صفحة الاستقبال منبر الجمعة - خطب جمعية خطبة يوم 30 الجمعة ـ 09 ـ2010 - الحجّ

كتاب التربية الإسلامية والتنشئة على القيم

خطبة يوم 30 الجمعة ـ 09 ـ2010 - الحجّ طباعة أرسل إلى صديق
الكاتب: خالد التلمودي   

خالد التّلمودي  إمام جامع الصّبر                                                                  التّاريخ : 30 ـ 09 ـ2010

    خزامة الغربيّة سوسة          23 شوّال1431

الحــــــــــجّ

 

الحمد لله الذي جعل الحج إلى بيته الحرام أحد أركان الإسلام وأشهد أن لا إله إلا الله أمر نبيه إبراهيم عليه الصلاة والسلام بالنداء [وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ] وأشهد أن محمداً رسول الله خير من لبّى وطاف وسعى صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيّئات أعمالنا ونستغفر الله من ذنوبنا ومن معاصينا ونحمد الله أن جعل لنا كفّارات تمحي الذّنوب والسيّئات .

أمّابعد:  فاتقوا الله عباد الله ،واعلموا أن العبادات التي شرعها الله لها أسرار عظيمة منها المعلوم للناس ومنها غير المعلوم وتتحقق هذه الأسرار لبعض الناس وقد لا تتحقق للآخرين وها هو الحجّ تلك الرحلة الكريمة إلى الديار المقدسة.، تلك العبادة المتميّزة التي لا تضاهيها عبادة لا في الزّمان ولا في المكان  ولا في المناسك وفي الحج ترك للأهل والأحباب وفراق الديار والأصحاب امتثالاً للنداء واستجابة لداعي الهدى. وفي الحج رحلة للطاعة ومقصد للكريم الرحيم المنان ووفود على المنعم المتفضل لطلب المغفرة وحط الذنوب والأوزار (من حجّ ولم يرفث ولم يفسق رجع من ذنوبه كيوم ولدته أمه). وفي الحج تجديد للعهد وتصفية للقلوب وغسل لها من أدران الحقد والحسد [فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدَالَ فِي الْحَجِّ]وفي الحج طرح للمباهاة وكسر للمفاخرة وتذكير بيوم الرحيل ولبس كلبس الكفن في منظر يشعر بالوحدة والمساواة . الشعار واحد هو التلبية واللبس واحد هو الإحرام والعمل واحد هو سائر مناسك الحج. طاعة وامتثالا لله واتّباعا واستنانا بسنّة البيّ المصطفى ص القائل :" خذوا عنّي مناسككم "وفي الحج تظهر وحدة الأمة وقدرتها واعتصامها بخالقها انتصارا للحق على الباطل والصواب على الخطأ والاتحاد على الفرقة والعزيمة والإصرار على الكسل والبطالة. حتّى نخرج من حالة التبعيّة والانكسار إلى القوّة والعزّة  ،إلى خير أمّة أخرجت للنّاس.
وفي الحجّ تتجلّى العبوديّة الخالصة والطّاعة المحضة ،دوران حول الكعبة ،رمز المسلمين الخالد ،طاعة لله وامتثالاً لأمره واقتداء بنبيّه صلى الله عليه وسلم يطلب الطاءفون من صاحب البيت الجود والمغفرة ولذا يتقربون إليه بالهدي شكراً لهذه النعمة العظيمة [وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ] وقال تعالى: [لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ
وفي الحج تذكّر لأبينا إبراهيم وقد استجاب لأمر خالقه حين أمره بذبح فلذة كبده ووحيده ونتذكّرصبر هذا الابن الصغير البارّ وطاعته المحضة لله ثم لأبيه قال الله تعالى :[فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنْ الصَّابِرِينَ * فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ * وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ * قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ * إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلاءُ الْمُبِينُ * وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ]. 
وفي الحج تتساوى رؤوس الحجيج وتذلّ جباههم وتسقط الشعرات الزائفة وتتحطّم النعرات ويقتل الكبرياء فالرب واحد والدين واحد والتفاضل بالتقوى قال الله تعالى  [إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ]. وفي الحج صراع مع الشيطان في كل اتجاه فهناك يقف  وهو ينازل الحاج في كل مشعر ولكن عزيمة الطاعة وقوة العبادة وصدق اللجوء يجعل اللعين طريداً راغماً حقيراً كما وصفه سيّد الخلق إذ قال :(ما رؤى الشيطان يوما هو فيه أصغر ولا أدحر ولا أحقر ولا أغيظ منه في يوم عرفة). 
وفي الحج يتجلى محض الانقياد والإتباع حتى ولو كان من غير مألوف النفوس كما هو الشّأن  بالنّسبة للحجر الأسود  يقول عمر رضي الله عنه: (والله أني لأعلم أنك حجر لا تضر ولا تنفع ولو لا أني رأيت رسول الله يقبلك ما قبلتك). 

عباد الله شعار الحجيج في كل موقف توحيد خالص وعبودية حقّه (لبيك اللهم لبيك لبّيك لا شريك لك لبيك). نعم إنه الإسلام لا مظاهر ولا وسائط ولا شعارات خادعة الكل منطرح بين يدي الله قريب منه لا طبقية ولا كهنوت قال تعالى :[وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِي إِذَا دَعَانِي فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ]. عباد الله وبعد النداء الخالد أصبح هذا البيت مركزاً للهداية والإرشاد ومنطلقاً لنشر الخير والنور في ربوع المعمورة تقام عنده المناسبات وتجتمع حوله الوفود من شتى بقاع الأرض الكل يؤدي واجب الطاعة ويبرهن على صدق الانقياد. حول هذا البيت العظيم يطوف أفضل الناس وأصدقهم وأبرهم وأعظمهم في كل عصر ومصر يطوف حوله الزعماء والعلماء والأمراء والعقلاء والأغنياء والفقراء الكل يأتي في شوق وحب وتواضع وخضوع وذل وانكسار الهتاف واحد (لبيك اللهم لبيك).  وبهذا الهتاف الواحد تتوحّد الأمّة  والغاية  والمنهج  فلا معبود إلاّ الله  ولا خالق إلاّ الله  ولا رازق إلاّ الله  ولا ضارّ ولا نافع إلاّ الله  وكلّما تكرّر هذا النّداء وكلّما نبع من قلب المؤمن الصّادق إلاّ وزاد يقينا  ورسوخا وقربا من المولى تبارك وتعالى  يلبّي المؤمن وهو في أقدس مكان  وأطهر مكان حيث مرّ واستقرّ كلّ الأنبياء وسيّد الأنبياء عليهم الصّلاة والسّلام جميعا  وكذلك الصّحابة الكرام  ووقعت اهمّ الأحداث التي غيّرت مسار تاريخ البشريّة ، فكفاك فخرا أخي المؤمن ، يا من عزمت على زيارة  البيت الحرام ، أن تطأ أقدامك المكان الذي وطأته أطهر أقدام البشريّة صلّى الله عليه وسلّم  فحريّ بك أن   تعود حين تعود وقد ولدت فعلا من جديد طاعة  وامتثالا واحتسابا واقتداء وابتعادا عن كلّ المنكرات والمعاصي كدليل فعليّ على القبول ........
عباد الله أكثروا من الدعاء والاستغفار لعل الله أن يغفر لي ولكم إنه هو الغفور الرحيم

 

                                  الخطبة الثّانية

 بسم الله الرّحمن الرّحيم والصّلاة والسّلام على سيّد المرسلين وأشهد ألاّ إله إلاّ الله وليّ الصّالحين  وأشهد أنّ سيّدنا محمّدا عبده ورسوله سيّد الغرّ المحجّلين

أمّا بعد عباد الله ،،الحج مؤتمر جامع للمسلمين قاطبة يجدون فيه أصلهم الضارب في أعماق الزمن [مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمْ الْمُسْلِمينَ مِنْ قَبْلُ] ويجدون فيه محورهم الذي يشدّهم جميعا إليه تلك القبلة التي يتوجهون إليها جميعاً ويجدون فيها رايتهم التي يفيئون إليها راية العقيدة الواحدة التي تتوارى في ظلها فوارق الأجناس والألوان والأوطان ويجدون فيه قوتهم الكامنة قوة التجمّع والتوحّد والترابط.

عباد الله إن العبادات الشرعية ذاتُ تأثير على الناس في إصلاحهم وتزكيتهم ولكنها قد يطرأ عليها ما يفقدها ذلك التأثير الخاص فتصبح غير مصلحة للنفوس ولا مزكّية لها ومن أخطر ما يطرأ على العبادة فيفقدها صلاحيتها وتأثيرها في إصلاح النفوس وتطهيرها الشركُ في العبادة, وسوء عملها, وفقد الإخلاص فيها ويظهر ذلك جليا في عبادة الحج فكثير هم أولئك الذين يفدون على البقاع المقدّسة لأداء مناسك الحجّ  لكنّهم في حقيقة الأمر لا يؤدّون عبادة الحجّ  فالحجّاج الحقيقيّون قليلون ولقد قيل يوماً لعبد الله بن عمر رضي الله عنهما ما أكثر الحجاج فقال للمستكثر:" ما أقلهم" . وهذا شأننا اليوم ، فعدد الحجيج قد يناهز الخمس ملايين  ولكن ليست العبرة بكثرة الركب وإنما العبرة بإخلاص النية وسلامة القصد وصواب العمل ، أمّا  القصد والنيّة  فأمرهم إلى الله ،وحريّ بالحاجّ أن يراجع نفسه ويسألها :" لماذا عزم على الحجّ هذه السّنة ؟ وبحسب الإجابة تتحدّد النيّة  وأمّا العمل فمن اللاّزم  أن يتفقّه  في كيفيّة أداء مناسك الحجّ ويتلقّى دروسا  في ذلك  قبل سفره ويسأل أهل الذّكر في بلده وعند سفره ويحرص على مرافقة  من هم أعلم منه  حتّى يؤدّي مناسكه على الوجه الأكمل  إذ تصبح ممّا "يعلم من الدّين بالضّرورة "وأيّ تقصير في الأركان لا يجبر، يؤدّي إلى البطلان بالضّرورة  والله تعالى يقول :"ومن يعظّم شعائر الله فإنّها من تقوى القلوب " والنبيّ ص يقول :" خذوا عنّي مناسككم "  فاتّقوا الله عباد الله  يعلّمكم الله وتفقّهوا في دينه تحفظوا أنفسكم من الزّلل واخلصوا النيّة واسألوا الله القبول وأقبلوا على الله بقلوب طاهرة زكيّة نقيّة واسألوه من فضله  إنّه سميع مجيب ………

اللهمّ لك الحمد كلّه ولك الشّكر كلّه ،بيدك الخير كلّه  أهل أنت  أن تحمد ، أهل أنت أن تعبد اللّهمّ صلّ وسلّم وبارك على خير من صام وصلّى وحجّ واعتمر  وعلى آله وصحبه الأخيار الأبرار

اللهمّ يا ودود يا ودود ، يا ذا العرش المجيد ، يا مبدئ يا معيد، يا فعالا لما يريد،

نسألك بنور وجهك الذي ملأ أركان عرشك، ونسألك بقدرتك التي قدرت بها على جميع خلقك  ونسألك برحمتك التي وسعت كل شيء، نسألك زيادة في الدين

وبركة في العمر وصحة في الجسد وسعة في الرزق وتوبة قبل الموت وشهادة عند الموت ومغفرة بعد الموت وعفوا عند الحساب وأمانا من العذاب ونصيبا من الجنة

وارزقنا النظر إلى وجهك الكريم اللهم ارحم موتانا وموتى المسلمين واشفي مرضانا ومرضى المسلمين  اللهم اغفر للمسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات الأحياء منهم والأموات  اللهم من اعتز بك فلن يذل ومن اهتدى بك فلن يضل ومن استكثر بك فلن يقل ومن استقوى بك فلن يضعف ومن استغنى بك فلن يفتقر ومن استنصر بك فلن يخذل ومن استعان بك فلن يغلب ومن توكل عليك فلن يخيب ومن جعلك ملاذه فلن يضيع ومن اعتصم بك فقد هدى إلى صراط مستقيم ا للهم فكن لنا وليا ونصيرا وكن لنا معينا ومجيرا إنك كنت بنا بصيرا.  اللهمّ انصر كلّ من نصر الدّين واخذل كلّ من خذل الإسلام والمسلمين وكن لرئيسنا خير مرشد ومعين للحقّ واليقين  اللهمّ من أراد بالإسلام خيرا فوفّقه إلى كلّ خير ومن أراد بالإسلام شرّا فاجعل كيده في نحره .  اللهمّ لك الحمد على ما أنعمت به علينا من نعمة الغيث  النّافع ، اللهمّ فزدنا ولا تنقصنا واجعله  سخاء رخاء  نافعا غير ضارّ ينبت الزّرع ويسقي  الحرث ويدرّ الضّرع  ويرحم البلاد والعباد . ربّنا آتنا في الدّنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النّار  ،يا عزيز يا غفّار  ،اللهمّ اغفر لنا ولوالدينا  ولجميع المسلمات والمسلمات  الأحياء منهم والأموات وآخر دعوانا أن الحمد لله ربّ العالمين

 

الحج عن الغير
قدم أن صحة البدن مما تتحقق بها الاستطاعة ، فهي شرط لوجوب الحج . وعلى هذا فالشيخ الكبير والمرأة العجوز، والمريض، والمشلول ، والمقعد ومقطوع الرجلين ، والأعمى (وإن وجد قائدا عند أبي حنيفة) كل هؤلاء وأمثالهم - كن يعجزون صحيا عن الحج بأنفسهم - لا يجب عليهم الحج ، ولا يلزمهم إحجاج الغير عنهم ، ولا الإيصاء به عند الموت بشرط ألا يكونوا قد وجدت عندهم الاستطاعة قبل المرض ، فإن كانت الاستطاعة وجدت قبل المرض ، فإن الحج فرض عليهم باتفاق العلماء ، وعليهم أن يقوموا بإحجاج غيرهم عنهم لتسقط عنهم الفريضة .

والخلاف إنما هو فيمن قدر على الحج ماليا في وقت يعجز فيه عن تأديته صحيا عجزا دائما إلى الموت حسب غلبة الظن.

فأبو حنيفة في الرأي المختار عنده ، والشافعي وأحمد يرون أن الحج فرض عليه ، وعليه أن يبعث من يحج عنه على حسابه ونفقته ، إن وجد هذا الذي يحج عنه ، رجلا كان أو امرأة .
ودليلهم حديث ابن عباس أن امرأة من خثعم قالت : يا رسول الله ، إن فريضة الله على عباده في الحج أدركت أبي شيخا كبيرا لا يثبت على الراحلة ، أفأحج عنه ؟ قال : نعم . وذلك في حجة الوداع أخرجه مالك والشافعي والشيخان

وفي رواية قال لها صلى الله عليه وسلم : نعم فحجي عنه رواه الجماعة
وقال مالك : لا حج عليه ، وهو رأي للأحناف ، ودليلهم : أن الحج واجب على المستطيع ، وهذا غير مستطيع، وأجابهم الأولون بأنه غير مستطيع بنفسه مستطيع بغيره فيجب عليه .
ومن بعث إنسانا يحج عنه لمرضه المزمن ، ثم شفي من مرضه فإنه لا يجب عليه أن يحج مرة أخرى عند أحمد وإسحاق ، لأن الواجب لا يتكرر وقد سقط عنه بإحجاج غيره ، وقال الشافعي والأحناف وابن المنذر : يلزمه الحج ، لأن حج غيره كان لأن مرضه ميؤوس منه ، وقد تبين ، غير ذلك فيجب عليه الحج .
(هذا) والحج المنذور كحجة الإسلام في إباحة الاستنابة عند العجز والمنع منها مع القدرة لأنها حجة واجبة.
وأما الإنابة في حج التطوع فل تجوز إن كان الذي ينيب غيره لم يؤد حجة الإسلام

فإن كان قد أدى حجة الإسلام ، وهو عاجز عن الحج بنفسه فإن له أن ينيب من يحج عنه ، وإن كان غير عاجز فإن أبا حنيفة يجيز ذلك والشافعي لا يجيزه.
وإن كان من ينيب غيره ليحج عنه تطوعا به عجز مؤقت كالحبس والمرض المرجو الزوال فإن الإنابة صحيحة ، لأن التطوع مشروع في كل عام شروعا مستقلا بخلاف الفرض فإنه فرض العمر .
(هذا) وكل ما قيل في الحج يقال في العمرة .