صفحة الاستقبال منبر الجمعة - خطب جمعية خطبة يوم الجمعة 27 ـ 08 ـ 2010 عبر من غزوة بدر وفتح مكّة

كتاب التربية الإسلامية والتنشئة على القيم

خطبة يوم الجمعة 27 ـ 08 ـ 2010 عبر من غزوة بدر وفتح مكّة طباعة أرسل إلى صديق
الكاتب: خالد التلمودي   

خالد التّلمودي جامع الصّبر     التّاريخ : 17 رمضان 1431   الموافق 27 ـ 08 ـ 2010

خزامة الغربيّة             

                                      عبر من غزوة بدر وفتح مكّة

 الحمد لله الذي خلق خلقه أطوارا وصرفهم كيفما شاء عزة واقتدارا وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له خلق فسوى وقدر فهدى وأخرج المرعى فجعله غثاء أحوى وأشهد أن سيدنا ونبينا محمدا عبده ورسوله بلغ عن الله رسالاته ونصح له في برياته فجزاه الله بأفضل ما جازى به نبيا عن أمته ،اللهم صل وسلم وبارك وأنعم عليه وعلى آله وأصحابه وعلى سائر من اقتفى أثره واتبع منهجه بإحسان إلى يوم الدين ... أما بعد .

عباد الله : فإن تقوى الله جل وعلا أعظم الوصايا وأجل العطايا:"  يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ* يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُم بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ"

إخوة الإيمان  لقد اقترن شهر رمضان بحدثين كريمين مباركين وقعا في حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم هما يوم بدر يوم الفرقان وكان ذلك في 17 رمضان من السّنة الثّانية للهجرة  ويوم فتح مكة يوم علو الشأن  وذلك في 20 رمضان  من السّنة الثّامنة للهجرة  فحريّ بنا ونحن في شهر رمضان أن نقف على هذين الحدثين وقفة تأمّل وتدبّر واعتبار ، كيف لا وقد سجّلهما المولى تبارك وتعالى في كتابة العزيز لمن أراد أن يذّكر ويدبّر.................................
أيها المؤمنون......... : 
لقد تجلت في هاتين المعركتين أو في هذين الحدثين الجليلين معاني عظيمة ودلائل سامية وعظات بالغة  . لعل من أعظمها وأجلها :  يقين المؤمن أن الأمور إنما تدبر في الملكوت الأعلى وأن الله جل وعلا وحده الفعال لما يريد فلا يقع في الكون إلا ما أراده الله خفي ذلك عن البعض أو ظهر فقافلة أبي سفيان  التي مرّت على مشارف بدر، و خروج خير الخلق صلى الله عليه وسلم وأصحابه  لاعتراضها، ثمّ  خروج قريش تستنصر لقافلتها، كل ذلك ما كان إلاّ أسباب بشريّة  مهّدت لحدوث ما أراده الله على النّحو الذي أراده الله وخفي على البشر ،  قال الله جل وعلا:" إِذْ أَنتُم بِالْعُدْوَةِ الدُّنْيَا وَهُم بِالْعُدْوَةِ الْقُصْوَى وَالرَّكْبُ أَسْفَلَ مِنكُمْ وَلَوْ تَوَاعَدتَّمْ لاَخْتَلَفْتُمْ فِي الْمِيعَادِ وَلَـكِن لِّيَقْضِيَ اللّهُ أَمْراً كَانَ مَفْعُولاً " خرج صلى الله عليه وسلم يوم بدر إنما في الأصل يطلب العير وخرجت قريش تنتصر لقافلتها ونجا أبو سفيان بالقافلة لكن الله جل وعلا أخر وقدم في إخبار كل أحد بما وقع حتى يلتقي الفريقان ويلتحم الجيشان ثم يكون يوم الفرقان كما أراد ربنا تبارك وتعالى نصرة لنبيه وإظهارا لدينه وإعلاء لشأن كلمة التوحيد التي بعث الله بها الرسل وأنزل الله جل وعلا من أجلها الكتب .
أيها المؤمنون :
لقد تحقّق من وراء هذين الحدثين  إكرام الله لرسوله صلى الله عليه وسلم وللمؤمنين الذين أخرجوا من ديارهم بغير حقّ وأكّد لهم وللجميع من بعدهم أنّ  الصبر مطية ،وأي مطية أعطاها الله جل وعلا أنبياءه ورسله وللمؤمنين المحتسبين ولهذا قال الله مخاطبا خير خلقه" فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُوْلُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ " .........في أيام البعثة الأولى هم صلى الله عليه وسلم أن يدخل الكعبة فمنعه عثمان بن أبي طلحة سادن الكعبة ، يومئذ منعه من دخول البيت فقال صلى الله عليه وسلم :"يا عثمان كيف بك إذا كان المفتاح بيدي أضعه في يد من أشاء" فقال عثمان:" لقد ذلت قريش يومئذ وهانت" ثم مضت السنون ومرت الأعوام والله جل وعلا يحفظ نبيه وينصره ويكلؤه حتى دخل صلى الله عليه وسلم الكعبة يوم الفتح عزيزا وما كان ذليلا قط منيعا محفوظا بحفظ الله جل وعلا له،كبّر في نواحيها صلى في البيت ركعتين ولمّا همّ بالخروج أنزل الله جل وعلا عليه وهو عليه السلام عند باب الكعبة" إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤدُّواْ الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا" فقال صلى الله عليه وسلم بعدما خرج: أين عثمان بن طلحة؟ قال :أنا هنا يا رسول الله فأعطاه النبي مفتاح الكعبة كما أخبر به في الأول وقال :"خذوها يا بني شيبة خالدة تالدة لا ينزعها منكم إلا ظالم " فهي إلى اليوم فيهم وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء وقد صدق الله وهو أصدق القائلين: "وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنصُورُونَ  وَإِنَّ جُندَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ "وصدق الله وهو أصدق القائلين"حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّواْ أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُواْ جَاءهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّيَ مَن نَّشَاء وَلاَ يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ" وها أنّ الكعبة الشّريفة اليوم يزورها النّاس للحجّ والعمرة على مدار السّنة من كلّ أنحاء العالم  ،،،،،أبعد هذا يتوكل على غير الله؟ أبعد هذا يلجأ إلى غير الله؟أبعد هذا يؤمن أحد أن ينصره أحد غير الله؟ قال العز بن عبد السلام رحمة الله تعالى عليه:"والله لن يصلوا إلى شيء بغير الله فكيف يوصل إلى الله،بغيرالله"
عباد الله :
لقد تجلى في هاتين المعركتين العظيمتين محبة أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم لنبيهم صلوات الله وسلامه عليه آمنوا بأن الله واحد لا شريك معه وهو الذي بعثه.فأحبوا نبيهم ونصروه وعزروه واتبعوا النور الذي أنزل معه رضي الله عنهم وأرضاهم .

في تلك الغزوة وفي غيرها من كل محفل وموطن أثبتوا محبتهم ونصرتهم لرسول الله، تجلى ذلك فيهم أفرادا وجماعات فعلى مستوى الجماعة هو ظاهر في كل غزوة وموطن وسرية وعلى مستوى الأفراد في يوم بدر وقف صلى الله عليه وسلم يُقَوِم صفوف الجيش قبل المعركة فإذا بسوّاد بن غزية رضي الله عنه وأرضاه بارز في الصف فطعنه صلى الله عليه وسلم بقدح كان معه في بطنه وقال له استوي يا سوّاد أي ارجع إلى الصف قال يا رسول الله أوجعتني وقد بعثك الله بالعدل والحق فأقدني فكشف صلى الله عليه وسلم عن بطنه وقال له استقد أي خذ حقك فأقبل سواد على بطن رسول الله يعانقه ويقبله فتعجب صلى الله عليه وسلم قال:"ما حملك على هذا يا سوّاد قال يا رسول الله قد حضر ما ترى أي من قرب الموت ودنو الأجل فهذه ساحة معارك قد حضر ما ترى فأردت أن يكون آخر العهد بك أن يمس جلدي جلدك .إنه أنموذج لتلك المحبة التي كانت في قلوبهم رضي الله عنهم وأرضاهم لرسول الله صلى الله عليه وسلم ولقد تجلت في الأنصار على وجه الخصوص الذين قال الله جل وعلا عنهم" وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِن قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِّمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ "

عباد الله :إن وعد الله حق لا محالة وما الدنيا إلا زهرة حائلة ونعمة زائلة وكانت قريش عندما بُعث نبينا صلى الله عليه وسلم بالهدى ودين الحق يحذرهم يوم المعاد ويوم البعث والنشور وحشر العباد وهم يهزؤون به ويسخرون منه قال له العاص بن وائل وقد حمل رفات عظم:" أتزعم يا محمد أن ربك يحي هذا بعد موته؟" قال صلى الله عليه وسلم :"نعم ويدخلك النار" ثم كان ما كان من قتلى بدر فوضعهم صلى الله عليه وسلم أي قتلى المشركين في بئر مهجورة تعرف بالقليب ثم وقف صلى الله عليه وسلم يناديهم :"يا أبا الحكم بن هشام يا شيبة بن ربيعة يا عتبة  ـيناديهم بأسمائهم ـ هل وجدتم ما وعدكم ربكم حقا فإني قد وجدت ما وعدني ربي حقا " فقال له عمر رضي الله عنه :"يا نبي الله أتخاطب أقواما قد جيفوا؟" قال: يا عمر ما أنت بأسمع لما أقول منهم ولكنهم لا يستطيعون جوابا " يتذكر المؤمن هذا الموقف في الدنيا ويعلم أن هناك في الآخرة يوم يقال له عياذا بالله يوم اللعنة يفصل فيه بين أهل الإيمان وأهل الكفر، يفصل فيه بين أهل الجنة وأهل النار يفصل فيه ما بين من يعملون الصالحات ومن يعملون السيئات قال الله جل وعلا " وَنَادَى أَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابَ النَّارِ أَن قَدْ وَجَدْنَا مَا وَعَدَنَا رَبُّنَا حَقّاً فَهَلْ وَجَدتُّم مَّا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقّاً قَالُواْ نَعَمْ فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ أَن لَّعْنَةُ اللّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ"اللهم اجعلنا ممن يحيا يرتقب وعدك الحق يا ذا الجلال و الإكرام .في الدّنيا قبل الآخرة اللهمّ انصر عبادك المؤمنين نصرا عزيزا على كلّ من بغى عليهم  والحمد لله ربّ العالمين .

                        الخطبة الثّانية

 

بسم الله والحمد لله والصّلاة والسّلام على رسول الله  وأشهد ألاّ إله إلاّ الله وأشهد أنّ سيّدنا محمّدا رسول الله .

إخوة الإيمان ما زلنا مع العبر المستفادة من هذين الحدثين العظيمين في تاريخ الأمّة المحمّدية  اللذان قد مثّلا منعرجا حاسما في تاريخ البشريّة جمعاء بأسباب بشريّة وتقدير ربّانيّ حكيم  ...لقد تجلى في هاتين المعركتين ما كان عليه صلى الله عليه وسلم من خلق جم وقلب رحيم وقد بعثه الله رحمة للعالمين فلمّا وقف في مكة بعد أن منّ الله عليه بالفتح الأعظم والمقام الأكرم قال:" يا معشر قريش ما ترون أني فاعل بكم ؟ " قالوا أخ كريم وابن أخ كريم فقال صلى الله عليه وسلم :" اذهبوا فأنتم الطلقاء " . لقد عفا رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد قدرته على من آذاه وكان ذلك دليلا على المنزلة العظيمة  التي تبوّأها صلوات الله وسلامه عليه من الخلق الجم والسلوك القويم ولا ريب أن الله جل وعلا تعاهده ورباه  وكان ذلك درسا عمليّا في أعلى مستوياته لكي تليه دعوة  إلى التّسامح والعفو والصّفح من ربّ السّماء :"وإن تعفو وتصفحوا وتغفروا فإنّ الله غفور رحيم " التّغابن 14 وليس أيّ صفح وإنّما الصّفح الربّانيّ الجميل بلا  إذلال ولا إهانة  " وإنّ السّاعة لآتية فاصفح الصّفح الجميل " الحجر 85  وهذا ما يربّينا عليه سيّد الخلق  :" اعف عمّن ظلمك  " ورمضان أيّها المؤمنون الصّائمون مدرسة تربويّة تعلّم الصّبر على الطّاعة كما الصّبر على الأذيّة  وإذا أحبّ الله عبدا سلّط عليه من يظلمه ليختبر صبره  ، فكيف وجدت نفسك أخي المؤمن عندما آذوك ثمّ أقدرك الله عليهم أو جاءوك واستسمحوك ؟ أليس جدير بنا أن نتسامح ونعفو ونصفح  ونحن في شهر الرّحمة والمغفرة والعتق من النّار شهر القرب من الله وشهر الدّعاء الذي لا يردّ .واعلموا عباد الله عباد الله أننا جميعا لنا ذنوب نحب من الله أن يغفرها ، ولنا عيوب نحب من الله أن يسترها ،ولنا آمال نحب من الله أن يحققها ،ولنا ديون نحب من الله أن يقضيها، ولنا مخاوف نحب من الله أن يؤمننا منها..... وكل ذلك لا يعطيه ولا يدفعه إلا المولى  تبارك وتعالى، فعلقوا بالله أنفسكم واحمدوا الله كثيرا ولنبدأ الدعاء بكثرة الثناء علي السّميع المجيب فإنه لا أحد أحب إليه المدح من الله فلذلك مدح نفسه ثم صلوا بعد حمدكم لله والثناء عليه على نبيكم ثم تقربوا إلى الله بصالح الدعاء ملحين موقنين بالإجابة لعل الله أن يجعلنا وإياكم من عتقاءه من النار

 

اللهمّ بديع السّماوات والأرض ، قيّوم السّماوات والأرض لك الملك كلّه ولك الحمد كلّه خلقتنا ورزقتنا وأنعمت علينا بنعمة الإيمان والإحسان والرّضوان وبلّغتنا رمضان ووفّقتنا لصالح العمال  وجعلتنا من أتباع سيّد الأنام  اللهمّ فصلّ وسلّم وبارك عليه كما تحبّ وترضى  صلاة ترضى بها عنّا وتفرّج بها همّنا وكربنا  ... .  اللهم إنا نسألك بأن لك الحمد أنت الله لا إله إلا أنت الواحد الأحد الفرد الصمد الحي القيوم الذي لم يلد ولم يولد، في السماء عرشك وفي كل مكان رحمتك وسلطانك تعطي وتمنع و تخفض وترفع وأنت الله لا إله إلا أنت الأعز الأكرم أرجعت موسى إلى أمه ورددت يوسف إلى أبيه وجمعت ليعقوب بنيه وجعلت النار بردا وسلاما على إبراهيم أنت الله لا إله إلا أنت بيدك مقاليد كل شيء أنت الله لا إله إلا أنت الحي حين لا حي ووجهك أكرم الوجوه وعطيّتك أحسن العطايا واسمك الأعظم أحسن الأسماء أنت الله لا إله إلا أنت لا رب غيرك ولا شريك معك أسألك اللهم بمحامدك كلها يا ذا الجلال والإكرام أن تعتقنا من النار وأن تدخلنا الجنّة مع الأبرار وان توفّقنا  اللهم لقيام رمضان وصيامه  على الوجه الذي يرضيك عنّا  اللّهم  وفّقنا لصالح الأعمال  لا موفّق إلاّ أنت  وارزقنا حلاوة في قلوبنا بطول السّجود بين يديك  وحسن تدبّر كتابك وحسن الإنصات إليه  ووفّقنا إلى العمل به بحبّ الخير والدّعوة إليه ورحمة المساكين وتفريج كرب المكروبين  ووفّق رئيسنا زين العابدين للحقّ واليقين  اللهمّ لا تدع لنا في يومنا هذا وفي شهرنا هذا همّا إلاّ فرّجته ولا دينا إلاّ قضيته ولا مريضا إلاّ شفيته ولا ضالاّ إلاّ هديته  ولا مظلوما إلاّ أنصفته  اللهمّ ارحم موتانا  واجعل الجنّة مأواهم ومأوانا  ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار  وصلّ اللهم في البدء والختام على سيّد الأنام سبحان ربّك ربّ العزّة عمّا يصفون وسلام على المرسلين والحمد لله ربّ العالمين  .