كتاب التربية الإسلامية والتنشئة على القيم

خطبة البر طباعة أرسل إلى صديق
الكاتب: خالد التلمودي   

خطبة يوم الجمعة  02ـ04ـ2010 الموافق لـ 16ـ ربيع الثّاني 1431 

جامع الصّبر خزامة الغربيّة     الإمام :خالد التّلمودي

البــرّ

 الحمد لله ربّ العالمين ، الحمد لله البرّ التوّاب العفوّ الغفور ، نستغفره ونتوب إليه ونعوذ به من شرور أنفسنا ومن سيّئات أعمالنا من يهتدي فإنّما يهتدي لنفسه ومن يضلل فإنَما يضلَ عليها ،وأشهد ألاّ إله إلاّ الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد يحيي ويميت وهو على كلّ شيء قدير وأشهد أنّ سيّدنا محمّدا عبده ورسوله أرسله الله بالهدى ودين الحقّ ولو كره المشركون وأصلّي وأسلّم على المبعوث رحمة للعالمين فصلّوا عليه وسلّموا تسليما واتّقوا الله حقّ تقاته ولا تموتنّ إلاّ وأنتم مسلمون .

أمّا بعد إخوة الإيمان تحدّثنا في الخطبة الماضية عن الإنفاق في شموليّته وتبيّن لنا معنى قوله تعالى :" لن تنالوا البرّ حتّى تنفقوا ممّا تحبّون " ولكن ركّزنا على أوجه الإنفاق وتغافلنا عن البرّ الذي هو الغاية القصوى التي يسعى إليها كلّ مسلم عندما ينفق في سبيل الله، لذلك لا بدّ من مزيد بيان هذا المقصد الذي يحقّق السّعادة في الدّارين  فما هو الـــــــــــبرّ ؟

لقد تكفّل القرآن بالإجابة المستفيضة عن هذا السّؤال وكذلك الحديث النبويّ  ومن المفروض أن يكون السّامع في شوق لمعرفة الإجابة ،لا لمجرّد المعرفة ولكن للأخذ بأسباب نيل هذه الدّرجة العليّة. أمّا القرآن ففي قوله تعالى:{ ليس البر أن تولَوا وجوهكم قبل المشرق والمغرب ولكن البر من آمن بالله واليوم الآخر والملائكة والكتاب والنبيين/ وآتى المال على حبه ذوي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل والسائلين وفي الرقاب /وأقام الصلاة وآتى الزكاة/ والموفون بعهدهم إذا عاهدوا والصابرين في البأساء والضراء وحين البأس/ أولئك الذين صدقوا وأولئك هم المتقون } ( البقرة : 177 ) وقد جاءت هذه الآية للردّ على اليهود الذين كانوا يستقبلون المغرب والنّصارى الذين كانوا يستقبلون المشرق ويعتدّون بأنفسهم ويرفضون كلّ مخالف لهم ويقولون:" ما ولاّهم عن قبلتهم التي كانوا عليها " ويأتي الردّ الفصل المبكّت لأباطيلهم ببيان حقيقة البرّ في شموليّته وبأنّ كلّ ملتزم بشروطه هو الصّادق وهو المتّقي لذلك يقول صلّى الله عليه وسلّم : "من عمل بهذه الآية فقد استكمل الايمان " فماذا تطلب منّا هذه الآية لنترقّى في درجات الإيمان لعلّنا نبلغ به حقيقة البرّ  ؟

البرَ لفظ جامع لخصال الخير التي تستهدف مرضاة الله عز وجل والله البرَ:العطوف على عباده بلطفه الذي منَ على السَائلين بحسن عطائه والذي منه كلَ مبرَة وإحسان وقد أشارت الآية إلى هذه الخصال جميعاً بالنسبة للإنسان، تصريحاً أو تلويحاً وهي مع تعدد صورها تنحصر في ثلاث: صدق العقيدة، وحسن المعاشرة، وتهذيب النفس أشير إلى الأولى بالايمان بما ذكر وإلى الثانية بإيتاء المال مصارفه وإلى الثالثة بإقامة الصلاة وما عطف،عليها.
فالبر إيمان بالله وحده، ايماناً لا يرقى اليه شك، ولا يخالطه ريب، وهو ايمان باليوم الآخر، يوم تجزى كل نفس بما كسبت وايمان بالملائكة عبادا مكرمين وايمان بالكتب السماوية المنزلة على أصحاب الرسالات الإلهية بألسنة أقوامهم وايمان بالنبيين صلوات الله عليهم جميعاً ،بلا تفرقة بين أحد منهم.
والبر كذلك انفاق للمال على حبه في مصارفه المشروعة وصاحبه يخشى الفقر ويأمل الغنى ومن مصارفه: المحاويج من ذوي قرابة المنفق واليتامى الذين فقدوا العائل، والمساكين الذين قست عليهم ظروف الحياة والمسافر ابن السبيل الذي تقطعت به أسباب العيش والسائلون الذين ألجأتهم الحاجة إلى ذل السؤال، وفي الرقاب المطالبون ببعض المال لمواليهم حتى يتحرروا من أسر الرق.

والبر كذلك إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة المفروضتين.
ثم تستطرد الآية في ذكر جوانب البر فتقول: (والموفون بعدهم إذا عاهدوا، والصابرين في البأساء والضراء وحين البأس) فمن البر الوفاء بالعهود التي لا تحل حراماً ولا تحرم حلالاً، ومنه الصبر على عنت الحياة والاصطبار حين البأس كفاحاً للعدو في مواطن الحرب. والصّبر على كلّ مصاب أو بليّة.

هذه هي حقيقة البر وخصاله، وصف المولى عز وجل أهل البر بالصدق نظراً لقوة ايمانهم واصالة اعتقادهم، ثم وصفهم بالتقوى نظراً لحسن معاشرتهم مع الخلق، _ومعاملتهم مع الحق

هذا بالنّسبة للقرآن أمّا الحديث فيمثّل المدرسة النبويّة المثلى ،تلامذتها صحابة كرام بررة يسألون عن دينهم لنتعلّم نحن في هذا الزّمن ما يصلح ديننا ودنيانا فعن وابصة بن معبد رضي الله عنه قال : أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : ( جئت تسأل عن البرّ ؟ ) ، قلت : نعم ، فقال : ( استفت قلبك ، البرّ ما اطمأنت إليه النفس واطمأن إليه القلب ، والإثم ما حاك في النفس وتردد في الصدر ، وإن أفتاك المفتون )حديث حسن رُوي في مسندي الإمامين : أحمد بن حنبل ، و الدارمي بإسناد حسن  وعن النواس بن سمعان رضي الله عنه ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( البرّ حسن الخلق ، والإثم ما حاك في نفسك ، وكرهت أن يطلع عليه الناس ) رواه مسلم 

إخوة الإيمان  هل أدركتم الصّلة بين الآية في تفصيلاتها والحديثين في اختصارهما وإجمالهما ؟ يبدو لأوّل وهلة ألاّ صلة بينهما رغم أنّ الموضوع واحد :البـــــرّ ولكن بشيء من التأمّل والتدبّر ندرك مدى التّلازم  بينهما

 ولنعلم أوّلا أنّ عظمة هذا الدين تكمن في تشريعاته الدقيقة التي تنظم حياة الناس وتعالج مشكلاتهم ، ومن طبيعة هذا المنهج الرباني أنه يشتمل على قواعد وأسس تحدد موقف الناس تجاه كل ما هو موجود في الحياة ، فمن جهة : أباح الله للناس الطيبات ، وعرفهم بكل ما هو خير لهم ، وفي المقابل : حرّم عليهم الخبائث ، ونهاهم عن الاقتراب منها ، وجعل لهم من الخير ما يغنيهم عن الحرام .

 وإذا كان الله تعالى قد أمر عباده المؤمنين باتباع الشريعة والتزام أحكامها ، فإن أول هذا الطريق ولبّه : تمييز ما يحبه الله من غيره ، ومعرفة المعيار الدقيق الواضح في ذلك ، وفي ظل هذه الحاجة : أورد الإمام النووي هذين الحديثين الذين اشتملا على تعريف البر والإثم ، وتوضيح علامات كلٍ منهما . 

فأما البر : فهي اللفظة الجامعة التي ينطوي تحتها كل أفعال الخير وخصاله ، وجاء تفسيره في الحديث الأول بأنه حسن الخلق ، وعُبّر عنه في حديث وابصة بأنه ما اطمأنت إليه النفس واطمأن إليه القلب ، وهذا الاختلاف في تفسيره لبيان أنواعه .فالبرّ مع الخَلْق إنما يكون بالإحسان في معاملتهم ، وذلك قوله : ( البرّ حسن الخلق ) ، وحسن الخلق هو بذل الندى، وكف الأذى ، والعفو عن المسيء ، والتواصل معهم بالمعروف ، كما قال ابن عمر رضي الله عنه : " البرّ شيء هيّن : وجه طليق ، وكلام ليّن " .

 وأما البر مع الخالق فهو يشمل جميع أنواع الطاعات الظاهرة والباطنة ، كما  جاء في قوله الله تعالى  الآية   177  البقرة

ثم عرّف النبي صلى الله عليه وسلم الإثم بقوله : ( والإثم ما حاك في نفسك ، وكرهت أن يطلع عليه الناس)فجعل للإثم علامتين:علامة ظاهرة ، وعلامة باطنة

فأما العلامة الباطنة : فهي ما يشعر به المرء من قلق واضطراب في نفسه عند ممارسة هذا الفعل ، وما يحصل له من التردد في ارتكابه ، فهذا دليل على أنه إثم في الغالب .

 وعلامته الظاهرية : أن تكره أن يطّلع على هذا الفعل الأفاضل من الناس ، والصالحون منهم ، بحيث يكون الباعث على هذه الكراهية الدّين كمقياس ثابت للإثم ونقيضه البرّ، لامجرّد الكراهية العادية ، وفي هذا المعنى يقول ابن مسعود رضي الله عنه : " ما رآه المسلمون حسنا فهو عند الله حسن ، وما رأوه سيئا فهو عند الله سيئ " .

 وإرجاع الأمر إلى طمأنينة النفس أو اضطرابها يدل على أن الله سبحانه وتعالى قد فطر عباده على السكون إلى الحق والطمأنينة إليه ، وتلك الحساسية المرهفة والنظرة الدقيقة إنما هي للقلوب المؤمنة التي لم تطمسها ظلمات المعصية ورغبات النفس الأمارة بالسوء . ومن هنا جاء الدّعاء اللهمّ أرنا الحقّ حقّا وارزقنا اتباعه وأرنا الباطل باطلا وجنّبنا اتّباعه  والحمد لله ربّ العالمين .

                                 الخطبة الثّانية

 

بسم الله والحمد لله والصّلاة والسّلام على رسول الله وأشهد ألاّ إله إلاّ الله وأن سيّدنا محمّدا عبده ورسوله .

إخوة الإيمان هل أدركتم معنى البرّ في شموله من خلال تلك الآية العظيمة من سورة البقرة والحديث النبويّ الشّريف الذي يجمل البرَ فيما اطمأنّ إليه القلب وفي حسن الخلق وما ذلك إلاّ نتاج فعليّ  للإيمان بالله وسائر الأركان وإيتاء المال على حبّه "لن تنالوا البرّ حتّى تنفقوا ممّا تحبّون "والإلتزام بالصّلاة  وإيتاء الزّكاة  ولكن قيمة العقيدة وأركان الإسلام  لا بدّ ان تتبلور في السّلوك والمعاملات:  في الصّدق والأمانة والوفاء بالعهود والإلتزام بالعقود والصّبر على ذلك، أي الصّبر على العبادة والثّبات عليها كما الصّبر على البلايا وعلى إذاية النّاس بما اكتسب المؤمن من الترفّع واليقين في الله لدرجة أن أصبح ربّانيّا يرى بنور الله، بالبصيرة لا بالبصر ويعمل لله لا للبشر ،للآخرة لا للدّنيا  فتملؤه السّكينة والطّمأنينة  ويتجلّى ذلك على محيّاه نورا وبشرا ووجها طلقا وحسن خلق  ........هكذا هو الإسلام  في كليّاته  ،لا إكراه .... ولا حرج ....ولا مشقّة... بل رحمة ورفقا وبشرا من لدن الحكيم الخبير الرّحمن الرّحيم  وبمنهج النبيّ الكريم  الرّحمة المهداة البشير النّذير ........

فالحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنّا لنهتدي لولا أن هدانا  الله  والحمد لله الذي جعلنا من المسلمين ومن أمّة هذا النبيّ الكريم اللهمّ صلّ على سيّدنا محمّد (الصّلاة الإبراهيميّة)

اللهم من اعتز بك فلن يذل، ومن اهتدى بك فلن يضل، ومن استكثر بك فلن يقل،ومن استقوى بك فلن يضعف، ومن استغنى بك فلن يفتقر،
ومن استنصر بك فلن يخذل، ومن استعان بك فلن يغلب،
ومن توكل عليك فلن يخيب،ومن جعلك ملاذه فلن يضيع، ومن اعتصم بك فقد هدى إلى صراط مستقيم، اللهم فكن لنا وليا ونصيرا، وكن لنا معينا ومجيرا، إنك كنت بنا بصيرا


اللهم بديع السماوات والأرض، يا ذا الجلال والإكرام، برحمتك يا أرحم
الراحمين يا رب العالمين، نشهد أن لا إله إلا أنت وأن محمدا عبدك ورسولك، وأن الجنة حق، والنار حق، وأن الساعة آتية لا ريب فيها، وأن الله يبعث من في القبور.

اللهمَّ إنا نسألك في صلاتنا ودعائنا بركة تُطهر بها قلوبنا، وتكشف بها كروبنا، وتغفر بها ذنوبنا، وتُصلح بها أمورنا، وتُغني بها فقيرنا، وتُذهب بها شرنا، وتكشف بها همنا وغمنا، وتشفي بها مريضنا، وتقضي بها ديننا، وتجلو بها حزننا، وتجمع بها شملنا، وتُبيّض بها وجوهنا يا أرحم الراحمين. اللهمَّ عليك اتكالنا،فلا تكلنا إلى غيرك طرفة عين وفيما عندك عظمت رغبتنا ورجاءنا، فأقبل توبتنا،وإليك نشكو ضعفنا فارحم ضعفنا،وتجاوز عن سيَئاتنا واغفر خطيئاتنا، واقبل معذرتنا، واجعل لنا من كل خير نصيباً،ومن كل ضيق مخرجا،ومن كل  همَ فرجا وإلى كل خير سبيلاً برحمتك يا أرحم الراحمين اللهمَّ لا هاديَ لمن أضللت، ولا معطيَ لما منعت، ولا مانع لما أعطيت، ولا باسط لما قبضت، ولا مقدم لما أخرت، ولا مؤخر لما قدمت، اللهمَ انصر كل من نصر الدين ووفق رئيسنا زين العابدين للحق واليقين وانصر إخواننا في فلسطين على اليهود الغاصبين  وارحم والدينا ومن علَمنا وعلمناه واهد شباب المسلمين إلى خيرالعمل وخير البر وخير التقوى واهدنا إلى ذلك أجمعين اللهمَ  قد قلت وقولك الحقَ:"ادعوني أستجب لكم " فها أننا ندعوك كما امرتنا فاستجب لنا كما وعدتنا إنك لا تخلف الميعاد وآخر دعوانا أن الحمد لله ربَ العالمين