صفحة الاستقبال بيداغوجيا استثمار الكتب الجديدة للتربية والتفكير الإسلامي

كتاب التربية الإسلامية والتنشئة على القيم

استثمار الكتب الجديدة للتربية والتفكير الإسلامي
الكاتب: الأستاذ محمّد بدر الدين   

ظل اعتماد التربويين محصورا دائما في اتخاذ مذهب تربوي واحد أو طريقة بيداغوجية واحدة في التعامل مع مسائل التدريس وفنّ التعليم ،

وهذا توجّهٌ لا مزيّة له بل هو خضوع لمذهبية آحادية تراءت اليوم بعد التجربة والتحليل قليلة النفع، بل كثيرة النقائص والعيوب، منها على سبيل المثال :-                     حصر الفكر والممارسة في إطار واحد -                     خضوع لمألوف سائد دون نقد وجيه -                     الاحتكام لوجهة نظر محدودة في المكان والزمان   -  تبعية قد تعوق الإبداع . ومن أجل تجاوز هذه العيوب انحازت الدراسات التربوية الحديثة إلى الأخذ بالتنوع البيداغوجي أو اعتماد سلّة من البيداغوجيات تكفل التعدّدَ والتنوّع على حد سواء، وتحقّق حرية الاختيار والتصنيف والانتقاء من أجل البحث في أفضل الطرق لخدمة المتلقين او المتعلمين .وقد انجرّ عن هذا التوجّه نظرة جديدة لمعظم الأدوات والعناصر التعليمية مثل الكتاب المدرسي والسبورة والأستاذ والتلميذ والفصل وتعدّى ذلك إلى إعادة النظر في العلائق القائمة بينها  أي العناصر المادية والعملية المكونة لبنية العمل المدرسي فضلا عن الطرائق والأساليب التربوية أو العناصر النظرية المعنوية. من المعرفة إلى الصنعة:تجنّبت النظرة الجديدة اعتبار الكتاب مرجعا معرفيا، بل مرجعا صناعيا، والانتقال من المعرفة الى الصنعة  وهو ابتعاد عن الطرح النظري المجرَّد والانحياز إلى مصطلحات المهارات والصناعة والعمل والنشاط وهي كلمات ذات حمولات شديدة التكثيف تحتاج كل واحدة الى تحليل دقيق ...لم يعد الكتاب المدرسي مصدرا للمعلومات وإنما تحوّل في إحدى وظائفه الرئيسة إلى دعم نشاطي وحوافز ذاتية لمسارات التعلم وتكوين المتعلم في نفس الوقت .وليس مطلوبا أن ننتظر من الكتاب معرفة ميسَّرة قابلة للاستيعاب والحفظ والإلمام، بل حقل أنشطة متعددة  وأسئلة ووضعيات شتى، وصياغات جديدة لمشكلات وقضايا مطروحة آنيا في القسم أو مصرّحا بها من الأستاذ، أو مسكوتا عنها أو ناتجة عن إثارة أو حوافز دافعة للتساؤل والحوار .هذا يفضي الى اجتناب الحديث عن نصّ وحيد وعنوان وحيد وقضية نهائية  في التعاطي مع الكتاب، بل هي سندات وليس نهايات , ومفهوم السند يحيل دائما إلى الدعم والاستثمار :استثمار الماقبليات والجهود الخاصة ولا يقدم معرفة مسبَقة او جاهزة أو حتى واضحة .الخلفية البيداغوجية الجديدة تستند إذن على التنوع اضافة الى الحرية: هذا المبدأ الساحر والمخيف حيث لا تضييق على مساحات الفعل الحر لدى المعلّم والمتعلّم كما كان سائدا في بيداغوجية الأهداف حيث تحول الهدف الى غاية نهائية في ملامح التعلم فإذا ما لم يتحقق الهدف ضاع الدرس وفشل الأداءُ كلُّه لأن الأدوار محددة مسبقا والمهام مجدولة في نسق ترتيبي لا حياد عنه ، وحتى البرامج الرسمية انساقت وراء ما بشرت به نظرية الأهداف فقدمت مواد جاهزة ومذكرات تعليمية يسير عليها الأساتذة كما في قوانين المرور ( code de la route ( . ان التعليم المبرمج مسبقا وفق مقاربات الأهداف أو غيرها بناء محدود الصنعة والأداء, لأنه يأخذ من الحقيقة التربوية بعدا واحدا أو ينظر إليها من زاوية وحيدة .وليست العبرة في الأسماء بل في التحقق والنجاعة :فسلة من الثمار المتنوعة نختار منها ما يفيدنا ويسعدنا ويمتعنا خير من ثمرة واحدة ولو كانت شهية ومغرية، فتنوع الثمار يخدم فوائد أكبر ، واعتماد سلة من البيداغوجيات يحقق جوانب أرحب في الممارسة التربوية . على أساس ان كل مقاربة تؤدي إلى نجاح العمل او جزء منه تعتبر مقبولة ومرغوبة طالما انها تحقق التنوع . وسواء أخذت تلك السلة الروح الفريقية والجماعية او الفردية أو روح الكفايات او سبيل الأهداف أو المشروع أو بيداغوجية الخطأ  فهي في النهاية خيار من متعدد وتحرّر من النمطية ،وعدم التركيز على جانب  معرفي محدد بل الانحياز للأنشطة والمهارات ليس على حساب أي شيء، او التضحية بجانب دون آخر . كل ذلك يؤدي الى :-                     خدمات تنوع الأدوار والمهام داخل القسم -                     التوسعة في الوقت-                     التوسعة في المستوى حسب حاجة المتعلم-                     من بيداغوجية وحيدة الى تفاعل مبدع مع طرق ونظريات متعددة-                     الخروج بالوظيفة التعليمية من التلقين والوعظ والإرشاد إلى الأنشطة والمهارات -                     تجاوز الأسلوب التقريري المباشر إلى فنون جديدة في التبليغ والتوصيل تستجيب إلى التطور الحاصل في وسائل الاتصال-                     بناء العالم الذاتي للتلميذ ومساعدته على تكوين شخصية ايجابية متوازنة متحررة عبر صور المشاركة العديدة الشفوية والكتابية و المهارية -                     إعادة النظر والبناء لدور الأستاذ الذي يتخذ طابع المساعدة والتنشيط والنهوض والتحفيز وليس التلقين والشرح والإملاء-                     الحوار مع التلاميذ قاعدة العمل التربوي-                     البحث والتفكير في تطوير الأنشطة الجماعية والعمل التشاركي لتحقيق أكبر قدر ممكن من النجاعة والفاعلية ومن خلال هذه المنطلقات يصبح التعامل مع الكتاب المدرسي محكوما بمرجعية توفير السندات والجداول واللوحات التي توفر أرضية العمل وعناصره في القسم ، ولا أهمية لهاجس العامل المعرفي الذي يقع تضخيمه بدون مبرر، فليست المعرفة هي الغاية أو المطلب الأسمى لأن المعرفة تكتسب حتى باللعب وليست مخصوصة ورتيبة بل متغيرة من قسم الى آخر وهذا التغير ينفي التكرار والاجترار ويضفي على العمل مظاهر البهجة والتجاوز والعفوية ويقاوم الرتابة والنمطية .لقد طغى الجانب المعرفي على حساب المهارات إلى درجة تحوّل فيه نظام الامتحان إلى استرجاع آلي للمعلومات ( أستاذ الكيمياء الذي فشل ابنه نتيجة تغيّر الاسئلة )." إن الامتحان الشفوي والكتابي يميلان ميلا فاجعا إلى بناء الجانب المعرفي النظري الذي يُنسى بعد كل خمس سنوات كما هو مقرر في علم النفس  ولذلك ظل الكتاب في النظرة القديمة وسيلة حفظ وتكرار المعلومات على الورق بينما أصبح يُنظر اليه في المقاربات الجديدة باعتباره مساحة نشاط معتبرة توفّر حقولا متدرجة من المراقي في التعلم والمشاركة والإسهام في أنشطة أفقية وأسئلة استكشافية تحيل الأذهان إلى مشكلات وحلول وتحرك الحواس نحو مهارات ومواقف من وحي اللحظة أو نتيجة استفادة عارضة أو فكرة شاردة أو مساهمة تبني الشخصية أو تعيد بناءها من جديد أو تحيّرها بحثا عن جديد أو تحفزها سعيا نحو تألق باعتبار أن التلميذ قادر على إعادة البناء وتكوين نفسه وفق ما قررته البنائية الاجتماعية او وفق تعاليم سقراط في التوليدية ( la maeutique  (  . يقدر التلميذ على البناء بنفسه عبر الأنشطة الموجهة التي تثير اهتمامه وتستجيب لميوله ومشاغله ومخاوفه ومشكلاته وحاجاته وينفر ويعجز اذا اتجه التعليم الى التجريد والمعرفة المطلقة غير عابىء بالمقررات والنتائج .ولهذا سعت الكتب الجديدة وفق المقاربة التكاملية الى التجديد والابتكار في مستوى الأنشطة والأساليب والطرق وليس في مستوى النصوص التي تظل دائما محايدة أو عائمة ما لم توظف ضمن أنشطة مهارية متدرجة .وليست السندات المتعددة إلا تنويعات لتوفير وقت أكبر ومساحات حرة أثمر قصد إعطاء فضاءات للتصرف في جغرافية الدرس . وتبعا لذلك لم تعد البرامج الرسمية تخطيطا متكاملا للدرس وإنما اقتراحات ومساعدات توجيهية بسيطة لإعطاء حرية أكبر للتلميذ والأستاذ . ولولا أن بعض المدرسين يضيق ذرعا بالحرية ويميل الى التقييد والتحديد المسبق وينفر من المجالات الاختيارية لما سوغ الحديث عن برامج رسمية أصلا أو حتى توجيهات !!بنيت الكتب الجديدة وفق منهجية الأخذ بكل مفيد، ومعانقة كل التوجهات التربوية طالما أنها تخدم فائدة مرجوة أو قاعدة تحقق ايجابية ،وهذا التوجه لم يكن موجودا في بنية الكتب القديمة التي اقتصرت على تقديم نصّ محوري مرفق بجهاز أسئلة هادفة، والاكتفاء بالمباحث المقررة مسبقا التي يسوقها الأستاذ سوقا وفق ترتيب رتيب نصت عليه البرامجُ نفسُها , وليس غريبا وفق هذا الإجراء أن نجد جميع كراسات التلاميذ متشابهة بل متطابقة لفظا ومعنى ضمن نسق نمطي مكرر . لقد تم اختيار وتفضيل منهجية تعتمد ثلاث مراحل أساسية تغطي مسارات الدروس هي :1.                            التأمل والاستكشاف2.                            التحليل والاستثمار3.                            التوظيف والتقييم و النقد.المرحلة الأولى:- تقوم المرحلة الأولى على التعلم الاستكشافي الذي يستلهم الفضول والإثارة وطرح المشكلات دون تقديم الحلول، وإبراز المتناقضات دون التصريح ،وطرح الاسئلة دون أجوبة ،وعرض وضعيات دالة دافعة للتفكير والتأمل.في هذه المرحلة يقع الاقتصار على طرح سؤال جوهري ذي طبيعة إشكالية محيرة أو عدة أسئلة متدرجة تمثل الاستلهام المسبق لمخطط الدرس او جغرافيته المتوقعة وهي لا تقوم مقام المحاور ولكنها استدراج لإثارة أسئلة او دفع  متعمّد لصنع وضعيات وأمثلة دالة من واقع المتعلمين  مع استشراف لصعوبات متوقعة يقع حلها  في الإبان، وهذا الطرح يسوّغ القول :( لا تفكر في المعارف,ادخل القسم بدون معارف، المهم انطلق من وضعيات دالة وانتظر ما تطرحه وتنتجه من اكتشافات لم تخطر على بالك ؟! – المختار الزين ) ترتبط مرحلة الاستكشاف بالتفاعل الحرّ التلقائي : دع التلاميذ يتحادثون ويعبّرون عن آرائهم من خلال القراءة الأولى للوضعية أو القضية المطروحة ..دعهم يقولون ما بدا لهم ..انه نوع من تداعي الخواطر [1][1]ولكن تحت اشراف ومراقبة واعية ، أو هي زوبعة ذهنية[2][2] تقود إلى إحداث ما يسمّى الدافع المحرّك (  ([3][3] declencheur  الذي  يعمل على ايقاظ العقول وتحريك السواكن في فترة زمنية قصيرة أو طرح سؤال كبير macro question   يثير مسألة جوهرية تغني عن التقديم التقليدي للنص والتأطير المادي الذي لا يجدي كثيرا ،فالمقصود هنا ليس المقدمات والمداخل النظرية فذلك له مجاله لاحقا وإنما العناية الأكيدة تنصبّ على البعد الاستكشافي .وعلى سبيل المثال يمكن الانطلاق من نص محمد فاضل الجمالي ص 11 لتناول موضوع العبادة[4][4] بإثارة تساؤل إشكالي عن علاقة الامتحان بالعبادة ؟! وانتظار أجوبة ذات مستويات متفاوتة تكون منطلقا لدافعية البحث والطرح الموضوعي للمسائل بعيدا عن الإسقاط ، حيث يشعر التلميذ أنه يساهم في صنع الدرس وهذه المساهمة تتفاوت أيضا تدريجيا كما يلي:-                     مجرد قراءة بسيطة -                     إجابة عن تساؤل-                     طرح سؤال-                     إثارة مسألة لها علاقة وثيقة بالدرس والترقي به-                     اعادة انتاج مجال تعليمي معين -                     الاكتشاف او الابداعوحتى طريقة الامتحانات الشفوية يمكن تثويرها على ضوء هذه المساهمات .على ان البحث عن الاشكالية لا يعني الغلو في تتبع الأسئلة في ذاتها اذ لا ينبغي البحث عن اجوبة او التصريح بها في هذه المرحلة المتقدمة او التصريح بخريطة الدرس وملامحه فهذا شوط ينتمي الى المرحلة الثانية."  حرّرتـنا المرحلة الاستكشافية من ضرورة اعتماد مذكرات درس جاهزة كانت دائما منطلقا لتنظيم مراحل سير الدروس والاحتكام إلى أهداف مسبقة اُريد الوصول اليها في نهاية الحصة عملا بمنصوص  بيداغوجية الأهداف .ظلّ الاعتماد على نصّ وحيد في المرحلة الثانوية عبئا واضحا على التلميذ والأستاذ من حيث التفاعل والأساليب المتبعة ، فهو يتطلب قراءة واعية ومتصلة بسياقات أدبية ولغوية ليست دائما مضمونة التحقق . وباعتماد مقاربات علم النص في النقد الحديث تراءت القراءة الجماعية في الفصل نوعا من التعسف في الفهم والتأويل , خاصة إذا ربطت بتوجيهات المذكرات الجاهزة ، فهي تضفي روح التلقين والمتابعة بدلا عن روح الكشف والتطلع , وهي تقدم معرفة جاهزة على طبق لا تتماشى البتة مع التفاعل الحر مع مقولات النص او مع  مقولات التلاميذ , وهذا السجن المعرفي يحول الاختبارات الكتابية والشفوية  إلى عملية استرجاعية لا خلاص منها :} بضاعتكم ردت اليكم {.وفضلا عن النزعة الجاهزية  ولّدت الطرق القديمة في الاشتغال على النصً الواحد صعوبات ذاتية متفاوتة حسب الجهد الذاتي الذي يبذله كل أستاذ أو حسب القراءات الفردية - وان كانت محكومة بالمذكرات  - - ترجع الصعوبة الأولى الى المباني والمعاني التي يتضمنها أي نص مع فوارق ضخمة بين كاتب وآخر فنصّ لمحمد الطاهر بن عاشور في لغته وثرائه  بعيد جدا عن نص لأمثال حسين أحمد أمين أو فاطمة المرنيسي أو محمد الطالبي تغلب عليها أساليب الصحافة والترجمة البعيدة عن سمت اللغة العربية .وإذا كان رولان بارت الفرنسي يتحذلق في ربط النصّ بمغاليقه ومجاهيله ويعتبرها مداخل حقيقية للذّة النصّ ،فإنّ الشكلانيين الرّوس ركزوا قبله على مباهج الشكل دون المضمون أو الدال قبل المدلول باعتبار الموارد الغزيرة التي توحي بها اللغة في مبانيها قبل معانيها والنظر الى تلك الأبنية نظرة هيكلية في علائقها ورموزها .ورغم ذلك تبقى الفوارق معتبرة بين النصوص مما يتطلب من الأستاذ جهدا إضافيا للفهم والإفهام ، واستعمال طرق مخصوصة لجلب الانتباه . بحيث يصبح حضوره الذهني غير مرتبط بطبيعة النصّ وإغراءاته سواء كان لابن عاشور أو لحسين أمين وغير مرتبط أيضا بالمضامين العالية أو العادية .- ترجع الصعوبة الثانية الى مستويات التلاميذ في التعاطي مع النصوص الطويلة من حيث التعود والنضج والأدوات والاختصاص والتوجهات ، مما يجبر الأستاذ على الاستعانة بموارد وإغراءات خارجية لا علاقة لها بالنص ، وفي الحالتين الأولى والثانية نلاحظ خروجا عن النص .- وفي مستوى ثالث نجد خروجا متعمدا من الأستاذ نفسه ليمارس إحالات خارجية تمثل عادة مهارات وانفتاحات على مشاغل وقضايا وفسحات للتأمل البعيد والقريب  رآها هو بمنظاره الخاص ذات صلات بمضامين النص وهو حماّل لوجوه قابل للتأويل والتعدد لغة ومددا وسندا . - تتعلق الصعوبة الرابعة بالقراءة السطحية مراعاة لأحوال التلاميذ والإلمام العابر بما هو مطروح للتحاور ، فيُكتفىَ بالقليل : ( و قليل دائم خير من كثير زائل ) .أخذت  هذه الصعوبات  مأخذ اعتبار ومراعاة عند تأليف الكتب المدرسية الجديدة من أجل الخروج من ضيق النص الواحد الى ثراء التعدد والتنوع والتفاوت المقام أساسا على أجهزة بيداغوجية مساعدة  محفوفة بأنشطة وجداول ولوحات تجعل التلاميذ يتفاعلون أكثر ويجدون اختيارات أكبر.لا توجد اية ضرورة لطرح النصوص وتقديمها فهي تعبر عن ذاتها من خلال الاستثمار المرتب بعد ممارسة التعلم الاستكشافي غير المرتب.نعم هو غير مرتب لأنه يستعيض عن ذلك بالعفوية والتلقائية ونوع من الإغراء يشد التلميذ للانخراط مع أستاذه باعتباره شريكا هذه المرة في صنع الدرس وتوجيهه بل هو المنطلق والغاية من هذه المرحلة الاستكشافية كلها التي لا تدوم لا محالة أكثر من عشرين دقيقة , ولكنها هي المؤسسة للدرس والمحددة لعناصره وخيوطه .تقوم الوضعية الاستكشافية على إشكال متعمد هو نبراس الإثارة حيث يثير التساؤل والحيرة أو التعجب والفضول ,ليس من الضروري أن يكون منطويا على الإدهاش وامبالغة إذ يكفي السؤال البليغ أن يحقق المطلوب من قدح الأفكار وتحريك السواكن , لتتوالى الردود والاستفسارات والتعليقات . مع الوضعية المثارة لا  يتسع المقام لعرض المعلومات أو تكوين أجوبة , لأنها ستأخذ حيز التطبيق في المرحلة اللاحقة اذ لكل مقام مقال .التلميذ هنا هو صاحب المبادرة وليس الأستاذ . هذا التغييب المؤقت للدور تكتيك مقصود ومتعمد يهدف الى تعميق انطلاقة التلميذ نحو المشاركة الحرة ودافعية البحث والنقاش وإبداء الرأي دون أن يجد توجيها أو تحديدا لمسار الموضوع .في هذه المرحلة  ستظهر نقائص وعيوب وأخطاء هي ثمرة الارتجال وهي التي يمكن أن تكوّن مجالا للاستكمال والعمل عبر المرحلتين اللاحقتين سواء عبر الأنشطة التي تغطي بعض تلك الأخطاء  أو عبر النقد وبناء المواقف بإعادة الصياغة والتفطن للنقائص ." بيداغوجيا الأخطاء تزودنا في هذا السياق بنظرة معمقة لطبيعة الخطأ وتقدم لنا إضاءات حول الموضوع سنحيل إليها في وقت لاحق.   المرحلة الثانية:- تقوم المرحلة الثانية على التعلم المرتب القائم على عناصر ومراحل للاجابة عن الاسئلة المطروحة وتبنى وفق منطقية الوضع المعرفي المثار مثل الحدود والتعريفات والمصطلحات واستثمار النصوص او السندات  او الجداول واللوحات المتوفرة في الكتاب المدرسي او من عمل الاستاذ والتلاميذ ضمن أنشطة  ثنائية او جماعية .وعلى سبيل المثال يقع تحويل النص القرآني الى نشاط ضمن مجموعات ( صفحة 17 نشاط عدد 3 ) يقع فيها استثمار الايات 22-24 لإتمام جدولين هما عبارة عن اثارة قضايا اضافية  جديدة عبر اعادة قراءة المقطع القرآني  باعتباره نموذجا للأوعية التربوية والأجهزة التي يقدمها الكتاب ولا تتطلب بالضرورة أجوبة فورية صحيحة بقدر ما تهدف الى تنشيط مهارات الذهن واستثمار حاجات المتعلمين ، مما يدفع الى هدف مقصود في ذاته وهو تجاوز الكتاب المدرسي نفسه ؟! حيث لا يحاصر ما يريد المتعلم او يحد طموحه , بل هي مراقي تصاعدية من المتاح الى المستجلب ومن المصرح به الى المغيب او المسكوت عنه  ومن البسيط الى المركب .يبدأ التعلم المرتب بإجابات مقترحة ومتواصلة عن السؤال الاشكالي الأول أو الأسئلة الملتفة حوله مع الاشتغال المنسق على سندات الكتاب كلها تقريبا أو بدائل عنها اذا وقع الاستغناء عن بعض منها وربما كانت البدائل فرصة ثمينة لتنشيط التكليف المنزلي والاعداد الجيد من قبل الاستاذ والتلاميذ .تتسم المرحلة الثانية بالرتابة اذ تستجيب لخطة متابعة المحاور والعناصر المكونة للدرس والاشتغال عليها عن طريق الجداول واللوحات والأنشطة المبثوثة في الكتاب ، ومن هنا كان عامل التشويق ورفع الملل من علامات الدرس الناجح ولا يتحقق ذلك بالصرامة العلمية بل بالأنشطة المجسمة لروح العمل وفق مجموعات  تدفع الى التنافس وحب الظهور والعمل التعاوني وكسر روتين الحصة وتخفيف أعباء الانتظار ، ومن مقتضيات التنوع في هذه المرحلة اعتماد بيداغوجيا الخطأ [5][5]والسماح به وتشجيعه وفقا لمقولة : ( من لا يخطئ لا يتعلم ) لأن تأثيم الخطأ يشجع على الانزواء وعدم المشاركة .   المرحلة الثالثة:تقوم المرحلة الثالثة على التعلم الادماجي واعادة بناء الافكار والمعارف والتصرف فيها وتحقيق البعد الذاتي للمتعلم وابداء المواقف والنقد ممثلة في أنشطة توظيفية تقييمية تفتح آفاقا وتوسع أبعادا ذاتية واجتماعية في ذات المتعلم ثم اعادة صياغة المعارف المرتبة في سلوكيات ومواقف قد تعتمد بيداغوجيا المشاريع أو حل المشكلات بعيدا عن التقريرية والوعظية الختامية.ان مصطلحات التوظيف أو الادماج او التأليف لا تعني تقييم المكتسبات فهذا تعبير مجازي اصطلاحي وإلا فإن المطلوب ليس استرجاع المعلومات أو اختبارها وانما تستلزم هذه المرحلة تتويجا لعملية بناء والتفاتا لمهارات حُققت ومكتسبات أشربت وكفايات حُصِّلت ونشاطات طُبقت وبالتالي يقع الادماج باعتباره إعادة بناء سريع حيث نتساءل عن الجودة والاتقان والسلوكيات والفكر النقدي والمواقف من خلال أسئلة وأنشطة ، وهي عودة استطلاعية وليس معرفية ولا تحصيلية :نعود من جديد للأسئلة التي طرحناها في المرحلة الأولى لنجيب عنها ، نعود للبدايات لنحقق كفايات : من قبيل :هل وجد التلميذ حلولا لأسئلته ، هل طرح أسئلة جديدة ،هل تمكن من تقديم صياغة جديدة ؟ هل تصرف ، هل غيّر وعدّل .هل أنجز شيئا, هل أصاب في الجواب, هل طرح حلولا أخرى بديلة ؟ هل أبدى مجرد شعور أو أمل أو نية  بتعديل موقف أو فعل أو سلوك أو تخطيط لإنجاز مشروع ما لنفسه أو لزملائه . " هنا نتحدث أيضا عن البيداغوجيا الفارقية ومراعاة الفروق الفردية والارتقاء بالضعاف والأخذ بايديهم بحيث تقبل الاجابات من الجميع رغم مستويات التفاوت في الفهم والتعبير  " قد تتعلق بمفهوم إدماج المكتسبات مفاهيم نظرية ونقدية معتبرة تهم تعلمية المادة أصلا : فتوزيع الدروس والمباحث لا ينبغي أن يخضع لتقسيم تصنيفي من قبيل : هدي قرآني ونبوي وعبادات وسيرة ، توحي في أساسها بضرب من الانفصال والمباعدة . أما المبدأ التجميعي فهو الذي يوحد بينها جميعا ضمن قضية مطروحة أو محاور اهتمام تكون فيها الآيات والأحاديث  والسير والنماذج والعبادات مندمجة تخدم أغراض التيمات themes )  ) والفصول ومواد التعلم  دون تجزئة أو فصل الى جانب الاستئناس والإحالات إلى مصادر أخرى ذات قيم مشتركة من الأدب أو التاريخ أو الفلسفة و العلوم الإنسانية عامة حتى لا ينشأ التلميذ غريبا عن تماهيات العلوم وتشعباتها  .قد تكون القيم المشتركة أو تقاطع المواد دافعا ايجابيا لتوظيف الموارد العلمية الحديثة فضلا عن توظيف الآداب والفنون والتاريخ لتشكيل عقلية التلميذ وشخصيته بطريقة ادماجية تروم التفاعل مع الواقع إذ أن قيمة البرامج والمعارف والأنشطة تقاس أساسا بمدى فهمها للواقع للتفاعل معه والتأثير فيه . فالخيط الناظم هو الترتيب والمنطق وفق المراوحة بين جدلية الفكر والممارسة والمبدأ والتطبيق والمهارات والإبداع .ومن هذا التصور يمكن تلمس ابعاد هذا الخيط الناظم في تصميم الكتب الجديدة ودرجات النجاح والإخفاق في الاقتراب من معالمها وروحها العامة : فكتاب السنة الأولى ثانوي عرض ملامح التلازم بين أركان العقيدة, وآثار الإيمان والحوار في ضمان سلامة التواصل بين الأجيال, ودمج قضايا الاجتهاد والتشريع  باعتبارها مداخل لمهارات التفكير والإبداع , بعد تأكيد قيم الإيمان والتوحيد ,وربط الدين بالعمل باعتباره قيمة حضارية تبني الذات والمجتمع .ان مثل هذا التداخل العفوي بين تيمات تركيز العقيدة والنبوة ونصرة قضايا الأسرة وربط التلميذ بالبيئة والطبيعة تغرس مفاهيم الترابط بين قيم الإسلام  واتساع مشاغله لتغطية جوانب الحياة كلها دون تجزئة أو انفصال . كل ذلك ضمن مجموعة ضخمة من الوضعيات التأملية الاستكشافية الدالة والسندات التوظيفية الداعمة والأنشطة الرابطة المنتهية بمواقف ناقدة  والبانية لآفاق استطلاعية مرجوة .وهذا المسعى رام كتاب السنة الثانية مواصلة تجذيره ضمن مباحث الفاعلية والتوازن باعتبارها مرافقة ضرورية في حياة تلميذ يدرج نحو نهاية مراهقة صعبة تبحث عن نموذج ومثل عرضها الكتاب في نماذج من حياة الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم , أو في البحث عن فعالية يحققها التلميذ عبر العلم والتعليم والمدرسة والبحث والإبداع ،  أو في الاقتراب من  تحقيق النجاح والايجابية عبر النصح والإصلاح  والاستخلاف والأمل التي تبني شخصية متفائلة متوازنة وفاعلة في الواقع  ومواجهته أو متغلبة على صعوباته  .وعملا بمبدأ  كلما وضحت الفكرة صلحت الممارسة أضاف كتاب السنة الثانية التصريح بالأنشطة باعتبارها ضربا من الترتيب واجتنابا للمنحى التكديسي، و عمد إلى تكثيف حضور النصوص القرآنية  لتكون سندا ونتيجة في نفس الوقت يتكشّفها التلميذ ويتصل بها  ويصل اليها , ولهذا السبب جاءت الآيات متعددة ومترامية في صلب السندات وفي ثناياها حتى لا تكون معرفة جاهزة بل واصلة وموصولة . " قد تكون المقاربات الجديدة في تناول الكتاب المدرسي أو التفاعل مع طرق التدريس عبئا جديدا على الأستاذ من حيث الاستيعاب والمواكبة ، ولكنها تحرره وتهديه فضاءات معتبرة للتصرف والابداع والتميز بدون توصيات صارمة  او خلاصات جاهزة  .  الأنشطة والأساليب:كيف نبحث عن أساليب وطرق نشد بها التلاميذ داخل المدرسة في وقت مثلت الصوتيات والمرئيات والقنوات والحواسيب بالنسبة لهم الهواء والماء فلم تعد تقدر على المنافسة فضلا عن التأثير ؟

 لو أردنا تأصيل المسألة وبحثنا في الجذور نجد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم اعتمد أساليب كانت رائدة في التعامل مع المحسوسات ومراعاة حال المتعلمين واعتماد الأمثلة والواقعية والأسئلة والحوار



[1][1]    التداعي الحرّ للأفكار مبدأ أدبي أولا يعتمد طريقة المونولوغ واسترجاع الأفكار flash back  ثم هو في علم النفس نوع من التنفيس
   [2][2] مذهب في التنشيط يقوم على إثارة الفكر والتساؤل لتحفيز ذهن المتلقي
    Ou   déclic =    Pièce destinée à déclencher un mécanisme   3  
[4][4]   درس العبادة:دلالاتها ومقاصدها :رسالة من والد الى والده
[5][5]  إحالة الى موضوع الخطأ في هذه الدراسة لاحقا  والى مقال آخر مستقل