صفحة الاستقبال منبر الجمعة - خطب جمعية خطبة الجمعة توديع رمضان

كتاب التربية الإسلامية والتنشئة على القيم

خطبة الجمعة توديع رمضان طباعة أرسل إلى صديق
الكاتب: خالد التلمودي   

خالد التّلمودي  جامع الصّبر                                            التّاريخ : 1 شوّال 1431

                                                                                                            10 سبتمبر 2010                                     توديع رمضان 


الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده  ورسوله صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه ومن اهتدى بهداهم إلى يوم الدين. 

أما بعد: فبالأمس كنا ننتظر رمضان، وها نحن الآن نودعه، وجدير هذا الشّهر الكريم أن يحظى بتوديع يليق بمقامه ، ففيه أكرمنا ، وفيه جوزينا ، وفيه صمنا  وقمنا ودعونا وصلّينا وتبنا وأنبنا  ،نسأل الله الإخلاص والقبول ................ وهكذا هي الأيّام تمرّ تباعا ، وهكذا تمضي الأعمار، وإنما العبد جملة من أيام، كلما ذهب يوم ذهب بعضه. هذا رمضان يمضي، كما كان بالأمس يأتي، وكنّا نترقّب مقدمه ونتحيّن هلاله  فسبحان من قلب الليل والنهار، وأجرى الدهور والأعوام، وفي ذلك معتبر للمعتبرين، وموعظة للمتقين. 
هذا رمضان وقد شيّعناه بالأمس، تطوى صحائفه بأعمالنا، ولا تنشر إلا يوم القيامة والحساب، فأيّ الأعمال ضمّناه ؟ ولا ندري أندرك رمضان القابل أم لا، فالله المستعان؟ فحق لرمضان أن يبكى له و يبكى عليه، كيف لا يبكي المؤمن رمضان وفيه تفتح أبواب الجنان؟ وكيف لا يبكي المذنب ذهابه، وفيه تغلق أبواب النيران؟ كيف لا يبكى على وقت تسلسل فيه الشياطين. فيا لوعة الخاشعين على فقدانه، ويا حرقة المتقين على ذهابه.  إنّه بين حال وحال : بين حال الصّالحين ، الحازمين العازمين التّائبين المنيبين الصّائمين القائمين المتهجّدين ...وحال الغافلين اللاهيين المعرضين العصاة المذنبين فحال الصالحين في رمضان كان منهم القائم القانت في محرابه يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ [الزمر:9] ويخشى عذابه. و منهم من قد حبس نفسه على طاعة الله تعالى وذكره، وتجرد من الدنيا، وقطع عن نفسه كل العلائق، وعكف بقلبه وقالبه على ربه وما يقرب منه، فما بقي في قلبه غير الله تعالى، وليس له هم إلا مرضاته،  حال الصائمين المصلّين القائمين، عرفتهم المساجد والخلوات، يطيلون القيام، ويتلون القرآن، ويلحون في الدعاء، ويعلنون الإنابة، ويناجون الرحمن،  إنهم يلتمسون رضوان المولى تبارك وتعالى يرجون رحمته ويخافون عذابه ،يتحيّنون ساعات الإجابة ليكونوا من المقبولين ومن المعتوقين ، يتحيّنون ليلة القدر التي هي خير من ألف شهر. فلو نطقت المساجد لقالت: ( يا ليلة القدر للعابدين اشهدي، يا أقدام القانتين اركعي لربك واسجدي، يا ألسنة السائلين جدّي في المسألة واجتهدي )
ها هو ذا رمضان يمضي، وقد شهدت لياليه أنين المذنبين، وقصص التائبين، وعبرات الخاشعين، وأخبار المنقطعين. وشهدت أسحاره استغفار المستغفرين، وشهد نهاره صوم الصائمين وتلاوة القارئين، وكرم المنفقين.  ومساعدة المحتاجين
إنهم يرجون عفو الله، علموا أنه عفو كريم يحب العفو فسألوه أن يعفو عنهم. 
عرف العارفون  جلاله فخضعوا، و  سمع المذنبون بعفوه  فطمعوا، وعلموا شدّة ناره  فاستعاذوا " إنّها لظى نزّاعة للشّوى تدعو من أدبر وتولّى وجمع فأوعى   وعرفوا جنّاته فطمعوا جنّة عرضها السّماوات والأرض أعدّت للمتّقين . 

لقد بحّت الأصوات  بدعاء الصّائمين القائمين ، في كلّ وقت وحين، وكلّهم خوف ورجاء  ويقين  وقد خشعت القلوب واقشعرّت الجلود و سكبت  العبرات  ، وها أنّ رمضان قد انقضى ، وقد بكى فراقه من بكى  وحق ّ لهم أن يبكوا في ختامه؛ لما له من لذة في قلوبهم،ولما له من نفحات ،  ومع ذلك فهم وجلون من ربهم، خائفون من الرد وعدم القبول، يعلمون أن المعوَّل عليه القبول لا الاجتهاد، وأن الاعتبار بصلاح القلوب لا بعمل الأبدان.  فكم من قائم محروم! ومن نائم مرحوم! هذا نام وقلبه ذاكر، وذاك قام وقلبه فاجر؛ لكن العبد مأمور بالسعي في اكتساب الخيرات، والاجتهاد في الصالحات، مع سؤال الله القبول، والاشتغال بما يصلح القلوب، وهذا دأب الصالحين. 
إخوة الإيمان لقد كان شأن السّلف الصّالح  أن يجتهدوا في العمل الصّالح فإذا فعلوه
وقع عليهم الهمُّ أيقبل منهم أم لا ) ولكن بفضل الله جعل لنا المولى تبارك وتعالى علامات دالّة على القبول هي في الآن نفسه  مطمئنة ومحفّزة  ........فما هي هذه العلامات ؟
علامات القبول : سأكتفي بذكر علامة واحدة  هي أبيَنُ علامةٍ على القبول استمرارُ العبد على الخير والعمل الصالح بعد رمضان. قال بعضهم( ثوابُ الحسنةِ الحسنةُ بعدها، فمن عمل حسنة ثم أتبعها بحسنة بعدها كان ذلك علامة على قبول الحسنةِ الأولى، كما أن من عمل حسنة ثم أتبعها بسيئة كان ذلك علامة رد الحسنة وعدم قبولها ). إن مقابلة نعمة إدراك رمضان، والتوفيق لصيامه وقيامه بارتكاب المعاصي بعده لمِن فِعلِ من بدل نعمة الله كفراً. فإن كان قد عزم في صيامه على معاودة المعاصي بعد انقضاء الصيام فصيامه عليه مردود، وباب الرحمة في وجهه مسدود، إلا أن يعجّل بتوبة نصوح. 
ما أحسن الحسنة بعد السيئة تمحوها، وأحسنُ منها الحسنةُ بعد الحسنة تعقبها! وما أقبح السيئة بعد الحسنة تمحقها وتعفوها! ذنبٌ واحد بعد التوبة أقبح من سبعين ذنباً قبلها، ما أقبح النكسة بعد التوبة! ما أوحش ذلّ المعصية بعد عزّ الطاعة. 
يا معشر التائبين: لا ترجعوا إلى المعصية بعد رمضان، واصبروا عن لذة الهوى بحلاوة الإيمان، اصبروا لله تعالى يعوضكم خيراً إِن يَعْلَمِ اللّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْراً يُؤْتِكُمْ خَيْراً مِّمَّا أُخِذَ مِنكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ [الأنفال:70]. 
يا معشر الطائعين: إن الأعمال التي كان العبد يتقرب بها إلى ربه في رمضان لا تنقطع بانقضائه؛ بل هي باقية بعد انقضائه ما دام العبد حياً، قد لا يطيقها كلها، فيخففها لكنه لا يقطعها. وتلك قاعدة سنها رسول الله صلي الله عليه وسلم بقوله{ أحب الأعمال إلى الله أدومها وإن قل } [رواه البخاري;43 ومسلم:782]، قالت عائشة رضي الله عنها:  وكان أحب الدين إليه ما داوم عليه صاحبه } [رواه البخاري:43].  فربُّ رمضان هو ربُّ الشهور كلها تعالى وتقدس، وعمل المؤمن لا ينقضي حتى يأتيه أجله، قال الحسن رحمه الله تعالى( إن الله لم يجعل لعمل المؤمن أجلاً دون الموت ثم قرأ وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ ) [الحجر:99] [اللطائف:398]. 
أما يستحي قوم من ربهم إذا انقضى رمضان عطَّلوا المساجد والقرآن، وعادوا إلى الحرام، نعوذ بالله أن نكون منهم. هذا هو الحديث لمن قضوا رمضان في طاعة الله تعالى، ولمن كان رمضان مناسبة لتوبتهم، وميلاداً جديداً لهم. 

 نسأل الله الثّبات واليقين والمداومة على الصّالحات وما توفيقنا إلاّ بالله العليّ العظيم  والحمد لله ربّ العالمين .

 

 

                       الخطبة الثّانية

بسم الله والحمد لله والصّلاة والسّلام على رسول الله وأشهد ألاّ إله إلاّ الله وأشهد أنّ سيّدنا محمّدا رسول الله .

إخوة الإيمان  إذا قلنا ما قلنا لأهل الطّاعات في رمضان  فماذا نقول لمن فرّطروا في هذه الفرصة  فأضاعوا رمضان في اللهو والباطل؟ 
لا أحسن من أن يقال لهم: توبوا إلى ربكم فما يزال ربكم يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار، ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل. ما يزال باب التوبة مفتوحاً، فإلى ربكم أنيبوا. فإن كانت الرحمة للمحسنين فالمسئ لا ييأس منها، وإن تكن المغفرة مكتوبة للمتقين فالظالم لنفسه غير محجوب عنها، وقد قال الله سبحانه: "قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ [الزمر:35]. 
يا من ضاع منه رمضان لا يضع منك عمرك، اختمه بتوبة عسى أن يختم أجلك بالحسنى.
يا أيها العاصي - وكلنا ذلك - لا تقنط من رحمة الله لسوء عملك؛ فكم يُعتقُ من النار في ختام الشهر من أمثالك. اصدق مع الله يصدقك، وأحسن الظن بربك، وتب إليه؛ فإنه لا يهلك على الله إلا هالك.
يا شهر رمضــــــان ترفق، دموع المحبّين تُدفق، قلوبهم من ألم الفراق تشقق، عسى وقفة للوداع أن تطفئ من نار الشوق ما أحرق، عسى ساعة توبة وإقلاع أن ترفو من الصيام ما تخرق، عسى منقطع عن ركب المقبولين أن يلحق، عسى أسير الأوزار أن يطلق، عسى من استوجب النار أن يعتق، عسى رحمة المولى لها العاصي يوفق

نسأل الله العفو والعافية والسّلامة الدّائمة في الدّين والدّنيا والآخرة  إخوة الإيمان لا زالت أنوار رمضان تغمرنا  ولا زالت نفحاته تملأ  جنباتنا وأرواحنا  فلنعزم على  الثّبات على الطّاعات  والبعد عن المعاصي والسيّئات  ولنتوجّه إلى العليّ القدير بالدّعاء  وكلّنا يقين في الإجابة