صفحة الاستقبال منبر الجمعة - خطب جمعية خطبة يوم الجمعة : 30 ـ 04 ـ 2010 - العمل في الإسلام

كتاب التربية الإسلامية والتنشئة على القيم

خطبة يوم الجمعة : 30 ـ 04 ـ 2010 - العمل في الإسلام طباعة أرسل إلى صديق
الكاتب: خالد التلمودي   

جامع الصّبر بغزامة الغربيّة                                                                         التّاريخ : 30 ـ 04 ـ 2010

الإمام : خالد التّلمودي                                                                               15 ت جمادي الأولى 1430 

                       العمل في الإسلام

 

                       الحمد لله نحمده ، ونستعينه ، ونستغفره ، ونعوذ به من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا ، من يهده الله فلا مُضل له ، ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، إقراراً بربوبيته ، وإرغاماً لمن جحد به وكفر ، وأشهد أن سيدنا محمداً صلى الله عليه وسلم رسول الله ، سيد الخلق والبشر ، ما اتصلت عين بنظر ، أو سمعت أذن بخبر ، اللهم صلِ وسلم ، وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه ، وعلى ذريته ومن والاه ، ومن تبعه إلى يوم الدين ، اللهم علمنا ما ينفعنا ، وانفعنا بما علمتنا ، وزدنا علماً ، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ، و اجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين ،

عباد الله اتّقوا الله حقّ تقاته ولا تموتنّ إلاّ وأنتم مسلمون واعلموا أنّ هذه الدّنيا إلى زوال وأنّه لن ينفعنا بعدها إلاّ عملنا الصّالح وقلبنا السّليم .

موضوع خطبتنا اليوم يتعلّق بالعمل ، العمل الذي به نبني ونصنع ونعمّر ونزرع  ونعلّم وننفع ، العمل الذي به نسعد و عليه نؤجر وبه نرتقي ونأمل  وبه نعزّ ولا نذلّ  لأنّ النبيّ الأكرم قد علّمنا أنّ اليد العليا خير من اليد السّفلى التي تذلّ  وتريق ماء الوجه وتسبّب التخلّف والتّبعيّة ..............ولكن ألم يقل المولى تبارك وتعالى :" وما من دابّة في الأرض إلاّ على الله رزقها "هود6 فلماذا السّعي والجهد والكدّ والحال أنّ الله قد تكفّل برزق الخلق جميعا ؟؟؟؟

سؤال آخر يثير إشكالا: كيف وقد تعهّد الله بالرّزق للجميع والحال أنّنا نعيش اليوم الفقر والمجاعة والموت اليومي بسبب الجوع ؟؟؟؟؟ لقد تكفّل القرآن بالإجابة :" هو الذي جعل لكم الأرض ذلولا فامشوا في مناكبها وكلوا من رزقه وإليه النّشور " الملك 15 فأرض الله واسعة ،طيّعة ،ذلولة ،مليئة بالخيرات والثّروات والمعادن وليس عليك،أيّها الإنسان ،ويا أيّها المخلوق إلاّ السّعي في أنحائها ولا تنس أن ّ هذا الرّزق هو رزق الله وأنّك مالك مؤقّت له ، مستخلف فيه مأمور بحسن التصرّف فيه ، واعلم أنّ إلى ربّك الرّجعى وإليه المنتهى وإليه النّشور.... لذلك لا ينال رزق الله جل جلاله ، أو لا ينال الرزق الذي ضمنه الله عز وجل إلا بسعي وعمل ، قال تعالى :"وقل اعملوا " التوبة كما أنّ الحديث الشريف يؤكّد ويوضّح هذا المعنى ،عن عمر رضي الله عنه قال: سمعت رسول اله صلي الله عليه وسلم يقول: (( لو إنكم تتوكلون على الله حقّ توكّله لرزقكم كما يرزق الطير، تغدوا خماصا وتروح بطانا) )رواه الترمذي، وقال: حديث حسن ،   لذلك أوسع شريحة من الفقراء هي فقراء الكسل ،هذا الفقر  صاحبه مذموم فهو فقر سببه تعطيل القدرات والإمكانات التي وهبها الله للإنسان،ويليه  فقر عدم الإتقان في العمل،وفقرالتأجيل والتّسويف وإخلاف المواعيد والكذب والمراوغة والغشّ، كذلك فقر الخلود إلى الراحة،في ذات العمل بأن يعمل عمل عشر دقائق في ساعة بأكملها ، وفقرالعجز الكلّى عن العمل كذلك فقر كراهية العمل ، هذه أشياء تسبّب الفقر .

إخوة الإيمان ، كما أعطانا النبيّ الأكرم  أنموذج السّعي للرّزق: الدّواب، يعطينا القرآن أنموذج العمل قمم البشر: الأنبياء عليهم السّلام فقد كانوا يأكلون الطعام ، لأنهم بشر ، لأنهم مفتقرون في وجودهم إلى تناول الطعام ، ومن أجل ذلك يمشون في الأسواق ، ومفتقرون إلى ثمن الطعام ، وثمن الطعام يحصل بالسعي والكسب المشروع قال تعالى :" وما أرسلنا قبلك من المرسلين إلاّ إنّهم ليأكلون الطّعام ويمشون في الأسواق " الفرقان 20    فلماذا  هذا التّحديد بالمشي في الأسواق ؟ لأنّ تسعة أعشار الرّزق في  التّجارة ،التي تنمّي كلّ صناعة ولأنّ السّوق هو المجال العملي الذي يمتحن فيه الإنسان ، يصدق أو يكذب ، يتقن أو يهمل ، ينصح أو يغش ،وفيه ينصب الشّيطان رايته ليدعو إلى الفجور وإلى المعاصي بأصنافها ويلهي بالتّالي عن ذكر الله، لذلك ندبنا صلّى الله عليه وسلّم إلى دعاء السّوق وأغرانا بعظيم أجره فلنذكّر به بعضنا بعضا عصمة من الشّيطان قال الرسول صلى الله عليه وسلم : « من دخل السوق فقال: "لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، له الملك وله الحمد يحيي ويميت وهو حي لا يموت بيده الخير وهو على كل شيء قدير" كتب الله له ألف ألف حسنة ومحا عنه ألف ألف سيئة ورفع له ألف ألف درجة  "صدق رسول صلّى الله عليه وسلّم.
 أيّها المؤمنون إنّ علة وجودنا في الدنيا الامتحان، والله عز وجل خلق فينا حاجة إلى الطعام والشراب، وحاجة إلى الزواج، ومن أجل هاتين الحاجتين الأساسيتين نتحرك، وفي أثناء التحرك نمتحن .ولا بدّ أن نكون على يقين أيها الإخوة الكرام أنّ طلب الحلال فريضة على كل مسلم ،  بعد الفريضة ، ولن يكون ذلك إلاّ بالعمل المشروع فالعمل المشروع إذا فريضة والدّليل قوله صلّى الله عليه وسلّم في سياق الحديث :"
يعمل بيديه وينفع نفسه ويتصدّق " وهذا العمل بهذا المقصد وهذه المنطلقات يتحوّل إلى عبادة فحرفتك التي تحترفها ، ومهنتك التي تمتهنها ، ووظيفتك التي تعيش منها إن كانت في الأصل مشروعة ، وسلكت بها الطرق المشروعة ، وابتغيت منها كفاية نفسك وأهلك وخدمة المسلمين والناس عامة ، وما شغلتك عن واجب ديني ، ولا عن فريضة ، ولا عن طلب علم ، ولا عن عمل صالح انقلبت الحرفة إلى عبادة ، فأنت في دكانك تعبد الله ، وأنت في عيادتك تعبد الله ، وأنت في مكتبك الهندسي تعبد الله ، وأن في صفك تعلّم تعبد الله ، وأنت في حقلك تزرعه لخدمة الناس تعبد الله ، بل إنّ عادات المؤمن تتحوّل إلى عبادات ، في حين أنّ عبادات المنافق سيئات ، فطلبُ الحلال واجب على كل مسلم ، وطلبُ الحلال فريضة بعد الفريضة .

لكن لحكمة بالغة جعل كسب الحلال صعباً ، وجعل كسب الحرام سهلاً ، لأنه لو كان كسب الحلال سهلاً لأقبل الناس على الحلال لا خوفاً من الله ، ولا طمعاً في الجنة ، ولكن لأنه سهل ، لكن الحلال يحتاج إلى جهد ، فشتّان بين الذي يعمل السّاعات الطّوال في اليوم الواحد في الأعمال الشّاقة لينال أجرة يوم ويمسي كالاّ من عمله وبين الذي يتاجر في الحرام أو يغشّ ليكسب المال الوفير في لحظات وقد ورد في الأثر :"من أمسى كالاّ من عمل يده أمسى مغفورا له " لأن كسب الحلال أصل في الورع .

اللهمّ أغننا بحلالك عن حرامك وبفضلك عمّن سواك اللّهمّ أرنا الحقّ حقّا وارزقنا اتّباعه وأرنا الباطل باطلا وجنّبنا اتّباعه  والحمد لله ربّ العالمين

 

                    الخطبة الثّانية

بسم الله والحمد لله والصّلاة والسّلام على رسول الله وأشهد ألاّ إله إلاّ الله وأشهد أنّ سيّدنا ومعلّمنا رسول الله صلّى الله عليه وسلّم

أمّا بعد إخوتي في الله، إنّ الإنسان المسلم يفترض فيه أن تكون شخصيته إيجابية، مقبلة على الحياة، متفاعلة معها، ولأن الإنسان المسلم مطالب باستيفاء شروط الخلافة في الأرض والسعي في مناكبها عبادةً لله، واعماراً للأرض، واستفادة مما فيها من ثروات وخيرات لا يصل إليها إلا بالعمل والعمل الجاد. لذلك كانت مطالبة الرسول صلى الله عليه وسلم أن يتقن الإنسان عمله: ((إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملاً أن يتقنه)). فالإتقان سمة أساسية في الشخصية المسلمة يربيها الإسلام فيه منذ أن يدخل فيه، وهي التي تحدث التغيير في سلوكه ونشاطه، فالمسلم مطالب بالإتقان في كل عمل تعبدي أو سلوكي أو معاشي؛ لأن كل عمل يقوم به المسلم بنيّة العبادة هو عمل مقبول عند الله يُجازى عليه سواء كان عمل دنيا أم آخرة. قال تعالى: (قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين لا شريك له وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين)).[الأنعام:162-163].وتتمثل عملية الإتقان في تعلُّم المسلم للصلاة وأدائها بأركانها وشروطها التي تدرّب المسلم على الإتقان المادي الظاهري، بل كذلك على الإتقان الداخلي النفسي المتمثل في مراقبة الله عز وجل والخوف منه،فهل عرفتم لماذا يأمرنا النبيّ الأكرم أن نعلّم أبنائنا الصّلاة لسبع سنين ؟  فهل نحن نربي الآن في مجتمعنا المسلم الشخصية المسلمة التي تهتم بإتقان أمور الحياة كلها؟ فردية أو جماعية؟هل نربّيهم على تمثل هذه القيم والمثل؟ وإلاّ فما قيمة الشعائر والوسائل التعبدية التي لا تغير في سلوك الإنسان ونمط حياته ووسائل إنتاجه؟إننا نفتقد التربية الأسرية والمدرسية والاجتماعية التي تجعل عمل الإتقان في حياتنا مهارة داخلية تعبر عن قوة الشخصية التي تكسب الإنسان الاتزان والثقة والاطمئنان والتفرد إلى جانب اكتساب المهارة المادية والحركية.
إننا مطالبون بترسيخ هذه القيمة التربوية الحياتية في واقعنا وسلوكنا وفي أخلاقنا ،وفي مواعيدنا والتزاماتنا ، وفي مهنتنا ، وفي بيوتنا ؛ لأنها تمثل معيار سلامة الفرد وقوة شخصيته وسمة التغيير الحقيقي فيه، كما أننا مطالبون ببذل الجهد كله في إتقان كل عمل في الحياة يطلب منا ضمن واجباتنا الحياتية أو التعبدية.
واعلموا يقينا أنّ عادة الإتقان تكسب الأمة المسلمة الإخلاص في العمل لارتباطه بالمراقبة الداخلية، كما أنها تجرد العمل من مظاهر النفاق والرياء، فكثير من الناس يتقن عمله ويجوّده إن كان مراقباً من رئيس له، أو قصد به تحقيق غايات له أو سعى إلى السمعة والشهرة لأنه يفتقد المراقبة الداخلية التي تجعله يؤدي عمله بإتقان في كل الحالات ،لذلك فإنّ أرقى ما يصل إليه المؤمن في عمله في مفهومه الشّامل الإخلاص قال تعالى :"
وما أمروا إلاّ ليعبدوا الله مخلصين له الدّين "

اللهمّ إنّا نسألك الإخلاص في القول وفي العمل في السرّ وفي العلن ،،،،،

عباد الله إنّكم في يوم عظيم، الدّعاء فيه مستجاب ونحن في ضيافة الرّحمن في بيت أذن الله أن يرفع ويذكر فيه اسمه فلنتوجّه إلى العليّ القدير في خضوع وإنابة موقنين  بالإجابة : اللهمّ لك الحمد كما ينبغي لجلال وجهك وعظيم سلطانك ، لك الحمد حتّى ترضى ولك الحمد على الرّضا ولك الحمد في الأولى والآخرة ،

اللهمّ صلّ على سيّدنا محمّد ............... اللهم لا تجعل بيننا وبينك في رزقنا أحداً سواك ، واجعلنا أغنى خلقك بك ، وأفقر عبادك إليك ، وهب لنا غنىً لا يطغينا ، وصحة لا تلهينا ، وأغننا عمن أغنيته عنا ، واجعل آخر كلامنا شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله ، وتوفنا وأنت راضٍ عنا غير غضبان ، واجعلنا في موقف القيامة من الذين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون برحمتك يا أرحم الراحمين يا ربّ العالمين يا قويّ يا متين. اللهم إنا نسألك إخبات المخبتين وإخلاص المؤمنين ومرافقة الأبرار، واستحقاق حقائق الإيمان والغنيمة من كل بر ، والسلامة من كل إثم ووجوب رحمتك وعزائم مغفرتك ، والفوز بالجنة والنجاة من النار .

اللهم لا تجعل لنا ذنباً إلا غفرته ولا هماً إلا فرجته ، ولا دَيناً إلا قضيته ولا مريضاً إلا شفيته ، ولا عدواً إلا كفيته ، ولا غائباً إلا رددته ، ولا عاصياً إلا عصمته ، ولا فاسداً إلا أصلحته ، ولا ميتاً إلا رحمته ، ولا عيباً إلا سترته ، ولا عسيراً إلا يسرته ، ولا حاجة من حوائج الدنيا والآخرة لك فيها رضاً ، ولنا فيها صلاح إلا أعنتنا على قضائها في يسر منك وعافية برحمتك يا أرحم الراحمين.

اللهمّ إنّا نعوذ بك من درك الشّقاء ومن شماتة الأعداء ومن شدّة البلاء ، اللهمّ إنّا نعوذ بك من علم لا ينفع ومن عمل لا يرفع ومن دعاء لا يسمع ومن قلب لا يخشع ومن عين لا تدمع ،اللهمّ إنّا نعوذ بك من الموت وكربته ومن القبر وظلمته ومن يوم القيامة ورعته ومن الصّراط وزلّته ، اللهمّ يا مؤمن أمنّا من ذلك كلّه فإنّه لا حول لنا ولا قوّة إلاّ بك واجعلنا من المغفور لهم غير المغضوب عليهم ولا الضّالين  وأسكنّا في جنّة الخلد أجمعين .

اللهمّ انصر عبادك الًّصالحين نصرا عزيزا على أعداء الدّين وكن لرئيسنا خير مرشد ومعين للحقّ واليقين وجاز المحسنين والمتصدّقين وآخر دعوانا أن الحمد لله ربّ العالمين