صفحة الاستقبال منبر الجمعة - خطب جمعية خطبة يوم الجمعة 26ـ03ـ2010 - الإنفاق في مفهومه الشّامل

كتاب التربية الإسلامية والتنشئة على القيم

خطبة يوم الجمعة 26ـ03ـ2010 - الإنفاق في مفهومه الشّامل طباعة أرسل إلى صديق
الكاتب: خالد التلمودي   

خطبة يوم الجمعة  26ـ03ـ2010  الموافق لـ 10 ربيع الثّاني 1431        

جامع الصّبر خزامة الغربيّة            الإمام :خالد التّلمودي

 

 الإنفاق في مفهومه الشّامل

      الحمد لله البرّ الجواد الكريم، القابض الباسط الرحمن الرحيم، أحمده تعالى على فضله العظيم، واستغفره من كلّ الذّنوب والآثام وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، أمرنا بصلة الأرحام، والصدقة على الفقراء والأيتام، وأشهد أن نبيّنا محمدا عبده ورسوله صلى الله وسلم عليه وعلى آله وأصحابه والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين فصلّوا عليه وسلّموا تسليما واتّقوا الله واعلموا أنّكم إليه،ترجعون.

أما بعد: عباد الله: لا شكّ أنّ هذا الدّين العظيم يسعى إلى تحقيق سعادة البشريّة جمعاء من خلال ما أمر ونهى ولعلّ من أوكد ما دعا إليه الإسلام "الإنفاق في سبيل الله " ولكن لهذه الدّعوة فلسفتها ومقاصدها تتجاوز المفهوم السّطحي الذي قد يفهمه العامّة من أنّ الإنفاق مجرّد إخراج مال لمستحقّيه والآيات القرآنيّة دالّة بوضوح على هذا البعد المقاصدي من ذلك قوله تعالى :" لن تنالوا البرّ حتّى تنفقوا ممّا تحبّون وما تنفقوا من شيء فإنّ الله به عليم "  فهذه الآية تجعلنا نقف  على مدى صعوبة الإنفاق على النفس  وما يتطلّبه من المجاهدة  لينال المسلم درجة عليّة ألا وهي

البرّ ، البرّ الذي هو أوسع وأشمل من الخير لأنّه يعود بالنّفع على الجميع ولأنّ مصدره طاعة الله ورسوله وحبّهما والتّفاني في ذلك ،الله سبحانه وتعالى الذي خلق الكون والإنسان، لهدف وغاية فأرسل الرسـل والأنبياء  لأجل تربية الإنســــان وصلاحه والهداية إلى الغاية من الخلق وكان التركيز على تربية النفس تربية صحيحة حتى يصلح الفرد ،وبصلاحــــه يصلح المجتمع وقد ركّز الإسلام على جانب التربية إذ قال ســـبحانه في كتابه الكريم :( هو الذي بعث في الأميين رسولاً منهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة ) أي يطهّرهم من رجــــس الشّـــــرك وعصبيّة

الجاهلية، والتزكية هي النمــــــوّ والتكامل ، والتطهير والتنمية والتكامل عمليّة تربوية بالأساس ، وكلمة تربية تعني النماء والتكامل ،فنقول: ربا الشيء يربو، أي زاد ونما وارتفع .

وتربية النفس تكون بواسطة السيطرة والقيادة الصحيحة للنّفـــــس لا أن تكون النفس هي القائد للإنسان، وهذه المسألة تحتاج إلى وقت وممارســــــة كبيرين فسيطرة الإنسان على نفسه ومسك زمامها بيده أمر صعب وشـاق رغم أن كل إنسان يبغي الســــــــيطرة عليها ولكن القليل ينجح في المحاولة .

وملاك الأمر هو الإحساس الدّائم بالمراقبة الإلهيّة في كلّ فعل لذلك قال تعالى :" وما تنفقوا من شيء فإنّ الله به عليم " لا يحتاج إلى إعلام  ولا إشهار ولا تدوين لأنّ الله واسع العلم لا تخفى عليه خافية ولا في أنفسنا ويعلم مدى إخلاصنا ، وهو بكلّ شيء عليم ...مهما كان هذا الشيء ومهما كانت قيمته كلّ حسب وسعه : قد يكون شقّ تمرة وقد يكون دينارا وقد يكون كلمة طيّبة يدخل بها سرورا على مهموم وقد يكون أمرا بمعروف أو نهيا عن منكر وقد يكون إماطة الأذى عن الطّريق وقد يكون علما يبثّه في صدور الرّجال والنّساء وقد يكون لقمة يطعمها الزّوج زوجته وعياله  وقد تكون غرسا يغرسه

...........والقائمة لا حدّ لها ولا حصر وكلّها وردت فيها نصوص دينيّة تقيّمها وترفع مقدارها بما يناله صاحبها من الأجر العاجل والآجل لما فيها من نفع للجميع دون استثناء والمهمّ في  هذا كلّه أن يكون ممّا تحبّ أنت، أيّها المسلم، لما فيه من الخير فلا تيمّم الخبيث ولا الرّديء ولا الوضيع ، وأن يكون في سبيل الله ،ليس لمصلحة عاجلة ولا تنتظر الجزاء ولا الشّكور لأنّك ما قدّمته فإنّه لله ربّ العالمين  فأنت لا تضعه في يد المحتاج ولا المسكين وإنّما تضعه في يد الله الذي سيقول لك يوم القيامة :"عبدي مرضت ولم تعدني ،وجعت ولم تطعمني ، وعريت ولم تكسني ...."لأنّ الله مع

المسكين والجوعان والعريان والعليل ..ونحن من أنعم الله علينا، لوزرناهم وكسوناهم واطعمناهم ،لوجدنا الله ، إيمانا ويقينا وحسنات، والدّرجات العلى ولكن  عليك في ذلك كلّه بالإخلاص  وفي هذا كلّه يكون الجهاد للنّفس وترويضها على هذه القيم النّفسيّة المجرّدة ،وكيف يمكن للمسلم الواعي الواقعيّ أن يبلورها ويجسّدها في الواقع العمليّ ؟

 إنّ للإنسان دور فعّال في ذلك قال تعالى :" قد أفلح من زكّاها وقد خاب من دسّاها " ولأنّ النّفس محبّة للتملّك مجبولة عليه، وإن كانت هذه الجبلّة حاثّة على العمل والكسب لكن لا بدّ أن يتجاوز المؤمن ذاته عندما يطلب منه خالقه العطاء والبذل والإنفاق في سبيله "وأنفقوا ممّا  رزقناكم من قبل أن يأتي أحدكم الموت" المنافقون 10  ولكن الله لا يسألنا إلاّ جزءا ممّا رزقنا رغم أنّ الملك لله وحده ورغم انّ الموت آتينا ولن نحمل معنا شيئا إلاّ ما اكتسبنا حتّى لا نكشف عن حقيقتنا التي يعلمها الله :" إن يسألكموها فيحفكم تبخلوا  ويخرج أضغانكم" أي إن يسألكم جميع أموالكم ،ويبالغ

في طلبها ويلحّ عليكم في إنفاقها، يخرج ما في قلوبكم من الشحّ والبخل.وكما هو معلوم فإن الله ســــبحانه لا يحتاج إلى الإنفاق ولا إلى المنفق كما أنه قادر على أن يخلق الجميع أغنياء ، وانما جعل الغنـــــــيّ وجعل الفقير لكي يكون هناك منفق ويتربّى الإنسان تربية روحية عالية يجتاز بواسطتها المحن العديدة والاختبارات الإلهية للنفس الإنسانية..لنفهم أكثر معنى الزّكاة ،وعلى ســـــــــبيل المثال لو كان هناك فقير يحتاج إلى رغيف واحد من الخبز والمنفق لديه مجموعة من الأرغفة وأنفق رغيفاً واحداً يســــمّى إنفاق وللمنفق الأجر والثواب، ولكن هذا العمل لا يربّي

النفس لأن المهمّ هو التربية وهي لا تتحقق إلا بالإنفاق مما يحب الإنســــــان لأن الحبّ الواقعيّ لله، والتعلق بالقيم الأخلاقية والإنســـــــانيّة إنما يثبت من خلال الولاء ونبذ الأنا والتعلق بالخالق دون المخلوق ومســـتلزمات الحياة. فمن يبذل القليل أو الحقير من ماله أو مما لا يحبه لم يبرهن على تعلقه وولائه الروحي لمنزلة الخالق سبحانه.

فإذا اســـــــتطاع الإنسان أن ينفق مما يحب أو الشيء الذي يكون عزيزاً على نفسه حينها تتربى النفس قال سبحانه وتعالى :(ويطعمون الطعام على حبّه مسكيناً ويتيماً وأسيراً) وفي بعض التفاسير أن الضمير في (حبّه) يعود على الطعام فعن الطبرســــي في مجمع البيان قال :( ويطعمون الطعام على حبّه أي على حب الطعام والمعنى يطعمون الطعـــام أشد ما تكون حاجتهم إليه ) وفي الحديث عن أبي سعيد الخدري أن النبي(ص) قال:" ما من مســـلم أطعم مســلماً على جوع إلا أطعمه الله من ثمار الجنة وما من مسلم كسا أخاه على عري إلا كساه الله من خضر الجنة ومن سقى مســـلماً على ضمأ ســقاه الله

من الرحيق قال ابن عباس يطعمون الطعام على شهوتهم له ومحبتهم إياه..)  إلى جانب هذه التّربية الرّوحيّة التي يجب علينا أن نتعاهد بها أنفسنا وأبناءنا لتتحوّل إلى سجيّة  وتصرّف تلقائيّ  بكلّ حبّ وطواعيّة  لابدّ من تنوّع العطاء لتتعدّد الحاجات لذلك قال صلّى الله عليه وسلّم:" من كان له فظل ظهر فليعد به على من لا ظهر له ومن كان له فظل زاد فليعد به على من لا زاد له ..." فكلّ ما زاد على حاجاتنا أولى بنا أن نسدّ به حاجات غيرنا والأعلى من ذلك مرتبة أن نعطي ممّا نحبّ لننال البرّ  مصداقا لقوله تعالى :"لن تنالوا البرّ حتّى تنفقوا ممّا تحبّون " وبالبرّ وبالإخلاص  نتّقي

نارا  تلظّى لا يصلاها إلاّ الأشقى لقوله تعالى :" وسيجنّبها الأتقى الذي يؤتي ماله يتزكّى وما لأحد عنده من نعمة تجزى إلاّ ابتغاء وجه ربّه الأعلى ولسوف يرضى " اللهمّ إنّا نسألك الإخلاص في القول وفي العمل وفي السرّ وفي العلن والحمد لله ربّ العالمين .

                                  الخطبة الثّانية

 

بسم   الله والحمد لله والصّلاة والسّلام على رسول الله وأشهد ألاّ إله إلاّ الله وأشهد أنّ سيّدنا محمّدا رسول الله .

إخوتي في الله :لعلّكم أدركتم المقصد الأسمى للإنفاق في شموليّته وفي فلسفته الإسلاميّة التي تقوم على يقينيّة أنّ الملك لله وحده وأنّه وارث السّماوات والأرض وما فيهنّ وأنّه لو شاء لجعل النّاس كلّهم أغنياء ،وأنّ الإنسان مستخلف فيما رزقه الله وأنّ الإنفاق يشمل جميع أوجه الخير التي تسمّى البرّ  وأنّ من مقاصد الإنفاق تربية النّفس وتزكيتها لتترفّع إلى الدّرجات العلى لذلك فإنّ أفضل الصّدقة صدقة السرّ لقوله صلّى الله عليه وسلّم :" صدقة السرّ تطفئ غضب الربّ " أتدرون لماذا ؟ لأنّه من الصعب على النفس  أن تعطي شيئاً دون أن يعرف بذلك أحد  وفلسفتها أن الآخذ لا

يشعر بالذل أما المعطي فيفقد المدح فإذا كان الإعطاء علنياً وهناك مـن يمدحني لا يجعلني استصعب الإعطاء أمّا في السرّ فمن ذا الذي يمدحني ؟ لم ببق للمعطي إلاّ وجه الله وهذا روح الإخلاص فينال العبد بذلك رضا الرّحمن ويأمن غضبه .

أمرآخر :تزداد هذه الصّدقة قيمة ورفعة عندما تكون لذوي الأرحام لأنّها تزيد هذه الصّلة اتّصالا وليست العبرة بالكثرة فيكفيك الشيء القليل وليست العبرة بغناك لأنّه لا ضامن لبلوغ هذه المرحلة من ناحية ولا ضامن لتصدّقك وأنت غنيّ لأنّ الغنى يطغي ويلهي لذلك عندما سئل صلّى الله عليه وسلّم عن أفضل الصّدقة قال :"  أن تصّدّق وأنت صحيح حريص تأمل الغنى وتخشى الفقر، ولا تمهل حتى إذا بلغت الحلقوم  "وفي حديث آخر:" أن تصدّق وأنت صحيح شحيح" لأنّ فيها مجاهدة للنّفس ومحاربة للشّيطان الذي يعدنا الفقر والله يعدنا فضلا منه ورحمة ، إذن المهمّ في الإنسـان هو ممارسة الفضائل

والتحلّي بالأخلاق الرفيعة وتربية النفس على ذلك بتحمل المشاق والسيطرة عليها وتزكيتها، وألاّ يبخل على الناس . وفي النّهاية أخي المؤمن يا من تقضّي حياتك وأنت تكدّ وتعمل من أجل كسب القوت في الحدّ الأدنى وأنت أخي المؤمن يا من تسعى لمظاعفة ثروتك وكسب المزيد المزيد ...إعلموا جميعا أنّ لنا ربّا يربي الصّدقات ويضاعفها أضعافا لا حدّ لها ولا حصر " والله يضاعف لمن يشاء والله واسع عليم " علينا أن نكون على يقين أنّنا تتعامل مع الرزّاق الذي لا يخلف الميعاد القائل عزّ من قائل :" وما أنفقتم من شيء فهو يخلفه وهو خير الرّازقين "سبأ 39  ومن الأكيد أن منكم من عاش هذا

الآية وتحقّق له وعد الله فلنبادر إلى الإنفاق في أرقى معانيه حتّى نطهّر أنفسنا ونطهّر مجتمعنا ونؤلّف بين قلوبنا وننال الدّرجات العلى في الدّنيا والاخرة

     اللهمّ فلك الحمد حتّى ترضى ولك الحمد على الرّضا ولك الحمد في الأولى والآخرة  اللهم صل وسلم وبارك على عبدك ورسولك نبينا محمد، وارض اللهم عن  الخلفاء الأربعة وعن سائر أصحابك أجمعين، وعن التابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وعنا معهم بعفوك ومنّك وكرمك وإحسانك يا أرحم الراحمين.اللهم أعزّ الإسلام والمسلمين، وأذلّ الشرك والمشركين، ودمّر أعدائك أعداء الدين، وانصر عبادك الموحّدين،في غزّة وفلسطين وفي سائر بلاد المسلمين واحمي حوزة الدين. اللهم انصر دينك وانصر من نصر دينك واجعلنا من أنصار دينك يا رب العالمين. اللهم فرّج همّ المهمومين ونفّس كرب

المكروبين واقض الدين عن المدينين واشف مرضانا ومرضى المسلمين. اللهمّ اجعلنا من عبادك المنفقين في سبيلك باللّيل والنّهار بالسرّ والعلن وبارك لنا فيما أعطيتنا ،ولا تعطنا ما يطغينا ، واهدنا ويسّر الهدى لنا . اللهمّ إنّا نسألك الهدى والتّقى والعفاف والغنى .اللهمّ ألّف بين قلوبنا اجمعين  ووفق ولاة أمرنا لما تحبه وترضاه اللهم وأصلح قلوبهم وأعمالهم يا ذا الجلال والإكرام. ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار.

اللهم اغفر لنا ولآبائنا ولأمهاتنا ولأولادنا ولأزواجنا. ولجميع المسلمين والمسلمات. والمؤمنين والمؤمنات الأحياء منهم والأموات.

اللهم نور على أهل القبور من المسلمين والمسلمات قبورهم اللهم واغفر للأحياء ويسر لهم أمورهم.

عباد الله اسمعوا وأطيعوا وانفقوا خيرا لأنفسكم" "وانفقوا ممّا رزقناكم من قبل أن يأتي احدكم الموت "واذكروا الله الجليل يذكركم واشكروه على نعمه يزدكم ولذكر الله أكبر والله يعلم ما تصنعون. وآخر دعوانا أن الحمد لله ربّ العالمين