركاً، وأن النقص هو مبدأ الإدراك وأساس المعرفة. فوعي الفرد على الإطلاق ناقص من جهة وينطوي على الخطأ والوهم من جهة أخرى. ولما كان الواقع احتمالياً وإمكانياً ومتغيراً باستمرار، فليس ثمة من يستطيع الادعاء بتعرُّفه والإحاطة به من جميع جوانبه وفي جميع مستوياته. والعلم كله في العالم كله. وإنه لذو دلالة أن كبار العلماء والحكماء كانوا يختمون أقوالهم وكتاباتهم بعبارة : والله أعلم.

الحوار مع العالم يفترض:

        الاعتراف بأن النقص هو مبدأ الإدراك وأساس المعرفة،

        الاقتناع بنسبية الواقع وتغيّره المستمر

        الاعتراف بأن جميع الأفكار والآراء والتصورات مشروعة، وليس لأي منها قيمة مطلقة

 3.   ثالثا:  الحوار قيمة مركزية في الثقافة الإسلامية

يقرر الإسلام الاختلاف باعتباره حقيقة إنسانية طبيعية، ويتعامل معها على هذا الأساس : «يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ»[1] . خلق الله الناس مختلفين اثنياً واجتماعياً وثقافياً ولغوياً، «وَمَا كَانَ النَّاسُ إِلاّ أُمَّةً وَاحِدَةً فَاخْتَلَفُوا وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ فِيمَا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ»[2]، أي أن اختلافاتهم على تعددها لا تلغي الوحدة الإنسانية. تقوم هذه الوحدة على الاختلاف، وليس على التماثل أو التطابق. ذلك إن الاختلاف آية من آيات عظمة الله، ومظهر من مظاهر روعة إبداعه في الخلق. والقاعدة الإسلامية كما حددها الرسول صلى الله عليه وسلّم هي أن: «لا فضل لعربي على أعجمي ولا لأبيض على أسود إلا بالتقوى» وبالتالي فإن الاختلاف العرقي لا يشكل قاعدة لأفضلية ولا لدونية. فهو اختلاف في إطار الأمة الإنسانية الواحدة، يحتم احترام الآخر كما هو على الصورة التي خلقه الله عليها.

إن الحوار يتطلب وجود تباينات واختلافات في المواقع وفي الفكر وفي الاجتهاد وفي الرؤى. وفي ذلك انعكاس طبيعي للتنوع الذي يعتبر في حدّ ذاته آية من آيات القدرة الإلهية على الخلق.

لقد اهتم الإسلام بالحوار اهتماماً كبيراً، وذلك لأن الإسلام يرى بأن الطبيعة الإنسانية ميالة بطبعها وفطرتها إلى الحوار والجدل

الحوار هو الطريق الوحيد الذي يؤدي بالاختيار الحر وبالمحبة إلى الوفاق والتفاهم والوحدة. ذلك إن البديل عن الحوار هو القطيعة والانكفاء على الذّات، وتطوير ثقافة الحذر والشك والعداء للآخر. إن من مقومات الحضارة العربية - الإسلامية احترام الآخر والانفتاح عليه والتكامل معه، وليس تجاهله أو إلغاؤه أوتذويبه.. وقد رسم الرسول الأكرم أروع الأخلاق في الحوار وأحسنها، بل وأسماها وأنبلها؛ لأنها أولاً مطلب إلهي أوصى الله به رسوله في كثير من الآيات القرآنية العظيمة.

 

 

2.   الكتاب المدرسي

1.   أولا:  في المفهوم

الكتاب المدرسي وثيقة تعليمية موجّهة إلى المتعلّم والمعلّم على السواء، تحتوي معرفة تمّت صياغتها وفق منهج محدّد لتلائم متعلّما معيّنا في فترة محدّدة بطريقة تساعد التلاميذ والطلبة على بلوغ أهداف البرنامج الدراسي ومقاصده 

رغم التطوّر الكبير الذي يشهده العالم اليوم في مجال التكنولوجيا والمعلوماتية والوسائط المتعددة، يظلّ الكتاب المدرسي أهمّ أداة تعليمية - تعلّمية  يعتمدها المدرّسون والمتعلمون داخل الفصل وخارجه، فهو الوسيلة الرئيسية لمعالجة المعارف واكتساب المهارات وتنبني  المواقف والقيم من  خلال الوثائق التي يقدّمها والأنشطة والتمارين التي يقترحها. وتعود هذه الأهمية إلى كونه أكثر الوسائل الديداكتيكية شيوعا واستعمالا، وهو الأكثر شعبية وتداولا حتّى في البلدان الغنية والمتقدّمة.

2.   ثانيا:  وظائف الكتاب المدرسي

الذات البشرية من الوجهة النفسية كيان ثلاثي الأبعاد: معرفية، مهارية، ووجدانية، ولكي بكون الكتاب المدرسي مستجيبا لهذه الأبعاد الثلاثة، يجب أن تكون له ثلاث وظائف أساسية:

وظيفة  معرفية تعالج المضامين المعرفية في مادة مدرسية معيّنة، يشترط فيها أن تكون :

        ملائمة لاحتياجات المتعلمين ومشاغلهم

        مناسبة لمستواهم الذهني وخصائصهم النفسية

        معالجتها معالجة تحليلية نقدية تبرز نسبيتها

وظيفة مهارية تنمّي في المتعلّم جملة من الكفايات العملية مثل التحليل والتوظيف، والاستنتاج وذلك من خلال:

        اعتماد مقاربة بنائية متدرّجة تساعد على الإدماج والتأليف

        تدريب المتعلمين على اسثمار الموارد وتوظيفها لمناقشة قضايا وحل مشكلات

        الاشتغال على وضعيات وأنشطة تساعد على التفكير والبحث (دراسة حالات – وضعيات مشكل)

وظيفة وجدانية تهتم بكل ما يتّصل بالكينونة وتنمية الذات، من خلال:

        اعتبار التلميذ شخصية واعية ومفكّرة لها اهتماماتها ومشاغلها واحتياجاتها

        توجيه الخطاب إلى المتعلّم ودفعه إلى الانخراط الإيجابي في معالجة الموضوعات

  • توفير أنشطة وتمارين تدعو التلميذ إلى تقديم مواقفه والدفاع عنها بحرية
 

. دور كتاب التربية والتفكير الإسلامي في تنمية ثقافة الحوار لدى الناشئة

 

1.   أولا:  في فلسفة البرامج

لقد جاءت الخطّة التنفيذية لمدرسة الغد، 2002-2007  الصادرة عن وزارة التربية والتكوين معبّرة عن انشغالٍ وطني بضعف مردود  المنظومة التربوية، والصعوبات التي تواجهها في تأهيل الناشئة للحياة العملية النشيطة وتنمية شخصية الفرد بما يساعد على تحرير المبادرة  والتفاعل الإيجابي مع المحيط،وتنمية ثقافة الحوار لديه، وقد صرّحت (الخطّة) بالتحديات والرهانات الموكولة إلى النظام التربوي التونسي[1]، والتي من أهمّها:    «إعداد الإنسان الذي يتعلّم،   كيف يتعلّم،   وكيف يعمل،  وكيف يكون،   وكيف يعيش مع الآخرين»[2].

                                                       

أمام هذه التحديات والرهانات، كان السؤال الذي طرحناه على أنفسنا – باعتبارنا مشرفين على تطوير تدريس المادة الإسلامية في تونس- هو: ما الدور الذي يمكن لمادتي التربية الإسلامية والتفكير الإسلامي أن تسهما به في  إعادة بناء الضمير الفردي العربي وتأهيله للمبادرة والفعل بحيث يكون قادرا على محاورة الآخر بثقة ونديّة؟

 يعتبر التلميذ مقصد العملية التكوينية والتربوية وغايتها الأساسية، لا باعتباره وعاءً يُملأ بالمعارف والأفكار، بل باعتباره شخصية واعية ومفكّرة متكاملة الخصائص والأبعاد. ولكي نضمن تنشئة متوازنة للمواطن تؤهله لأداء أدواره الإنسانية والاجتماعية  على الوجه المطلوب، لا بدّ أن تراعي البرامج المدرسية أبعاده المعرفية-الذهنية والمهارية-الاجتماعية والوجدانية-السلوكية.[3]

 وليتحقّق التوافق بين هذه الأبعاد وبين المواضيع والأنشطة التعلّمية  والتعليمية التي نقترحها عليه، لا بدّ من دراسة نفسية - اجتماعية تحليلية، تشخّص حاجات المخاطبين واهتماماتهم في كلّ مرحلة من مراحل الدراسة. 

أ‌.       أسئلة ذات طبيعة بيداغوجية منهجية، تهتم بالتفاعلات الذهنية والعرفانية  التي تحدث للتلميذ عندما يكون في وضعية تعليمية – تعلّمية. أهمُّ هذه الأسئلة: كيف يتعلّم الفرد؟ ما الاستراتيجيات التي يعتمدها لبناء معارفه ومهاراته وتبني مواقفه وسلوكاته؟...

وهذه الأسئلة هي مجال اشتغال  المدارس والنظريات التربوية كالعرفانية والسلوكية والبنائية، وغيرها[1]، وما ترتّب عنها من مقاربات بيداغوجية وطرق في التدريس وبناء المناهج  والبرامج المدرسية.

ب‌. أسئلة ذات طبيعة نفسية واجتماعية: أهمها: من هو التلميذ التونسي؟ ما خصائصه النفسية والذهنية في كل مرحلة من مراحل دراسته؟ ما اهتماماته؟ ما احتياجاته ومشاغله؟ ماذا يريد؟...      ثم : ماذا نريد له أن يكون؟  ... 

تهدف هذه الأسئلة إلى تشخيص واقع التلميذ وفهم تركيبته النفسية والذهنية والاجتماعية، وهي تركيبة تتغيّر باطراد  بحكمِ التقدّم في السنّ وبحكم التحولات التي يعيشها كل فرد من سنة إلى أخرى ومن مستوى دراسي إلى آخر.

إنّ الإجابة عن تلك الأسئلة يتطلّب بحثا عميقا ودراسة علمية تستفيد من مجلوبات علم النفس التربوي وعلم النفس الاجتماعي  ومختلف المقاربات والتجديدات البيداغوجية،  تساعد على قراءة تحليلية وموضوعية للذات العربية، تستوعب طريقة تفكيرها وأهم خصوصياتها الوجدانية والعاطفية وترصد مواطن القصور والضعف فيها.

إنّ الفلسفة التي انبنت عليها البرامج  الجديدة لمادتي التربية الإسلامية  والتفكير الإسلامي، لا تؤمن كثيرا بالتراكم المعرفي وحشو الأدمغة بالمضامين الجاهزة، بقدر ما تدعو إلى التفكّر في عدد من القضايا والمشكلات المتصلة بالحياة والإنسان وفق منهج يقرأ الوحي والواقع بعقل تحكمه ثلاثية "الإبداع" والاجتهاد" و "الإيجابية" 

وهو عمل تأسيسي يعتمد أسسا مرجعية -بيداغوجية وإبيستيمولوجية- تعتبر التلميذ شريكا حقيقيا في إنتاج المعرفة، تسند له الدور الأكبر في بناء مكتسباته وتبنّي مواقفه من خلال تفكير متدرّج وعميق في قضايا قريبة من مشاغله واهتماماته ذات علاقة بواقعه وطموحاته. وهذا الأمر يتطلّب تفعيلَ منهج بنائي في الممارسة البيداغوجية يضفي مزيدا من المعنى والدلالة على التعلّمات،  ممارسة تسقرئ هموم التلاميذ وطريقة تفكيرهم  والأسئلة التي تجول بأذهانهم، وتساعدهم على تحليل الإشكاليات المعروضة عليهم وبناء مواقف عقلانية وإيجابية إزاءها وفق معالجة علمية تفتح أذهانهم على ما أنتجه التفاعل بين الوحي والعقل من أفهام وحلول تستجيب لمقتضيات النصّ ومتطلبات الواقع وتؤسّس لديهم وعيا بقدرة الإسلام نصّا وشريعة وفكرا على مواكبة التطورات التي تشهدها الإنسانية كل يوم.

وتجسيما لهذه الرؤية البنائية، صدرت الكتب المدرسية الجديدة وفق مقاربة بيداغوجية نعتمدها لأول مرّة في تاريخ المادة هي بيداغوجيا حلّ المشكلات[2]  حيث ينطلق كل درس من وضعية استكشافية تتمثّل في مشكلة أو دراسة حالة يتفاعل معها التلاميذ تفاعلا حرّا قبل أن ينطلق في معالجة قضايا الدرس، وهي معالجة تتم من خلال الاشتغال على عدد من الأنشطة والتمارين الواردة في مرحلة التحليل والاستثمار، وهي أنشطة متدرّجة في بنائها، مساعدة على التفكير والاستنتاج. أمّا مرحلة التوظيف والنقد فهي عمل تأليفي يوظّف خلاله المتعلّم مكتسباته لبناء مواقف إيجابية يكون قادرا على البرهنة عليها.

 إنّ المنهج الذي تريد مادتا التربية الإسلامية والتفكير الإسلامي تأسيسه في ممارساتنا التعليمية والتعلّمية يقوم على أساس تحويل الشعور الباطن بالعقيدة إلى حركة سلوكية واقعية، تتدرّج بالتلميذ في اكتشاف ثوابت العقيدة الإسلامية وبناء تصوّر للكون والحياة قائم على التوحيد باعتباره رؤية عقلانية متكاملة تحقّق مصالحة الإنسان مع نفسه وخالقه وتبني جسور التواصل بينه وبين محيطه الطبيعي  والاجتماعي.

صدر جيل جديد من الكتب المدرسية في الفترة ما بين  2002  و 2008 ، جاءت مختلفة عن سابقاتها شكلا ومضمونا ومنهجا، اتسمت خاصة بكثافة الأنشطة الواردة فيها وتنويع السندات والموارد، بما  يستهدف المستويات الثلاثة للحوار (حوار الذات وحوار الآخر وحوار العالم) والأبعاد الثلاثة للعملية التربوية، المعرفية والمهارية والسلوكية الوجدانية.



[1]    -  المدرسة السلوكية (Behaviorisme)نشأت في الولايات المتحدة الأمريكية على يدي watson، وتذهب إلى أنّ عملية التعلّم تقوم على الربط بين المثير والاستجابة  (Stimulus ®  Réponse) تركّز على النتائج الظاهرة من الأفعال والأحداث والأشياء من أشهر روادها: Pavlov  و  Skinner

     -    المدرسةالعرفانية  (Cognitivisme) يمثلها Chomsky  و  Tardif وتركّز على العمليات الذهنية أثناء التعلّم وخاصة على التمشي

  processus d’apprentissage

بمعنى أن التعلّم تمشٍ وليس نتيجة معرفية

-          المدرسة البنائية  (Constructivisme) يمثّلها Piaget  ، وهي تعتبر أنّ الفرد يتولى بنفسه بناء المعرفة وإغنائها من خلال تعامله مع المشاكل المطروحة عليه 

-          المدرسة البنائية - الاجتماعية socioconstructivisme تقول بما جاء في المدرسة البنائية وتضيف أن عملية التعلّم تقوم على التبادل والتعاون مع الآخر

[2]   تنطلق "بيداغوجيا حل المشكلات (Pédagogie de la résolution de problèmes): من مبدإ مفاده : إنَّ  الحياة عبارة عن مجموعة المشكلات ولكي يضمن الفرد تكيّفه مع محيطه الاجتماعي، ينبغي أن:

          يكون قادرا على مواجهة تلك المشكلات والتفكير فيها وإيجاد الحلول المناسبة لها.

          يعتمد استراتيجية عمل تقوم على اتباع خطوات متدرجة تمثّل سيرورة إنتاج المعرفة في موضوع معيّن

          يمتلك القدرات والمهارات الضرورية التي يحتاجها للتكيّف مع الوضعيات التي يمكن أن تعترضه في حياته اليومية.

تقدّم "بيداغوجيا حل المشكلات بديلا مغايرا لما هو مألوف في الممارسات البيداغوجية السائدة،   وهي ممارسات تقوم  عادة على:

§          التدخّل المباشر في توجيه عملية التعليم والتعلّم  من خلال اعتماد الاستجواب  (سؤال / جواب) كوسيلة للتوصّل إلى المعارف المستهدفة

§         التركيز شبه الكلّي على المضامين المعرفية وإهمال الجوانب المهارية والسلوكية

§         تجزئة المعارف وتقطيعها بصورة يفقدها  ترابطها وتكاملها

§         إسناد دور ثانوي للمتعلّم يتمثّل في

ç هي ممارسات تقلّل من دور المتعلّم وتخلق فيه كسلا ذهنيا وفي القسم جوا من الرتابة والخمول

 
[1]   وردت هذه المعاني في كتاب  الإصلاح التربوي الجديد  الخطّة التنفيذية لمدرسة الغد، 2002-2007  الصادر عن وزارة التربية والتكوين

[2]   الخطّة التنفيذية لمدرسة الغد، ص 17

[3]  هي ترجمة تقريبية لـ savoirs – savoir faire – savoir être   ، على أنّي أحبذ ترجمة - – savoir être بالكينونة لأنها تحيل على قدرة الفرد على بناء ذاته وتحقيق  كيانه.

 [1]  الحجرات 13

[2]  يونس 19