صفحة الاستقبال منبر الجمعة - خطب جمعية خطبة 08 ـ 10 ـ 2010 - الحجّ رحلة نتقرّب بها إلى الله

كتاب التربية الإسلامية والتنشئة على القيم

خطبة 08 ـ 10 ـ 2010 - الحجّ رحلة نتقرّب بها إلى الله طباعة أرسل إلى صديق
الكاتب: خالد التلمودي   
خالد التّلمودي جامع الصّبر                   التّاريخ : 08 ـ 10 ـ 2010

خزامة الغربيّة                    30 شوّال 1431

                          الحجّ رحلة نتقرّب  بها إلى الله

  

الحمد لله ربّ العالمين ، نحمده تعالى ، ونستعينه ، ونستغفره، ونعوذ به من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا ، من يهده الله فلا مُضلّ له ، ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، إقراراً بربوبيته ، وإرغاماً لمن جحد به وكفر ، وأشهد أن سيدنا محمداً صلى الله عليه وسلم رسول الله ، سيد الخلق والبشر ، ما اتصلت عين بنظر ، أو سمعت أذن بخبر ، اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه الطيبين الطاهرين أمناء دعوته وقادة ألويته و ارضَ عنا وعنهم يا رب العالمين .

 

إخوة الإيمان اتّقوا الله حقّ تقاته ولا تموتنّ إلاّ وأنتم مسلمون واعلموا أنّكم إليه راجعون وعلى أعمالكم محاسبون  فاليوم عمل ولا حساب وغدا حساب ولا عمل فلتنظر نفس ما قدّمت لغد

لا زلنا مع الحجّ وأسراره ، فهو العبادة الجامعة المانعة وهو كما تعلمون  الفريضة البدنية المالية الشعائرية ، وهو في  ظاهره أن تسافر إلى بيت الله الحرام ، وأن تطوف وتسعى ، وأن تقف في عرفات ، لكن حقيقته أرقى من ذلك وأسمى إنّه رحلة قلوب لا رحلة أبدان ، رحلة نفوس لا رحلة أشباح ، إنّه رحلة إلى الله بأتمّ معنى الكلمة ، أي رحلة القرب من الله ، الله الذي ناداك فاستجبت ، أمرك فأطعت ، دعاك فلبّيت ، ،،،بهذه المقاييس لا يمكن أن تكون رحلتك إلاّ إلى الله  ولكي يتحقّق هذا المقصد  لا بدّ من معرفة أشياء أساسيّة  وتمثّلها في هذه الرّحلة المتميّزة .

لا  بدّ أن تعلم أنّ :

 1 ـ مناسك الحجّ من شعائر الله :

قال تعالى :  "ومن يعظّم شعائر الله  فإنّها من تقوى القلوب  " الحجّ 32

لقد  فرّق العلماء بين أداء الشّعيرة  وتعظيمها  ،فمن تعظيمها أن يؤدّيها الحاج كما فعلها رسول الله صلى الله عليه وسلم ، و من تعظيمها أن تؤديها على شوق وطيب نفس ، ومن تعظيمها ألا تتأفّف وألا تتململ منها ، من تعظيمها أن يؤديها الحاج برغبة وامتثال ، وطاعة وانقياد دون البحث حتّى عن الأسباب والعلل فقد تقوم بأشياء لا تخضع لمقاييس العقل ولا المنطق ولا المألوف ومع ذلك يجب عليك أن تؤدّيها لأنّك تحت أمر الله  محلّ اختبار وانصياع  ، تذكّر حينها عندما أمر الله نبيّه إبراهيم بذبح ابنه ،فاستجاب، وتذكّر طاعة إسماعيل دون جدال ولا تردّد ،،،،، بهذا تتحقّق  تقوى القلوب  ، وبهذا نفهم مرّة أخرى معنى قوله تعالى :" ومن يعظّم شعائر الله فإنّها من تقوى القلوب "

 

2 ـ تحقيق نقاء القلب وصفاء النّفس :

أقول للأسف الشّديد  تجد الكثير من الحجيج في حديثهم عن الحجّ يروي لك كلّ شيء إلاّ المشاعر التي تولّدت في نفسه من جرّاء أداء الشّعائر لأنّه ببساطة لم تخالج نفسه ولم تؤثّر في كيانه  أخذها وأدّاها  بلا روح وبلا انفعال إيمانيّ  ، بل تجده متبرّما متعكّر المزاج لما رأى من ازدحام  وسوء نظام  ومنزعجا  من قلّة الرّاحة  ومن الطّعام   ،فلم تلج إلى قلبه  تلك المشاعر المقدّسة  التي هي عبارة  عن  بوتقة ينصهر بها قلب المؤمن حتى يتخلّص من أدرانه ويعود طاهراً كيوم ولدته أمّه ، يعود نقيّ القلب ، صافي النفس ، تلك هي الغاية الكبرى من الحج ، أرقى عبادة كأنها مستوى جامعي كبير ، نال فيه شهادة الامتياز .

 

3 ـ الحجّ يقوّم حياة المسلم وقيمه ومبادئه :

 يقول تعالى : " جعل الله الكعبة البيت الحرام قياما للنّاس " (سورة المائدة الآية : 97)

أي به تقوم حياتهم ، ويقوّم إيمانهم ، وتقوّم مبادئهم ، و تقوّم قيمهم.... وهذا هو المطلوب والمقصود والمؤمّل من أداء عبادة الحجّ  فكلّ من حجّ  ينتظر منه قبل أن يحجّ إعادة الحقوق إلى أهلها   وسداد الدّيون  وصلة الأرحام ، واستقامة السّلوك وكفّ الأذى والأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر وبالإجمال نهج الطّريق المستقيم ، فماذا ينتظر ممّن التزم بهذه المبادئ غير الخير العميم  للذّات وللجماعة حيثما كان ومهما كانت وظيفته ، وهذه الاستقامة سببها الأساسيّ  معرفة الله  ويقين المؤمن أنّ الله يعلم ، يعلم ما في السّماوات وما في الأرض ، ويعلم ما نعلن وما نخفي، ولا تخفى عليه خافية ،ويعلم أنّه سيحاسب ، فيعاقب إن أساء ويكافأ إن عصى ،،،،  هذا العلم اليقينيّ يجعله يستقيم على أمر الله فلا يعصيه ،فحينما يوقن أن علم الله يطوله، وأن قدرته تطوله ، يستقيم على أمره ، وهذا دور الحج : "ذلك لتعلموا أنّ الله يعلم ما في السّماوات وما في الأرض والله بكلّ شيء عليم " المائدة 97  فالمطلوب من الحاجّ  خاصّة ومن المؤمن عامّة ألاّ يتحرّك وهو  موقن أن هذه الحركة يعلمها الله ، هل عندك جواب لله لم غضبت ؟ لم رضيت ؟ لم وصلت ؟ لم قطعت ؟ لم سالمت ؟ لم عاديت ؟ لم طلّقت ؟  لم تزوّجت  ؟ لم أنجبت  ؟ لم اخترت هذا العمل دون غيره ؟ وأنت تعلم أنّك ستسأل بين يدي الله  هل أعددت الإجابة عن هذه الأسئلة وعن كلّ حركة قمت بها في حياتك ؟

 

4 ـ الحجّ عبادة نشكر بها الله :

فإذا آمنّا بالله وشكرناه حقّقنا الغاية من وجودنا  ، ولا بدّ أن نعي هذه الحقيقة ، أعني حقيقة الغاية التي لا  بدّ أن نضعها نصب أعيننا  ونسعى من أجلها ونعيش بها ونموت عليها  : عبادة الله وتوحيده والسّعي لمرضاته فكلّ ماعدا ذلك زوال وفناء وتردّي  فإذا عرفت الله عرفت كلّ شيء ووجدت كلّ شيء وإذا لم تعرف الله  خسرت كلّ شيء وفقدت كلّ شيء حتّى وإن ملكت  خزائن الدّنيا  فقارون ملك  ما ملك من الكنوز ولكنّه أنكر وجود الله وأنكر فضله عليه وقال إنّما أوتيته على علم فخسف الله به  وبماله الأرض ...لأنّه لم يؤمن ولم يشكر فإيّاك أن تكون مكانه،،،،

 إخوة الإيمان اعلموا أنّ هذا الكون مسخّر لنا تسخيرين ، تسخير تعريف وتسخير تكريم ، ردّ فعل التعريف أن تؤمن ، وردّ فعل التكريم أن تشكر ، فإذا آمنت وشكرت حققت الهدف من وجودك .

يخلع الحاج ملابسة المَخيطة والمُحيطة ، ولا يعرف الإنسان قيمة هذه الثياب المخيطة والمحيطة إلا إذا ارتدى ثياب الإحرام ، والتي تعبّر بشكل أو بآخر عن دنياه ، عن حجمه المالي ، عن مرتبته الاجتماعية ، عن مرتبته الوظيفيّة  ، بل عن درجته العلمية ، والدينية ، هذه الملابس جزء من دنيا الإنسان ، لو كان بالسلك العسكري يضع على كتفه النّجوم، لو كان مدنيّا  يلبس ثيابا من أغلى الأنواع ، فالثّياب تعبر عن مالك ، وعن مرتبتك ، وعن علمك أحياناً ، هناك ثياب خاصة لمدرّسي الجامعات ، للقضاة ، وللعمّال في مختلف الاختصاصات ،،،،هذه الثياب التي تفرّق وتميّز ،أمرك الله  ـ وأنت في الحجّ ـ أن تخلعها ، وكأنك بهذا خلعت الدنيا كلها ، فيستوي في الطواف وفي السعي وفي عرفات أغنى الأغنياء وأفقر الفقراء ، يستوي أقوى الأقوياء وأضعف الضعفاء كما أنّ الثّياب تعبر عن نوع انتماء الفرد إلى أمةٍ معيّنة  ،،،،،،،  فلو بقي المسلم بلباسه لبقي ملتصقاً بدنياه ، أو بقبيلته ، أو بطبقته ، أو بمَنْ على شاكلته ، ولكن الإسلام لحكمةٍ كبيرة شرع اللّون الواحد ، ثياب ليست مَخيطة ولا محيطة والتصميم واحد ، حتى تختفي الهويّة الشخصية ، ويبدو البشر كياناً واحداً ، ومن ثم تتعامل معهم بدافع إنساني خالص ، بعدما ذابت الفروق الطبقية ، والهويّات الإقليمية ، والانتماءات المتعددة ، ليبرز هذا اللباس لوناً واحداً هو الإنسان على فطرته السليمة في مواجهة خالقه الواحد الديان .

اللهمّ اجعلنا إخوانا فيك متحابّين وعلى كلمة لا إله إلاّ اله مجتمعين ويوم القيامة من الفائزين والحمد لله ربّ العالمين .

 

                                 الخطبة الثّانية

 بسم الله والحمد لله والصّلاة والسّلام على رسول الله وأشهد ألاّ إله إلاّ الله وأشهد أنّ سيّدنا محمّدا رسول الله

 

أمّا بعد إخوة الإيمان و يا من عزمتم على أداء مناسك الحجّ هذه السّنة  ،بعد أن يخلع الحاج ثيابه المَخيطة والمحيطة ، ويرتدي الإحرام الموحّد ، يدخل في أفق الممنوعات ، ففي باطنه ممنوع أن يفكّر مجرّد التّفكير في شيء يؤذي الحرم  ، ممنوع أن يؤذي الحيوان ، فلا يصطاد ه ، ولا يقتله ، ومع النبات فلا يقطعه ، ولا يشوهه، ومع الحجر فلا يكسره ، ولا يقتلعه، فإن كان هذا حاله مع سائر المخلوقات فمن باب أولى أن يكون سلاما مع البشر فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحجّ  ، لا سباب ولا سخرية ولا استنقاص ولا استعلاء ولا كبرياء  ،،،،،،هذه الممنوعات التي هي من لوازم الإحرام ،  ليكون الحج سلاماً دائماً إلى كل الخلائق

 كما يمنع على الحاجّ وهو محرم  التطيُّبُ بكل أنواع الطّيب ، ويُحظر عليه الحلقُ والتقصيرُ ، ويُحظر عليه مقاربةُ المُتَعِ التي أُبيحت له خارجَ الحج ، كلُّ ذلك ليُحْكِمَ اتصالَه بالله ، لأنّ المادّة تلهي والرفاهة تنسي والغنى يطغي ، والله يريد منك أن تكون خالصا له دون زيف أو طلاء ، كما أنت على طبيعتك ، وهذا الأمر يشمل حتّى المكان فقد شاء الله عز وجل أن يجعل الحج في وادٍ غير ذي زرع ، لا يوجد منظر ممتع ولا أنهار جارية  بل جبال سوداء محيطة بالمكان لكنّها تجعلك في صلة بالله ، جمّد لك كل عوامل اللذة والسعادة في الدنيا وحرّك عاملاً واحداً هو الاتصال بالله عز وجل ." ربّ إنّي أسكنت من ذرّيتي بواد غير ذي زرع عند بيتك المحرّم  "

 صدق الله العظيم والحمد لله ربّ العالمين ، لك الحمد يا ربّنا على ما قضيت ولك الشّكر على ما أنعمت به علينا وأوليت ، نستغفرك ونتوب إليك ونؤمن بك ونتوكّل عيك ونصلّي ونسلّم على سيّد الخلق وأشرف الخلق سيّدنا محمّد وعلى آله وصحبه أجمعين  ،اللهمّ أنت الغنيّ ونحن الفقراء إليك ، أنت العزيز ونحن الأذلاّء إليك ، اللهمّ يا واصل المنقطعين أوصلنا إليك  وهب لنا عملا يقرّبنا إليك ، هب لنا حجّا مبرورا ، يقرّبنا إليك ، اللهمّ استرنا فوق الأرض وتحت الأرض ويوم العرض عليك ، أحسن وقوفنا بين يديك ، اللهمّ أحسن عاقبتنا في الأمور كلّها وأجرنا من  خزي الدّنيا وعذاب الآخرة ، يا حنّان يا منّان يا ذا الجلال والإكرام  . اللهمّ برحمتك الواسعة عمّنا واكفنا شرّ ما أهمّنا  وغمّنا  وعلى الإيمان الكامل  توفّنا وأنت راض عنّا اللهمّ إنّا نسألك  أن ترزقنا حبّك وحبّ من يحبّك وحبّ كلّ عمل يقرّبنا إلى حبّك ، داونا اللّهمّ بدوائك واشفنا بشفائك وأغننا بفضلك عمّن سواك اللهمّ ارحمنا إذا أتانا اليقين  وعرق منّا الجبين ، ارحمنا إذا حملنا على الأعناق  وبلغت التّراق وقيل من راق وظنّ آنّه الفراق والتفّت السّاق بالسّاق  إلى  ربّك يومئذ المساق  اللهمّ ارحمنا  فإنّك بنا رحيم  ولا تعذّبنا  فأنت علينا قدير  وألطف بنا فيما جرت به المقادير    يا قاضي الحاجات  ويا مجيب الدّعوات  نسألك يا ربّنا رحمة تهدي بها قلوبنا   وتصلح بها أمورنا وتغفر بها ذنوبنا وترسل السّماء علينا مدرارا  وترزقنا بأموال وبنين ذخرا لهذا الدّين  وأن تنصر الإسلام والمسلمين   وأن تدمّر أعداء الدّين  وكن لرئيسنا خير مرشد ومعين للحقّ واليقين  وأن تنزع حبّ الدّنيا من قلوبنا وأبدله  يا ربّنا بحبّ الآخرة  وحبّ الصّلاة والصّيام ومساعدة المحتاجين والرّحمة بالضّعفاء والمساكين  وحبّ القرآن  وحبّ نبيّك المصطفى صلّى الله عليه وسلّم   اللهمّ ولا تحرمنا لقاءه  فقد آمنّا  به ولم نره  فاجعلنا من شفعائه يوم الدّين ومن جلسائه في أعلى علّيين  ، اللهمّ ارزق شباب المسلمين عفّة يوسف عليه السّلام وارزق نساء المسلمين طهارة مريم عليها السّلام  واحفظ نساء المسلمين من شرّ خلقك أجمعين   سبحان ربّك ربّ العزّة عمّا يصفون وسلام على المرسلين والحمد لله ربّ العالمين .