صفحة الاستقبال منبر الجمعة - خطب جمعية خطبة يوم الجمعة 22 ـ 10 ـ 2010 - من حجّ ولد من جديد

كتاب التربية الإسلامية والتنشئة على القيم

خطبة يوم الجمعة 22 ـ 10 ـ 2010 - من حجّ ولد من جديد طباعة أرسل إلى صديق
الكاتب: خالد التلمودي   

جامع الصّبر بخزامة الغربيّة                                                                               التّاريخ : 22 ـ 10 ـ 2010

الإمام :خالد التّلمودي                                                                                     14 ـ ذو القعدة 1431


                                               من حجّ ولد من جديد


الحمد لله ربّ العالمين ، نحمده تعالى ونستغفره ونتوب إليه ونعوذ به من شرور أنفسنا ومن سيّئات أعمالنا  من يهده الله فلا مضلّ له ومن يضلل فلن تجد له وليّا مرشدا  وأشهد ألاّ إله إلاّ الله وحده لا شريك له ، له الملك  وله الحمد  ، يحيي ويميت  وهو على كلّ شيء قدير وأشهد أنّ سيّدنا محمّدا عبده ورسوله  أرسله الله  بالهدى ودين الحقّ ليظهره على الدّين كلّه ولو كره المشركون وأصلّي وأسلّم على المبعوث رحمة للعالمين وعلى آله وصحبه أجمعين . فصلّوا
 عليه وسلّموا تسليما واتّقوا الله حقّ تقاته  ولا تموتنّ إلاّ وأنتم مسلمين .......

أمّا بعد إخوة الإيمان ، بعد خطب تعدّدت تحدّثنا فيها عن الحجّ ،ليس في أحكامه الفقهيّة فحسب ، بل باعتباره عبادة مثلى  فرضت على الحاجّ فأدّاها عن طواعيّة وعن حبّ ورغبة وشوق لا متناهي ، فقلّ من عزم على الحجّ أو حجّ ولم يذرف الدّمع ، تعبيرا عن مشاعر مستكينة في فطرته ، فهو إذ يلبّي، يستجيب لنداء أزليّ خطّ في فطرته السّليمة ، يلبّي رغم ما يعلم من  مشاقّ  السّفر ، ومن النّفقات الباهظة التي ترهق حتّى الموسرين ، ويعلم شدّة الحرارة في البقاع المقدّسة وشدّة الازدحام وقلّة النّوم والطّعام ، ويعلم ما يمكن أن يصيبه من توعّك صحّي ، بل قد يضع في اعتباره أنّها رحلة  ألاّ عودة بل قد يتمنّى ذلك ، يترك الأهل والأصحاب ، يترك الدّيار والأعمال والمال ويقبل على الله ، لا شيء في باله و في قلبه إلاّ الله وفي نهاية المطاف سيصل  إلى عرفة ، اليوم الأعظم في التّاسع من ذي الحجّة ليكون مفخرة يباهي بها  الله ملائكته قائلا :" هؤلاء عبادي أتوني شعثا غبرا يرجون رحمتي ويخون عذابي ، أشهدكم يا ملائكتي أنّي قد غفرت لهم "وبهذا ينال الحاجّ الجزاء الأعظم في اليوم الأعظم من الربّ الأعظم ، عبّر عنه سيّد الخلق ص بقوله :" من حجّ فلم يرفث ولم يفسق رجع كيوم ولدته أمّه " ..................

هذا الحديث هو مدار ومحور كلامنا في خطبة اليوم لنستلهم منه الخير الكثير الذي يغدقه هذا الدّين على أتباعه عامّة وعلى الحجيج خاصّة لنستلهم واسع الفضل والمغفرة والرّحمة من ربّ العالمين ، ربّ غفور توّاب رحيم " أإله مع الله سبحانه وتعالى عمّا يشركون " .

إخوة الإيمان انتبهوا إلى هذا الوصف الدّقيق والتّشبيه الرّقيق ،تشبيه الحاجّ العائد من حجّه بمولود أطلّ على الدّنيا في التوّ والحين ،،،،،إنّها فرصة جديدة للبداية من جديد ، تصوّروا شخصا حكم عليه بالسّجن مرّات عديدة وارتكب مخالفات كثيرة فإذا ببطاقته ـ مهما كان عددها ـ شديدة السّواد ، تصوّروا كيف يكون حاله مع نفسه  ومع أسرته ومع النّاس أجمعين ، كيف يكون واقعه  ومستقبله ؟؟؟؟

ثمّ يأتيه عفو من نوع خاصّ جدّا يمحو كلّ ما لطّخ بطاقته ،فإذا هي نقيّة ويمحو كلّ ماضيه الأسود كلّ  ليصبح موضع إجلال وتقدير لنقاء تاريخه ..........هذا هو حال الذي رجع كيوم ولدته أمّه بل إنّ فضل الله أوسع وأشمل وهو القائل :" إلاّ من تاب وآمن وعمل عملا صالحا فأولئك يبدّل الله سيّئاتهم حسنات وكان الله غفورا رحيما " من غير الله يفعل هذا ؟من غير الله يمحو السيّئات ؟ ثمّ يبدّلها حسنات ، تبديلا فعليّا إذ يطهّر سريرة من أقبل عليه ويصلح ما بينه وبينه وما بينه وبين النّاس . وهذا العطاء اللاّمحدود  لا يخصّ الحاجّ وحده بل يشمل كلّ من تاب مهما عظم جرمه ومهما تعدّدت سيّئاته وإن كان قد ادّعى الرّبوبيّة لا يقطع الأمل من توبته ألم يقل تعالى لموسى وهارون :" اذهبا إلى فرعون إنّه طغى فقولا له قولا ليّنا لعلّه يتذكّر أو يخشى " طه 44  وكان من الممكن لهذا الطّاغية أن يتوب وقد أعلن ذلك فعلا قال تعالى  :" قال آمنت أنّه لا إله إلاّ الذي آمنت به بنو إسرائيل " 90 يونس ولكن توبته كانت متأخّرة  قال تعالى :" آلآن وقد عصيت قبل وكنت من المفسدين " يونس 91 . لقد أورد لنا المولى تعالى قصّته لتكون عبرة للجميع ، عبرة للتّوبة مهما عظمت الذّنوب ، الاعتبار بأنّ رحمة الله وسعت كلّ شيء ، كلّ الوجود ،وكلّ الخلق وكلّ النّاس  " و رحمتي  وسعت كلّ شيء "الأعراف 156 . إنّ التّائب لا يحتاج إلى المواسم ولا إلى المناسبات فباب التّوبة مفتوح ما لم يغرغر  الإنسان ،وما لم تطلع الشّمس من مغربها ، يكفي أن تقبل على الله بيقين في واسع رحمته " لا تقنطوا من رحمة الله إنّ الله يغفر الذّنوب جميعا " الزّمر 53  وبما أنّ الله يعلم أنّ الإنسان  محتاج إلى تكفير ، إلى مؤشّرات للتّوبة  ،إلى مناسبات جماعيّة، شرّع العبادات بأصنافها  وبتفاوت درجاتها واختلاف أوقاتها  وتأثيراتها ،لعلّ العبد يتوب ، لعلّه يؤوب ، لعلّه يقبل على الله عن أبي ذر الغفاري رضي الله عنه ، عن النبي صلى الله عليه وسلم فيما يرويه عن ربِه عز وجل أنه قال : (  ، يا عبادي كلكم ضال إلا من هديته ، فاستهدوني أهدكم ، يا عبادي كلكم جائع إلا من أطعمته ، فاستطعموني أُطعمكم ، يا عبادي كلكم عار إلا من كسوته ، فاستكسوني أكسكم ، يا عبادي إنكم تخطئون بالليلِ والنهار ، وأنا أغفر الذنوب جميعا ، فاستغفروني أغفر لكم ، ،،،،،،،،،،،،،،،،،،،، يا عِبادي إنما هي أعمالكم أحصيها لكم ، ثم أوفيكم إياها ، فمن وجد خيرا فليحمد الله،  ومن وجد غير ذلك فلا يلومنّ إلا نفسه ) رواه مسلم .وتأتي الشّهادتان في المقام الأوّل مفتاح الإسلام ، تصوّروا أنّه يكفي الكافر النّطق بالشّهادتين ليعصم دمه وماله ويكون من المسلمين ، يكفيه قوله :" لا إله إلاّ الله  محمّد رسول الله  " ليغفر له الله ما تقدّم من ذنبه ، أيّ دين هذا ؟ وأيّ رحمة هذه ؟ وأيّ عفو هذا ؟

ثمّ تأتي الصّلاة عماد الدّين  وصلة العبد بربّه شبّهها النبيّ الكريم ص بالنّهر الجاري على باب أحدنا يغتسل منه في اليوم خمس مرّات  فلا يبقى على جسده من الدّرن شيء كذلك هي الصّلاة ماء عذب زلال جار متجدّد ينقّي الرّوح ويرتقي بها إلى باريها  وكذلك هي الأدران ذنوب تعلق بالقلب تدنّسه وتكدّر صفوه  والصّلاة  قرّة عين النبيّ المختار تجلّيه وتنقّيه . أمّا الصّيام فبه الرّحمة والمغفرة والعتق من النّار  في كلّ ليلة فيه عتقاء من النّار وفي آخر ليلة عتقاء كذلك بقدر ما أعتق الله في كلّ ليلة من لياليه ، والزّكاة  وما أدراك ما الزّكاة ، طهرة للنّفس والمال ونماء للرّزق وبركة في العمر وقضاء على الفقر ،،،،ويأتي الحجّ عبادة  شاملة فيه كلّ شيء من أصناف العبادة : الصّلاة والقيام  والصّدقة والهدي والصّيام والطّواف والرّجم والسّعي  وبهذا الجمع الذي يصقل النّفس  ويزكّى الرّوح  ليصدق فيه تشبيه النبيّ الأكرم ص  كالولادة من جديد  ليقال لكلّ من عاد من حجّه  عليك أن تبدأ من جديد وأن تتخلّى عن كلّ أصناف المعاصي فلم يبق من العمر إلاّ القليل .

اللهمّ نقّنا من الذّنوب والخطايا كما ينقّى الثّوب الأبيض من الدّنس  إنّك أنت التوّاب الغفور الرّحيم  والحمد لله ربّ العالمين .


                                 الخطبة الثّانية


بسم الله الرّحمن الرّحيم والحمد لله ربّ العالمين والصّلاة والسّلام على سيّد المرسلين وأشهد ألاّ إله إلاّ الله وليّ الصّالحين وأشهد أنّ سيّدنا محمّدا عبده ورسوله .

أمّا  بعد أيّها المؤمنون  هكذا نتمّ مع خطب الحجّ  وإن كان ما قلنا ليس إلاّ قطرا من فيض  ولكن هي إشارات سريعة نرجو من الله أن تكون قد آتت أكلها  فهما ودراية وعقيدة وعملا وأدعو الله تعالى أن ييسّر للحجيج حجّهم وأن ييسّر مسعاهم حتّى يؤدّوا هذه العبادة على وجهها الأكمل  وأسأل الله أن ييسّر لكلّ المسلمين زيارة بيت الله الحرام وزيارة قبر سيّد الخلق أجمعين محمّد الصّادق الأمين  لما في هذه البقاع المقدّسة من الفضل والتّبجيل والأجر العظيم فالصّلاة في المسجد النبوي تعدل ألف صلاة في غيره  والصّلاة في المسجد الحرام تعدل مائة ألف صلاة  ولله الفضل والمنّة  وهو الذي يضاعف الحسنات بقدر ما يشاء  ولكن اعلموا إخوة الإيمان  أن ّ قيمة هذه العبادة تكمن في آثارها في سلوك المؤمن فهو خير ترجمان  لأثرها  الإيجابيّ  وهو خير دليل على  القبول وهذا ينطبق على كلّ العبادات بلا استثناء  وخسارة الإنسان محقّقة إن  لم يقرن بين الإيمان والعبادة وعمل الصّالحات  وصدق تعالى إذ قال :" والعصر إنّ الإنسان لفي خسر إلاّ الذين آمنوا وعملوا الصّالحات وتواصوا بالحقّ وتواصوا بالصّبر " 

صدق الله العليّ العظيم والحمد لله ربّ العالمين  حمدا يليق بجلال وجهه وعظيم سلطانه  حمدا عدد خلقه ورضا نفسه  وزينة عرشه ومداد كلماته  وأصلّي وأسلّم على المبعوث رحمة للعالمين  اللهمّ صلّ وسلّم وبارك عليه كما تحبّ وترضى  صلاة دائمة طيّبة مباركة

اللّهمّ يا من لا يضيع لديه أجر المحسنين ويا من هو منتهى خوف العابدين ويا من هو غاية خشية المتّقين نحن عبيدك بين يديك كبّلتنا الذّنوب وأثقلتنا المعاصي وليس لنا رجاء إلاّ فيك جئناك ونحن نرجو رحمتك ونخشى عذابك  ونطلب مغفرتك فلا تردّنا يا ربّنا ويا مولانا ويا خالقنا  خائبين  اللهمّ كما أقررنا بقدرتك فالقنا  بمغفرتك وارفعنا عن الذّنوب  وكما سلّمنا أنفسنا بين يديك فاكنفنا برعايتك وسترك  في الدّنيا والآخرة  اللّهمّ وثبّت في طاعتك نيّتنا  وأحكم في عبادتك  بصيرتنا  ووفّقنا إلى صالح الأقوال والأعمال وجنّبنا دنس الخطايا  اللّهمّ إنّا نتوب إليك ونحن في مقامنا هذا ونحن نعلم أنّك تحبّ التوّابين  ونستغفرك ونحن نعلم أنّك تحبّ المستغفرين  اللّهمّ فامح عنّا السيّئات كبيرها وصغيرها ظاهرها وباطنها ما علمنا منها وما لم نعلم

اللّهمّ لا تدع لنا في مقامنا هذا ذنبا إلاّ غفرته ولا همّا إلاّ فرّجته ولا دينا إلاّ قضيته ولا مريضا إلاّ شفيته  ولا مظلوما إلاّ أنصفته  ولا  ضالاّ إلاّ هديته  ولا فقيرا إلاّ أغنيته اللهمّ أقبل حجّ الحاجّين وعمرة المعتمرين  وصدقة المتصدّقين ، اللهمّ لك الحمد أن  أنعمت علينا بالغيث النّافع فزدنا ولا تنقصنا  وأغثنا ولا تجعلنا من عبادك القانطين إنّك رؤوف رحيم

اللّهم ألّف بين قلوبنا واحفظنا بما تحفظ به عبادك الصّالحين يا قويّ يا متين  اللهم  انصر من نصر الدّين واخذل كلّ من خذل الإسلام والمسلمين وكن لرئيسنا خير مرشد ومعين  للحقّ واليقين وارحم والدينا ومن علّمنا وعلّمناه واجعلنا ممّن يستمعون القول فيتّبعون أحسنه   اللهمّ فكما أمرت بالتّوبة وضمنت بالقبول وحثثت على الدّعاء ووعدت بالإجابة فصلّ على سيّدنا محمّد وآله واقبل  توبتنا ولا ترجعنا مرجع الخيبة من رحمتك إنّك أنت التّواب على المذنبين والرّحيم للخطّائين المنيبين وآخر دعوانا أن الحمد لله ربّ العالمين