صفحة الاستقبال منبر الجمعة - خطب جمعية خطبة يوم الجمعة 09ـ04ـ2010 - بر الوالدين

كتاب التربية الإسلامية والتنشئة على القيم

خطبة يوم الجمعة 09ـ04ـ2010 - بر الوالدين طباعة أرسل إلى صديق
الكاتب: خالد التلمودي   

جامع الصّبر خزامة الغربيّة

الإمام :خالد التّلمودي

التَاريخ :09ـ04ـ2010

        23ـربيع الثّاني 1431

البــرّ بالوالدين

 

الحمد لله ربّ العالمين ، الحمد لله الذي أمر ونهى وغفر وعفا لمن تاب واستغفر ، نستغفره ونتوب إليه ونعوذ به من شرور أنفسنا ومن سيّئات أعمالنا من اهتدي فإنّما يهتدي لنفسه ومن ضل فإنَما يضلَ عليها ،وأشهد ألاّ إله إلاّ الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد يحيي ويميت وهو على كلّ شيء قدير، جعل توحيده قرين الإحسان للوالدين، وأشهد أنّ سيّدنا محمّدا عبده ورسوله أرسله الله بالهدى ودين الحقّ ،ومن أحقَ الحق بر الوالدين  وأصلّي وأسلّم على المبعوث رحمة للعالمين فصلّوا عليه وسلّموا تسليما واتّقوا الله حقّ تقاته ولا تموتنّ إلاّ وأنتم مسلمون .

أمابعد. . . 
 أيها المؤمنون اعلموا أن تقوى الله تعالى لا تستقيم لكم حتى تقوموا بما فرض الله عليكم من الواجبات والحقوق وأن تنتهوا عمَا نهاكم عنه تعالى من القطيعة والعقوق.  إخوة الإيمان قد نكون تحدَثنا في موضوع بر الوالدين من قبل أكثر من مرَة  ولكن ما يحصل اليوم في مجتمعنا المسلم من العقوق ومن الجفاء ومن قطيعة الأرحام، وما في محاكمنا من القضايا في إطار العائلة الواحدة  بين الآباء والأبناء ،وما اعتاد عليه أبناؤنا من الفضاضة والغلظة فضلا عن التأفف والتبرَم  وما حرص القرآن والحديث على هذا الموضوع بالذات إلاَ لما فيه من المخاطر والعقوبات كما أن عقوق الوالدين أيها الإخوة من أكبر الكبائر بعد الإشراك بالله، وكيف لا يكون كذلك وقد قرن الله برهما بالتوحيد فقال تعالى: 
وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحساناً  [الإسراء: 23]. وبعد هذا وذاك وبطلب من الحظور رأيت أن أخصص خطبة اليوم للحديث عن بر الوالدين خاصَة وأنه يتصل بخطبة الجمعة الماضية "البر في شموله ". لأنَه يجب أن نعلم أن انتشار العقوق بأنواعه نذير شؤم وعلامة خذلان للأمة، ومن هنا وجب على جميع قنوات التربية والتوعية والإصلاح تنبيه الناس على خطر هذا الأمر، وإظهار هذه الصورة البشعة لمجتمعاتنا بأنها علامة ضياع وعنوان خسارة.ومن موقعي  أسهم بما أمكن بتوفيق من الله لعلَ العاق ينقطع عن عقوقه ولعل البار يزداد برَا ........
أيها المؤمنون إن بر الوالدين من آكد ما أمر الله به عباده كيف لا ؟ وقد قرن الله حقهما بحقه سبحانه وتعالى وشكرهما بشكره جل علاه فقال الله تعالى: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً﴾( ) وقال جل وعلا: ﴿أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ﴾ومما يظهر مكانة بر الوالدين في ديننا الحنيف النصوص النبوية الكثيرة المستفيضة والتي تحث على بر الوالدين وتنهى عن عقوقهما فمن ذلك ما في الصحيحين من حديث ابن مسعود  قال: ((سألتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم : أي العمل أحب إلى الله؟ قال: الصلاة على وقتها، قلت: ثم أي ؟ قال: بر الوالدين، قلت: ثم أي ؟ قال: الجهاد في سبيل الله)). ( ) وفيهما أيضاً من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص قال: جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم يستأذنه في الجهاد فقال: ((أحي والداك؟ قال: نعم قال: ففيهما فجاهد))( ). فهذا الحديث الثاني يبرهن على صحة الحديث الأوَل الذي جعل بر الوالدين قبل مرتبة الجهاد وعنه أيضاً قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :"رضا الرب في رضا الوالد، وسخط الرب في سخط الوالد"هذا الوالد الذي أقسم الله به في كتابه العزيز فقال :"ووالد وما ولد لقد خلقنا الإنسان في كبد "سورة البلد
أيها المؤمنون إلى جانب هذه الآيات والأحاديث التي قد توقض أحاسيس المؤمنين الصَادقين ولكن بشيء من الواقعيَة والرجوع إلى الماضي القريب لا بدَ أن ندرك  فضل والدينا علينا  وإحسانهما إلينا . فلنتذكر أخي المؤمن وأختي المؤمنة رعايتهما لنا حال الصغر وضعف الطفولة، ألم تعلم  أنَ أمك حملتك  في أحشائها تسعة أشهر، وهناً على وهن كما عبَر القرآن  الكريم ،حملتك كرهاً ووضعتك كرهاً. في حين قد تنوء أنت بحمل قفة  من السَوق إلى بيتك :
فكم ليلة باتت بثقلك تشتكي ــــــــــ لها من جواها أنة وزفير
وفي الوضع لو تدري عليك مشقة  ــــــــــ     فكم غصص منها الفؤاد يطير
وكم مرةٍ جاعت وأعطتك قوتها  ـــــــــــ  صفواً وإشفاقاً وأنت صغير

هذه حال أمك، أما أبوك أيها الأخ فتذكر كده وسعيه وتنقله وسفره وتحمله الأخطار والأكدار بحثاً عن كل ما تصلح به معيشتك. وإن كنت ناسياً فلا تنس انشغاله بك وبصلاحك ومستقبلك وهمومك. نعم أيها الإخوة الكرام هذان هما والداك ألا يستحقان منك البر والإحسان والعطف والحنان بلى والله إن ذلك لمن أعظم الحقوق. 

إخوتي الكرام جعلني الله وإيَاكم من الأبرار ...قد يسأل المؤمن ـ وقد عرف ما لوالديه عليه من الحقوق ـ ما حقَهما عليَ ؟ يجيب القرآن الكريم في اختصار شديد  وفي شمول بديع "وبالوالدين إحسانا " قال ابن عباس رضي الله عنهما: يريد البر بهما مع اللطف ولين الجانب، فلا يغلظ لهما في الجواب، لا يحد النظر إليهما، ولا يرفع صوته عليهما، بل يكون بين يديهما مثل العبد بين يدي السيد تذللاً لهما.و قال الهيثمي عند قوله تعالى:  وقل لهما قولاً كريماً  أي اللين اللطيف المشتمل على العطف والاستمالة وموافقة مرادهما وميلهما ومطلوبهما ما أمكن لا سيما عند الكبر،  واخفض لهما جناح الذل من الرحمة  ثم أمر تعالى بعد القول الكريم بأن يخفض لهما جناح الذل من القول، بأن لا يُكلمهما إلا مع الاستكانة والذل والخضوع، وإظهار ذلك لهما، واحتمال ما يصدر منهما، ويريهما أنه في غاية التقصير في حقهما وبرهما.ولا يزال على نحو ذلك حتى ينثلج خاطرهما، ويبرد قلبهما عليه، فينعطفا عليه بالرضا والدعاء، ومن ثم طلب منه بعد ذلك أن يدعو لهما،  وقل رب ارحمهما كما ربياني صغيراً .وهذا الحقَ  قائم في الحياة وحتى بعد الممات بالدعاء الدائم لهما والتصدق عنهما وبر صديقهما  لتكون ذلك الابن البار الذي لا ينقطع أثر عمله الصالح عن أبيه كما في الحديث  ((إن الرجل ليرتفع في الجنة فيقول: أنى لي هذا ؟ فيقال: باستغفار ولدك لك))ومن حقوقهما صلة أهل ودهما فقد روي عن ابن عمر مرفوعاً ((إن أبر البر صلة الرجل أهل ودِّ أبيه( . 
.بهذا أخي المؤمن تنال رضا الخالق وبهذا الرضا تنال الجنة .....في حين أن الخسران والبوار والهلاك لكل عاق  ففي صحيح مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعاً: "رغم أنفه ثم رغم أنفه ثم رغم أنفه من أدرك أبويه عند الكبر أحدهما أو كليهما ثم لم يدخلاه الجنة"إذا فأين يكون مآله؟بل إن سوء المآل وقبح الحال يصيب العاق في الدنيا قبل
الآخرة يقول المصطفي صلي الله عليه و سلم :"كل الذنوب يؤخر الله منها ما يشاء إلا عقوق الوالدين فان الله يعجل به في الدنيا قبل الآخرة "!  وفيما يلي ما ينتظر العاق من العقاب في الدنيا  والآخرة:

في الدنيا:1.   يضيَّق عليه في رزقه وإن وسِّع عليه ،فذلك من باب الاستدراج.... 2 لا يُنسأ له في أجله كما ينسأ للبار لوالديه والواصل لرحمه.3.  لا يُرفع له عمل يوم الخميس ليلة الجمعة.4.  لا تفتح أبواب السماء لعمله.5.  يبغضه الله...6يبغضه أهله وجيرانه.7.  يخشى عليه من ميتة السوء.8.  يلعنه الله وملائكته والمؤمنون.9.  لا يستجاب دعاؤه.10.  تعجل له العقوبة في الدنيا مع ما يدخر له يوم القيامة.11.  يعقه أبناؤه وأحفاده." برَوا آباءكم تبركم أبناؤكم "

ب. في الآخرة:1.  لا يدخل الجنة .2. وإن دخل الجنة  لا ينظر الله إليه. قال صلى الله عليه وسلم: "ثلاثة لا ينظر الله عز وجل إليهم يوم القيامة: العاق لوالديه، والمرأة المترجلة، والديوث"، وفي رواية: "لا يدخل الجنة منان، ولا عاق، ولا مدمن خمر".

إخوة الإيمان أبعد هذا الترهيب  من يجرؤ على عقوق والديه؟؟؟؟ ولو بالأدنى بـ"أف "ولو بالنظرة شزرا إن كان قد نهانا عنها صلى الله عليه وسلم لعامة المسلمين فماذا عن والدينا ، وإن كانت دليلا على بلوغ درجات الإثم فماذا لمن ملأنا إحسانا وعطفا وحنانا وما جزاء الإحسان إلا الإحسان . اللهم إنا نسألك أن تعيننا جميعاً على بر والدينا، اللهم قد قصرنا في ذلك وأخطأنا في حقهما، اللهم فاغفر لنا ما قدمنا وما أخرنا، وما أسرفنا وما أعلنا، واملأ قلبيهما بمحبتنا، وألسنتهما بالدعاء لنا، يا ذا الجلال والإكرام.والحمد لله رب العالمين.