صفحة الاستقبال منبر الجمعة - خطب جمعية خطبة يوم الجمعة 02 ـ جويلية ـ2010 - ماهيّة النّجاح

كتاب التربية الإسلامية والتنشئة على القيم

خطبة يوم الجمعة 02 ـ جويلية ـ2010 - ماهيّة النّجاح طباعة أرسل إلى صديق
الكاتب: خالد التلمودي   

خطبة الجمعة بجامع الصّبر    التّاريخ  : 19   رجب  1431    02 ـ جويلية  ـ2010

الإمام : خالد التّلمودي             

ماهيّة النّجاح

 الحمد لله ربّ العالمين ، نحمده تعالى  ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه  ونعوذ به من شرور أنفسنا ومن سيّئات أعمالنا  ، ونستغفره من كلّ الذّنوب والخطايا فإنّه لا يغفر الذّنوب إلاّ هو . نرجو رحمته ونخشى عذابه . وأشهد ألاّ إله إلاّ الله وحده لا شريك له ،مقلّب القلوب وساتر العيوب ، وأشهد أنّ سيّدنا محمّدا عبده ورسوله  ،أرسله الله شاهدا ومبشّرا ونذيرا وداعيا إلى الله بإذنه وسراجا منيرا . وأصلّي وأسلّم عليه صلاة دائمة طيّبة مباركة وعلى آله وأصحابه إلى يوم الدّين . فصلّوا عليه وسلّموا تسليما واتّقوا الله حقّ تقاته ولا تموتنّ إلاّ وأنتم مسلمون .

أمّا بعد إخوة الإيمان ، نشهد في أيّامنا هذه غمرة الاحتفالات بنجاحات أبنائنا في امتحاناتهم في مختلف المستويات الدّراسيّة وخاصّة في الأقسام النّهائيّة ، وكما دعونا لهم بالنّجاح في سابق الخطب ،ندعو لهم اليوم بالتّوفيق والسّداد في توجّههم واختياراتهم ،كما ندعو للبقيّة بالحظّ الأوفر في المناسبات اللاّحقة ولكن حيال هذه الغمرة نطرح من موقعنا جملة من التّساؤلات لا بدّ منها نستوضح بها واقعنا وآفاقنا : ـ ما حقيقة هذا النّجاح ؟ وكيف نعبّر عن نجاحنا في مجتمعنا ؟ وما هو النّجاح الحقيقيّ ؟ وما هو الفشل الحقيقيّ ؟

إنّ النّجاح عند أكثر النّاس هو الوصول إلى الغاية المنشودة ، وما تطمع إليه النّفس من العلوّ في الأرض والتفوّق والتميّز بغضّ النّظر عن أيّ مرجعيّة  خلقيّة حاكمة وهؤلاء ينطبق عليهم قوله تعالى :" فمن النّاس من يقول ربّنا آتنا في الدّنيا  وما له في الآخرة من خلاق " وهؤلاء يحتفلون بنجاحاتهم بالطّرق الغير المشروعة التي تنتهك فيها المحرّمات وتقترف فيها المعاصي بأنواعها على مرآى ومسمع من الجميع ويختلقون لهم المعاذير ، وهؤلاء نجاحاتهم أحاديّة الجانب ، فقد ينجحون في دراستهم ، ولكن تراهم فاشلين في معاملاتهم ،وفي برّهم لوالديهم ، وفي أسرهم وخاصّة خاصّة في طاعتهم لخالقهم ، فلا صلاة ، ولا صيام ، ولا إحسان ولا لين كلام ، وهؤلاء كذلك قد ينجحون  في حياتهم ويتميّزون ويستعلون ويكسبون الأموال الطّائلة لأنّ الله يملي لهم ويزيدهم عطاء وإغداقا ...............

قال تعالى :" من كان يريد الحياة الدّنيا وزينتها نوفّ لهم أعمالهم فيها وهم فيها لا يبخسون " هود 15 وينسون أنّ ذلك من عند الله وحده وأنّه حكر على الدّنيا  يلهي وينسي ويغري ويصرف عن طاعة الله في غالب الأحيان " كلاّ  إنّ الإنسان ليطغى أن رآه استغنى "  وقال تعالى"وما أوتيتم من شيء فمتاع الحياة الدّنيا وزينتها " القصص60  إذا هذه الغفلة وهذا الطّغيان وهذا النّسيان  تعقبه النّدامة والخسران عندما تكشف حقائق الأمور فيقولون :" ربّنا أبصرنا وسمعنا فارجعنا نعمل صالحا إنّا موقنون  " السّجدة 12

إذا ما البديل عن هذا النّجاح الموهوم ؟

إنّ النّجاح الحقيقيّ ذو الرّؤية الإسلاميّة الواعية المتبصّرة ، لا بدّ له من شروط: أوّلا : الظّفر بما يصلح حال الإنسان في معاشه ومعاده  :" ومنهم من يقول ربّنا آتنا في الدّنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النّار " فالموازنة بين الدّنيا والآخرة من أولى دواعي النّجاح عملا بقوله تعالى :" وابتغ فيما آتاك الله الدّار الآخرة ولا تنس نصيبك من الدّنيا " لذلك من دعاء الإستخارة :" اللهمّ إن كنت تعلم أنّ هذا الأمر [ويسمّي حاجته ] خير لي في ديني ومعاشي وعاقبة أمري فيسّره لي وأقدره لي ثمّ بارك لي فيه ........"

ثانيا : أن يكون النّجاح عامّا  لا يخصّ أمرا ويلغي غيره  لأنّ ذلك  يدلّ على عدم التّوازن  وعلى خلل في الحياة  لذلك من الدّعاء المأثور عن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم :" يا حيّ يا قيّوم برحمتك أستغيث أصلح لي شأني كلّه ولا تكلني إلى نفسي طرفة عين "  وكذلك :" اللهمّ  إنّي أسألك العفو والعافية في ديني ودنياي وأهلي ومالي  ....." فالنّجاح بالنّسبة للمسلم لا يتجزّأ ولا ينفصل .

ثالثا : اليقين في أنّ هذا النّجاح كان بتوفيق من الله  رغم سعي الإنسان إليه لقوله تعالى :" وما بكم من نعمة فمن الله " والنّعمة مفهوم عامّ لكلّ العطاءات الربّانيّة وهذا يرجعنا إلى دعاء الإستخارة  الذي نطلب فيه التّيسير من الله تعالى والبركة التي تمثّل الزّيادة والخير العميم . بخلاف المغرورين والمستكبرين الذين يرجعون نجاحهم إلى قدراتهم الذّاتيّة وإمكاناتهم الخاصّة فلا تجد في أقوالهم حمدا ولا شكرا ولا إرجاعا لله تعالى ولا تجد في أعمالهم صدقة ولا برّا ولا صلاة  أو سجود شكر شأن قارون الذي قال :" إنّما أوتيته على علم عندي " فخسف الله به وبداره وبملكه الأرض وشأن فرعون الذي قال لقومه :" أليس لي ملك مصر وهذه الأنهار تجري من تحتي  أفلا تبصرون " فأغرقه الله  وتركه آية للعالمين  بخلاف النبيّ سليمان عليه السّلام  الذي سخّر الله له  الرّيح والجنّ طلب أن يكون عرش بلقيس بين يديه في أقلّ من رمشة العين فكان  فلم ينسه ذلك ربّه ولم يطغه بل " فلمّا رآه مستقرّا عنده قال هذا من فضل ربّي ليبلوني أأشكر أم أكفر ومن شكر فإنّما يشكر لنفسه  ومن كفر فإنّ ربّي غنيّ كريم " النّمل 40

رابعا  : التّسليم المطلق لأمر الله تعالى فيما اختار وقدّر فلا نأس على ما فاتنا  في حال الفشل لأنّه قد يكون مؤقّتا  وقد يحمل في طيّاته الخير الكثير وقد يحمل العسر يسرا  فلا بدّ أن نتحلّى بالإيمان واليقين في الله ونصبر على ما آتانا  قال تعالى :" وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم وعسى أن تحبّوا شيئا وهو شرّ لكم والله يعلم وأنتم لا تعلمون "

خامسا : ألاّ يتوقّف طموح العبد المؤمن عند حدّ  في النّجاح  ففي الأثر :" لو تعلّقت همّة المرء بما وراء العرش لناله "  والله تعالى يقول :" يا أيّها الإنسان إنّك كادح إلى ربّك كدحا فملاقيه " والمؤمن الحقّ هو الأرقى والأنجح في كلّ شيء وليكن خالقنا ورازقنا غايتنا ومقصدنا : رضاه  وجزاه  وها أنّ نبيّنا الكريم عليه الصّلاة والسّلام  يحفّزنا لنيل أسمى الدّرجات فيقول :" إذا طلبتم الجنّة فاطلبوا الفردوس الأعلى من الجنّة "  أو كما قال ] وذلك ليكون السّعي وفقا  للغاية  والشّاعر يقول :" على قدر أهل العزم تاتي العزائم ".

 اللهمّ  ولا تجعل الدّنيا أكبر همّنا ولا مبلغ علمنا  ، اللهمّ آتنا في الدّنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النّار وآخر دعوانا أن الحمد لله ربّ العالمين .

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

                                    الخطبة الثّانية

 

بسم الله والحمد لله والصّلاة والس|لام على رسول الله وأشهد ألاّ إله إلاّ الله وحده لا شريك له وأشهد أنّ محمّدا عبده ورسوله

أمّا بعد إخوة الإيمان لا زلنا مع النّجاح المنشود الذي يسعى المسلم لتحقيقه وفق المقاييس الشّرعيّة  ليضمن سعادتي الدّنيا والآخرة  والملفت للإنتباه أنّ القرآن الكريم اهتمّ بمسألة النّجاح وحدّد له المعيار الخاصّ والذي قد يخفى على الكثيرين وقد أسماه القرآن الفلاح  طورا والفوز تارة أخرى  ولو بحثنا  عن هذين اللّفظين  في كتاب الله  لاكتشفنا حقيقة النّجاح  : لقد اقترن لفظ الفلاح بالصّلاة في مواضع  عدّة من كتاب الله مثل قوله تعالى :" قد أفلح من تزكّى وذكر اسم ربّه  فصلّى " الأعلى 14 وقوله تعالى :" قد أفلح المؤمنون الذين هم في صلاتهم خاشعون" المؤمنون 1

لذلك جاء النّداء  للأذان صريحا  بالدّعوة إلى الفلاح لأنّ الصّلاة على الوجه الأكمل هي التي تحقّق النّجاح ،،،،الصّلاة التي فيها خشوع وخضوع وإنابة إلى الله تعالى ، الصّلاة التي تؤدّى في وقتها  وتعطى حقّها لذلك كانت على المؤمنين كتابا موقوتا ،،، الصّلاة التي تثمر أخلاقا عالية  وسلوكا قويما وقلبا سليما  وفعاليّة إيجابيّة في الحياة ،،، ومن هنا يتحقق الفوز  ليكون كالآتي : نيل رضوان الله بالدّخول إلى الجنّة  والذي لا يتمّ إلاّ بطاعة الله ورسوله  والدّليل قوله تعالى :" ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزا عظيما " الأحزاب 71  وقوله تعالى :" فمن زحزح عن النّار وأدخل الجنّة فقد فاز " آل عمران 185 وقوله تعالى :" رضي الله عنهم ورضوا عنه ذلك الفوز العظيم " المائدة 119  وقوله تعالى في سورة البــروج   :" لهم جنّات تجري من تحتها الأنهار ذلك الفوز الكبير " 11 .

اللّهمّ فاجعلنا من الفائزين النّاجين النّاجين المفلحين وفي الجنّة من الخالدين .

اللهمّ لك الحمد حتّى ترضى ولك الحمد على الرّضا ولك الحمد في الأولى والآخرة  لك الحمد على نعمة الإسلام  ولك الحمد أن جعلتنا من أمّة هذا النبيّ الكريم صلّى الله عليه وسلّم  ،اللهمّ صلّ وسلّم وبارك على النبيّ الحبيب صلاة وسلاما  دائمين إلى يوم الدّين

 

اللهمَّ إنّا نسألك في مقامنا هذا وفي يومنا هذا وفي صلاتنا ودعائنا وكلّ أحوالنا بركة تُطهر بها قلوبنا، وتكشف بها كروبنا، وتغفر بها ذنوبنا، وتُصلح بها أمورنا، وتُغني بها فقرنا، وتُذهب بها شرنا، وتكشف بها همّنا وغمّنا، وتشفي بها سقمنا، وتقضي بها ديننا، وتجلو بها حزننا، وتجمع بها شملنا، وتُبيّض بها وجوهنا.

يا أرحم الراحمين.اللهمَّ أقبل توبتنا، وأرحم ضعف قوتنا، وأغفر خطيئتنا، وأقبل معذرتنا، وأجعل لنا من كل خير نصيباً، وإلى كل خير سبيلاً برحمتك يا أرحم الراحمين. اللهمّ بارك لنا في رجب وشعبان وبلّغنا رمضان واجعلنا من صيّامه وقيّامه  وأقدرنا على طاعتك فيه على الوجه الذي يرضيك عنّا 

اللهمَّ لا هاديَ لمن أضللت، ولا معطيَ لما منعت، ولا مانع لما أعطيت، ولا باسط لما قبضت، ولا مقدم لما أخرت، ولا مؤخر لما قدمت.  اللهمَّ أنت الحليم فلا تعجل، وأنت الجواد فلا تبخل، وأنت العزيز فلا تذل، وأنت المنيع فلا تُرام، وأنت المجير فلا تُضام ، وأنت على كل شيء قدير.     اللهمَّ لا تحرمنا سعة رحمتك، وسبوغ نعمتك، وشمول عافيتك، وجزيل عطائك، ولا تمنع عنا مواهبك لسوء ما عندنا، ولا تُجازنا بقبيح أعمالنا،ولا تصرف وجهك الكريم عنا برحمتك يا أرحم الراحمين.اللهمَّ لا تحرمنا ونحن ندعوك… ولا تخيبنا ونحن نرجوك.  اللهمَّ إنّا نسألك يا فارج الهم، ويا كاشف الغم، يا مجيب دعوة المضطرين، يا رحمن الدنيا، يا رحيم الآخرة، أرحمنا برحمتك.اللهمَّ آتِ نفوسنا تقواها، وزكها أنت خير من زكاها، أنت وليها ومولاها يا رب العالمين.اللهمّ، اعصمنا من فتن الدنيا وفتنة المحيا والممات ومن فتن الليل والنّهار ومن طوارق اللّيل والنّهار إلاّ طارقا يطرق بخير يا رحمن ووفقنا لما تُحب وترضى، وثبتنا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة ـ ولا تضلنا بعد أن هديتنا وكن لنا عوناً ومعيناً، وحافظاً و ناصراً. واحفظ أبناءنا وبناتنا وشبابنا وأنفسنا وزوجاتنا من كلّ الفتن ومن الزّلل واكتب لهم النّجاح والسّداد  في الدّنيا والآخرة  ووفّق رئيسنا إلى الصّلاح  في الأمر كلّه بما يحقّق مصلحة البلاد والعباد . اللهمّ لا نملّ من دعاء الخير وانت أهل لكلّ خير دعوناك ورجوناك أن تنزل علينا الغيث وترحمنا ولا تؤاخذنا بذنوبنا وها أنّنا اليوم ندعوك وأنت الربّ المعبود ذا الكرم والجود  فلا تردّنا خائبين  اللهمَّ إنّا نسألكَ الصبر عند القضاء، ومنازل الشهداء، وعيش السعداء، والنصر على الأعداء، اللهمّ انصر  إخواننا المجاهدين في كلّ مكان  وآخر دعوانا أن الحمد لله ربّ العالمين .