صفحة الاستقبال منبر الجمعة - خطب جمعية خطبة يوم الجمعة 15 ـ 10 ـ 2010 - بعض حكم الحجّ

كتاب التربية الإسلامية والتنشئة على القيم

خطبة يوم الجمعة 15 ـ 10 ـ 2010 - بعض حكم الحجّ طباعة أرسل إلى صديق
الكاتب: خالد التلمودي   

خالد التّلمودي جامع الصّبر                      التّـاريخ :15 ـ 10 ـ 2010

خزامة الغربيّة                                       07 ذو القعدة 1431

                          البـعض من حكم الحـجّ

الحمد لله ربّ العالمين ، نحمده تعالى  ، ونستغفره، ونتوب إليه ونعوذ به من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا ، من يهده الله فلا مُضلّ له ، ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، له الملك وله الحمد يحيي ويميت وهو على كلّ شيء قدير إقراراً بربوبيته ، وإرغاماً لمن جحد به وكفر ، وأشهد أن سيدنا محمداً صلى الله عليه وسلم رسول الله ، سيّد الخلق والبشر ، ما اتصلت عين بنظر ، أو سمعت أذن بخبر ، اللهم صلِّ وسلّم وبارك على سيّدنا محمد وعلى آله وأصحابه الطيبين الطاهرين أمناء دعوته وقادة ألويته و ارضَ عنّا وعنهم يا رب العالمين .

أيّها المؤمنون اتّقوا الله حقّ تقاته ولا تموتنّ إلاّ وأنتم مسلمون  وبادروا إلى الصّالح من الأعمال  واعلموا أنّنا جميعا إلى زوال ولا يبقى إلاّ الواحد الديّان

أمّا بعد : لم ينقض بعد الكلام في الحجّ فهو مليء بالأسرار والعبر والدّروس التي تفيد الجميع على مرّ العصور والأزمان فكلّ منسك يقوم به الحاجّ  إلاّ ويجني منه الخير الكثير والأجر العظيم والمغفرة الشّاملة ....لا تخالوا أنّ الأجر مجرّد أرقام تسجّل في سجلّ حسناتنا وأنّ المغفرة مجرّ ذنوب تمحى من سجلّ سيّئاتنا ، لا ،،،،إنّها أشمل من ذلك بكثير ،،،،،إنّها نور اليقين في الله العليّ العظيم ، وحبّ الطّاعة  وكراهيّة المعصية وحبّ الجنّة وكراهيّة النّار ،،، إنّها كراهيّة  الدّنيا وحبّ الآخرة ،،،إنّه الامتثال المطلق لقوله تعالى :" وأنّ هذا صراطي مستقيما فاتّبعوه ولا تتّبعوا السّبل فتفرّق بكم عن سبيله "  هذا الصّراط الذي يلتزم المسلم بنهجه بكلّ حبّ وطواعيّة ويدعو ويلحّ في الدّعاء بكلّ تمعّن ويقين في كلّ حين وفي كلّ ركعة من صلاته  قائلا :" اهدنا الصّراط المستقيم " ليعلم أنّ العبد حينما يعبد الله يخرج من مراده إلى مراد الله تعالى وهذا ما يحقّقه الحجّ في كلّياته وجزئيّاته  ولعلّ قمّة أركانه  يوم عرفة  ألم يقل النبي ص :" الحجّ عرفةفاختزل الحجّ كلّه في عرفة  فإن كنّا لا نعرف هذا الرّكن على وجهه الأكمل نكون قد أغفلنا ركنا مكينا  ويوما عظيما  ذكرت فيه النّصوص الكثيرة التي تكشف لنا حقائقه لنزداد يقينا في فضل الله علينا  وواسع رحمته بنا ....................

فضل يوم عرفة :  يوم عرفة من الأيّام الفضلى ، تجاب فيه الدعوات ، وتقال العثرات ، ويباهي الله فيه الملائكة بأهل عرفات ، وهو يوم عظَّم الله أمره ، ورفع على الأيام قدره ، وهو يوم فيه إكمال الدين ، وإتمام النعمة ، ويوم مغفرة الذنوب ، ويوم العتق من النار ، إنه يوم اللقاء الأكبر بين العبد المنيب المشتاق وبين ربّه الرحيم التوّاب ، بين هذا الإنسان الحادث الفاني المحدود الصغير وبين الخالق المطلق الأزلي الباقي الكبير ، وعندها ينطلق الإنسان من حدود ذاته الصغيرة إلى رحاب الكون الكبير ، من حدود قوّته الهزيلة إلى الطاقات الكونية العظيمة ، من حدود عمره القصير إلى امتداد الآباد التي لا يعلمها إلا الله .

فيوم عرفة يوم المعرفة ، ويوم عرفة يوم المغفرة ، ويوم عرفة يوم تتنزّل فيه الرحمات على العباد ، من خـالق الأرض والسماوات ، وقد قيل :  من وقف في عرفات ولم يغلب عـلى ظنّه أن الله غفر له فلا حج له .

من كمال العطاء أن يغفر الله لك ، وأن يلقي في روعك أنه قبلك ، أظن جازماً أنه من وقف في عرفات مخلصاً ألقى الله في روعه أنه قد غفر الله له وعاد كيوم ولدته أمّه ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :((ما من يوم أفضل عند الله من يوم عرفة ، ينـزل الله تبارك وتعالى إلى السماء الدنيا ، فيباهي بأهل الأرض أهل السماء ، يقول انظروا عبادي جاءوني شعثاً غبراً ضاحين ، جاءوني من كل فجّ عميق ، يرجون رحمتي ولم يروا عذابي ، فلم يُر يوم أكثر عتيقاً من النار من يوم عرفة)) .[صحيح ابن حبان قريبا منه عن جابر رضي الله عنه]

لاحظوا كيف تمّ اللّقاء بين المقبلين على الله الملبّين لدعوته وبين  المولى تبارك وتعالى الذي يباهي  بهم ملائكته  دون اعتبار لمظهرهم الخارجيّ الدّال على اللامبالاة من أجل التجرّد لطاعة الله وتبعا لذلك كان الجزاء الفوريّ  فاسمعوا لهذا الحديث :  (( ما من يوم أكثـــر من أن يعتق الله فيه عبداً من النار من يوم عرفة ، وإنه ليدنو عز وجل ثم يباهي بهم الملائكة فيقول : ماذا أراد هؤلاء ؟ انظروا إلى عبادي شعثاً غبراً ، اشهدوا أني غفرت لهم )) .[مسلم عن عائشة رضي الله عنها]

وأروع ما في الأمر أنّ حقيقة المغفرة بلّغها  النبيّ ص يوم عرفة في الحجّة الوحيدة التي أدّاها سيّد الخلق بأسلوب يخلد في الذّاكرة  وباستفسار من عمر الفاروق،،،، ، الردّ عنه يمثّل بشرى لسائر المسلمين على مدى العصور والأزمان  قال ص  مخاطبا بلالا :(( يا بلال ، أَنصِت لي الناس ، فقام بلال فقال : أنصتوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، فأنصت الناس ، فقـال عليه الصلاة والسلام : معشر الناس أتاني جبريل آنفاً فأقرأني من ربّـي السلام ، وقال : إن الله عز وجل غفر لأهل عرفات ، وأهل المشعر الحرام ، وضمن عنهم التبعات ، فقام عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال : يا رسول الله هذه لنا خاصة ، قال : هذه لكم ، ولمن أتى من بعدكم إلى يوم القيامة ، فقال عمر رضي الله عنه : كثر خير الله وفاض )) .[الترغيب والترهيب عن أنس بن مالك رضي الله عنه]

تصوّروا ذلك المشهد العظيم وتصوّروا ذلك الإحساس القويّ الذي خالج نفس المؤمن الصّادق نتيجة تلك المغفرة الشّاملة والخير العميم الذي فاض على الجميع  بما فيهم من دعا لهم الحاجّ وتذكّرهم  وهو في ذلك الموقف الفريد وهو يعلم أنّ دعاء المسلم لأخيه المسلم بظهر الغيب مستجاب وفي المقابل ترى الشّيطان اللّعين في أسوء حال لأنّه تعهّد بالإغواء والإغراء  ونجح في ذلك إلى أبعد الحدود وعلى نطاق واسع  ولكن رحمة الله أوسع وأشمل لم تستثن ذنبا  ولا إنسانا  وها  أنّ نبيّ الرّحمة يصف لنا حال الشّيطان وكأنّنا نراه  فيقول : (( ما رئي الشيطان يوماً هو فيه أصغر ، ولا أدحر ، ولا أغيظ منه من يوم عرفة ، وما ذاك إلا لما رأى من تنزل الرحمة ، وتجاوز الله عن الذنوب العظام )) .[موطأ مالك عن أبي الدرداء رضي الله عنه]  

ولمزيد تكريس عداوتنا لإبليس  يلي الوقوف بعرفة  رمي الجمرات وفي رمي الجمرات بعض الأسرار ؛ فلنبدأ بالجمرة الكبرى قال بعض العلماء : هذا تكثيف وحشد في لغة العسكريين ، ابدأ بمواجهة الأكبر ، وكان عليه الصلاة والسلام يخص الجمرتين الأولى والوسطى بتطويل الوقوف عندها للدعاء ، إنها ثلاث جمرات ، وبينهما مسافة ، ليظل المؤمن واعياً تماماً ، لا ينام حتى لا يسقط سلاحه ، بينما العدو منه على مرمى حجر ، وعليه أن يعلم أن المعركة مع الشيطان متعددة المواقع ، ومستمرة ، وممتدة مع عمره ، لذلك ينبغي أن تُرمى ثلاث جمرات في ثلاثة أيام ، فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه

يقول الإمام الغزالي رحمه الله تعالى وهذه أخطر كلمة  : لا يحصل إرغام أنف الشيطان في أثناء رجمه إلا بطاعتك للرحمن ، فإذا عاد وعصى ربه هل تصدقون من الذي رجم الآخر ؟ إبليس هو الذي رجم الإنسان ، لا يرغم أنفه إلا بطاعة الرحمن ، ومن عاد بعد الحج إلى ما كان عليه من المعاصي والآثام فليعلم علم اليقين أن الشيطان هو الذي رَجَمه .

 

اللهمّ إنّا نسألك الهدى والتّقى والعفاف والغنى، نسألك الثّبات على الأمر كلّه  حتّى نلقاك وأنت راض عنّا  والحمد لله ربّ العالمين .

 

                                 الخطبة الثّانية

بسم الله الرّحمن الرّحيم والصّلاة والسّلام على سيّد المرسلين وأشهد ألاّ إله إلاّ الله وليّ الصّالحين وأشهد أنّ سيّدنا محمّدا عبده ورسوله .

 أمّا بعد ، إخوة الإيمان  لعلّ من أروع  ما يستشعره المؤمن في ذلك اليوم العظيم  وذلك الحشد الكبير  الذي لا تفرّق فيه بين عرق أو جنس أو طبقة  اجتماعيّة  أو مركز أو منصب  ...يتّحد الجميع في كلّ شيء : في المكان  والزّمان والمنسك واللّباس .....مشاعر عبّر عنها كلّ من حجّ :" كأنّنا في أرض المحشر" يرى  بين يديه صورةً مصغَّرةً للمحشر العظيم يوم القيامة ،  هذه الصّورة الحيّة تلحّ عليه أن يستعدَّ لذلك اليوم  منذ الآن ، إلاّ أنّ رحلة الحجّ  يعود منها الإنسان إلى وطنه ،وما زالت لديه إمكانيّة مراجعة نفسه وتصحيح مساره  ولكن المحشر العظيم، يوم القيامة رحلة لا يعود منها الإنسان أبدا  ، رغم أنّه يتمنّى ذلك لأنّه أدرك حقيقة الأمر وحقيقة المآل فيقول :" ربّ أرجعوني اعمل صالحا فيما تركت " فيقال له :" بالجزم والقطع :" كــــــــــلاّ " وإذا كان النّاس متساوون في الهيأة والمشاعر في يوم عرفة  فالنّاس يوم القيامة  على هيآت مختلفة منهم من يمشي على وجهه ومنهم من يحشر أعمى  ومنهم من يكون في حجم النّمل ومنهم من يغرق في عرقه ومنهم ـ إخوة الإيمان ـ من يستظلّ بظلّ الرّحمن ومن ينعم بالرّوح والرّيحان ......

إنّه إذا ، ركن الوقوف بعرفة الذي يكون في اليوم التّاسع من ذي الحجّة من فاته بطل حجّه يبتدئ من زوال ذلك اليوم ويمتدّ إلى طلوع اليوم العاشر والأوكد فيه الوقوف ما بعد الغروب    ................

جعلني الله وإيّاكم ممّن يؤدّون مناسكهم على الوجه الأكمل الذي يرضيه عنّا ونتعبّده كما أمرنا حبّا وطواعيّة واستنانا بسنّة نبيّنا المصطفى صلّى الله عليه وسلّم  اللهمّ ولك الحمد  حمدا يليق بجلال وجهك وعظيم سلطانك  لك الحمد حتّى ترضى ولك الحمد على الرّضا ولك الحمد في الأولى والآخرة .......

 

 اللَّهُمَّ إِنِّا نسْأَلُكَ الثَّبَاتَ فِي الأَمْرِ، وَالْعَزِيمَةَ عَلَى الرُّشْدِ، وَنسْأَلُكَ مُوجِبَاتِ رَحْمَتِكَ، وَعَزَائِمَ مَغْفِرَتِكَ، اللهُمَّ إنَّا نسألُكَ مِنَ الخَيرِ كُلِّهِ عَاجِلِهِ وآجِلِهِ مَا عَلمْنَا مِنهُ ومَا لَمْ نعلمْ، ونعوذُ بِكَ مِن الشَّرِّ كُلِّهِ عَاجِلِهِ وآجِلِهِ مَا عَلمْنَا مِنهُ ومَا لَمْ نَعلمْ ، ونَسألُك الجَنَّةَ ومَا قَرَّبَ إِليهَا مِنْ قَولٍ أَوْ عَملٍ، ونَعوذُ بِك مِنَ النَّار ومَا قَرَّبَ إِليها مِنْ قَولٍ أوْ عَملٍ ، ونَسألُك مِمَّا سَألَك منه سيدُنا مُحمدٌ صلى الله عليه وسلم ونَعوذُ بِك مِمَّا تَعوذَ مِنه سيدُنَا مُحمدٌ صلى الله عليه وسلم اللهم إنَّا نسألك مِنَ النعمةِ تمامَهَا، ومِنَ العصمةِ دَوامَهَا ومِنَ الرحمةِ شُمُولَهَا، ومِنَ العافيةِ حُصُولَهَا، ومِنَ الإحسانِ أَتَمَّهُ، ومِنَ الإنعامِ أَعَمَّهُ، ومِنَ الفضلِ أَعْذَبَهُ، ومِنَ اللُّطفِ أقربَهُ، ومِنَ العملِ أصلَحَهُ، ومِنَ العلمِ أنفَعَهُ، ومِنَ الرزقِ أوسَعَهُ، اللهمَّ كُنْ لنَا ولاَ تكنْ علينَا، اللهمَّ اختِمْ بالسعادةِ آجالَنا، وحقِّقْ بالزيادةِ آمالَنَا، واقْرِنْ بالعافيَةِ غُدُوَّنا وآصالَنَا، ومُنَّ علينَا بستر عيوبِنَا، واجعلِ تقواك زادَنا، اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ الأَحْيَاءِ مِنْهُمْ وَالأَمْوَاتِ، اللهمّ تقبّل منّا أعمالنا كلّها واغفر لنا ذنوبنا وارفع درجاتنا وثبّت حجّتنا وإيماننا حتّى نلقاك وأنت راض عنّا

 اللَّهُمَّ أَخلِفْ علَى مَنْ زكَّى مالَهُ عطاءً ونماءً، اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِكُلِّ مَنْ وَقَفَ لَكَ وَقْفًا يَعُودُ نَفْعُهُ عَلَى عِبَادِكَ بِرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ، اللهمّ اخلف لكلّ من ساهم في أبواب الخيرات والصّالحات وبارك لهم في أموالهم وصحّتهم وذرّياتهم،اللهمّ اشف مرضانا وارفع عنهم البلاء وكلّ وباء واشفهم شفاء لا يغادر سقما  اللهمّ وفّق رئيسنا  لما فيه خير البلاد والعباد  اللَّهُمَّ اسقِنَا الغيثَ ولاَ تجعَلْنَا مِنَ القانطينَ، اللَّهُمَّ أَغِثْنَا، اللَّهُمَّ أَغِثْنَا، اللَّهُمَّ أَغِثْنَا، اللَّهُمَّ اجْعَلْ بَلَدَنَا هَذَا آمِنًا مُطْمَئِنًّا وَسَائِرَ بِلاَدِ الْمُسْلِمِينَ  سبحان ربّك ربّ العزّة عمّا يصفون وسلام على المرسلين والحمد لله ربّ العالمين

 



12.00 Normal 0 21 false false false FR X-NONE AR-SA MicrosoftInternetExplorer4

خالد التّلمودي جامع الصّبر                      التّـاريخ :15 ـ 10 ـ 2010

خزامة الغربيّة                                       07 ذو القعدة 1431

                          البـعض من حكم الحـجّ

الحمد لله ربّ العالمين ، نحمده تعالى  ، ونستغفره، ونتوب إليه ونعوذ به من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا ، من يهده الله فلا مُضلّ له ، ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، له الملك وله الحمد يحيي ويميت وهو على كلّ شيء قدير إقراراً بربوبيته ، وإرغاماً لمن جحد به وكفر ، وأشهد أن سيدنا محمداً صلى الله عليه وسلم رسول الله ، سيّد الخلق والبشر ، ما اتصلت عين بنظر ، أو سمعت أذن بخبر ، اللهم صلِّ وسلّم وبارك على سيّدنا محمد وعلى آله وأصحابه الطيبين الطاهرين أمناء دعوته وقادة ألويته و ارضَ عنّا وعنهم يا رب العالمين .

أيّها المؤمنون اتّقوا الله حقّ تقاته ولا تموتنّ إلاّ وأنتم مسلمون  وبادروا إلى الصّالح من الأعمال  واعلموا أنّنا جميعا إلى زوال ولا يبقى إلاّ الواحد الديّان

أمّا بعد : لم ينقض بعد الكلام في الحجّ فهو مليء بالأسرار والعبر والدّروس التي تفيد الجميع على مرّ العصور والأزمان فكلّ منسك يقوم به الحاجّ  إلاّ ويجني منه الخير الكثير والأجر العظيم والمغفرة الشّاملة ....لا تخالوا أنّ الأجر مجرّد أرقام تسجّل في سجلّ حسناتنا وأنّ المغفرة مجرّ ذنوب تمحى من سجلّ سيّئاتنا ، لا ،،،،إنّها أشمل من ذلك بكثير ،،،،،إنّها نور اليقين في الله العليّ العظيم ، وحبّ الطّاعة  وكراهيّة المعصية وحبّ الجنّة وكراهيّة النّار ،،، إنّها كراهيّة  الدّنيا وحبّ الآخرة ،،،إنّه الامتثال المطلق لقوله تعالى :" وأنّ هذا صراطي مستقيما فاتّبعوه ولا تتّبعوا السّبل فتفرّق بكم عن سبيله "  هذا الصّراط الذي يلتزم المسلم بنهجه بكلّ حبّ وطواعيّة ويدعو ويلحّ في الدّعاء بكلّ تمعّن ويقين في كلّ حين وفي كلّ ركعة من صلاته  قائلا :" اهدنا الصّراط المستقيم " ليعلم أنّ العبد حينما يعبد الله يخرج من مراده إلى مراد الله تعالى وهذا ما يحقّقه الحجّ في كلّياته وجزئيّاته  ولعلّ قمّة أركانه  يوم عرفة  ألم يقل النبي ص :" الحجّ عرفةفاختزل الحجّ كلّه في عرفة  فإن كنّا لا نعرف هذا الرّكن على وجهه الأكمل نكون قد أغفلنا ركنا مكينا  ويوما عظيما  ذكرت فيه النّصوص الكثيرة التي تكشف لنا حقائقه لنزداد يقينا في فضل الله علينا  وواسع رحمته بنا ....................

فضل يوم عرفة :  يوم عرفة من الأيّام الفضلى ، تجاب فيه الدعوات ، وتقال العثرات ، ويباهي الله فيه الملائكة بأهل عرفات ، وهو يوم عظَّم الله أمره ، ورفع على الأيام قدره ، وهو يوم فيه إكمال الدين ، وإتمام النعمة ، ويوم مغفرة الذنوب ، ويوم العتق من النار ، إنه يوم اللقاء الأكبر بين العبد المنيب المشتاق وبين ربّه الرحيم التوّاب ، بين هذا الإنسان الحادث الفاني المحدود الصغير وبين الخالق المطلق الأزلي الباقي الكبير ، وعندها ينطلق الإنسان من حدود ذاته الصغيرة إلى رحاب الكون الكبير ، من حدود قوّته الهزيلة إلى الطاقات الكونية العظيمة ، من حدود عمره القصير إلى امتداد الآباد التي لا يعلمها إلا الله .

فيوم عرفة يوم المعرفة ، ويوم عرفة يوم المغفرة ، ويوم عرفة يوم تتنزّل فيه الرحمات على العباد ، من خـالق الأرض والسماوات ، وقد قيل :  من وقف في عرفات ولم يغلب عـلى ظنّه أن الله غفر له فلا حج له .

من كمال العطاء أن يغفر الله لك ، وأن يلقي في روعك أنه قبلك ، أظن جازماً أنه من وقف في عرفات مخلصاً ألقى الله في روعه أنه قد غفر الله له وعاد كيوم ولدته أمّه ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :((ما من يوم أفضل عند الله من يوم عرفة ، ينـزل الله تبارك وتعالى إلى السماء الدنيا ، فيباهي بأهل الأرض أهل السماء ، يقول انظروا عبادي جاءوني شعثاً غبراً ضاحين ، جاءوني من كل فجّ عميق ، يرجون رحمتي ولم يروا عذابي ، فلم يُر يوم أكثر عتيقاً من النار من يوم عرفة)) .[صحيح ابن حبان قريبا منه عن جابر رضي الله عنه]

لاحظوا كيف تمّ اللّقاء بين المقبلين على الله الملبّين لدعوته وبين  المولى تبارك وتعالى الذي يباهي  بهم ملائكته  دون اعتبار لمظهرهم الخارجيّ الدّال على اللامبالاة من أجل التجرّد لطاعة الله وتبعا لذلك كان الجزاء الفوريّ  فاسمعوا لهذا الحديث :  (( ما من يوم أكثـــر من أن يعتق الله فيه عبداً من النار من يوم عرفة ، وإنه ليدنو عز وجل ثم يباهي بهم الملائكة فيقول : ماذا أراد هؤلاء ؟ انظروا إلى عبادي شعثاً غبراً ، اشهدوا أني غفرت لهم )) .[مسلم عن عائشة رضي الله عنها]

وأروع ما في الأمر أنّ حقيقة المغفرة بلّغها  النبيّ ص يوم عرفة في الحجّة الوحيدة التي أدّاها سيّد الخلق بأسلوب يخلد في الذّاكرة  وباستفسار من عمر الفاروق،،،، ، الردّ عنه يمثّل بشرى لسائر المسلمين على مدى العصور والأزمان  قال ص  مخاطبا بلالا :(( يا بلال ، أَنصِت لي الناس ، فقام بلال فقال : أنصتوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، فأنصت الناس ، فقـال عليه الصلاة والسلام : معشر الناس أتاني جبريل آنفاً فأقرأني من ربّـي السلام ، وقال : إن الله عز وجل غفر لأهل عرفات ، وأهل المشعر الحرام ، وضمن عنهم التبعات ، فقام عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال : يا رسول الله هذه لنا خاصة ، قال : هذه لكم ، ولمن أتى من بعدكم إلى يوم القيامة ، فقال عمر رضي الله عنه : كثر خير الله وفاض )) .[الترغيب والترهيب عن أنس بن مالك رضي الله عنه]

تصوّروا ذلك المشهد العظيم وتصوّروا ذلك الإحساس القويّ الذي خالج نفس المؤمن الصّادق نتيجة تلك المغفرة الشّاملة والخير العميم الذي فاض على الجميع  بما فيهم من دعا لهم الحاجّ وتذكّرهم  وهو في ذلك الموقف الفريد وهو يعلم أنّ دعاء المسلم لأخيه المسلم بظهر الغيب مستجاب وفي المقابل ترى الشّيطان اللّعين في أسوء حال لأنّه تعهّد بالإغواء والإغراء  ونجح في ذلك إلى أبعد الحدود وعلى نطاق واسع  ولكن رحمة الله أوسع وأشمل لم تستثن ذنبا  ولا إنسانا  وها  أنّ نبيّ الرّحمة يصف لنا حال الشّيطان وكأنّنا نراه  فيقول : (( ما رئي الشيطان يوماً هو فيه أصغر ، ولا أدحر ، ولا أغيظ منه من يوم عرفة ، وما ذاك إلا لما رأى من تنزل الرحمة ، وتجاوز الله عن الذنوب العظام )) .[موطأ مالك عن أبي الدرداء رضي الله عنه]  

ولمزيد تكريس عداوتنا لإبليس  يلي الوقوف بعرفة  رمي الجمرات وفي رمي الجمرات بعض الأسرار ؛ فلنبدأ بالجمرة الكبرى قال بعض العلماء : هذا تكثيف وحشد في لغة العسكريين ، ابدأ بمواجهة الأكبر ، وكان عليه الصلاة والسلام يخص الجمرتين الأولى والوسطى بتطويل الوقوف عندها للدعاء ، إنها ثلاث جمرات ، وبينهما مسافة ، ليظل المؤمن واعياً تماماً ، لا ينام حتى لا يسقط سلاحه ، بينما العدو منه على مرمى حجر ، وعليه أن يعلم أن المعركة مع الشيطان متعددة المواقع ، ومستمرة ، وممتدة مع عمره ، لذلك ينبغي أن تُرمى ثلاث جمرات في ثلاثة أيام ، فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه

يقول الإمام الغزالي رحمه الله تعالى وهذه أخطر كلمة  : لا يحصل إرغام أنف الشيطان في أثناء رجمه إلا بطاعتك للرحمن ، فإذا عاد وعصى ربه هل تصدقون من الذي رجم الآخر ؟ إبليس هو الذي رجم الإنسان ، لا يرغم أنفه إلا بطاعة الرحمن ، ومن عاد بعد الحج إلى ما كان عليه من المعاصي والآثام فليعلم علم اليقين أن الشيطان هو الذي رَجَمه .

 

اللهمّ إنّا نسألك الهدى والتّقى والعفاف والغنى، نسألك الثّبات على الأمر كلّه  حتّى نلقاك وأنت راض عنّا  والحمد لله ربّ العالمين .

 

                                 الخطبة الثّانية

بسم الله الرّحمن الرّحيم والصّلاة والسّلام على سيّد المرسلين وأشهد ألاّ إله إلاّ الله وليّ الصّالحين وأشهد أنّ سيّدنا محمّدا عبده ورسوله .

 أمّا بعد ، إخوة الإيمان  لعلّ من أروع  ما يستشعره المؤمن في ذلك اليوم العظيم  وذلك الحشد الكبير  الذي لا تفرّق فيه بين عرق أو جنس أو طبقة  اجتماعيّة  أو مركز أو منصب  ...يتّحد الجميع في كلّ شيء : في المكان  والزّمان والمنسك واللّباس .....مشاعر عبّر عنها كلّ من حجّ :" كأنّنا في أرض المحشر" يرى  بين يديه صورةً مصغَّرةً للمحشر العظيم يوم القيامة ،  هذه الصّورة الحيّة تلحّ عليه أن يستعدَّ لذلك اليوم  منذ الآن ، إلاّ أنّ رحلة الحجّ  يعود منها الإنسان إلى وطنه ،وما زالت لديه إمكانيّة مراجعة نفسه وتصحيح مساره  ولكن المحشر العظيم، يوم القيامة رحلة لا يعود منها الإنسان أبدا  ، رغم أنّه يتمنّى ذلك لأنّه أدرك حقيقة الأمر وحقيقة المآل فيقول :" ربّ أرجعوني اعمل صالحا فيما تركت " فيقال له :" بالجزم والقطع :" كــــــــــلاّ " وإذا كان النّاس متساوون في الهيأة والمشاعر في يوم عرفة  فالنّاس يوم القيامة  على هيآت مختلفة منهم من يمشي على وجهه ومنهم من يحشر أعمى  ومنهم من يكون في حجم النّمل ومنهم من يغرق في عرقه ومنهم ـ إخوة الإيمان ـ من يستظلّ بظلّ الرّحمن ومن ينعم بالرّوح والرّيحان ......

إنّه إذا ، ركن الوقوف بعرفة الذي يكون في اليوم التّاسع من ذي الحجّة من فاته بطل حجّه يبتدئ من زوال ذلك اليوم ويمتدّ إلى طلوع اليوم العاشر والأوكد فيه الوقوف ما بعد الغروب    ................

جعلني الله وإيّاكم ممّن يؤدّون مناسكهم على الوجه الأكمل الذي يرضيه عنّا ونتعبّده كما أمرنا حبّا وطواعيّة واستنانا بسنّة نبيّنا المصطفى صلّى الله عليه وسلّم  اللهمّ ولك الحمد  حمدا يليق بجلال وجهك وعظيم سلطانك  لك الحمد حتّى ترضى ولك الحمد على الرّضا ولك الحمد في الأولى والآخرة .......

 

 اللَّهُمَّ إِنِّا نسْأَلُكَ الثَّبَاتَ فِي الأَمْرِ، وَالْعَزِيمَةَ عَلَى الرُّشْدِ، وَنسْأَلُكَ مُوجِبَاتِ رَحْمَتِكَ، وَعَزَائِمَ مَغْفِرَتِكَ، اللهُمَّ إنَّا نسألُكَ مِنَ الخَيرِ كُلِّهِ عَاجِلِهِ وآجِلِهِ مَا عَلمْنَا مِنهُ ومَا لَمْ نعلمْ، ونعوذُ بِكَ مِن الشَّرِّ كُلِّهِ عَاجِلِهِ وآجِلِهِ مَا عَلمْنَا مِنهُ ومَا لَمْ نَعلمْ ، ونَسألُك الجَنَّةَ ومَا قَرَّبَ إِليهَا مِنْ قَولٍ أَوْ عَملٍ، ونَعوذُ بِك مِنَ النَّار ومَا قَرَّبَ إِليها مِنْ قَولٍ أوْ عَملٍ ، ونَسألُك مِمَّا سَألَك منه سيدُنا مُحمدٌ صلى الله عليه وسلم ونَعوذُ بِك مِمَّا تَعوذَ مِنه سيدُنَا مُحمدٌ صلى الله عليه وسلم اللهم إنَّا نسألك مِنَ النعمةِ تمامَهَا، ومِنَ العصمةِ دَوامَهَا ومِنَ الرحمةِ شُمُولَهَا، ومِنَ العافيةِ حُصُولَهَا، ومِنَ الإحسانِ أَتَمَّهُ، ومِنَ الإنعامِ أَعَمَّهُ، ومِنَ الفضلِ أَعْذَبَهُ، ومِنَ اللُّطفِ أقربَهُ، ومِنَ العملِ أصلَحَهُ، ومِنَ العلمِ أنفَعَهُ، ومِنَ الرزقِ أوسَعَهُ، اللهمَّ كُنْ لنَا ولاَ تكنْ علينَا، اللهمَّ اختِمْ بالسعادةِ آجالَنا، وحقِّقْ بالزيادةِ آمالَنَا، واقْرِنْ بالعافيَةِ غُدُوَّنا وآصالَنَا، ومُنَّ علينَا بستر عيوبِنَا، واجعلِ تقواك زادَنا، اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ الأَحْيَاءِ مِنْهُمْ وَالأَمْوَاتِ، اللهمّ تقبّل منّا أعمالنا كلّها واغفر لنا ذنوبنا وارفع درجاتنا وثبّت حجّتنا وإيمان

خالد التّلمودي جامع الصّبر                      التّـاريخ :15 ـ 10 ـ 2010

خزامة الغربيّة                                       07 ذو القعدة 1431

                          البـعض من حكم الحـجّ

الحمد لله ربّ العالمين ، نحمده تعالى  ، ونستغفره، ونتوب إليه ونعوذ به من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا ، من يهده الله فلا مُضلّ له ، ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، له الملك وله الحمد يحيي ويميت وهو على كلّ شيء قدير إقراراً بربوبيته ، وإرغاماً لمن جحد به وكفر ، وأشهد أن سيدنا محمداً صلى الله عليه وسلم رسول الله ، سيّد الخلق والبشر ، ما اتصلت عين بنظر ، أو سمعت أذن بخبر ، اللهم صلِّ وسلّم وبارك على سيّدنا محمد وعلى آله وأصحابه الطيبين الطاهرين أمناء دعوته وقادة ألويته و ارضَ عنّا وعنهم يا رب العالمين .

أيّها المؤمنون اتّقوا الله حقّ تقاته ولا تموتنّ إلاّ وأنتم مسلمون  وبادروا إلى الصّالح من الأعمال  واعلموا أنّنا جميعا إلى زوال ولا يبقى إلاّ الواحد الديّان

أمّا بعد : لم ينقض بعد الكلام في الحجّ فهو مليء بالأسرار والعبر والدّروس التي تفيد الجميع على مرّ العصور والأزمان فكلّ منسك يقوم به الحاجّ  إلاّ ويجني منه الخير الكثير والأجر العظيم والمغفرة الشّاملة ....لا تخالوا أنّ الأجر مجرّد أرقام تسجّل في سجلّ حسناتنا وأنّ المغفرة مجرّ ذنوب تمحى من سجلّ سيّئاتنا ، لا ،،،،إنّها أشمل من ذلك بكثير ،،،،،إنّها نور اليقين في الله العليّ العظيم ، وحبّ الطّاعة  وكراهيّة المعصية وحبّ الجنّة وكراهيّة النّار ،،، إنّها كراهيّة  الدّنيا وحبّ الآخرة ،،،إنّه الامتثال المطلق لقوله تعالى :" وأنّ هذا صراطي مستقيما فاتّبعوه ولا تتّبعوا السّبل فتفرّق بكم عن سبيله "  هذا الصّراط الذي يلتزم المسلم بنهجه بكلّ حبّ وطواعيّة ويدعو ويلحّ في الدّعاء بكلّ تمعّن ويقين في كلّ حين وفي كلّ ركعة من صلاته  قائلا :" اهدنا الصّراط المستقيم " ليعلم أنّ العبد حينما يعبد الله يخرج من مراده إلى مراد الله تعالى وهذا ما يحقّقه الحجّ في كلّياته وجزئيّاته  ولعلّ قمّة أركانه  يوم عرفة  ألم يقل النبي ص :" الحجّ عرفةفاختزل الحجّ كلّه في عرفة  فإن كنّا لا نعرف هذا الرّكن على وجهه الأكمل نكون قد أغفلنا ركنا مكينا  ويوما عظيما  ذكرت فيه النّصوص الكثيرة التي تكشف لنا حقائقه لنزداد يقينا في فضل الله علينا  وواسع رحمته بنا ....................

فضل يوم عرفة :  يوم عرفة من الأيّام الفضلى ، تجاب فيه الدعوات ، وتقال العثرات ، ويباهي الله فيه الملائكة بأهل عرفات ، وهو يوم عظَّم الله أمره ، ورفع على الأيام قدره ، وهو يوم فيه إكمال الدين ، وإتمام النعمة ، ويوم مغفرة الذنوب ، ويوم العتق من النار ، إنه يوم اللقاء الأكبر بين العبد المنيب المشتاق وبين ربّه الرحيم التوّاب ، بين هذا الإنسان الحادث الفاني المحدود الصغير وبين الخالق المطلق الأزلي الباقي الكبير ، وعندها ينطلق الإنسان من حدود ذاته الصغيرة إلى رحاب الكون الكبير ، من حدود قوّته الهزيلة إلى الطاقات الكونية العظيمة ، من حدود عمره القصير إلى امتداد الآباد التي لا يعلمها إلا الله .

فيوم عرفة يوم المعرفة ، ويوم عرفة يوم المغفرة ، ويوم عرفة يوم تتنزّل فيه الرحمات على العباد ، من خـالق الأرض والسماوات ، وقد قيل :  من وقف في عرفات ولم يغلب عـلى ظنّه أن الله غفر له فلا حج له .

من كمال العطاء أن يغفر الله لك ، وأن يلقي في روعك أنه قبلك ، أظن جازماً أنه من وقف في عرفات مخلصاً ألقى الله في روعه أنه قد غفر الله له وعاد كيوم ولدته أمّه ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :((ما من يوم أفضل عند الله من يوم عرفة ، ينـزل الله تبارك وتعالى إلى السماء الدنيا ، فيباهي بأهل الأرض أهل السماء ، يقول انظروا عبادي جاءوني شعثاً غبراً ضاحين ، جاءوني من كل فجّ عميق ، يرجون رحمتي ولم يروا عذابي ، فلم يُر يوم أكثر عتيقاً من النار من يوم عرفة)) .[صحيح ابن حبان قريبا منه عن جابر رضي الله عنه]

لاحظوا كيف تمّ اللّقاء بين المقبلين على الله الملبّين لدعوته وبين  المولى تبارك وتعالى الذي يباهي  بهم ملائكته  دون اعتبار لمظهرهم الخارجيّ الدّال على اللامبالاة من أجل التجرّد لطاعة الله وتبعا لذلك كان الجزاء الفوريّ  فاسمعوا لهذا الحديث :  (( ما من يوم أكثـــر من أن يعتق الله فيه عبداً من النار من يوم عرفة ، وإنه ليدنو عز وجل ثم يباهي بهم الملائكة فيقول : ماذا أراد هؤلاء ؟ انظروا إلى عبادي شعثاً غبراً ، اشهدوا أني غفرت لهم )) .[مسلم عن عائشة رضي الله عنها]

وأروع ما في الأمر أنّ حقيقة المغفرة بلّغها  النبيّ ص يوم عرفة في الحجّة الوحيدة التي أدّاها سيّد الخلق بأسلوب يخلد في الذّاكرة  وباستفسار من عمر الفاروق،،،، ، الردّ عنه يمثّل بشرى لسائر المسلمين على مدى العصور والأزمان  قال ص  مخاطبا بلالا :(( يا بلال ، أَنصِت لي الناس ، فقام بلال فقال : أنصتوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، فأنصت الناس ، فقـال عليه الصلاة والسلام : معشر الناس أتاني جبريل آنفاً فأقرأني من ربّـي السلام ، وقال : إن الله عز وجل غفر لأهل عرفات ، وأهل المشعر الحرام ، وضمن عنهم التبعات ، فقام عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال : يا رسول الله هذه لنا خاصة ، قال : هذه لكم ، ولمن أتى من بعدكم إلى يوم القيامة ، فقال عمر رضي الله عنه : كثر خير الله وفاض )) .[الترغيب والترهيب عن أنس بن مالك رضي الله عنه]

تصوّروا ذلك المشهد العظيم وتصوّروا ذلك الإحساس القويّ الذي خالج نفس المؤمن الصّادق نتيجة تلك المغفرة الشّاملة والخير العميم الذي فاض على الجميع  بما فيهم من دعا لهم الحاجّ وتذكّرهم  وهو في ذلك الموقف الفريد وهو يعلم أنّ دعاء المسلم لأخيه المسلم بظهر الغيب مستجاب وفي المقابل ترى الشّيطان اللّعين في أسوء حال لأنّه تعهّد بالإغواء والإغراء  ونجح في ذلك إلى أبعد الحدود وعلى نطاق واسع  ولكن رحمة الله أوسع وأشمل لم تستثن ذنبا  ولا إنسانا  وها  أنّ نبيّ الرّحمة يصف لنا حال الشّيطان وكأنّنا نراه  فيقول : (( ما رئي الشيطان يوماً هو فيه أصغر ، ولا أدحر ، ولا أغيظ منه من يوم عرفة ، وما ذاك إلا لما رأى من تنزل الرحمة ، وتجاوز الله عن الذنوب العظام )) .[موطأ مالك عن أبي الدرداء رضي الله عنه]  

ولمزيد تكريس عداوتنا لإبليس  يلي الوقوف بعرفة  رمي الجمرات وفي رمي الجمرات بعض الأسرار ؛ فلنبدأ بالجمرة الكبرى قال بعض العلماء : هذا تكثيف وحشد في لغة العسكريين ، ابدأ بمواجهة الأكبر ، وكان عليه الصلاة والسلام يخص الجمرتين الأولى والوسطى بتطويل الوقوف عندها للدعاء ، إنها ثلاث جمرات ، وبينهما مسافة ، ليظل المؤمن واعياً تماماً ، لا ينام حتى لا يسقط سلاحه ، بينما العدو منه على مرمى حجر ، وعليه أن يعلم أن المعركة مع الشيطان متعددة المواقع ، ومستمرة ، وممتدة مع عمره ، لذلك ينبغي أن تُرمى ثلاث جمرات في ثلاثة أيام ، فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه

يقول الإمام الغزالي رحمه الله تعالى وهذه أخطر كلمة  : لا يحصل إرغام أنف الشيطان في أثناء رجمه إلا بطاعتك للرحمن ، فإذا عاد وعصى ربه هل تصدقون من الذي رجم الآخر ؟ إبليس هو الذي رجم الإنسان ، لا يرغم أنفه إلا بطاعة الرحمن ، ومن عاد بعد الحج إلى ما كان عليه من المعاصي والآثام فليعلم علم اليقين أن الشيطان هو الذي رَجَمه .

 

اللهمّ إنّا نسألك الهدى والتّقى والعفاف والغنى، نسألك الثّبات على الأمر كلّه  حتّى نلقاك وأنت راض عنّا  والحمد لله ربّ العالمين .

 

                                 الخطبة الثّانية

بسم الله الرّحمن الرّحيم والصّلاة والسّلام على سيّد المرسلين وأشهد ألاّ إله إلاّ الله وليّ الصّالحين وأشهد أنّ سيّدنا محمّدا عبده ورسوله .

 أمّا بعد ، إخوة الإيمان  لعلّ من أروع  ما يستشعره المؤمن في ذلك اليوم العظيم  وذلك الحشد الكبير  الذي لا تفرّق فيه بين عرق أو جنس أو طبقة  اجتماعيّة  أو مركز أو منصب  ...يتّحد الجميع في كلّ شيء : في المكان  والزّمان والمنسك واللّباس .....مشاعر عبّر عنها كلّ من حجّ :" كأنّنا في أرض المحشر" يرى  بين يديه صورةً مصغَّرةً للمحشر العظيم يوم القيامة ،  هذه الصّورة الحيّة تلحّ عليه أن يستعدَّ لذلك اليوم  منذ الآن ، إلاّ أنّ رحلة الحجّ  يعود منها الإنسان إلى وطنه ،وما زالت لديه إمكانيّة مراجعة نفسه وتصحيح مساره  ولكن المحشر العظيم، يوم القيامة رحلة لا يعود منها الإنسان أبدا  ، رغم أنّه يتمنّى ذلك لأنّه أدرك حقيقة الأمر وحقيقة المآل فيقول :" ربّ أرجعوني اعمل صالحا فيما تركت " فيقال له :" بالجزم والقطع :" كــــــــــلاّ " وإذا كان النّاس متساوون في الهيأة والمشاعر في يوم عرفة  فالنّاس يوم القيامة  على هيآت مختلفة منهم من يمشي على وجهه ومنهم من يحشر أعمى  ومنهم من يكون في حجم النّمل ومنهم من يغرق في عرقه ومنهم ـ إخوة الإيمان ـ من يستظلّ بظلّ الرّحمن ومن ينعم بالرّوح والرّيحان ......

إنّه إذا ، ركن الوقوف بعرفة الذي يكون في اليوم التّاسع من ذي الحجّة من فاته بطل حجّه يبتدئ من زوال ذلك اليوم ويمتدّ إلى طلوع اليوم العاشر والأوكد فيه الوقوف ما بعد الغروب    ................

جعلني الله وإيّاكم ممّن يؤدّون مناسكهم على الوجه الأكمل الذي يرضيه عنّا ونتعبّده كما أمرنا حبّا وطواعيّة واستنانا بسنّة نبيّنا المصطفى صلّى الله عليه وسلّم  اللهمّ ولك الحمد  حمدا يليق بجلال وجهك وعظيم سلطانك  لك الحمد حتّى ترضى ولك الحمد على الرّضا ولك الحمد في الأولى والآخرة .......

 

 اللَّهُمَّ إِنِّا نسْأَلُكَ الثَّبَاتَ فِي الأَمْرِ، وَالْعَزِيمَةَ عَلَى الرُّشْدِ، وَنسْأَلُكَ مُوجِبَاتِ رَحْمَتِكَ، وَعَزَائِمَ مَغْفِرَتِكَ، اللهُمَّ إنَّا نسألُكَ مِنَ الخَيرِ كُلِّهِ عَاجِلِهِ وآجِلِهِ مَا عَلمْنَا مِنهُ ومَا لَمْ نعلمْ، ونعوذُ بِكَ مِن الشَّرِّ كُلِّهِ عَاجِلِهِ وآجِلِهِ مَا عَلمْنَا مِنهُ ومَا لَمْ نَعلمْ ، ونَسألُك الجَنَّةَ ومَا قَرَّبَ إِليهَا مِنْ قَولٍ أَوْ عَملٍ، ونَعوذُ بِك مِنَ النَّار ومَا قَرَّبَ إِليها مِنْ قَولٍ أوْ عَملٍ ، ونَسألُك مِمَّا سَألَك منه سيدُنا مُحمدٌ صلى الله عليه وسلم ونَعوذُ بِك مِمَّا تَعوذَ مِنه سيدُنَا مُحمدٌ صلى الله عليه وسلم اللهم إنَّا نسألك مِنَ النعمةِ تمامَهَا، ومِنَ العصمةِ دَوامَهَا ومِنَ الرحمةِ شُمُولَهَا، ومِنَ العافيةِ حُصُولَهَا، ومِنَ الإحسانِ أَتَمَّهُ، ومِنَ الإنعامِ أَعَمَّهُ، ومِنَ الفضلِ أَعْذَبَهُ، ومِنَ اللُّطفِ أقربَهُ، ومِنَ العملِ أصلَحَهُ، ومِنَ العلمِ أنفَعَهُ، ومِنَ الرزقِ أوسَعَهُ، اللهمَّ كُنْ لنَا ولاَ تكنْ علينَا، اللهمَّ اختِمْ بالسعادةِ آجالَنا، وحقِّقْ بالزيادةِ آمالَنَا، واقْرِنْ بالعافيَةِ غُدُوَّنا وآصالَنَا، ومُنَّ علينَا بستر عيوبِنَا، واجعلِ تقواك زادَنا، اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ الأَحْيَاءِ مِنْهُمْ وَالأَمْوَاتِ، اللهمّ تقبّل منّا أعمالنا كلّها واغفر لنا ذنوبنا وارفع درجاتنا وثبّت حجّتنا وإيماننا حتّى نلقاك وأنت راض عنّا

 اللَّهُمَّ أَخلِفْ علَى مَنْ زكَّى مالَهُ عطاءً ونماءً، اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِكُلِّ مَنْ وَقَفَ لَكَ وَقْفًا يَعُودُ نَفْعُهُ عَلَى عِبَادِكَ بِرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ، اللهمّ اخلف لكلّ من ساهم في أبواب الخيرات والصّالحات وبارك لهم في أموالهم وصحّتهم وذرّياتهم،اللهمّ اشف مرضانا وارفع عنهم البلاء وكلّ وباء واشفهم شفاء لا يغادر سقما  اللهمّ وفّق رئيسنا  لما فيه خير البلاد والعباد  اللَّهُمَّ اسقِنَا الغيثَ ولاَ تجعَلْنَا مِنَ القانطينَ، اللَّهُمَّ أَغِثْنَا، اللَّهُمَّ أَغِثْنَا، اللَّهُمَّ أَغِثْنَا، اللَّهُمَّ اجْعَلْ بَلَدَنَا هَذَا آمِنًا مُطْمَئِنًّا وَسَائِرَ بِلاَدِ الْمُسْلِمِينَ  سبحان ربّك ربّ العزّة عمّا يصفون وسلام على المرسلين والحمد لله ربّ العالمين

خالد التّلمودي جامع الصّبر                      التّـاريخ :15 ـ 10 ـ 2010

خزامة الغربيّة                                       07 ذو القعدة 1431

                          البـعض من حكم الحـجّ

الحمد لله ربّ العالمين ، نحمده تعالى  ، ونستغفره، ونتوب إليه ونعوذ به من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا ، من يهده الله فلا مُضلّ له ، ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، له الملك وله الحمد يحيي ويميت وهو على كلّ شيء قدير إقراراً بربوبيته ، وإرغاماً لمن جحد به وكفر ، وأشهد أن سيدنا محمداً صلى الله عليه وسلم رسول الله ، سيّد الخلق والبشر ، ما اتصلت عين بنظر ، أو سمعت أذن بخبر ، اللهم صلِّ وسلّم وبارك على سيّدنا محمد وعلى آله وأصحابه الطيبين الطاهرين أمناء دعوته وقادة ألويته و ارضَ عنّا وعنهم يا رب العالمين .

أيّها المؤمنون اتّقوا الله حقّ تقاته ولا تموتنّ إلاّ وأنتم مسلمون  وبادروا إلى الصّالح من الأعمال  واعلموا أنّنا جميعا إلى زوال ولا يبقى إلاّ الواحد الديّان

أمّا بعد : لم ينقض بعد الكلام في الحجّ فهو مليء بالأسرار والعبر والدّروس التي تفيد الجميع على مرّ العصور والأزمان فكلّ منسك يقوم به الحاجّ  إلاّ ويجني منه الخير الكثير والأجر العظيم والمغفرة الشّاملة ....لا تخالوا أنّ الأجر مجرّد أرقام تسجّل في سجلّ حسناتنا وأنّ المغفرة مجرّ ذنوب تمحى من سجلّ سيّئاتنا ، لا ،،،،إنّها أشمل من ذلك بكثير ،،،،،إنّها نور اليقين في الله العليّ العظيم ، وحبّ الطّاعة  وكراهيّة المعصية وحبّ الجنّة وكراهيّة النّار ،،، إنّها كراهيّة  الدّنيا وحبّ الآخرة ،،،إنّه الامتثال المطلق لقوله تعالى :" وأنّ هذا صراطي مستقيما فاتّبعوه ولا تتّبعوا السّبل فتفرّق بكم عن سبيله "  هذا الصّراط الذي يلتزم المسلم بنهجه بكلّ حبّ وطواعيّة ويدعو ويلحّ في الدّعاء بكلّ تمعّن ويقين في كلّ حين وفي كلّ ركعة من صلاته  قائلا :" اهدنا الصّراط المستقيم " ليعلم أنّ العبد حينما يعبد الله يخرج من مراده إلى مراد الله تعالى وهذا ما يحقّقه الحجّ في كلّياته وجزئيّاته  ولعلّ قمّة أركانه  يوم عرفة  ألم يقل النبي ص :" الحجّ عرفةفاختزل الحجّ كلّه في عرفة  فإن كنّا لا نعرف هذا الرّكن على وجهه الأكمل نكون قد أغفلنا ركنا مكينا  ويوما عظيما  ذكرت فيه النّصوص الكثيرة التي تكشف لنا حقائقه لنزداد يقينا في فضل الله علينا  وواسع رحمته بنا ....................

فضل يوم عرفة :  يوم عرفة من الأيّام الفضلى ، تجاب فيه الدعوات ، وتقال العثرات ، ويباهي الله فيه الملائكة بأهل عرفات ، وهو يوم عظَّم الله أمره ، ورفع على الأيام قدره ، وهو يوم فيه إكمال الدين ، وإتمام النعمة ، ويوم مغفرة الذنوب ، ويوم العتق من النار ، إنه يوم اللقاء الأكبر بين العبد المنيب المشتاق وبين ربّه الرحيم التوّاب ، بين هذا الإنسان الحادث الفاني المحدود الصغير وبين الخالق المطلق الأزلي الباقي الكبير ، وعندها ينطلق الإنسان من حدود ذاته الصغيرة إلى رحاب الكون الكبير ، من حدود قوّته الهزيلة إلى الطاقات الكونية العظيمة ، من حدود عمره القصير إلى امتداد الآباد التي لا يعلمها إلا الله .

فيوم عرفة يوم المعرفة ، ويوم عرفة يوم المغفرة ، ويوم عرفة يوم تتنزّل فيه الرحمات على العباد ، من خـالق الأرض والسماوات ، وقد قيل :  من وقف في عرفات ولم يغلب عـلى ظنّه أن الله غفر له فلا حج له .

من كمال العطاء أن يغفر الله لك ، وأن يلقي في روعك أنه قبلك ، أظن جازماً أنه من وقف في عرفات مخلصاً ألقى الله في روعه أنه قد غفر الله له وعاد كيوم ولدته أمّه ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :((ما من يوم أفضل عند الله من يوم عرفة ، ينـزل الله تبارك وتعالى إلى السماء الدنيا ، فيباهي بأهل الأرض أهل السماء ، يقول انظروا عبادي جاءوني شعثاً غبراً ضاحين ، جاءوني من كل فجّ عميق ، يرجون رحمتي ولم يروا عذابي ، فلم يُر يوم أكثر عتيقاً من النار من يوم عرفة)) .[صحيح ابن حبان قريبا منه عن جابر رضي الله عنه]

لاحظوا كيف تمّ اللّقاء بين المقبلين على الله الملبّين لدعوته وبين  المولى تبارك وتعالى الذي يباهي  بهم ملائكته  دون اعتبار لمظهرهم الخارجيّ الدّال على اللامبالاة من أجل التجرّد لطاعة الله وتبعا لذلك كان الجزاء الفوريّ  فاسمعوا لهذا الحديث :  (( ما من يوم أكثـــر من أن يعتق الله فيه عبداً من النار من يوم عرفة ، وإنه ليدنو عز وجل ثم يباهي بهم الملائكة فيقول : ماذا أراد هؤلاء ؟ انظروا إلى عبادي شعثاً غبراً ، اشهدوا أني غفرت لهم )) .[مسلم عن عائشة رضي الله عنها]

وأروع ما في الأمر أنّ حقيقة المغفرة بلّغها  النبيّ ص يوم عرفة في الحجّة الوحيدة التي أدّاها سيّد الخلق بأسلوب يخلد في الذّاكرة  وباستفسار من عمر الفاروق،،،، ، الردّ عنه يمثّل بشرى لسائر المسلمين على مدى العصور والأزمان  قال ص  مخاطبا بلالا :(( يا بلال ، أَنصِت لي الناس ، فقام بلال فقال : أنصتوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، فأنصت الناس ، فقـال عليه الصلاة والسلام : معشر الناس أتاني جبريل آنفاً فأقرأني من ربّـي السلام ، وقال : إن الله عز وجل غفر لأهل عرفات ، وأهل المشعر الحرام ، وضمن عنهم التبعات ، فقام عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال : يا رسول الله هذه لنا خاصة ، قال : هذه لكم ، ولمن أتى من بعدكم إلى يوم القيامة ، فقال عمر رضي الله عنه : كثر خير الله وفاض )) .[الترغيب والترهيب عن أنس بن مالك رضي الله عنه]

تصوّروا ذلك المشهد العظيم وتصوّروا ذلك الإحساس القويّ الذي خالج نفس المؤمن الصّادق نتيجة تلك المغفرة الشّاملة والخير العميم الذي فاض على الجميع  بما فيهم من دعا لهم الحاجّ وتذكّرهم  وهو في ذلك الموقف الفريد وهو يعلم أنّ دعاء المسلم لأخيه المسلم بظهر الغيب مستجاب وفي المقابل ترى الشّيطان اللّعين في أسوء حال لأنّه تعهّد بالإغواء والإغراء  ونجح في ذلك إلى أبعد الحدود وعلى نطاق واسع  ولكن رحمة الله أوسع وأشمل لم تستثن ذنبا  ولا إنسانا  وها  أنّ نبيّ الرّحمة يصف لنا حال الشّيطان وكأنّنا نراه  فيقول : (( ما رئي الشيطان يوماً هو فيه أصغر ، ولا أدحر ، ولا أغيظ منه من يوم عرفة ، وما ذاك إلا لما رأى من تنزل الرحمة ، وتجاوز الله عن الذنوب العظام )) .[موطأ مالك عن أبي الدرداء رضي الله عنه]  

ولمزيد تكريس عداوتنا لإبليس  يلي الوقوف بعرفة  رمي الجمرات وفي رمي الجمرات بعض الأسرار ؛ فلنبدأ بالجمرة الكبرى قال بعض العلماء : هذا تكثيف وحشد في لغة العسكريين ، ابدأ بمواجهة الأكبر ، وكان عليه الصلاة والسلام يخص الجمرتين الأولى والوسطى بتطويل الوقوف عندها للدعاء ، إنها ثلاث جمرات ، وبينهما مسافة ، ليظل المؤمن واعياً تماماً ، لا ينام حتى لا يسقط سلاحه ، بينما العدو منه على مرمى حجر ، وعليه أن يعلم أن المعركة مع الشيطان متعددة المواقع ، ومستمرة ، وممتدة مع عمره ، لذلك ينبغي أن تُرمى ثلاث جمرات في ثلاثة أيام ، فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه

يقول الإمام الغزالي رحمه الله تعالى وهذه أخطر كلمة  : لا يحصل إرغام أنف الشيطان في أثناء رجمه إلا بطاعتك للرحمن ، فإذا عاد وعصى ربه هل تصدقون من الذي رجم الآخر ؟ إبليس هو الذي رجم الإنسان ، لا يرغم أنفه إلا بطاعة الرحمن ، ومن عاد بعد الحج إلى ما كان عليه من المعاصي والآثام فليعلم علم اليقين أن الشيطان هو الذي رَجَمه .

 

اللهمّ إنّا نسألك الهدى والتّقى والعفاف والغنى، نسألك الثّبات على الأمر كلّه  حتّى نلقاك وأنت راض عنّا  والحمد لله ربّ العالمين .

 

                                 الخطبة الثّانية

بسم الله الرّحمن الرّحيم والصّلاة والسّلام على سيّد المرسلين وأشهد ألاّ إله إلاّ الله وليّ الصّالحين وأشهد أنّ سيّدنا محمّدا عبده ورسوله .

 أمّا بعد ، إخوة الإيمان  لعلّ من أروع  ما يستشعره المؤمن في ذلك اليوم العظيم  وذلك الحشد الكبير  الذي لا تفرّق فيه بين عرق أو جنس أو طبقة  اجتماعيّة  أو مركز أو منصب  ...يتّحد الجميع في كلّ شيء : في المكان  والزّمان والمنسك واللّباس .....مشاعر عبّر عنها كلّ من حجّ :" كأنّنا في أرض المحشر" يرى  بين يديه صورةً مصغَّرةً للمحشر العظيم يوم القيامة ،  هذه الصّورة الحيّة تلحّ عليه أن يستعدَّ لذلك اليوم  منذ الآن ، إلاّ أنّ رحلة الحجّ  يعود منها الإنسان إلى وطنه ،وما زالت لديه إمكانيّة مراجعة نفسه وتصحيح مساره  ولكن المحشر العظيم، يوم القيامة رحلة لا يعود منها الإنسان أبدا  ، رغم أنّه يتمنّى ذلك لأنّه أدرك حقيقة الأمر وحقيقة المآل فيقول :" ربّ أرجعوني اعمل صالحا فيما تركت " فيقال له :" بالجزم والقطع :" كــــــــــلاّ " وإذا كان النّاس متساوون في الهيأة والمشاعر في يوم عرفة  فالنّاس يوم القيامة  على هيآت مختلفة منهم من يمشي على وجهه ومنهم من يحشر أعمى  ومنهم من يكون في حجم النّمل ومنهم من يغرق في عرقه ومنهم ـ إخوة الإيمان ـ من يستظلّ بظلّ الرّحمن ومن ينعم بالرّوح والرّيحان ......

إنّه إذا ، ركن الوقوف بعرفة الذي يكون في اليوم التّاسع من ذي الحجّة من فاته بطل حجّه يبتدئ من زوال ذلك اليوم ويمتدّ إلى طلوع اليوم العاشر والأوكد فيه الوقوف ما بعد الغروب    ................

جعلني الله وإيّاكم ممّن يؤدّون مناسكهم على الوجه الأكمل الذي يرضيه عنّا ونتعبّده كما أمرنا حبّا وطواعيّة واستنانا بسنّة نبيّنا المصطفى صلّى الله عليه وسلّم  اللهمّ ولك الحمد  حمدا يليق بجلال وجهك وعظيم سلطانك  لك الحمد حتّى ترضى ولك الحمد على الرّضا ولك الحمد في الأولى والآخرة .......

 

 اللَّهُمَّ إِنِّا نسْأَلُكَ الثَّبَاتَ فِي الأَمْرِ، وَالْعَزِيمَةَ عَلَى الرُّشْدِ، وَنسْأَلُكَ مُوجِبَاتِ رَحْمَتِكَ، وَعَزَائِمَ مَغْفِرَتِكَ، اللهُمَّ إنَّا نسألُكَ مِنَ الخَيرِ كُلِّهِ عَاجِلِهِ وآجِلِهِ مَا عَلمْنَا مِنهُ ومَا لَمْ نعلمْ، ونعوذُ بِكَ مِن الشَّرِّ كُلِّهِ عَاجِلِهِ وآجِلِهِ مَا عَلمْنَا مِنهُ ومَا لَمْ نَعلمْ ، ونَسألُك الجَنَّةَ ومَا قَرَّبَ إِليهَا مِنْ قَولٍ أَوْ عَملٍ، ونَعوذُ بِك مِنَ النَّار ومَا قَرَّبَ إِليها مِنْ قَولٍ أوْ عَملٍ ، ونَسألُك مِمَّا سَألَك منه سيدُنا مُحمدٌ صلى الله عليه وسلم ونَعوذُ بِك مِمَّا تَعوذَ مِنه سيدُنَا مُحمدٌ صلى الله عليه وسلم اللهم إنَّا نسألك مِنَ النعمةِ تمامَهَا، ومِنَ العصمةِ دَوامَهَا ومِنَ الرحمةِ شُمُولَهَا، ومِنَ العافيةِ حُصُولَهَا، ومِنَ الإحسانِ أَتَمَّهُ، ومِنَ الإنعامِ أَعَمَّهُ، ومِنَ الفضلِ أَعْذَبَهُ، ومِنَ اللُّطفِ أقربَهُ، ومِنَ العملِ أصلَحَهُ، ومِنَ العلمِ أنفَعَهُ، ومِنَ الرزقِ أوسَعَهُ، اللهمَّ كُنْ لنَا ولاَ تكنْ علينَا، اللهمَّ اختِمْ بالسعادةِ آجالَنا، وحقِّقْ بالزيادةِ آمالَنَا، واقْرِنْ بالعافيَةِ غُدُوَّنا وآصالَنَا، ومُنَّ علينَا بستر عيوبِنَا، واجعلِ تقواك زادَنا، اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ الأَحْيَاءِ مِنْهُمْ وَالأَمْوَاتِ، اللهمّ تقبّل منّا أعمالنا كلّها واغفر لنا ذنوبنا وارفع درجاتنا وثبّت حجّتنا وإيماننا حتّى نلقاك وأنت راض عنّا

 اللَّهُمَّ أَخلِفْ علَى مَنْ زكَّى مالَهُ عطاءً ونماءً، اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِكُلِّ مَنْ وَقَفَ لَكَ وَقْفًا يَعُودُ نَفْعُهُ عَلَى عِبَادِكَ بِرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ، اللهمّ اخلف لكلّ من ساهم في أبواب الخيرات والصّالحات وبارك لهم في أموالهم وصحّتهم وذرّياتهم،اللهمّ اشف مرضانا وارفع عنهم البلاء وكلّ وباء واشفهم شفاء لا يغادر سقما  اللهمّ وفّق رئيسنا  لما فيه خير البلاد والعباد  اللَّهُمَّ اسقِنَا الغيثَ ولاَ تجعَلْنَا مِنَ القانطينَ، اللَّهُمَّ أَغِثْنَا، اللَّهُمَّ أَغِثْنَا، اللَّهُمَّ أَغِثْنَا، اللَّهُمَّ اجْعَلْ بَلَدَنَا هَذَا آمِنًا مُطْمَئِنًّا وَسَائِرَ بِلاَدِ الْمُسْلِمِينَ  سبحان ربّك ربّ العزّة عمّا يصفون وسلام على المرسلين والحمد لله ربّ العالمين

 

نا حتّى نلقاك وأنت راض عنّا

 اللَّهُمَّ أَخلِفْ علَى مَنْ زكَّى مالَهُ عطاءً ونماءً، اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِكُلِّ مَنْ وَقَفَ لَكَ وَقْفًا يَعُودُ نَفْعُهُ عَلَى عِبَادِكَ بِرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ، اللهمّ اخلف لكلّ من ساهم في أبواب الخيرات والصّالحات وبارك لهم في أموالهم وصحّتهم وذرّياتهم،اللهمّ اشف مرضانا وارفع عنهم البلاء وكلّ وباء واشفهم شفاء لا يغادر سقما  اللهمّ وفّق رئيسنا  لما فيه خير البلاد والعباد  اللَّهُمَّ اسقِنَا الغيثَ ولاَ تجعَلْنَا مِنَ القانطينَ، اللَّهُمَّ أَغِثْنَا، اللَّهُمَّ أَغِثْنَا، اللَّهُمَّ أَغِثْنَا، اللَّهُمَّ اجْعَلْ بَلَدَنَا هَذَا آمِنًا مُطْمَئِنًّا وَسَائِرَ بِلاَدِ الْمُسْلِمِينَ  سبحان ربّك ربّ العزّة عمّا يصفون وسلام على المرسلين والحمد لله ربّ العالمين