صفحة الاستقبال

كتاب التربية الإسلامية والتنشئة على القيم

إن لم تستطع أن تفعل أشياء عظيمة... فافعل أشياء بسيطة بطريقة عظيمة طباعة أرسل إلى صديق
الكاتب: محمد سخانة   

إن لم تستطع أن تفعل أشياء عظيمة... فافعل أشياء بسيطة بطريقة عظيمة

 

ملخص كتاب الإنسان يبحث عن المعنى      د. فكتور فرانكل      ترجمة: د. طلعت منصور

إرادة المعنى
إن سعي الإنسان للبحث عن معنى هو قوة أولية في حياته وليس "تبريراً ثانوياً" لحوافز غريزية. وهذا المعنى فريد ونوعي من حيث أنه لا بد أن يتحقق بواسطة الفرد وحده ويمكن لهذا أن يحدث، وعندئذ فقط يكسب هذا المعنى مغزى يشبع إرادة المعنى عنده.
ومن الطبيعي أنه قد توجد بعض الحالات التي يكون فيها اهتمام الفرد بالقيم عبارة في الواقع عن تمويه للصراعات الداخلية المستترة، ولكن إذا كان الأمر كذلك، فإنها تمثل استثناءات من القاعدة، وليست القاعدة ذاتها.
علينا أن نحتاط من النزعة إلى تناول القيم في ضوء مجرد تعبير الفرد الشخص ذاته عن نفسه. فالمعنى ليس انبثاقا من الوجود فحسب، ولكنه بالأحرى شيء يواجه هذا الوجود. وإذا لم يكن المعنى الذي يُنتظر تحقيقه من الإنسان في الواقع شيئاً سوى تعبير عن الذات، أو لم يكن أكثر من إسقاط لتفكيره الهوائي المراد، فإنه يفقد على الفور طبيعته الباعثة على التحدي والعمل، ولا يعود بذلك يدفعه إلى أن يحشد طاقاته وينطلق إلى التقدم.
إني أعتقد أن معنى وجودنا ليس أمراً نبتدعه نحن أنفسنا، وإنما هو شيء نستكشفه ونستبينه.
إذا قلت أن الإنسان يجذب بالقيم، فإن ما يشير إليه ذلك ضمناً هو تلك الحقيقة بأن هناك دائماً حرية متضمنة فيها: حرية الإنسان في الاختيار بين القبول أو الرفض لما هو معروض عليه، أي في تحقيق إمكانات المعنى وإلا فقدها.

الاحباط الوجودي
قد تتعرض إرادة المعنى عند الإنسان إلى الإحباط، وهو ما يعرف بـِ"الإحباط الوجودي". وفقاً لنظرية العلاج بالمعنى، يمكن استخدام مصطلح "وجودي" بطرق ثلاث: لكي يشير أولاً إلى الوجود ذاته، أي أسلوب الوجود المميز للإنسان، وثانياً إلى معنى الوجود، وثالثاً إلى السعي للتوصل لمعنى ملموس محسوس في الوجود الشخصي، أي إلى إرادة المعنى.
فإن المعاناة قد تكون إنجازاً إنسانياً طيباً، خاصة إذا كانت تنشأ عن الإحباط الوجودي، وأني لأنكر بقوة أن بحث الإنسان عن معنى لوجوده، أو حتى تشككه في هذا المعنى، يتمخض عن أي مرض، فالإحباط الوجودي ليس في حد ذاته ظاهرة مرضية.
ويمكن أن نقول أن اهتمام الإنسان بالحياة وقلقه بشأن جدارتها وحتى يأسه منها لا يخرج عن كونه ضيقاً معنوياً روحياً وليس بالضرورة أن يكون مرضاً نفسياً بحال من الأحوال. وهنا يكون تفسير هذا الضيق المعنوي أو الروحي على أنه مرض نفسي هو ما يدفع الطبيب أن يدفن اليأس الوجودي عند مريضه تحت كومة من العقاقير المهدئة. بدلاً من أن تكون مهمته هي بالأحرى أن يقود المريض من خلال أزماته الوجودية إلى النمو والارتقاء.

إن العلاج بالمعنى يعتبر أن مهمته مساعدة الإنسان على أن يجد معنى في حياته. وبقدر ما يجعله العلاج بالمعنى واعياً للمعنى الكامن لوجوده، فإن هذا العلاج عملية تحليلية يشبه التحليل النفسي، إلا أنه في محاولة العلاج بالمعنى لجعل الشيء شعورياً مرة ثانية بعد أن كان لا شعورياً، فإن هذا العلاج لا يقصر نشاطه على الحقائق الغريزية داخل اللاشعور عند الفرد، ولكنه يهتم أيضاً بالحقائق المعنوية (الروحية) مثل تحقيق إمكانات المعنى لوجوده، وكذلك إرادة المعنى عنده.
إن الفرق الأساسي بين التحليل النفسي والعلاج بالمعنى، أن العلاج بالمعنى يعتبر الإنسان كائناً ينصب اهتمامه على تحقيق المعنى والقيم، بدلاً من أن يهتم بمجرد إرضاء أهوائه وإشباع غرائزه وحوافزه.

حقاً، إن بحث الإنسان عن المعنى وسعيه لتحقيق القيمة ربما يثير توتراً داخلياً بدلاً من أن يؤدي إلى أتزان داخلي. ومع ذلك، فإن هذا هو المطلوب بالضبط للصحة النفسية. وإني لأتجرأ بالقول، أنه لا يوجد شيء في الدنيا، يمكن أن يساعد الإنسان على البقاء حتى في أسوأ الظروف، مثل معرفته بأن هناك معنى في الحياة، وهنا تصدق كلمات "نيتشه" على حكمة عظيمة: "إن من عنده سبباً ليعيش من أجله، فإنه غالباً ما يستطيع أن يتحمل في سبيله بأي شكل من الأشكال" فالمعتقلون في السجون النازية الذين كانوا يعرفون بأن هناك مهمة تنتظر منهم تحقيقها، هم من استطاعوا المواصلة والبقاء أحياء. وبالنسبة لي فإن مصادرة مخطوطاً لكتاب كان في طريقه للنشر لدى اعتقالي في معسكر آوشويتز، واهتمامي العميق بإعادة كتابة هذا المخطوط هو ما ساعدني على البقاء وسط أهوال المعسكر.
فليس ما يحتاجه الإنسان في الحقيقة هو حالة اللاتوتر، ولكنه يحتاج إلى السعي والاجتهاد في سبيل هدف يستحق أن يعيش من أجله. فالإنسان لا يحتاج للتخلص من التوتر بأي ثمن، ولكن يحتاج إلى استدعاء إمكانيات المعنى، ذلك المعنى الذي ينتظر أن يقوم بتحقيقه وهذا يصدق ليس في الأشخاص السويين فقط، بل في العصابين أيضاً.

إن معنى الحياة يختلف من شخص آخر، وفي ذات الشخص من يوم لآخر، ومن ساعة لأخرى. فينبغي أن لا نبحث عن معنى مجرد للحياة. فلكل فرد مهنته الخاصة أو رسالته الخاصة في الحياة التي تفرض عليه مهاماً محدودة عليه أن يقوم بتحقيقها. وفي ذلك لا يمكن أن يحل شخص مكان آخر، كما أن حياته لا يمكن أن تتكرر، ومن ثم تعتبر مهمة أي شخص في الحياة مهمة فريدة مثلما تعتبر فرصته الخاصة في تحقيقها فريدة كذلك. وباختصار فإن الإنسان يعبر عن معنى حياته عن طريق الإجابة بأفعاله ذاتها، فهو يستطيع أن يستجيب إلى الحياة عن طريق الإفصاح عن مسؤوليته والتعبير عنها، وهكذا فإن العلاج بالمعنى يرى في "الالتزام بالمسؤولية" الجوهر الحقيقي للوجود الإنساني.

إن العلاج بالمعنى يحاول أن يجعل الإنسان واعياً كل الوعي بالتزامه بمسؤوليته. ولذلك يجب أن تترك له حرية إتخاذ القرار بشأن إدراكه لنفسه كشخص مسؤول يتحمل مسؤوليته باختياره لأهدافه في الحياة.

فالعلاج بالمعنى أقرب إلى مهمة طبيب العيون الذي يحاول أن يمكننا من أن نرى العالم كما هو في الواقع، بمد المجال البصري للمريض وتوسيعه بحيث يصبح واعي بالمجال الكلي للمعنى، وما ينطوي عليه من قيم، وكذلك التبصر به.
فالمعنى الحقيقي للحياة إنما هو موجود في العالم الخارجي أكثر مما هو موجود في داخل الإنسان وتكوينه النفسي. فالوجود الإنساني هو بالضرورة تسامي بالذات وتجاوز لها أكثر من أن يكون تحقيقاً للذات. وبالقدر الذي يلتزم فيه الإنسان بتحقيق معنى لحياته، فإن بهذا الحد أيضاً يحقق ذاته.

نستطيع أن نحقق معنى للحياة في الظروف الاعتيادية بأن نقدم عملا أو إنجازا ما، وكذلك في ظروف المعاناة، كأن يجد الإنسان نفسه في موقف لا مفر منه مثل مرض عضال كالسرطان، وليست هناك فرصة لعلاجه –فطالما هناك فرصة للعلاج فلا يجوز تحمل قسوة الألم-، فهنا يكون عند الإنسان فرصة لتحقيق قيمة عليا بأن يصبر على المعاناة.
فالذي لا يمكن استبعاده أبداً هو حتمية المعاناة. فإذا تقبلنا حتمية المعاناة بشجاعة، كان للحياة معنى حتى اللحظة الأخيرة، وتحتفظ الحياة بقوة بهذا المعنى حتى النهاية.

هناك أشياء يبدو أنها تنتزع المعنى من الحياة الإنسانية ومن بينها المعاناة وفقدان الحياة، ومن بينها الضيق والموت. لذا فإن زوال وجودنا لا يحتم أن يجعل وجودنا هذا بلا معنى، لكنه يحدد التزامنا بالمسؤولية واستعدادنا لتحملها، ذلك أن كل شيء يتوقف على تحقيقنا لما عندما من إمكانيات سمتها الأساسية أنها قابلة للزوال.
فينبغي أن يقرر الإنسان في كل لحظة، ما سيتركه من أثر لوجوده، وذكريات لحياته سواء أكانت آثار حسنة أو سيئة وذكريات عطرة أو على عكس ذلك.

يتميز الوجود الإنساني بنوع خاص بظاهرتين إنسانيتين:
الظاهرة الأولى وتتمثل في مقدرة الإنسان على "التحرر الذاتي" والظاهرة الثانية وتتمثل في مقدرة الإنسان على "التسامي بالذات"، أو "تجاوز الذات" وفي الواقع أن كينونة الإنسان إنما تعني بعمق أنه منفتح على العالم، ذلك العالم المليء بكائنات أخرى عليه مواجهتها، والمليء بمعاني عليه أن يحققها.

في الواقع أن السعادة بحد ذاتها يجب أن تكون أثر جانبي أو تلقائي للوصول للهدف، فبلوغ الهدف هو ما يفسر كون الإنسان سعيد، فلست بحاجة للبحث عن السعادة واللذة والسعي إليهما، فهما يتحققان بطريقة تلقائية عن طريق بلوغ الهدف. ذلك أنه إلى الحد الذي يجعل الشخص من السعادة هدفاً لدافعيته، وبالتالي يجعل منها موضوعاً لانتباهه واهتمامه، فإنه يفقد البصيرة بالهدف الذي من اجله ينشد السعادة، ونتيجة لذلك فإن السعادة ذاتها تخبو وتتلاشى.
فاللذة والسعادة بدلاً من أن يكونان غاية لسعي الإنسان، تكون في الواقع نتيجة أو أثراً لتحقيق المعنى، والقوة بدلاً من أن تكون غاية في حد ذاتها تكون في الواقع وسيلة لغاية، لأنه ما إذا كان الإنسان يعيش ويمارس إرادة المعنى عنده، فإن قدراً معيناً من القوة سيكون متطلباً أساسياً، أما إذا لقي الفرد إحباط إزاء اهتمامه الأصلي وسعيه لتحقيق المعنى، فإن هذا الفرد سيقنع بأن يكون راغباً في القوة، أو ساعياً وراء اللذة.
فتحقيق الذات ليس هو الغاية القصوى عند الإنسان، ولا حتى مقصده الأول. ذلك إذا صار تحقيق الذات غاية في حد ذاته فإنه يتعارض مع خاصية تجاوز الذات أو التسامي بالذات وهي الخاصية المميزة للوجود الإنساني، بالإضافة لذلك فإن تحقيق الذات ما هو إلا نتيجة أو أثر لتحقيق المعنى، وينبغي أن يظل تحقيق الذات هكذا. ذلك الإنسان لا يحقق ذاته إلا بمقدار تحقيقه لمعنى في هذا العالم. وعلى العكس من ذلك فإن الإنسان إذا شرع في تحقيق ذاته بدلاً من أن يحقق معنى من المعاني، فإن تحقيق الذات سوف يفقد مبرراته في الحال.

التسامي بالذات هو جوهر الوجود، يقول أينشتين: "أن الإنسان الذي يعتبر حياته جوفاء من المعنى فهو ليس سعيدا فحسب ولكنه يكاد يكون غير صالح لأن يعيش."
ويمكننا أن نزعم بأن الفلسفة السديدة للحياة تتمثل في حاجتنا إلى التغلب على الفراغ الوجودي العائد لفقدان الإنسان لمتطلبات أساسية في بداية حياته، ومنها الأمن والطمأنينة، واحتياجه لمتطلبات تقتضيها الحياة المعاصرة حتى لا تسيره أهواء وإرادة الآخرين