صفحة الاستقبال مكتبة المدرّس مقدّمة إبستمولوجيّة لعلم الكلام الجديد
مقدّمة إبستمولوجيّة لعلم الكلام الجديد
الكاتب: د. محمّد بوهلال   
نهضت العلوم الدينيّة في الحضارة الإسلاميّة بوظيفةٍ مركّبةٍ ذاتِ ثلاثةِ أوجهٍ

 مقدّمة إبستمولوجيّة لعلم الكلام الجديد    نظريّة القبض والبسط  -   د. محمّد بوهلال

المقدّمة

نهضت العلوم الدينيّة في الحضارة الإسلاميّة، بفضل تنوّع مشاغلها وتعدّد اتّجاهاتها، بوظيفةٍ مركّبةٍ ذاتِ ثلاثةِ أوجهٍ:

•§     وجه سياسي تنظيمي يتمثّل في تنظيم الصراع الاجتماعي والسياسي، وضبط الأسس التي عليها يكون الاجتماع والافتراق، والدفاع عن «فرقة أهل الحقّ» وعن الدولة التي تمثّلها.

•§     ووجه معرفي إيديولوجي يتمثّل في إضفاء التناسق على خطاب الشارع بتخليصه من مظاهر الغموض والتضارب التي تكتنفه وتوفير أساس معرفي متين للاعتقاد والتعبّد والعيش ضمن جماعة المؤمنين.

•§     ووجه روحي ثقافي يتمثّل في وضع الفكر والممارسة الاجتماعيّين في إطار ديني وأخلاقي، يستوعب ثقافة العصر وعلومه وتصوّراته للكون والإنسان والمصير، وييسّر اندماج المسلمين في عالمهم الثقافي والحضاري مع الحفاظ على وحدتهم الروحيّة.

إنّ هذه الوظائف تطلّبتها الظروف التاريخيّة التي أفرزت تلك العلوم الدينيّة والمتّسمة بتفكّك الجماعة وتفجّر العقيدة وإبهام المستقبل والشكّ في دور الدولة القائمة وجدواها ونشوء تحدّيات فكريّة داخليّة وخارجيّة معقّدة. وقد بلغت هذه الظروف في النصف الأوّل من القرن الثاني الهجري درجة من التعقيد لم يعد بالإمكان الاعتماد في مواجهتها على مجرّد المعارف الشفويّة الموروثة والخبرة العمليّة الناشئة حديثا، فكان أن نمت علوم اللغة والتاريخ والشريعة وغيرها.

ولعلّ المسلمين اليوم يعيشون وضعا وجوديّا ومعرفيّا ومادّيّا أكثر خطورة وتعقيدا من ذاك الذي عاشه أسلافهم. فمن السمات البارزة المميّزة لوضعهم الراهن التشكيكُ في جدوى الدين وضرورتِهِ، وتباينُ اتّجاهاتِ المسلمين في فهم الإسلام وتصوّر المستقبل نتيجةَ تداخل التجارب التاريخيّة لديهم وتفاعلهم بطرق مختلفة مع الحداثة. ومن هذه السمات تضاربُ المعارف والمنهجيّات الحديثة مع المعارف والمنهجيّات الموروثة، واهتزازُ نظرة المسلمين إلى أنفسهم وإلى غيرهم، وتأرجح العلاقة بين الديني والسياسي في حياتهم، وظهورُ نزعات دينيّة منغلقة وعنيفة في صفوف بعض الفئات منهم، وتعثّر مشاريع النهضة والتحديث التي وضعتها دولهم.

وفيما يخصّ قضيّة المعرفة، وهي المشكلة الوحيدة التي ينشغل بها هذا المقال، يمكن القول إنّ العلوم الدينيّة عرفت بعد حصول صدمة الحداثة أزمة ذات أبعاد أربعة:

أ- بُعْدٍ معرفي يتجلّى في اجترار معارف ومناهج تجاوزتها الثقافة العلميّة الحديثة بما استجدّ فيها من مناهج وإشكاليّات وحقول ونظريّات جديدة. وقد أوقع التباعد بين الثقافتين القديمة والحديثة العلومَ الدينيّة التقليديّة بمناهجها ومبادئها ونظريّاتها في مأزق معرفي ناجم عن تخلّفها عن شروط الخطاب العلمي الحديث.

ب- بُعْدٍ اجتماعي يتجلّى في انصراف الناس عن العلوم الدينيّة وإقبالهم على المؤسّسات التعليميّة والبحثيّة الحديثة. فقد تقلّص عدد المؤسّسات العلميّة التقليديّة في معظم الدول الإسلاميّة، وأصبح ما استمرّ منها يعاني من منافسة شديدة تزيد من حدّة الضغوط المسلّطة عليها.

ج- بُعْدٍ وظيفي يتجلّى في انحسار الدور الذي تنهض به العلوم الدينيّة التقليديّة في حياة الناس بسبب ما عرفه المجتمع من تغييرات وما ظهرت فيه من متطلّبات جديدة سياسيّة واقتصاديّة وتكنولوجيّة وإداريّة وخدميّة ليس في وسع هذه العلوم الوفاء بها.

د- بُعْدٍ سياسي خاصّ بالدول المحكومة بنظام ذي طابع ديني مثل إيران، ويتمثّل في هيمنة المؤسّسة الدينيّة على الحياتين الروحيّة والمادّيّة فيها ونهوضها بدور محافظ يعيق التجديد ويكرّس سلطة العلماء التقليديّين.

1- المتكلّمون الجدد وموقفهم النقدي

إلى أيّ حدّ كان علماء الدين المسلمون في العصر الحديث واعين بخطورة هذه الأزمة وتعدّد أبعادها؟ هل قدّموا اقتراحات جدّيّة لتجاوزها؟ أحاول فيما يلي الإجابة عن هذين السؤالين بالنظر في جهود صنف من العلماء سَمَّوْا أنفسهم أو سمّاهم البعض بـ«المتكلّمين الجدد»، حاولوا تجديد علم الكلام باعتباره العلم الديني الأعلى حتّى يصبح قادرا على الاستجابة لتطلّعات المسلمين المعاصرة. إنّ تحديد هويّة هؤلاء ما تزال قيد الدرس، ومن أبرز المحاولات في هذا الشأن كتابٌ جَمَعَ مقالاتِهِ وكتب تمهيدا لها ونشرها عبد الجبّار الرفاعي تحت عنوان «علم الكلام وفلسفة الدين»، وهي مقالات وحوارات أجريت مع مفكّرين إيرانيّين ينتسبون جميعا إلى «علم الكلام الجديد».

في تقديمه لهذا الكتاب عدّ الرفاعي من ضمن المتكلّمين الجدد مفكّرين مثل محمّد إقبال ووحيد الدين خان ومالك بن نبي ومحمّد عبد الله درّاز ومحمّد حسين الطباطبائي ومرتضى مطهّري ومحمّد باقر الصدر وعبد الكريم سروش ومحمّد مجتهد شبستري ومصطفى ملكيان وصادق لاريجاني وغلام رضا حدّاد عادل... (الرفاعي، 2002، ص ص27-32). وكان فهمي جدعان قد تكلّم منذ السبعينات، في الفصل الرابع الذي عقده لـ«التوحيد المتحرّر» من كتابه «أسس التقدّم عند مفكّري الإسلام» عن «علم كلام جديد»، قاصدا به الكتابات العقديّة المعاصرة، وعدّ من ممثّليه محمّد بن عبد الوهّاب وجمال الدين الأفغاني وحسين الجسر الطرابلسي ومحمّد عبده وطنطاوي جوهري ومحمّد جمال الدين القاسمي ومحمود شكري الألوسي ومحمّد العزيز الحبّابي وعثمان أمين، بالإضافة إلى محمّد إقبال ومالك بن نبي.

إنّ هاتين القائمتين الطويلتين نسبيّا والقابلتين للتمدّد بإضافة أسماء أخرى إليهما من مصر وتونس والمغرب وسوريا وغيرها تثيران عدّة مشاكل. فبين المفكّرين المذكورين اختلافات فكريّة كثيرة، وبعضهم ينتسب صراحة إلى علم الكلام الجديد، وبعضهم لا ينتسب إليه ويفضّل اعتبار نفسه عالم دين بالمعنى التقليدي أو مفكّرا إسلاميّا معاصرا[1]. كما أنّ فهمهم للتجديد وتفاعلهم مع الثقافة الحديثة يخضعان لدرجات متفاوتة من العمق. ورغم اشتراك الكثيرين منهم في إرادة التجديد في نطاق علم الكلام فإنّ الدارس لا يلمس لديهم انسجاما في الرؤية والهدف. لذلك رأيت من الأنسب أن أختار نموذجا واحدا من هؤلاء أفرده بالدراسة.

اخترت أن أدرس إسهام المفكّر الإيراني المخضرم عبد الكريم سروش[2] لنجاحه في بيان قصور المعرفة الدينيّة التقليديّة وتمكّنه من صياغة رؤية إبستمولوجيّة طريفة في تجديد المعرفة الدينيّة أَطْلَقَ عليها اسم «نظريّة القبض والبسط» (Contraction and Expansion Theory)، واعتبرها معادلة للنظريّة النقديّة التي وضعها الفيلسوف الألماني إيمانويل كانط (E. Kant) (سروش، 2002، ص ص119-120، 231-239). توصّل سروش بفضل نظره العميق في أوضاع المسلمين المعرفيّة إلى نتيجة عامّة مفادها أنّ جميع المسلمين المعاصرين يعيشون أزمة، وأنّ أساس هذه الأزمة معرفي، وأنّها ناتجة عن عدم تلاؤم فهمهم للإسلام مع العصر. وأخذ على عاتقه معالجةَ الأزمة في مستواها المعرفي، وبناءَ علمِ كلامٍ جديدٍ يفي بالغرض، معتبرا نظريّته في القبض والبسط مقدّمة تأسيسيّة لهذا العلم.

تركّز نقد سروش للتقليديّين على موقف الانغلاق الفكري الذي يميّزهم، واضعا نفسه في سياق حركة التجديد والإصلاح في إيران والعالم الإسلامي عموما. اعتبر أنّ التحدّي الذي يواجهه الإصلاحيّون المعاصرون مختلف عن ذاك الذي عرفه المجدّدون القدامى أمثال الغزالي وفيض الكاشاني وجلال الدين الرومي وسيّد حيدر العاملي. ورأى أنّ مضمون هذا التحدّي هو، بعبارة محمّد إقبال، «التوفيق بين الأبديّة والزمنيّة». فخلال القرون الماضية الأخيرة عرفت حياة البشر واعتقاداتهمْ تطوّرات جوهريّة من شأن تجاهلها أن يجعل الحياة الدينيّة في المجتمع المعاصر غير ممكنة، لذلك اعتبر سروش التوفيق بين الدين والعصر هو الواجب الأوّل لمتكلّمي اليوم (Sorouch, 2000, pp27-28). ولأنّ أهمّ ما يحول بينهم وبين هذا الواجب هو تأثير الأفكار التقليديّة والمحافظة، أقرّ بأنّ المعركة الفكريّة الكبرى الدائرة اليوم في العالم الإسلامي وفي إيران بصفة خاصّة هي المعركة القائمة بين التقليديّين والتجديديّين، ورأى أنّ ما يفرّق بين التيّارين هو عدم تفطّن التقليديّين إلى أنّ العالَم ومعرفتنا به تغيّرا على نحو جوهري (سروش، 2002، ص103).

انتقد سروش جهل رجال الدين التقليديّين بالمعارف الحديثة وعدّهم إيّاها شبهات يجب أن تقاوم، وقدّم وصفا قاتما للواقع المعرفي في الحوزات الدينيّة بإيران، معتبرا رفع رجال الدين شعار المحافظة على صفاء الشريعة ونقاوتها محاولة بائسة منهم لإخفاء جهلهم (نفسه، ص ص107، 113) عازيا فشلهم في «رفع التناقض بين العلوم البشريّة ومعارف الوحي» إلى هذا الجهل (نفسه، ص ص89-90).

إنّ الموقف المعرفي التقليدي السلبي من العلوم الحديثة مبني في رأي سروش على رؤية أخلاقيّة خاطئة تعتبر الغربيّين «مستكبرين ومعرضين عن الحقّ، يجسّدون الشيطان، والشيطان مجسّد فيهم... ومنبع جميع الآفات والأباطيل وأهل الفساد وموزّعي الشبهات...». وخطأ هذه الرؤية راجع إلى عدم إدراك أصحابها أنّ ما أصاب عقائد الغربيّين من اهتزاز لم يحدث «بسبب إضلال الشياطين وتواطؤ الملحدين والمغرضين»، وإنّما كان نتيجة حتميّة للثورة المعرفيّة التي عاشوها (نفسه، ص ص91-92). ومن الطبيعي أن يجرّ الفهم الخاطئ للتحوّلات المعرفيّة التي شهدتها أوروبّا إلى اعتبار النظريّات العلميّة الجديدة شبهات، وإلى الفشل في مواجهتها فكريّا (نفسه، ص94)، وهو ما يفسّر الالتجاء إلى أحكام متسّرعة واتّهامات باطلة، الغرض منها تبرير التقاعس واحتكار السلطة والامتيازات (نفسه، ص226).

لم يكتف سروش بنقد الاتّجاه المحافظ معرفيّا واجتماعيّا، بل نقده نفسانيّا أيضا، وسعى إلى تقويض بعض الأوهام التي تمنع قادته ومفكّريه من الوعي العميق بالمشكلة المعرفيّة وتحول دونهم والمساءلة العميقة وتجديد النظر. بدّد أوّلا الوهم القائل إنّ الشيعة هم أفضل حالا في باب المعرفة من أهل السنّة، وانتقد تبجّح الشيعة بأنّهم، خلافا لأهل السنّة، لم يغلقوا باب الاجتهاد، وأنّهم بفضل ذلك حازوا كنزا من الاجتهادات يكفل لهم إشباع حاجاتهم المتجدّدة. زيّف سروش هذه الادّعاءات وساءل أصحابها بسخرية: إذَنْ لِمَ كُلُّ هذه الشفاه العطشى؟ لِمَ لا يجد الفقراء ما يسدّ حاجتهم في الاجتهاد الشيعي، فجميع المسلمين اليوم فقراء بالمعنى الحضاري؟ لِمَ يتخبّط الشيعة وغير الشيعة من المسلمين في نفس المشاكل؟ ولِمَ كانوا متساوين في العجز عن حلّ مشاكلهم الخاصّة؟ وتساءل: هل يصحّ اختزال كلّ التحوّلات الفكريّة والاقتصاديّة التي عرفها العصر الحديث في بعض الاجتهادات الفقهيّة المحدودة؟ (Sorouch, 2000, p28).

وأظهر سروش ثانيا العبث الذي ينطوي عليه نزوع بعض المفكّرين من الشيعة وأهل السنّة إلى تحقيق التوافق بين الدين والعصر بإسقاط المعارف الحديثة على القرآن باسم الإعجاز العلمي. اعتبر أصحابَ هذه النزعة ملاحظين سطحيّين وعاجزين عن فهم إيقاع العصر الحديث وعقله، جاهلين بطبيعة الدين وجغرافيّته وهندسته وبتاريخ المعرفة الدينيّة وظاهرة التبادل الفكري في صلبها وبمعاركها مع المعارف الأخرى. فهم مجدّدون زائفون، يعمدون إلى استخراج الحقائق العلميّة الحديثة من النصوص الدينيّة المقدّسة قصد الإقناع بأهمّيّة الدين وكسب الاحترام له من قِبَل المعاصرين. وهم في ذلك متناقضون إذ يتذرّعون بنماذج لاعقلانيّة من أجل إثبات عصريّة الدين وانسجامه التامّ مع العلم (نفس المرجع والصفحة؛ سروش، 2002، ص210).

بالرغم من جذريّة النقد الذي وجّهه سروش إلى مواقف علماء الدين التقليديّين والإصلاحيّين من المعرفة لا يمكن القول إنّه فعل ذلك من موقع العداء لهم والرغبة في إزاحتهم من الساحة الفكريّة، بل نقدهم من موقع الرغبة في إقناعهم بضرورة الانفتاح على العلوم والفلسفات الحديثة وإدراك أبعادها العميقة. لم يعدّهم خصما، بل طرفا يراد كسبه وتطويره. ولئن خالفهم في الموقف (رفضهم الانفتاح على المعرفة الحديثة) فلقد وافقهم في المبدإ (حاجة الإنسان في كلّ العصور إلى المعرفة الدينيّة). لذا لا ينبغي للصراع القائم بين الطرفين أن يحجب عنّا اشتراكهما في أصول فكريّة وروحيّة واحدة، فكلاهما ينتصر للدين والمعرفة الدينيّة ويسلّم بثوابت الشريعة ويسعى إلى حمايتها.

2- مبادئ نظريّة القبض والبسط

إنّ سروش حريص على أن يدرج نفسه في مسار ثقافي ضارب بجذوره في التاريخ الإسلامي، هو مسار الفكر التجديدي الذي بدأ بالظهور في رأيه مع أبي حامد الغزالي، وتواصل إلى اليوم مع محمّد إقبال وعلي شريعتي، وعرف عبر تاريخه الطويل عشرات المجدّدين الآخرين (Sorouch, 2000, pp26-38). وسروش متأثّر بصفة خاصّة بالنزعة الصوفيّة والعرفانيّة التي عرفت ازدهارا واسعا في إيران، وكان من أبرز ممثّليها الشاعران جلال الدين الرومي البلخي وحافظ الشيرازي. كما أنّه متأثّر بالفلسفة الغربيّة الحديثة وبأعلامها الكبار في مبحثَيْ الإبستمولوجيا والتأويل. وبفضل جمعه المرهَف بين الرافِدَيْنِ الإسلامي والغربي كان من أفضل المجسّدين لإشكاليّة الإسلام والحداثة في العقدين الأخيرين. إنّ القبض والبسط مفهومان صوفيّان قديمان[3]، لكنّ سروش يستخدمهما بمعنى إبستمولوجي خاصّ في وصف ظاهرة الحراك الدائم الذي تعيشه المعرفة. وبالإمكان اختصار أفكاره وملاحظاته وتقريراته في هذا الشأن في أربعة مبادئ عامّة تلخّص نظريّته العامّة في القبض والبسط. هذه المبادئ هي: ترابط المعارف الإنسانيّة، حاجة المعرفة الدينيّة إلى المعارف العلميّة، عصريّة المعرفة، التمييز بين الدين والمعرفة الدينيّة.  

أ- ترابط المعارف الإنسانيّة

لم يجد سروش صعوبة كبيرة في إثبات ترابط فروع المعرفة المختلفة بعضها ببعض، وتوافق علم الإنسان بالطبيعة مع علمه بالإنسان والبيولوجيا والأنثروبولوجيا والإبستمولوجيا والميتافيزيقا والدين. وتوصّل إلى أنّ جملة العلوم تشكّل أضلاعا لشكل هندسي واحد متعدّد الأضلاع وأقواسا في دائرة واحدة. ذلك أنّ الإنسان لا يمكنه أن يفهم الدين فهما يناقض علم الإناسة أو يكذّب علم الطبيعة (سروش، 2002، ص86). فإذا تغيّرت معطيات علم من العلوم أو تغيّر اتّجاهه بفعل ظهور حقيقة جديدة انعكس ذلك بالضرورة على العلوم الأخرى، ولزم سائرَ المعارف أن تُبَدِّلَ أمكنتَهَا، وظهرت نتيجةَ هذه الحركة خارطة معرفيّة جديدة (نفسه، ص ص75، 83، 102). إنّ المعارف تسير حسب هذا المبدإ في اتّجاه واحد، ولا يجوز أن يأخذ بعضها وجهة ويأخذ البعض الآخر وجهة مخالفة. لذلك لا يُقبَل من رجل يتكلّم في الوحي والإنسان والمجتمع أن يكون جاهلا بعلوم الطبيعة والإناسة والإبستمولوجيا واللغة السائدة في عصره. ولا يستطيع الدارس المتّسق أن يَفْهَمَ الإنسان في نطاق علم من العلوم بطريقة، ويفهَمَهُ فهما مختلفا في علم آخر؛ أو يفهَمَ السماء والغيوم والنجوم في علم الطبيعة على نحو، ويفهَمَهَا في علم الشريعة على نحو مغاير (نفسه، ص ص86، 103).

إنّ مبدأ ترابط المعارف الإنسانيّة فكرة مقبولة في الاتّجاه العامّ شريطة ألاّ نتعامل معها باعتبارها حقيقة جامدة. فالترابط قد يشهد خللا في بعض الأوقات وبعض الأماكن لكنّه ينتصر لا محالة في النهاية. إنّ أقسام المعرفة تنحو إلى الانسجام مع بعضها البعض وإن كلّفها ذلك التخلّي عن «حقائق» عُدّت لوقت طويل من المسلّمات التي لا تناقش. وما تتخلّى المعرفة العلميّة عنه إمّا يذوي ويموت من تلقاء نفسه أو يتحوّل إلى مجرّد عادات وعقائد ورموز تحيى خارج دائرة العلم.

ب- حاجة المعرفة الدينيّة إلى المعارف العلميّة

قسّم سروش العلوم إلى صنفين: العلوم المنتجة، مثل الفلسفة والفيزياء والرياضيّات، والعلوم المستهلكة، مثل التفسير والفقه، واعتبر الثانية تابعة للأولى (نفسه، ص36). وحاول أن يُثبت أنّ المعرفة الدينيّة محتاجة إلى غيرها من العلوم لأنّها تنبني عليها، وأنّ عالِمَ الدين في كلّ ما يقرّر ينطلق من آراء جاهزة ينتزعها من المعارف العلميّة السائدة في عصره أو في العصور السابقة ويتسلّح باختيارات ومواقف منهجيّة وفلسفيّة مسبقة. وقد عبّر عن هذا الرأي بفكرةِ حتميّةِ المعرفةِ الجاهزةِ قبل كلّ فهم، فـ«ما من عالم يمكنه أن يقترب من فهم مراد الشارع، إذا تصدّى لفهم النصوص الدينيّة بذهن خال، ودون رؤيةٍ خاصّةٍ ورأيٍ خاصٍّ» (نفسه، ص73).

وبناءً على هذا المبدإ لم يجد سروش غضاضة في الاعتراف بأنّ المعرفتين العلميّة والإيديولوجيّة تؤثّران في مضامين المعرفة الدينيّة وتساهمان في تشكيل كلّ نقطة من نقاطها. ولم يَرَ بُدًّا من الاعتراف بأنّه لا يوجد فهمٌ للدين غيرُ مستنِدٍ إلى معارفَ ومفاهيمَ مجلوبةٍ من خارجِ الدين. واستنتج من ذلك وجودَ ارتباطٍ وتبادلٍ وحوارٍ مستمرّ بين المعرفة الدينيّة والمعارف غير الدينيّة (نفسه، ص ص37-38). ولم يؤكّد هذه الحقيقة ليثبت نقص المعرفة الدينيّة وأنّها عالة على غيرها وبالإمكان الاستغناء عنها، وإنّما فعل ذلك ليؤكّد التحام المعرفة الدينيّة بغيرها من المعارف وليحاصر دعاة الانغلاق الديني.

بيّن سروش هذه التبعيّة المعرفيّة بضرب أمثلة عديدة. منها أنّ علماءَ الدين لا يَسَعُهُمْ إداركُ دلالات الوحي إلاّ بعد أن يتسلّحوا بنظريّة لغويّة معيّنة بها يفهمون كلام الباري، وبسبب ذلك يختلف فهمهم لقصّة آدم في القرآن باختلاف النظريّة اللغويّة التي يتبنّونها. فإذا اعتبر عالِمُ الدينِ لغةَ القرآن محاكية للواقع فإنّه يفهم القصّة بطريقة حرفيّة، وهذا يوقعه في تناقض مع معارف البيولوجيا الحديثة. وإذا اعتبرها مجرّد صورة ومظهر فلن يجد في القصّة تعارضا مع هذه المعارف كما تجسّدها نظريّة التطوّر الدارويني مثلا. وبحسب موقفه البلاغي من ظاهرة المجاز يقرّ بأنّ القرآن يتضمّن في بعض عباراته الخاصّة كذبا أو لا يتضمّنه. وإذا كانت الشريعة تتحدّث عن الإنسان فلن يكون المؤمن قادرا على فهم خطابها إلاّ بعد أن يتزوّد بمفهوم جاهز للإنسان واستعداداته وحاجاته، وهذا يجعل لعلم الإناسة مدخلا في فهمه للشريعة (نفسه، ص ص44-45). ومعاني جميع الألفاظ القرآنيّة المتعلّقة بظواهر الطبيعة والإنسان، مثل الماء والسماوات والعلم والقدرة والحبّ والعداوة والحسد، محكومة بالنظريّات المسبقة التي يحملها المفسّر عن هذه الظواهر (نفسه، ص209).

وعلى الجملة يحتاج الإنسان كي يتّخذ موقفا من الشريعة ويفهمها فهما مخصوصا أن يستخدم العلوم الإنسانيّة، مثل الإناسة وعلم النفس والاجتماع والفيزيولوجيا ونظريّات القيمة التي تحدّد معنى العدل والظلم والخير والشرّ وغيرها ليعرف إن كان الدين إنسانيّا أو لا، عادلا أو ظالما، رحيما أو قاسيا (نفسه، ص46). وهذا يؤكّد أنّ تجديد فهم المسلمين للشريعة لا يمكن أن يتحقّق إلاّ بعد اطّلاعهم العميق على المعارف البشريّة الحديثة (نفسه، ص104). واتّساقا مع هذه النتيجة دعا سروش العلماء إلى «تنقيح مبادئهم وآرائهم ومعلوماتهم السابقة، وتصحيحها باستمرار» ومناهضة نزعة الانغلاق التي تبرّر نفسها بترويج وَهْم المحافظة على الفهم الصافي للدين (نفسه، ص74).

يثبت هذا المبدأ قصور رجال الدين التقليديّين عن فهم رسالة الدين رغم زعمهم أنّهم هم من فهم هذه الرسالة على وجهها الصحيح. فهم وإن كانوا يعيشون في عصر تزدهر فيه المعارف ازدهارا عجيبا فإنّهم لم يأخذوا منها إلاّ بحظّ ضئيل. لذلك عدّهم سروش سجناء دائرة ضيّقة دعاهم بحرارة إلى التحرّر منها، واعتبر الانفتاح على المعرفة الجديدة فريضة دينيّة مفروضة على جميع العلماء (نفسه، ص112).

لا شكّ أنّ هذا المبدأ مفيد في فتح المعرفة الدينيّة على المعارف العلميّة المتنوّعة، لكنّه يثير في الآن نفسه إشكالات خطيرة: هل بوسع المعرفة الدينيّة أن تبني مفاهيمها في كلّ الحالات على المعارف العلميّة؟ ألا يقع أحيانا بين المعرفتين تصادم غير قابل للاختزال؟ ماذا يحدث إذا تضاربت المعرفتان ونقضت إحداهما الأخرى؟ إنّ سروش يعتبر التناقض المحتمل بينهما تناقضا ظاهريّا وليس جوهريّا، ويرى أنّ تأويل النصّ الديني تأويلا جديدا في ضوء معارف العصر كفيل برفع هذا التناقض الظاهري. لكن إلى أيّ حدّ يكون التأويل هو كلمة السرّ التي تنقذ المعرفة الدينيّة من جميع مآزقها وتسمح لها بإعادة تشكيل نفسها تشكيلا متماسكا؟

ج- عصريّة المعرفة

ينطبق مبدأ عصريّة المعرفة على جميع العلوم، لكنّ ما يهمّ سروش منه هو انطباقه على المعرفة الدينيّة بصفة خاصّة. تتجلّى عصريّة المعرفة الدينيّة في رأيه في مظهرين:

- الأوّل هو مجاراتها لآخر ما انتهت إليه المعرفة العلميّة في عصرها وتمثُّلُها له وفقدانها مبرّرَ وجودها كلّما قصّرت عن ذلك. فإذا كان مسلمو العصر الوسيط يفهمون من عبارة الشمس التي أقسم الله بها معنى ملائما للمعرفة العلميّة السائدة في عصرهم فليس بوسع مسلمي القرن العشرين الذين أصبحت لديهم معرفة أدقّ بحجم الشمس ودرجة حرارتها وعمرها والمسافة التي تفصلها عن الأرض ودورها في المجموعة الشمسيّة أن يفهموا هذا اللفظ القرآني كما كان يفهمه القدامى. إنّ المفسّر الحديث لا يمكنه ألاّ يأخذ بعين الاعتبار في فهمه لآيات القرآن المعارفَ العلميّة المستجدّة (نفسه، ص ص48، 51، 87)، وهذا يجعل معرفته عصريّة بالضرورة.

- والثاني ارتباط المعرفة الدينيّة بمشاكل الناس في كلّ عصر واستجابتها لها قدر المستطاع. فالأسئلة التي يطرحها كلّ عصر على الدين وليدة ذلك العصر، ومن الطبيعي أن تختلف الأسئلة باختلاف العصور، وأن تتنوّع الأجوبة بتنوّع الانتماء الاجتماعي والتخصّص العلمي، فـ«تفوح من أسئلة العارف رائحة العرفان، ومن إسلام الفيلسوف رائحة الفلسفة...». لذلك يمكن القول إنّ دين كلّ شخص «معادل للأسئلة التي يوجّهها إلى الدين والأجوبة التي يسمعها منه» (نفسه، ص ص180، 182).

إنّ دعوة سروش إلى فهم الشريعة (أي الوحي) في ضوء المعارف الحديثة وعدم العودة بها إلى معرفة عصر التنزيل تجد تبريرها في ثلاثة مبادئ ضمنيّة أعتقد أنّه ينطلق منها: أنّ كلام الله معبّر عن مقاصد الله ممّا يسمح بفهم أحدهما في ضوء الآخر، أنّ كلام الله لا يناقض العقل والمعرفة العلميّة، أنّ الله قصد بكلامه إلى ما يفهمه منه أهل كلّ عصر بحسب ما تهديهم إليه معارفهم الجديدة. وهذه المبادئ تجعل من التأويل أهمّ أفق تطبيقي لنظريّة القبض والبسط.

إنّ قيمة مبدإ عصريّة المعرفة تكمن في أنّه يمنع المفكّر الديني من حصر نفسه في الفضاء المعرفي لنزول الوحي باعتباره العصرَ المرجع، ويحمله على مواكبة المعارف العلميّة السائدة في عصره وكسر الحواجز التي تحول بينه وبين الاستفادة منها من أجل فائدة الدين والعصر معا. لذلك دعا سروش إلى اطّراح الانغلاق الفكري وحرَّض علماء الدين على تحقيق الزواج بين الدين والعصر وذلك بإلباس «آداب الناس وآمالهم صورة الدين» فـ«يصبح العصر دينيّا»، واستخدام معارف العصر «في التنقيب عن معاني الشريعة» فـ«يصبح الدين عصريّا». إنّ هذا الزواج يمكّن المعرفة الدينيّة من تحقيق ثلاث وظائف يحتاج إليها المجتمع الإسلامي المعاصر، هي إدراك الأشياء بوعي متناغم مع علوم العصر أو مستمدّ منها، واقتراح حلول لمشاكل العصر النظريّة، واقتراح حلول لمشاكله العمليّة (نفسه، ص ص74، 159، 182-183). لكن ألا يكرّس الإقرار بهذه الوظائف الفكرة التقليديّة التي تجعل للدين وللمعرفة الدينيّة دورا شموليّا في حياة الإنسان، وهو ما يجعل سروش أقلّ تجديدا ممّا قد نتصوّر؟ وهل بإمكان هذا المفكّر ألاّ يكون كذلك وهو يعيش في مجتمع يعتبر المحافظة الدينيّة أعلى قيمه؟

د- التمييز بين الدين والمعرفة الدينيّة

يمثّل التمييز بين الدين والمعرفة الدينيّة ركنا رئيسا في نظريّة سروش المعرفيّة. فقد اعتبر الدين والوحي والشريعة ألفاظا ذات مدلول واحد، وعرّفها بكونها «مجموعة من الأركان والأصول والفروع المنزلة على النبي، إضافة إلى سير الأولياء وسننهم» (سروش، 2002، ص29). وفي موضع آخر أقرّ بأنّ أركان الدين وأصوله وفروعه موحاة إلى الأنبياء، وأنّها «الشريعة عينها» (نفسه، ص122). أمّا المعرفة الدينيّة فحصر معناها في الاستنباطات الفقهيّة والتفسيريّة والتحليلات التاريخيّة والاجتماعيّة المنصبّة على الشريعة (نفسه، ص31). فهي «فهم الناس المنهجي والمضبوط للشريعة» (نفسه، ص29)، أي فهمهم لأصول الدين ومبانيه وأركانه وفروعه (نفسه، ص122)، وقد يكون فهمهم صحيحا أو سقيما (نفسه، ص37). وبسبب ذلك تختلف المعرفة الدينيّة من عصر إلى آخر لأنّها عبارة عن الأسئلة التي يطرحها علماء الدين على الشريعة في عصر من العصور والأجوبة التي يتلقّونها منها (نفسه، ص32).

وبسبب الاختلاف الجوهري بين الدين والمعرفة الدينيّة كانت لهما خصائص متقابلة. فالشريعة «مقدّسة وسماويّة، وهبة الله الرحمان إلى البشر لهدايتهم، وتجلِّي الخالق الرحيم الهادي المنعم، ولا غنى لمخلوق عنها، وهي تامّة كاملة... موافقة لغرض الشارع» (نفسه، ص122)، و«لا وجود لها إلاّ لدى الشارع عزّ وجلّ» (نفسه، ص30). وهي ثابتة لأنّها وحي، ومن صفات الوحي أنّه ثابت (نفسه، ص119). أمّا المعرفة الدينيّة فـ«تتضمّن في ذاتها كلّ الإشارات الدالّة على كونها بشريّة» (نفسه، ص122). وهي ذات هويّة جمعيّة وتاريخيّة (نفسه، ص29). وتتطوّر بالتدريج، «تثير الخصومات، وتحتمل الظنّ واليقين، وتحتاج باستمرار إلى التنسيق والتنظيم، وهي في وئام وخصام مع فنون المعرفة الأخرى، وفي تقدّم وتراجع مستمرّين تاريخيّا، تتضمّن القوّة والضعف والاضطراب والصفاء» (نفسه، ص37)، وهذا الحراك هو المعنى الذي رمى إليه سروش من عبارة «القبض والبسط».

إنّ الهدف من هذه المقابلة هو إظهار كون المعرفة الدينيّة جهدا إنسانيّا متطوّرا بحكم ارتباطها بالمعارف العلميّة والفلسفيّة التي هي بدورها معارف نسبيّة ومتطوّرة. فالمعرفة الدينيّة لئن كانت مبنيّة على الدين فإنّها ليست الدين نفسه إذ بينهما بون شاسع يساوي البون بين الشيء والعلم بالشيء (نفسه، ص ص29-30). إنّ إلحاح سروش على بشريّة المعرفة الدينيّة أمر مهمّ لأنّ إثبات ذلك شرط لا غنى عنه لتقرير حقيقتين مهمّتين: الأولى أنّ المعرفة الدينيّة «تولد وتنمو على يد البشر ولديهم»، والثانية «أنّ خصال البشر وصفاتهم» تنعكس فيها لأنّها من إنتاجهم (نفسه، ص33). وتكمن أهمّيّة هذين التقريرين في كونهما يتيحان نزع القداسة الموهومة عن المعرفة الدينيّة ويحملان على القبول بتطوّرها ويزيلان الاعتراض على كلّ جديدٍ لمجرّد مخالفته القديمَ ويجعلان الاجتهاد في الفروع دون الأصول اختيارا قاصرا (نفسه، ص106).

لقد سمح إظهار التقابل بين الدين والمعرفة الدينيّة لسروش بتحقيق غايتين متنافرتين: الأولى صيانة الشريعة عن أن ينالها استنقاص أو تغيير، وهذه نتيجة تُرضي رجال الدين التقليديّين وتخلّصه من تهمة إضعاف الدين وتخريبه. والثانية تسهيل انفتاح المعرفة الدينيّة على سائر المعارف دون تحفّظ بهدف استيعاب كلّ رأي مفيد منها. إنّ الأخذ بهاتين الغايتين معا يجعل من سروش مفكّرا محافظا وتجديديّا في آن. فهو محافظ لأنّه يُقرّ بثبات الشريعة وعلويّتها، وتجديدي لأنّه يعترف بنسبيّة المعرفة الدينيّة وتاريخيّتها وينادي بربطها بعصرها، وفي هذا الازدواج مكمن الإشكال في فكره.

3- حدود نظريّة القبض والبسط

توفّر نظريّة القبض والبسط أساسا صالحا لتطوير المعرفة الدينيّة من الداخل وتقريبها من خصائص العصر ومشاغله وحاجاته، لكنّها تعاني في الآن نفسه من عدّة ثغرات تعكسها الأسئلة الأربعة التالية:

أ- إلى أيّ حدّ يمكن القبول بالتسوية بين الوحي والشريعة والدين واعتبارها مترادفات؟ إنّ الدين مؤسّسة كونيّة عرفتها كلّ الثقافات والمجموعات البشريّة المعروفة، وإنْ بصيغ وأشكال مختلفة، وهي تشمل كلّ ظواهر التفكير في المتعالي والتقديس والعبادة التي لجأ إليها الإنسان. أمّا الوحي فجزء من الدين، وهو متعدّد الأشكال أيضا، وقد أقرّت به بعض الجماعات الدينيّة وجهلته جماعات دينيّة أخرى أو أنكرته، وبين المسلمين أنفسهم اختلاف كبير في ضبط حدوده. وأمّا الشريعة فهي خاصّة بديانات محدودة، أبرَزُهَا اليهوديّة والإسلام، وهي مرتبطة بشكل ما بالوحي، لكنّها ليست مساوية له. إنّ التسوية بين هذه المفاهيم الثلاثة ليس ملائما للنظر العلمي الدقيق، ولا يساعد على حلّ مشكلة التداخل بين الدين والمعرفة الدينيّة. وإذا كانت المفاهيم الدينيّة الكبرى على هذه الحال من التجاذب والتنافر فكيف يتسنّى وضع حدّ صارم بين الدين والمعرفة الدينيّة؟

ب- إنّ سروش لا يضع الفكرة التقليديّة عن ثبات الدين موضع شكّ وتساؤل، بل يجعلها أهمّ صفة تميّز الدين عن المعرفة الدينيّة. وبقطع النظر عن مدى صحّة الفكرة يحقّ لنا أن نتساءل: إذا أقررنا مع سروش بثبات الدين، ألا ينعكس إقرارنا ذاك بالضرورة على ما ننتجه من معرفة دينيّة؟ هل يمكننا أن نعتقد أنّ مصدر استلهامنا ثابت ومطلق دون أن ينعكس ذلك على نظرتنا إلى أفكارنا المستمدّة من ذلك الأصل؟ أليس هذا بالضبط ما حدث للمفكّرين المسلمين طيلة التاريخ الإسلامي حين سَوَّوْا بين أفكارهم وأفكار الوحي؟ هل يسمح المؤمن لنفسه بأن يعبد الله اعتمادا على رأيه؟ أليس هو مضطرّا، لكي يطمئنّ إلى تديّنه، إلى الخلط بين رأيه والدين؟ هل يمكن رسم خطّ فاصل بين الأمرين في كلّ الأحوال؟

ج- إذا كانت المعرفة الدينيّة تستند إلى المعرفة العلميّة وتحتاج إليها في كلّ عصر، كما بيّن سروش، فما الداعي إلى الدور الوسيط الذي تنهض به المعرفة الدينيّة؟ هل تتميّز بفضيلة معرفيّة لا تمتلكها المعرفة العلميّة؟ هل ما يزال الإنسان في حاجة إلى العلوم الدينيّة؟ وبعبارة أخرى، إذا كانت المعرفة الدينيّة بمفردها قاصرة عن المعرفة، أليس من الأجدى أن نطلب من المعرفة العلميّة أن تكون هي من ينظر في الموضوع الذي تنظر فيه المعرفة الدينيّة وأن تقرّر بشأنه الأحكام العلميّة اللازمة؟ إنّ نظريّة سروش تنطلق من مسلّمة غير مصرّح بها تتمثّل في اعتبار المعرفة الدينيّة معطى قائما في الماضي والحاضر والمستقبل. فهي في نظره حقيقة لا تحتاج إلى تبرير وواقع لا سبيل إلى تجاوزه، وكلّ ما قاله في هذا الصدد لا يعدو التعبير عن الخسارة الكبرى التي تلحق بالإنسانيّة في حال تخلّيها عن هذا التراث الديني العظيم. لكن من حقّنا أن نتساءل في ضوء ما تحقّق من تقدّم معرفي في عصرنا الحاضر: هل ما يزال الإنسان يحتاج إلى المعرفة الدينيّة؟ إنّ مقصد السؤال ليس التشكيك في جدوى المعرفة الدينيّة، بل دفع القائمين عليها إلى الانتظام الواعي في العصر وإعادة النظر في كيفيّة حضورهم فيه وحثّهم على تقديم تبرير معقول لاستمرارهم.

د- إلى أيّ حدّ يصحّ النظر إلى الدين باعتباره معرفة، لاسيما من منظورِ مَنْ يعتزم تجديدَ المعرفة الدينيّة وتثويرَهَا، مثل سروش؟ بعبارة أخرى، هل يصحّ أن ينظر المؤمن المعاصر إلى المعطيات التي تضمّنها القرآن في مجالات الطبيعة والكون والتاريخ وغيرها باعتبارها معارف يراد منه تعلّمها والأخذ بها والاعتماد عليها وتأويلها عند الاقتضاء؟ أم ينبغي اعتبارها جزءا من الثقافة السائدة زمن نزول الوحي إلاّ أنّه لم يكن بوسع القرآن التعبير عن رسالته دون استعمالها لأنّها من أدوات التفاهم بين الناس؟ ليس بوسع أحد أن يتجاهل كم كان القرآن ضنينا بالمعلومات، مقتصدا في ذكر التفاصيل، لا يورد منها إلاّ ما كان ضروريّا لتمام الخطاب. وهذا يعني أنّ تلك المعطيات لئن كانت جزءا منه من حيث هو كلام فإنّها لم تكن جزءا منه من حيث هو رسالة. فهل يجوز بعد هذا عدُّ القرآنِ كتابَ علومٍ ومعارفَ؟ لكن إذا سحبنا من الدين بعده المعرفي فهل يبقى منه شيء ذو بال؟ في رأيي يبقى منه أهمّ شيء: التجربة الدينيّة بما هي محاورة للمقدّس وتأكيد له.

تكشف هذه الأسئلة الأربعة عن أنّ نظريّة القبض والبسط ليست أكثر من مقدّمة أوّليّة في صرح الكلام الجديد، للدارس أن يقدّر جرأتها في ضبط مبادئ المعرفة الدينيّة لكن لا يسعه ألاّ ينبّه على الإحراجات التي وضعت الفكر الديني فيها. وقد اعترف سروش بخطرين ترتّبا على تمييزه بين الدين والمعرفة الدينيّة. أحدها يتمثّل في انتفاء الطابع الديني عن المعرفة الدينيّة من جهة كونها ليست هي الدين نفسه وكونِها موسومةً بالنقص والتناقض والتغيّر. وقد أبطل هذا الاستنتاج وأكّد أنّ ما يضمن دينيّة المعرفة الدينيّة هو «عودة العلماء المستمرّة إلى الكتاب والسنّة وعزمهم الصادق على كشف معاني الشريعة وبطونها» (سروش، 2002، ص ص32، 158). ونبّه على أنّ القول بتغيّر المعرفة لا يعني تحوّلا من الصدق إلى الكذب أو العكس، وإنّما يعني تحوّل الإدراك وتكامله نتيجة السفر «من السطوح إلى الأعماق. فالعلماء مسافرون في وادي المعرفة، وليسوا مرايا جامدة تعكس مرّة واحدة وإلى الأبد صورة الماهيات وبعد ذلك يجلسون بسعادة واطمئنان خاملين يقامرون بالماهيات المصطادة» (نفسه، ص77). إنّ حاجة المعرفة الدينيّة إلى المعارف العلميّة واستنادها إليها في فهم الشريعة لا يؤدّيان حسب سروش إلى إفراغ الشريعة من محتواها وذوبانها في المعارف الحديثة، إذ لكلّ منهما وضع مختلف. فالمعرفة الدينيّة مخدومة، أمّا المعارف غير الدينيّة فخادمة لها، وليس مسموحا قطّ للخدم بأن يحتلّوا مكان المخدوم. وكما أنّ الطبيعة لا تقبل أيّ تفسير كان، فإنّ الكتاب والسنّة أيضا لا يقبلان أيّ تفسير كان، ومن ثمّ لا خوف على الشريعة من التأويلات البعيدة (نفسه، ص269). لكن هل يصحّ اختزال العلاقة بين الوحي والعلوم الحديثة في العلاقة التي تكون بين الخادم والمخدوم؟ هل ما يزال ممكنا أن نتكلّم على علوم مقاصد وعلوم آلة؟

والخطر الثاني يتمثّل في استنتاج نسبيّة الحقيقة أو انقلابها إلى باطل نتيجة الإقرار بنسبيّة المعرفة الدينيّة وتحوّلها المستمرّ وحاجتها إلى المعارف البشريّة. لم يقبل سروش بهذا الاستنتاج، ولم يره نتيجة لازمة عن المقدّمة التي سبقته (نفسه، ص275)، وأنكر أن يكون تغيّر المعرفة دالاّ على تحوّلها من الصدق إلى الكذب أو العكس (نفسه، ص77). فليس يعني الإقرار بنسبيّة المعرفة الدينيّة إقرارا بنسبيّة الحقيقة، ونسبيّة الفهم الديني هي نفسها «حقيقة تختلف اختلافا جذريّا عن الظنّ بأنّ الحقيقة نسبيّة» (نفسه، ص73)، والقول إنّ فهم الدين نسبي وعصري «بعيد بُعْدَ السماء عن الأرض عن الكلام الجاهل العامّي الذي يقول إنّ الحقيقة نسبيّة وعصريّة» (نفسه، ص263). إنّ موقف سروش من الحقيقة ملتبس، وقد زاده التباسا توخّيه في الكلام عليها أسلوبا استعاريّا. فهو من جهة ينكر إمكان الوصول إلى حقيقة ثابتة ونهائيّة، ويرى أنّ تغيّر المعرفة يعني تحوّل الإدراك وتكامله نتيجة سفر العلماء الدائم من السطوح إلى الأعماق. ومن جهة أخرى يعتبر غاية سفر العالِم في بحر المعرفة «هي الوصول إلى الحقيقة، والحقيقة بعيدة المنال ومتعدّدة الطبقات» (نفسه، ص77).

ومن الأخطار التي استشعرها سروش ودعا إلى الاحتياط منها احتمال تسلّل التعبيرات الخاصّة والنزعات الفرديّة والإضافات الحرّة إلى ساحة المعرفة الدينيّة. فألحّ على الطابع الجماعي للمعرفة الدينيّة ونفى أن تكون هذه التعبيرات الخاصّة منها بسبب. من الواضح أنّ هذا الرأي صيغ لمجاملة الموقف التقليدي الذي يجعل الإنتاج الديني حكرا على المختصّين المؤهّلين. فقد ظلّ الخوف من أن يتسلّل إلى المعرفة الدينيّة من ليس أهلا لها ولا هو من رجالها مشكلة تؤرّق القدماء باستمرار، وكأنّ الإنتاج الفكري والديني عمل سهل وحرّ، وكأنّ باستطاعة الفرد أن يخطّ في كتاب الثقافة ما يشاء وبإمكان كلّ فكرة أن تصبح تقليدا جماعيّا راسخا! إنّ المخاطر العديدة التي استشعرها سروش ناتجة في رأيي عن عدم قدرته على التمييز بين مستويين من التناول: المستوى الإيماني، ويتمثّل في التجربة الدينيّة نفسها، والمستوى العلمي، وهو عبارة عن التزام الباحث بمقام الموضوعيّة فيما يقرّر. فالدين التامّ الثابت المتعالي المنسجم، إلخ. يعبّر عن موقف ديني إيماني، والقول بتاريخيّة الظاهرة الدينيّة وارتباطها بالمجتمع وتنوّعها وتطوّرها، إلخ. يعبّر عن موقف موضوعي مجرّد، والجمع بينهما في خطاب واحد متناسق غير ممكن.

الخاتمة

إنّ نظريّة سروش مزيج من الأفكار الإبستمولوجيّة والآراء الإيديولوجيّة والعواطف السامية، يعبّر عنها بلا فصل، وهو ما يسمح باختراق الذاتيّة حقل المعرفة الموضوعيّة، وتلك إحدى أبرز خصائص الفكر الديني الإيراني. وكان لهذه الخاصّيّة حضور قوي في خطاب سروش بسبب طابعه الشفوي، فجملة كتبه مقالات ومحاضرات ومحاورات ألقيت في مناسبات شتّى ثمّ جمعت ونشرت في شكل كتب. إنّ قوّة حضور المنزع الذاتي لدى سروش تظهر في كثافة استخدامه أسلوب المجاز والتمثيل والاستشهاد بشعر جلال الدين الرومي وحافظ  الشيرازي وسعدي، وهذا يؤكّد انخراطه العميق والمرهف في التقليد الثقافي الإيراني الشيعي ذي المنزع العرفاني المشرقي[4]. أمّا قوله بترابط كلّ المعارف فيستند إلى أساس منطقي يدعّمه موقف تجريبي ويؤكّده توجّه صوفي عرفاني ضارب بجذوره في الحكمة الإشراقيّة التي ترى أنّ كلّ شيء يحيل على كلّ شيء[5].

إنّ سروش يكرّس مفهوما للدين يقوم على اعتبار الشريعة نظاما شموليّا، ولا يضع التمثّل الفقهي للإسلام موضع تساؤل، بل يأخذ به مع الدعوة إلى تجديد مضامينه. وقد منعه هذا الموقف المتأرجح من مساءلة بنية الفكر الديني في العمق ومراجعتها مراجعة جذريّة، ولم تسمح له بأكثر من مراجعة مضامينها ومقولاتها السطحيّة بهدف تطعيمها بالمعارف الحديثة. ولعلّ الأجدر بالمصلح الديني المعاصر المتّسق مع عصره وبيئته أن ينظر إلى الدين باعتباره رسالة من الله إلى الإنسان من حيث هو كائن حرّ يحقّ له أن يقرأ ما يُلقَى إليه ويتفاعل معه ويعيش من خلاله تجربة المقدّس وفق ما يسمح به عقله وضميره وتصوّره لحقوقه.

المراجع المعتمدة في هذا البحث

- جدعان فهمي، أسس التقدّم عند مفكّري الإسلام، دار الشروق، ط3، 1988.

- الرفاعي عبد الجبّار (إعداد)، علم الكلام الجديد وفلسفة الدين، دار الهادي، بيروت، ط1، 2002.

- سروش عبد الكريم، القبض والبسط في الشريعة، تع. دلال عبّاس، دار الجديد، بيروت، ط1، 2002.

- Sorouch Abdolkarim, Reason, Freedom, and Democracy in Islam, translated and edited by Mahmoud Sadri and Ahmad Sadri, Oxford University Press, 2000.



 

[1]  الصنف الأوّل، أي العلماء التقليديّون، يكتبون ضمن الحقول المعرفيّة الدينيّة القديمة، مثل التفسير والفقه والكلام، وهم في أغلب البلدان الإسلاميّة في تناقص مطّرد. والصنف الثاني، وهم المفكّرون الإسلاميّون، لا يلتزمون بالحقول العلميّة التقليديّة، فيتكلّمون ويكتبون في كلّ شيء: في موضوع المرأة والأسرة والاقتصاد والدولة والجهاد والجريمة والأخلاق والعبادة... مازجين بوعي أو بغير وعي بين الأفكار الموروثة والأفكار الحديثة. ويستعملون فيما يكتبون شعار الإسلام على نحوٍ عامٍّ، ولا نكاد نجد منهم من ينتحل صفة المتكلّم أو الفقيه أو المفسّر.

[2]  فيما يخصّ التعريف بحياة سروش ومسيرته الفكريّة والسياسيّة والروحيّة، راجع: الحوار المطوّل الذي أجري معه والمنشور في الفصل الأوّل من كتابه

Abdolkarim Sorouch, Reason, Freedom, and Democracy in Islam, pp3-25

راجع كذلك:

John Cooper, The limits of the Sacred, The Epistemology of ‘Abd al-Karîm Soroush, in Islam and Modernity, Muslim Intellectuals Respond, I. B. Tauris Publishers, London. New York, 1998, pp38-56.

واعتمدت في هذا المقال بصورة أساسيّة على كتابه «القبض والبسط في الشريعة»، وهو في الأصل مقالات بالفارسيّة نشرها المؤلّف بمجلّة كيهان فرهنكي الشهريّة بين عامي 1988 و1990 ثمّ أعاد نشرها في كتاب مستقلّ سنة 1990، ونقلَتْ إلى العربيّة أقساما هامّة منه الباحثة اللبنانيّة دلال عبّاس.

[3]  انظر في تعريفهما: أبو نصر عبد الله السرّاج(ت378/988)، اللمع، دار الكتب العلميّة، بيروت، ط1، 2001، ص ص293-294؛ كمال الدين عبد الرزّاق القاشاني(ت730/1329)، اصطلاحات الصوفيّة، دار الحكمة، دمشق، ط1، 1995، ص ص204-206.

[4]  يظهر هذا المنزع في تبنّي سروش لمضمون هذين الببيتين اللذين استشهد بهما من «المثنوي» لجلال الدين الرومي (الدفتر الثالث، البيتان 3356-3357). انظر: القبض والبسط في الشريعة، ص209:

لقد قتل المتفلسفُ نفسَه من شدّة التفكير

فقل له إنّه قد أدار ظهره للكنز

وقل له إنّه كلّما جَدَّ في المسير ازداد بُعْدًا عن القصد

[5]  انظر التقاء هذه الأبعاد في الأمثلة التي ضربها سروش في: المرجع السابق، ص ص128-138.