صفحة الاستقبال منبر الجمعة - خطب جمعية خطبة يوم الجمعة 07 ـ 05 ـ 2010 - أفضل الأعمال إلى الله

كتاب التربية الإسلامية والتنشئة على القيم

خطبة يوم الجمعة 07 ـ 05 ـ 2010 - أفضل الأعمال إلى الله طباعة أرسل إلى صديق
الكاتب: khaled   

جامع الصّبر بخزامة الغربيّة                                                                         التّاريخ : 07 ـ 05 ـ 2010

الإمام : خالد التّلمودي                                                                               15 ـ جمادي الأول ـ1431 

                       أحبّ الأعمال إلى الله

 

      الحمد لله نحمده ، ونستعينه ، ونستغفره ،ونتوب إليه ، ونعوذ به من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا ، من يهده الله فلا مُضل له ، ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، له الملك وله الحمد يحيي ويميت وهو حيّ لا يموت ، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله ، سيد الخلق والبشر ، ما اتصلت عين بنظر ، أو سمعت أذن بخبر ، اللهم صلِ وسلم ، وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه ، وعلى ذريته ومن والاه ، ومن تبعه إلى يوم الدين ، اللهمّ  و اجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين ،    عباد الله اتّقوا الله حقّ تقاته ولا تموتنّ إلاّ وأنتم مسلمون واعلموا أنّنا إلى ربّنا راجعون وعلى أعمالنا محاسبون فإن خيرا فخير وإن شرّا فلا نلومنّ إلاّ أنفسنا .

أمّا بعد ؛ أيّها المؤمنون أدركنا في الخطبة الماضية قيمة العمل في الإسلام وكيف يمكن أن يتحوّل إلى عبادة ،فما يمكن أن نخلص إليه :أن المسلم لا يمكن بحال أن يخرج من الفئات الثّلاثة التّالية :

1ـ أن يسلم النّاس من لسانه ويده كما جاء في الحديث ،فلا يؤذي أحدا، بمعنى آخر أن يمسك عن الشرّ وله في ذلك أجر جزيل لأنّه قاوم نزوات نفسه ونهى النّفس عن السّوء وإذاية خلق الله ، حتّى بالسّؤال المذلّ .

2ـ أن ينفع نفسه ويستغني عن غيره ويسدّ حاجته وحاجة من يعول وان يتحلّى بالأخلاق الفاضلة والقيم النبيلة كالصّدق والأمانة والإخلاص والوفاء بالعهد ...وأن يحبّ لأخيه ما يحبّ لنفسه وأن لا يبيت شبعان وجاره جائع .

3ـ أمّا النّوع الثّالث فهو الأرقى والأنقى والأتقى ،إنّه الذي يؤثر على نفسه ولو كانت به خصاصة ،إنّه الذي يجوع ليأكل الغير ، ويشقى ليرتاح الغير ، ويقضّ مضجعه ألم الغير ومعاناة الغير، إنّه المسلم الذي سخّره الله في خدمة الغير،لأنّه امتلأ قلبه بنور الله فكان كالمشكاة التي فيها مصباح تحترق من الدّاخل لتضيء للغير بالخير والنّصح والعطاء بلا حدود لأنّ المدد  الربّانيّ لا ينضب بل يزداد عطاء وإشعاعا كلّما أعطى :" فأمّا من أعطى واتّقى وصدّق بالحسنى فسنيسّره لليسرى " فيجد من لذّة التّقوى والعطاء ما يدعوه إلى المزيد لأنّها لذّة  لا تملأ البطون ،ولا الأكياس ،وليس فيها عرض زائل من متاع الدّنيا الذي ، ينغّص على النّفس صفاءها التي قد أفلح من زكّاها ،أو يشوّش العقل المنير بالمعاصي والذّنوب ، أو يدنّس الجسد بالأمراض والعلل ،  هذا المسلم ، في هذه المرتبة العليّة يصبح  ينظر بنور الله ،أي يصبح إنسانا ربّانيّا  لأنّه قد كشفت له الحجب بطاعته للمولى تبارك وتعالى فبلغ درجة الإحسان وأدرك حقيقة الدّنيا الدّنيئة  فلم  يجعلها أكبر همّه ولا مبلغ علمه وأدرك حقيقة الآخرة وسعى لها سعيها  ونظر إلى العصاة نظرة إشفاق فعمل على دعوتهم إلى الحقّ بالتي هي أحسن ،ونظر إلى  الظّلمة والجبابرة نظرة رحمة ودعا لهم بالهداية اقتداء بنبيّ الهدى والرّحمة الذي قال :" اللهمّ اغفر لقومي فإنّهم لا يعلمون " .

أخي المسلم ،أختي المسلمة ،أين تصنّف نفسك من بين هؤلاء الثّلاثة ؟ وهل أنت عاقد العزم على الترقّي في هذه الدّرجات ؟ لتنال أرقى الدّرجات لتكون من الذين يكدحون إلى الله كدحا بحيث يكون  يومهم خير من أمسهم وغدهم خير من يومهم ؟ وما هي الأعمال التي نحن مطالبون بالقيام بها  حتّى ننال هذه الدّرجة العليّة ؟

فلنعلم أوّلا أنّ أحب الناس إلى الله تعالى أنفعهم للناس وأنّ  قضاء الحوائج واصطناع المعروف باب واسع يشمل كل الأمور المعنوية والحسية التي ندب الإسلام عليها وحثَّ المؤمنين على البذل والتضحية فيها لما فيه من تقويةٍ لروابط الأخوة وتنمية للعلاقات البشرية ،  قال صلى الله عليه وسلم :" أحب الناس إلى الله أنفعهم للناس ، وأحب الأعمال إلى الله عز وجل سرور يدخله على مسلم ، أو يكشف عنه كربه أو يقضي عنه ديناً أو يطرد عنه جوعاً ، ولأن أمشي مع أخ في حاجه أحب إليَّ من أن أعتكف في هذا المسجد - مسجد المدينة - شهراً ومن كف غضبه ستر الله عورته ، ومن كتم غيظه ولو شاء أن يمضيه أمضاه ، ملأ الله قلبه رجاءً يوم القيامة ومن مشى مع أخيه في حاجة حتى تهيأ له أثبت الله قدمه يوم تزول الأقدام .. " صححه الألباني   لقد أشار الحديث  إلى منزلة عظيمة جدا، ودرجة عالية رفيعة، ذلك أن محبة الله للعبد شيء عظيم، فإن الله إذا أحب عبدا أحبه أهل السماء والأرض، وإن الله إذا أحب عبدا لا يعذبه، كما في الحديث عن النبي : (إن الله تعالى إذا أحب عبدا نادى جبريل فقال: يا جبريل إني أحب فلانا فأحبه، فيحبه جبريل، فينادي جبريل في أهل السماء: إن الله يحب فلانا فأحبوه، فيحبه أهل السماء، ثم يوضع له القبول في الأرض-" وفي صحيح مسلم  عن أبي هريرة رضي الله عنه قال:" قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:  من نفَّس عن مؤمن كربة نفَّس الله عنه كربة من كرب يوم القيامة، ومن يسّر على معسر يسر الله عليه في الدنيا والآخرة والله في عون العبد مادام العبد في عون أخيه .."ومن المعلوم أن كرب الدنيا كلها بالنسبة لكرب الآخرة لا شيء، فإن كرب الآخرة شيء عظيم،فعليك أيها المسلم القادر أن تسعى لإزالة ما يحل بالمسلمين من النائبات والمصائب والكرب، فمن ابتلي بمسغبة بذلت له من مالك، أو حثثت الأغنياء على التصدق عليه ومعونته، ومن حاق به ظلم ظالم رددت عنه الظلم ما وجدت إلى ذلك سبيلا،ومن كان عاطلا عن العمل حرصت على تشغيله ومن كان مهموما فرّجت همّه بإدخال السّرور على قلبه فقد قال صلى الله عليه وسلم(أفضل الأعمال إدخال السرور على المؤمن كسوت عورته أو أشبعت جوعته أو قضيت له حاجه) وبالجملة فأنت أيها المسلم مكلف شرعا أن تسعى جاهدا لإزالة النائبات أو تخفيفها عن إخوانك المسلمين، والله سبحانه يعدك على ذلك أن يدفع عنك كرب يوم الدين. 
واعلم أخي المؤمن أنّ الله قد يبتليك بمن يسألك خدمة أو حاجة أو لقمة ليختبر مدى كرمك وعطائك فأنت عندما تعطي فعطاؤك لله وعندما تطعم فكأنّك تطعم الله وهكذا..... ففي الحديث أنّ النبيّ صلّى الله عليه وسلّم  قال: (يقول الله تعالى يوم القيامة: يا ابن آدم استطعمتك فلم تطعمني! فيقول: يا رب كيف أطعمك وأنت رب العالمين ؟! فيقول عز وجل: استطعمك عبدي فلان فلم تطعمه، أما علمت أنك لو أطعمته لوجدت ذلك عندي؟" ولكن من النّاس من لا يملك القدرة على العطاء لقلّة ذات اليد، ولكنّه يملك القدرة على الوساطة والدّلالة على الخير وهذا ما يسمّى بالشّفاعة قال تعالى :{ مَّن يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَّهُ نَصِيبٌ مِّنْهَا } قال صلى الله عليه وسلم: "اشفعوا تؤجروا ويقضي الله على لسان نبيه ما أحب " قال ابن عباس: "إن لله عباداً يستريح الناس إليهم في قضاء حوائجهم وإدخال السرور عليهم أولئك هم الآمنون من عذاب يوم القيامة "والدّالّ على الخير كفاعله سواء بسواء إذ لولاه لما تمّ الخير".اللهمّ اجعلنا ممّن سخّرتهم في خدمة عبادك وآمنّا من عذاب يوم القيامة وأدخلنا الجنّة مع الأبرار .آمين آمين والحمد لله ربّ العالمين .

                                  الخطبة الثّانية

بسم الله والحمد لله والصّلاة والسّلام على رسول الله وأشهد ألاّ إله إلاّ الله وأشهد أنّ سيّدنا محمّدا رسول الله .

أمّا بعد إخوتي الكرام ،تعلمون أنّ أرقى ما يسعى إليه المؤمن هو الجنّة ،والجنّة هي سلعة الله ،وسلعة الله غالية ،لا تنال بالرّغائب  ولا بالأماني ولا بالتّسويف ولا بمجرّد "الإيمان في القلب " دون العمل ...بل بالسّعي ،والسّعي الدّؤوب والكدّ والجدّ  والمثابرة والعرق والصّبر والمصابرة "فإذا فرغت فانصب وإلى ربّك فارغب "  "يا أيّها الإنسان إنّك كادح إلى ربّك كدحا فملاقيه " وبالتّسابق والترقّي "وسارعوا إلى مغفرة من ربّكم وجنّة عرضها السّماوات والأرض أعدّت للمتّقين الذين ينفقون في السرّاء والضرّاء والكاظمين الغيظ والعافين عن النّاس والله يحبّ المحسنين ...."آل عمران 133 [ عودوا لهذه الآية لتدركوا بقيّة ما على المتّقين لنيل هذه الجنّة ] إنّه بذل الوسع واستفراغ الطّاقة التي تولّد طاقة أخرى ترتقي بك إلى أعلى علّيين  لذلك يدعوك الحبيب المصطفى إذا ما طلبت الجنّة أن تطلب الفردوس الأعلى لتتعلّق همّتك بأرقى الدّرجات وليكون سعيك على قدر ما تسعى إليه قال المتنبّي : على قدر أهل العزم تأتي العزائم       وتأتي على قدر الكرام المكــارم

                        وتعظم في عين الصّغير صغارها     وتصغر في عين العظيم العظـائم

واعلموا أيضا أنّ الجنّة درجات والدّليل : عن ‏ ‏عبادة بن الصامت رضي الله عنه ‏أن رسول الله ‏‏صلى الله عليه وسلم ‏قال { ‏في الجنة مائة درجة ما بين كل درجتين كما بين الأرض والسماء والفردوس أعلاها درجة ومنها تفجر أنهار الجنة الأربعة ومن فوقها يكون العرش فإذا سألتم الله فسلوه الفردوس } رواه الترمذي

عباد الله فلنتوجّه إلى العليّ القدير بيقين يجمع بين الخوف والرّجاء في خضوع وإنابة ،طالبين العفو والمغفرة والهدى والتّقى وأن يستحضر كلّ منّا حاجته عند ربّه  اللهمّ لك الحمد كما ينبغي لجلال وجهك وعظيم سلطانك ،لك الحمد حتّى ترضى ولك الحمد على الرّضا ولك الحمد في الأولى والآخرة ،اللهمّ صلّ وسلّم وبارك على حبيبك المصطفى ورسولك المجتبى وشفيعنا خير الورى ،  اللهمّ إنّا نسألك الفردوس الأعلى من الجنّة ، اللهمّ إنّا نسألك أن توفّقنا إلى كلّ عمل يقرّبنا إليك ترضى به عنّا ،اللهمّ إنّا نسألك الهدى والتّقى والعفاف والغنى ..اللهمّ إنّا نسألك  أن تحبب إلينا الإيمان وتزينه في قلوبنا وتكره إلينا الكفر والفسوق والعصيان.. اللهم اهدنا لأحسن الأخلاق فإنه لا يهدي لأحسنها إلا أنت، واصرف عنا سيئها فإنه لا يصرف عنا سيئها إلا أنت ..اللهم آت نفوسنا تقواها، وزكها أنت خير من زكاها، أنت وليها ومولاها . ..اللهمّ إنّا نسألك الإخلاص في القول والعمل ربّنا اغفرلنا ولأخواننا الذين سبقونا بالإيمان ولا تجعل في قلوبنا غلاّ للذين آمنوا ربّنا إنّك غفور رحيم . اللهمّ إنّا نسألك من الخير كلّه عاجله وآجله ونستعيذ بك من الشرّ كلّه عاجله وآجله ونسألك الجنّة وما قرّب إليها من قول أو عمل ونعوذ بك من النّار وما قرّب إليها من قول أو عمل اللهمّ  لا تجعل لنا في مقامنا هذا ذنبا إلاّ غفرته ولا همّا إلاّ فرّجته ولا دينا إلاّ قضيته ولا مريضا إلاّ شفيته  ولا ضالاّ إلاّ هديته ولا مظلوما إلاّ أنصفته  اللهمّ انصر أهلنا في فلسطين المظلومين المحاصرين بشرذمة اليهود الغاصبين اللهمّ احم القدس وأهلها بقوّة منك وتمكين ووفّق رئيسنا زين العابدين إلى الحقّ واليقين واحفظ بلدنا وسائر بلاد المسلمين من كلّ بلاء ومن كلّ وباء  ومن الغلاء ومن كيد الأعداء فإنّك تقدر ولا نقدر وأنت خير الحافظين ،اللهمّ اهد شباب المسلمين إلى الصّراط المستقيم ،اللهمّ ارحم موتانا واجعل قبورهم روضة من رياض الجنّة ، وألحقهم بالصّالحين واكتبنا معهم في جنّات النّعيم وأحسن لكلّ المحسنين .

وآخر دعوانا أن الحمد لله ربّ العالمين