صفحة الاستقبال منبر الجمعة - خطب جمعية خطبة الجمعة 11ـ12ـ2009 -الوصية
خطبة الجمعة 11ـ12ـ2009 -الوصية طباعة أرسل إلى صديق
الكاتب: خالد التلمودي   

خطبة الجمعة  11ـ12ـ2009 الموافق 24    ذو الحجّة 1430                                 

 

جامع الصّبر سوسة    الإمام  الخطيب : خالد التّلمودي

 

الـــــوصيّــــــــة

                                                         

 

 الخطبة الأولى

إن الحمد لله نحمده تعالى  ونستغفره ونتوب إليه  ونعوذ به من شرور أنفسنا ومن سيّئات أعمالنا  من يهده الله فهو المهتد ومن يضلل فلن تجد له وليّا مرشدا .

وأشهد ألاّ إله إلاّ الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد  يحيي ويميت وهو على كلّ شيء قدير وأشهد أنّ سيّدنا محمّدا عبده ورسوله  أرسله الله بالهدى ودين الحقّ ليظهره على الدّين كلّه  ولو كره المشركون  وأصلّي وأسلّم على المبعوث رحمة للعالمين  هاديا ومبشّرا ونذيرا وداعيا إلى الله بإذنه وسراجا منيرا فصلّوا عليه وسلّموا تسليما وعلى آله واصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدّين

أمّا بعد إخوة الإيمان  أوصيكم ونفسي بتقوى الله فإنّه أرقى ما يوصي به مؤمن أخاه المؤمن  إنّها الوصيّة أو النّصيحة  التي أصبحت غائبة فيما بيننا لاعتبارات نفسيّة أو اجتماعيّة أو ماديّة   وفي المقابل إنّها التي كانت حاضرة  حضورا بيّنا بين أهل التّقوى ، بين أسلافنا الصّالحين المقتدين بصفوة الخلق أجمعين محمّد الصّادق الأمين الذي ارتوى بآيات الذّكر الحكيم  التي يوصي فيها الله عباده ليوجّههم إلى الخير بالدّليل والبرهان والحكمة لعلّهم يتّقون  وها أنّني أدعو نفسي وإيّاكم إلى حسن الإصغاء والانصات إلى وصايا من شرعنا الحكيم تبصّرنا بمعنى الوصيّة ودلالاتها داعين الله أن يجعلنا ممّن يستمعون القول فيتّبعون احسنه .

معنى الوصيّة في اللغة هي العهد وهي الوصل  فبالوصيّة الربّانيّة  يتحقّق التّواصل  وهي عهد وأمانة يتعهّد بها المؤمن التزاما ووفاء  وقد وردت في كتاب الله في مواضع عدّة مبينا المولى تعالى فضائل الوصيّة في آيات ثلاث متتالية في سورة الأنعام 151ـ152ـ153قال تعالى :" ذلكم وصّاكم به لعلّكم تعقلون " "......لعلّكم تذكّرون  " "..........لعلّكم تتقون " وقد تضمّنت هذه الآيات الوصايا العشر التي اتّفقت عليها الشّرائع السّماويّة ، وبها سعادة البشريّة ، لأنّها جامعة لكلّ أصناف الخير والصّلاح والنّجاح وهي التّالية مرتّبة : 1 ـ لا تشركوا بالله شيئا

2 ـ بالوالدين إحسانا 3ـ لا تقتلوا أولادكم 4 ـ لا تقربوا الفواحش ما ظهر منها وما بطن 5 ـ لا تقتلوا النّفس التي حرّم الله إلاّ بالحقّ 6 ـ لا تقربوا مال اليتيم إلاّ بالتي هي أحسن 7 ـ أوفوا الكيل والميزان بالقسط 8ـ إذا قلتم فاعدلوا 9ـ بعهد الله أوفوا

10ـ(ومن أروع ما في هذه الايات انّها تختم  بقوله تعالى"وأن ّهذاصراطي مستقيما فاتّبعوه ولا تتّبعوا السّبل فتفرّق بكم عن سبيله ذلكم وصّاكم به لعلّكم تتقون"

عودوا إلى هذه الآيات واقرؤوها برويّة وتمعّن لعلّكم تعقلون وتذكّرون وتتقون  تعقّل ثمّ تذكّر ثمّ تقوى إخوة الإيمان إنّنا بشر خطّاؤون نقرّ بهذه الحقيقة  من أجل أن نصلح ما بأنفسنا وأن نصلح أوضاعنا  نحتاج دوما إلى النصيحة الصالحة التي تحث على التقوى والاستقامة , وتقوّم الطريق وتزيل الغشاوة وتبصر بالأخطاء وتوجه نحو الأمام , ويالها من نصيحة تلك التي تأتينا من ربّ العالمين ومن قوم صالحين قد عملوا فأجادوا وأخلصوا فأظهر الله ما قدموا وبارك في خطاهم وصاروا للأمة قدوة وهداة , قال الله تعالى " ولقد وصينا الذي أوتوا الكتاب من قبلكم وإياكم أن اتقوا الله " , وقال سبحانه " ووصي بها إبراهيم بنيه ويعقوب يا بني إن الله اصطفى لكم الدين فلا تموتن إلا وأنتم مسلمون " .

فالوصية إذن من تمام النصيحة لله ولرسوله صلى الله عليه وسلم وللمسلمين والتواصي بينهم بالحق قال تعالى " والعصر إن الإنسان لفي خسر إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر " , فلا مجال للخسران بين أناس آمنوا وعملوا الصّالحات إيمانا دلّهم على الخير ونوّر أبصارهم فملأ قلوبهم بشرا ويقينا دعاهم إلى التّواصي بالحقّ وبالصّبر ومن أهمّ خصائص هذا الدّين العظيم انّ النصيحة فيه شاملة   وكما ثبت في صحيح مسلم وغيره من حديث تميم الداري قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " الدين النصيحة قالوا لمن يارسول الله . قال لله ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم " , فمن هنا أخذ السلف رضوان الله عليهم العمل بالنصح فيما بينهم وصدق فيهم قول الله تعالى :

 "والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ……. "

ولكن قبل وصايا المؤمنين بعضهم لبعض نحن نحتاج إلى وصايا من المولى تبارك وتعالى وهذه نماذج منها  لعلّ أرقاها  وأبلغها وأنفذها واشملها قوله تعالى :" ولقد وصّينا الذين أوتوا الكتاب من قبلكم وإيّاكم أن اتّقوا الله ...." النّساء 131  لأنّ التّقوى هي جماع الأمر كلّه  وصدق الشّاعر إذ قال :"

ولست أرى السّعادة جمع مال      ولكنّ التقـــيّ هو السّـعيد

وتقوى الله خير الزّاد ذخـرا         وعند الله للأتــــقى مزيد

كما يوصينا المولى تبارك وتعالى بإقامة الدّين في قوله تعالى :" أن أقيموا الدّين "

فما المقصود بإقامة الدّين ؟ إنّه العمل بما أمر الله ورسوله والانتهاء عمّا نهى الله  ورسوله وأن نرى  ديننا في حياتنا وفي سلوكنا ومعاملاتنا وعلاقاتنا ومواعيدنا وفي بيوتنا وفي معاهدنا ومساجدنا أقصد أن نرى الصّدق والأمانة  والوفاء بالعهد والإخلاص والتّعاون والقائمة تطول قائمة الخير والصّلاح والإصلاح والتّواصي بالحقّ والصّبر وما أحوجنا إلى ذلك كلّه ولا ننسى أنّ ذلك مسؤوليّتنا جميعا باعتبارنا خلفاء لله في الأرض مطالبون بتطبيق شرع الله على الوجه الأكمل

وصيّة أخرى أثمن من الدّنيا وما فيها لأنّ ثمنها الجنّة ولأنّها ترقى إلى طاعة الله وتقترن بها إنّها طاعة الوالدين  تتكرّر في كتاب الله ثلاث مرّات بنفس الصّيغة تأكيدا على أهمّية هذه العلاقة فإن كان الله هوالخالق فإنّ الأبوين سبب الخلق قال تعالى :" ووصّينا الإنسان بوالديه حسنا " العنكبوت 8 وفي آية اخرى إحسانا  وفي سورة لقمان :"ووصّينا الإنسان بوالديه حملته امّه وهنا على وهن " وبهذا البرّ أوصى الله عيسى بن مريم إذ قال:" وأوصاني بالصّلاة والزّكاة ما دمت حيّا وبرّا بوالدتي ولم يجعلني جبّارا شقيّا " مريم 31

ثمّ ننتقل إلى وصايا رسول الله صلّى الله عليه وسلّم الذي امره المولى تعالى بان يوجّهنا ويوصينا قائلا له :"وعظهم وقل لهم في أنفسهم قولا بليغا "النّساء 63 إنّه القول الذي ينفذ إلى القلب مباشرة ، ويؤثّر في نفس كلّ مؤمن بالله ورسوله لأنّه من قلب رسول الهدى والرّحمة الذي لا ينطق عن الهوى ويحبّ لنا الخير كلّ الخير فافتحوا لهذه الوصايا قلوبكم وأرهفوا لها أسماعكم  اقولها في اختصار ومن غير شرح لأنّها لا تحتاج إلى شرح  وكانّها قطرات النّدى أو هي الشّفاء لكلّ من به داء :

1ـ  أكثروا من قول "لا حول ولا قوّة إلاّ بالله "فإنّها شفاء ل99 داء أدناها الهمّ

2ـ قل آمنت بالله ثمّ استقم   3ـ لا تغضب  4ـ خالق النّاس بخلق حسن

5ـ أحدث لكلّ ذنب توبة  6ـ أفشوا السّلام بينكم  7ـ إذا استعنت فاستعن بالله

8 ـ احفظ الله يحفظك 9ـ انظر لمن هو أسفل منك لا لمن هو أعلى منك

10ـ صلّ الصّلاة لوقتها .

إخوة الإيمان إنّها عشر وصايا قابلة للفهم والتّطبيق نرجو من الله تعالى أن يعيننا على الالتزام بها وعلى تبليغها لمن نحبّ ففيها خيري الدّنيا والآخرة  إذ ليست العبرة بكثرة الكلام الذي لا نعمل منه شيئا فخير الكلام ما كان قليله يغني عن كثيره  هذا وإنّه لا حول ولا قوّة إلاّ بالله العليّ العظيم والحمد لله ربّ العالمين والصّلاة والسّلام على سيّد المرسلين .

 

                            الخطبة الثّانية

 

بسم الله الرّحمن الرّحيم والصّلاة والسّلام على سيّد المرسلين والحمد لله ربّ العالمين وأشهد ألاّ إله إاّ الله وليّ الصّالحين وأشهد أنّ سيّدنا محمّدا عبده ورسوله

 

أمّا بعد أيّها المؤمنون أوصيكم ونفسي الخاطئة بتقوى الله فإنّها أغلى وصيّة وجماع الخير كلّه والموجّه إلى كلّ صلاح والمحقّق لكلّ سعادة ولكنّنّا عن هذه الحقيقة غافلون وبالحياة الدّنيا متعلّقون وعلى مالنا وجهدنا متوكّلون ولكلّ نصيحة رافضون اعتدادا بأنفسنا فإذا ما نصحنا أحد قد نقول له بكلّ استخفاف :" خلّ نصيحتك عندك " ممّا جعل النّاس ينغلقون على ذواتهم ولا يهتمّون إلاّ بمشاغلهم الشّخصيّة "فمن لم يهتمّ بأمر المسلمين فليس منهم " وكانت الفرقة وكان التشرذم وتفاقمت المشاكل وتزايدت الخلافات وتعمّقت حتّى بين ذوي الأرحام لأنّك لا تجد من ينصح ومن يوجّه ، لأنّه قد ضعفت السّلطة الأبويّة وسلطة الكبير :كبير العائلة وكبير الحومة ولم يعد الصّغير يحترم هذا الكبير و وجد الشّيطان فرصته ليتلاعب بالعقول وينمّي الخلافات ويوغل الصّدور ويزيّن المعاصي  وينفّر من الطّاعات فالشيطان كالذّنب ينفرد بفريسته وإنّما يأكل الذّئب من الغنم القاصية وأنتم تعلمون أنّه عندما تقوم السّاعة يعجزالمرء فيما يعجز حتّى عن الوصيّة لقوله تعالى في سورة يس :"فلا يستطيعون توصية ولا إلى أهلهم يرجعون "

فما الحلّ في هذا الخضمّ من التردّي المنبئ بما هو أسوا ممّا نحن عليه ؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟

لست أرى الحلّ إلاّ في كتاب الله وفي سنّة نبيّ الله

إخوتي في الله أتدرون لماذا ينصحنا ويوصينا  الله ورسوله ؟ (سكتة )

لنعمل بالنّصيحة ،، صحيح ،، ولكن ليس فحسب  لنتعلّم التّناصح والتّواصي فيما بيننا  والدّليل  انّ كلّ إنسان في خسر إلاّ  الذين آمنوا وعملوا الصّالحات وتواصوا بالحقّ وتواصوا بالصّبر جاءت في أقصر السور  التي لو نزلت على النّاس وحدها لكفتهم واعلموا أنّ النّصيحة للمؤمن واجبة عليك لأنّها حقّ له لقوله صلّى الله عليه وسلّم :" وإذا استنصحك فانصح له "  أي إذا طلب منك النصيحة والمشورة فعليك أن تنصح له، وأن تشير عليه بما تحبه لنفسك، وما تعتقد أنه هو عين الخير والمصلحة بحسب حالك وعلمك واعتقادك. فانصح له، والنصيحة للمسلم التي هي محبة الخير وكراهة الشر؛ هذا واجب، واجبة مطلقا ، لكن إذا استنصحك كلمة دقيقة تعني طلب منك النّصح ، منك انت تحديدا لأنّه يرى فيك الكفاءة والعلم والتّجربة والقدرة على التّوجيه والاستئمان على المشورة لأنّ المستنصح مؤتمن فعليك حينها أن تنصح له، لا تبخل عليه واستعن بالله وأخلص لله ووجّه للخير وادع إلى الله وتأكّد ان الله سوجّهك فيما وجّهت أخاك لأنّ الله ثالثكما واعلم انّ الله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه واعلم انّك إن ترحم ترحم  واعلم انّ الله وظّفك في تلك اللّحظة ليختبرك فيما وظّفك فيك وفي المقابل اعلم أيّها المستنصح أنّك إنسان خطّاء وأنّ الكمال لله وحده وبالتّالي لا تتردّد في أخذ النّصيحة من أهلها وانّه لا خاب من استشار ولا من استخار وأنّ الله يجعل لك أسبابا للتّوفيق والسّداد في الأمر كلّه

إخوة الإيمان لعلّكم أدركتم ممّا سمعتم قيمة التّناصح في تأليف القلوب وفي السّداد في الأمور كلّها وفي تحقيق الوحدة بين المؤمنين ضدّ وساوس الشّياطين للتّوقّي من الهوى والضّلال  فلتكن سنّة حميدة بيننا نحييها إحياء لسنّة نبيّنا صلّى الله عليه وسلّم  وحتّى لا نصاب بالخسران  ولا ننسى استعانتنا بالله في كلّ شيء وتفويض أمرنا إليه  والدّعاء فهو العبادة  فلنتوجّه جميعا بالدّعاء بقلوب خاشعة وكلّنا يقين في الإجابة مفتتحين دعاءنا بالصّلاة والسّلام على نبيّ الهدى والرّحمة

اللهمّ صلّ على سيّنا محمّد ( الصّلاة الإبراهيميّة)أستغفر الله العظيم الذي لا إله الاهو الحي القيوم وأتوب اليه,اللهم ياجامع الشتات ويامخرج النبات ويامحيي العضام الرفات ويامجيب الدعوات وياقاضي الحاجات ويامفرج الكربات وياسامع الاصوات من فوق سبع سموات ويامالك حوائج جميع المخلوقات ويامن ملأ نوره السموات ويا من أحاط بكل شي علما واحصى كل شيء عدداً وياعالماً بما مضى وماهو آت .نسألك اللهم بقدرتك على كل شيء وباستغنائك عن جميع خلقك وبحمدك ومجدك يآ الاه كل شي نسألك اللهم ان تجود علينا بقضاء حاجاتنا وتفريج كرباتنا وأن تهدين سبل السّلام وان تبعد عنّا كلّ شيطان من الإنس والجانّ  وان تشفي مرضانا وان ترحم موتانا  وان تجعل الجنّة مأواهم وماوانا  انك قادر على كل شي يارب العالمين ياعظيما يرجى لكل عظيم ياعليما انت بحالنا عليم . اللهم اصلح لنا شأننا بما اصلحت به شأن عبادك الصالحين ولا تكلنا لأنفسنا طرفة عين ولا اقل من ذلك االلهمَّ أنت الحليم فلا تعجل، وأنت الجواد فلا تبخل، وأنت العزيز فلا تذل، وأنت المنيع فلا تُرام، وأنت المجير فلا تُضام ، وأنت على كل شيء قدير اللهمَّ لا تحرمنا سعة رحمتك، وسبوغ نعمتك، وشمول عافيتك، وجزيل عطائك، ولا تمنع عنّا مواهبك لسوء ما عندي، ولا تُجازنا بقبيح أعمالنا، ولا تصرف وجهك الكريم عنا برحمتك يا أرحم الراحمين.اللّهمّ انزل علينا الغيث ولا تجعلنا من عبادك القانطين اللهمّ إن لم يكن  من اجلنا نحن العبيد المذنبون فمن اجل الأطفال الرضّع والبهائم الرتّع والعبّاد السجّد الركّع غيثا مغيثا  تنبت به الزّرع وتدرّ به الضّرع  اللهمّ انصر كلّ من نصر الدّين واخذل كلّ من خذل الإسلام والمسلمين وكن لرئيسنا خير مرشد ومعين للحقّ واليقين  اللهمَّ لا تحرمنا ونحن ندعوك ولا تخيبنا ونحن نرجوك. هذا وإنّه لا حول ولا قوّة إلاّ بك أنت العليّ العظيم تجيب دعوة السّائلين فلا تخيّب رجانا فيك   وآخر دعوانا أن الحمد لله ربّ العالمين