صفحة الاستقبال منبر الجمعة - خطب جمعية خطبة يوم الجمعة 5-11-2010 - التّعاون

كتاب التربية الإسلامية والتنشئة على القيم

خطبة يوم الجمعة 5-11-2010 - التّعاون طباعة أرسل إلى صديق
الكاتب: خالد التلمودي   
 

     خزامة الغربيّة                                          19 ذو الحجّة  1431

                                                       التّــــــــعاون

الحمد لله نحمده، ونستعينه، ونسترشده، ونستهديه ونعوذ به من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، إقراراً بربوبيته، وإرغاماً لمن جحد به وكفر، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله، أدّى الأمانة، وبلّغ الرسالة، ونصح الأمة، وكشف الغمة، وجاهد في الله حقّ الجهاد، حتّى آتاه الله اليقين فاللّهمّ صلّ وسلّم وبارك على سيّدنا محمّدا وعلى آله وصحبه وسلّم تسليما كثيرا . واتّقوا الله عباد الله ولا تموتنّ إلاّ وأنتم مسلمون  واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرّقوا.....



أمّا بعد إخوة الإيمان ، لا يختلف اثنان أنّ الغرب  يعيش حالة من التقدّم والتّطوّر على جميع الأصعدة ،وإذا أردنا أن نعرف الأسباب لأدركنا أنّ أحد أسباب قوته: نظام فريق العمل و العمل المؤسساتي، و ترشيد الاستهلاك، وحسن إدارة الوقت،والتّحكّم فيه  و إدارة الذات،والتّنظيم والانضباط ،،،،  وغير ذلك كثير ولكن لنعلم أن كل هذه القيم الحضارية أصل في ديننا، هم أخذوها من أجل دنياهم فنجحوا وتطوّروا  ونحن لا زلنا  نعاني في مساجدنا ـ مكان الطّاعة  والالتزام ـ من الهواتف التي ترنّ بلا انقطاع على نغمات متنوّعة ، ولا زلنا نعاني  أمام مساجدنا  من السيّارات التي  تسدّ الطّريق على الآخرين،  وفي طرقاتنا من السيّارات فوق الأرصفة ومن الرّاجلين على المعبّدات ،،،،و القائمة تطول ،و في كلمتين نحن نعيش التّنافس من أجل الذّات وهم يعيشون التّعاون الفعليّ من أجل الآخر  والحال أنّ ديننا هو دين الشّمول ، دين الدّنيا والآخرة بل  هو الحياة، حياتنا، مجتمعاتنا، أسرنا، أعمالنا، اقتصادنا، علاقاتنا، شبابنا، زواجنا، فرص العمل لشبابنا، فالدين هو الحياة، لذلك لا بدّ من صلاح ديننا، وصلاح دنيانا، وصلاح آخرتنا، وفي الدعاء النبوي الشريف: " اللهم أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا، وأصلح لنا دنيانا التي فيها معاشنا، وأصلح لنا آخرتنا التي إليها مردنا ".

التّعاون إخوة الإيمان هو موضوع خطبتنا اليوم ،التعاون هذه القيمة الإنسانيّة المثلى التي  أمرنا الله تعالى بها في القرآن الكريم وفي السنّة الصحيحة، وكل أمر في القرآن الكريم وفي السنة الصحيحة  يقتضيان الوجوب .فما مدى التزامنا  بهذا الأمر الربّانيّ ؟ وما السّبيل لتحقيقه على الوجه الأكمل حتّى نرتقي بأنفسنا إلى مستوى الدّول المتقدّمة  ؟



لا بدّ أن ننطلق من حقيقة  أساسيّة وهي أنّ الرذائل الخلقية تنبع من فردية الإنسان، وأنانيّته وتفلّته من منهج الواحد الديان، وأنّ الفضائل الخلقية تنبع من انصياع الإنسان لمنهج ربه، والتقرب إليه بخدمة عباده في إطار الجماعة لأنّها رحمة والفرقة عذاب ،لذلك لا حظوا معي أنّ أغلب العبادات تؤدّى بشكل جماعي فيتقوّى المؤمن بغيره  في صلاته وصيامه وحجّه وفي ذلك دربة على مواصلة نفس النّهج في الحياة العمليّة ، على أن يكون عطاء لله  وبمنهج الله  ،يعني إخلاصا لله وبقدر ما تعطي لا تنتظر المقابل ممّن تعطي لأنّك على يقين أيّها المؤمن أنّ المعطي هو الله وأنّ عطاءه بلا حدود وأنّه يشمل الدّنيا والآخرة ، وأنّه قد يأخذ منك في الدّنيا ولن يعطيك إلاّ في الآخرة قال تعالى :" كلاّ نمدّ هؤلاء وهؤلاء من عطاء ربّك وما كان عطاء ربّك محظورا " الإسراء 17 و الأنبياء جميعاً ـ صلوات الله تعالى وسلامه عليهم أجمعين ـ أعطوا كل شيء، ولم يأخذوا من الجماعة شيئاً، والذين على نقيضهم الأقوياء، أخذوا كل شيء، ولم يعطوا الجماعة شيئاً، والذين هم بينَ بين، أخذوا وأعطوا، ونبيّنا عليه الصّلاة والسّلام ضحّى بكلّ شيء من أجلنا ، من أجل أن يعلّمنا أنّ العطاء نبل وشهامة وعزّة ، وأنّه لذّة  ،علّمنا أنّ اليد العليا خير من اليد السّفلى ، آثر على نفسه حتّى الدّعوة لشخصه فاختبأها لنا  إلى يوم القيامة ليشفع لنا من عذاب جهنّم ، فصلّ عليك الله يا علم الهدى كما يحبّ ربّي ويرضى. .



أيها الأخوة الكرام، إن جلائل الأعمال الكبرى لا تتحقّق إلا عن طريق العمل الجماعي المتعاون، فالتعاون دين، و حضارة، و قوّة، في حين أنّ التنافس على حطام الدّنيا معصية، و تخلف، و ضعف ، ترى النّاس ضعاف الإيمان يركضون في الدّنيا ركض الوحوش ، لا يلتفتون إلى القيم ولا إلى النّاس ولا يستمعون لنداء الحقّ لأنّ في آذانهم وقر وعلى قلوبهم غشاوة ولهم أعين لا يبصرون بها ،  والعجيب أنّهم لن ينالوا من الدّنيا إلاّ ما كتب الله لهم ، وحتّى إن وسّع الله عليهم فلن يكون ذلك الكسب إلاّ وبالا عليهم . المهمّ في مقالنا هذا ،أنّ العمل الجماعي هو المثمر وأنّ التّعاون  هو الأثبت والأنجع والأنجح  قال تعالى :" ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم  " الإسراء 47

نعود مرّة أخرى إلى الدّول الغربيّة كأنموذج على التّقدّم فرغم اختلاف لغاتها وعاداتها وقوميّاتها وتاريخها  ورغم كثرة اختلافاتها والحروب الطّاحنة التي دارت بينها ، رغم  دواعي الفرقة ، عندما أرادوا أن يتّحدوا حكّموا عقولهم ومصالحهم الجماعيّة فاتّحدوا ، جعلوا أنفسهم دولة واحدة اقتصاديّا وعسكريّا ، وحّدوا عملتهم  وترابهم  فتراك تنتقل من دولة إلى أخرى دون أن ترى لا فتة تشير إلى ذلك ، دون أن تحتاج إلى تأشيرة عبور ، بل إنّك تعبر من نفق ربط بين فرنسا وبريطانيا  يمرّ من تحت البحر ، انطلق كلّ واحد من بلده والتقوا في منتصف الطّريق أقول جيّدا تحت سطح البحر  وانفتح هذا النّفق على الآخر بالدّقّة المتناهية وتصافح الفريقان  ، أمّا نحن ، نحن الأمّة الإسلاميّة رغم أنّ إلهنا واحد، ونبينا واحد، وكتابنا واحد، وآلامنا وآمالنا واحدة، ونحن نعد ثلاثاً وسبعين دولة، والانتقال من دولة إلى دولة يحتاج ثلاث ساعات أو أربع ساعات مع الوثائق، مع التأشيرات، مع التحقيقات، الغرب أرادنا أن نكون متفرقين،فقسّمنا إربا إربا ، قسّمنا ثمّ انسحب ،لأنّه يعلم بذلك أنّنا لن نقوى على مواجهته من جديد  بل إن الطغاة في الأرض تعدّ ورقة التفرقة هي الورقة الوحيدة الرابحة الأولى التي بأيديهم، والدليل: قوله تعالى :" إنّ فرعون علا في الأرض وجعل أهلها شيعا يستضعف طائفة منهم يذبّح أبناءهم ويستحيي نساءهم إنّه كان من المفسدين " القصص 4 الغريب في الأمر أنّ المسلمين متفوّقون وهم فرادى فتسمع بعلماء مسلمين في مختلف الاختصاصات لهم السّبق ويحتلّون المناصب الأولى في الدّول المتقدّمة طبعا ، وهذا ما يعبّر عنه بهجرة الأدمغة  ،ولكن واقعنا العربيّ يحتّم علينا التبعيّة  للآخر ولا خير في أمّة تأكل من وراء البحار والحال أنّ ديننا وقرآننا يدعونا بوضوح وبالأمر لا بالنّدب قائلا :" وتعاونوا على البرّ والتّقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان " المائدة 2 آية صريحة واضحة شاملة ، قال المفسّرون : البرّ صلاح الدّنيا والتّقوى صلاح الآخرة  وهذا شأن الإسلام دائما يجمع بين خيري الدّنيا والآخرة للأمّة، بل للإنسانيّة جمعاء وهذا الخير لن يتحقّق إلاّ بالتّعاون ،، ،،،،

إنّ البرّ والتّقوى مقصد والتّعاون وسيلة  فلا بدّ لنا من أساس نعتمد عليه وننطلق منه ،يقول تعالى تأسيسا لهذا المنطلق:"واعتصموا بحبل جميعا ولا تفرّقوا"آل عمران 103 وحبل الله هو عهده ونهجه ودينه به تحقّقت الوحدة والأخوّة بين المسلمين بعد أن كانوا قبائل متناحرة يقتل قويّهم ضعيفهم  فألّف الله بين قلوبهم التّي كانت متنافرة وتأليف القلوب من شأن الله وحده، فإذا اجتمعنا عليه ألّف بين قلوبنا، وإذا تفرقنا عنه باعد ما بين قلوبنا، لذلك إذا التفّ الأولاد حول أبيهم تحاببوا، وتعاونوا، وتناصروا، فإذا انفضوا من حول أبيهم، تخاصموا، وتقاطعوا وتدابروا  وهذا ينطبق على كلّ المؤسّسات الاجتماعيّة  وحتّى الشّركات والإدارات  فكلّما كان هناك تماسك وتعاون بين أفرادها كان ذلك مؤشّرا على القوّة والثّبات والاستمراريّة وكلّما كان العكس كان ذلك مؤشّرا على التفكّك والانهيار  وهذا شأن الأمّة بطبيعة الحال فلننظر إلى حالنا في واقعنا  ما الذي ينطبق علينا  ؟ إنّ الاعتصام بالله هو الملاذ والمعتمد والمعين فلا يكفي أن نعبده  بل يجب مع ذلك أن نستعين به ليؤلّف بين قلوبنا فهو القائل :"وألّف بين قلوبهم لو أنفقت ما في الأرض جميعا ما ألّفت بين قلوبهم ولكنّ الله ألّف بين قلوبهم إنّه عزيز حكيم " الأنفال 63

اللهمّ يا مؤّلّف القلوب ألّف بين قلوبنا وانصرنا على من بغى علينا  والحمد لله ربّ العالمين .

                              الخطبة الثّانية



 بسم الله الرّحمن الرّحيم والحمد لله ربّ العالمين والصّلاة والسّلام على سيّد المرسلين ولا عدوان إلاّ على الظّالمين وأشهد  ألاّ إله إلاّ الله وليّ الصّالحين وأشهد أنّ سيّدنا محمّدا عبده  ورسوله .



أمّا بعد  إخوة الإيمان إنّ المؤمنين الصادقين، الحقيقيّين،  الذين آمنوا بالله حق الإيمان لا بدّ أن يكونوا متعاونين والدّليل قوله تعالى :"

  التّوبة 71

لابدّ أن نستشعر من خلال هذه الآية الكريمة ذلك الإنسجام وذلك التّناغم وتلك الوحدة في التزام كامل بمبادئ هذا الدّين الذي يجمع ولا يفرّق ، يوحّد ولا يشتّت ويقوّي ولا يضعف  ، وهذا دليل الطّاعة لله ورسوله على اؤلئك تتنزّل الرّحمات ، فاغتنم أخي المؤمن كلّ فرص التّعاون انصر أخاك المستضعف ، فرّج كربة الملهوف ، أرشد الضالّ كن مع الفقير ومع المحتاج ، أصلح بين النّاس ،كن كما أمرنا سيّد الخلق عليه الصلاة والسلام:(( الْمُسْلِمُونَ تَتَكَافَأُ دِمَاؤُهُمْ يَسْعَى بِذِمَّتِهِمْ أَدْنَاهُمْ وَيُجِيرُ عَلَيْهِمْ أَقْصَاهُمْ وَهُمْ يَدٌ عَلَى مَنْ سِوَاهُمْ )) .[أخرجه أبو داود وابن ماجة وأحمد

لا تكن عونا للشّيطان على أخيك ، إيّاك والغيبة والنّميمة ، لا تكن همّازا مشّاء بنميم وإيّاك أن تنسى أخي المؤمن ما ذكّرك به الله ورسوله  وإلاّ  فإنّ توعّد الله يشملنا قال تعالى:"فنسوا حظّا ممّا ذكّروا به، فأغرينا بينهم العداوة والبغضاء إلى يوم القيامة " المائدة 14   فاتّقوا الله عباد الله وكونوا من الذّاكرين  واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرّقوا واستعينوا بالله إنّه خير المولى وخير النّصير .



اللهمّ لك الحمد أنت قيّوم السّماوات والأرض فلك الحمد أنت نور السّماوات والأرض فلك الحمد ، لك الحمد  حتّى ترضى ولك الحمد على الرّضا ولك الحمد في الأولى والآخرة .اللهم اهدنا فيمن هديت، وعافنا فيمن عافيت، وتولنا فيمن توليت، وبارك لنا فيما أعطيت،  وقنا واصرف عنا شر ما قضيت، فإنك تقضي بالحق، ولا يقضى عليك، وإنه لا يذل من واليت، ولا يعز من عاديت، تباركت ربنا وتعاليت، ولك الحمد على ما قضيت، نستغفرك و نتوب إليك،اللهمّ صلّ وسلّم وبارك على سيّدنا محمّد وعلى آله وأصحابه أجمعين  اللهم اهدنا لصالح الأعمال لا يهدي لصالحها إلا أنت، اللهم اهدنا لأحسن الأخلاق لا يهدي لأحسنها إلا أنت، اللهم أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا، وأصلح لنا دنيانا التي فيها معاشنا، وأصلح لنا آخرتنا التي إليها مردنا، واجعل الحياة زيادة  لنا من كل خير، واجعل الموت راحة لنا من كل شر، مولانا رب العالمين، اللهم اكفنا بحلالك عن حرامك، وبطاعتك عن معصيتك، وبفضلك عمن سواك، اللهم بفضلك ورحمتك أعلِ كلمة الحق والدين، وانصر الإسلام، وأعز المسلمين، انصر المسلمين في كل مكان، وفي شتى بقاع الأرض يا رب العالمين، ووفّق رئيسنا  لما تحبّه وترضاه اللهم أرنا قدرتك بأعدائك يا أكرم الأكرمين . اللهمّ وجازي المتصدّقين والمحسنين خير الجزاء  اللهمّ كلّ من نوّر هذا الجامع ونظّفه  وساهم فيه فجازه عنّا خير الجزاء  وبارك له في ماله وصحّته وذرّيته  وابن لكلّ المساهمين في بيوت الله  قصرا في الجنّة اللهمّ ارحم والدينا  ووفّق زوجاتنا إلى كلّ خير  واشف مرضانا وارحم موتانا واجعل الجنّة مأواهم ومأوانا  وآخر دعوانا أن الحمد لله ربّ العالمين  .







 

12.00 Normal 0 21 false false false FR X-NONE AR-SA MicrosoftInternetExplorer4

 

     خزامة الغربيّة                                          19 ذو الحجّة  1431

                                                       التّــــــــعاون

الحمد لله نحمده، ونستعينه، ونسترشده، ونستهديه ونعوذ به من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، إقراراً بربوبيته، وإرغاماً لمن جحد به وكفر، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله، أدّى الأمانة، وبلّغ الرسالة، ونصح الأمة، وكشف الغمة، وجاهد في الله حقّ الجهاد، حتّى آتاه الله اليقين فاللّهمّ صلّ وسلّم وبارك على سيّدنا محمّدا وعلى آله وصحبه وسلّم تسليما كثيرا . واتّقوا الله عباد الله ولا تموتنّ إلاّ وأنتم مسلمون  واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرّقوا.....



أمّا بعد إخوة الإيمان ، لا يختلف اثنان أنّ الغرب  يعيش حالة من التقدّم والتّطوّر على جميع الأصعدة ،وإذا أردنا أن نعرف الأسباب لأدركنا أنّ أحد أسباب قوته: نظام فريق العمل و العمل المؤسساتي، و ترشيد الاستهلاك، وحسن إدارة الوقت،والتّحكّم فيه  و إدارة الذات،والتّنظيم والانضباط ،،،،  وغير ذلك كثير ولكن لنعلم أن كل هذه القيم الحضارية أصل في ديننا، هم أخذوها من أجل دنياهم فنجحوا وتطوّروا  ونحن لا زلنا  نعاني في مساجدنا ـ مكان الطّاعة  والالتزام ـ من الهواتف التي ترنّ بلا انقطاع على نغمات متنوّعة ، ولا زلنا نعاني  أمام مساجدنا  من السيّارات التي  تسدّ الطّريق على الآخرين،  وفي طرقاتنا من السيّارات فوق الأرصفة ومن الرّاجلين على المعبّدات ،،،،و القائمة تطول ،و في كلمتين نحن نعيش التّنافس من أجل الذّات وهم يعيشون التّعاون الفعليّ من أجل الآخر  والحال أنّ ديننا هو دين الشّمول ، دين الدّنيا والآخرة بل  هو الحياة، حياتنا، مجتمعاتنا، أسرنا، أعمالنا، اقتصادنا، علاقاتنا، شبابنا، زواجنا، فرص العمل لشبابنا، فالدين هو الحياة، لذلك لا بدّ من صلاح ديننا، وصلاح دنيانا، وصلاح آخرتنا، وفي الدعاء النبوي الشريف: " اللهم أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا، وأصلح لنا دنيانا التي فيها معاشنا، وأصلح لنا آخرتنا التي إليها مردنا ".

التّعاون إخوة الإيمان هو موضوع خطبتنا اليوم ،التعاون هذه القيمة الإنسانيّة المثلى التي  أمرنا الله تعالى بها في القرآن الكريم وفي السنّة الصحيحة، وكل أمر في القرآن الكريم وفي السنة الصحيحة  يقتضيان الوجوب .فما مدى التزامنا  بهذا الأمر الربّانيّ ؟ وما السّبيل لتحقيقه على الوجه الأكمل حتّى نرتقي بأنفسنا إلى مستوى الدّول المتقدّمة  ؟



لا بدّ أن ننطلق من حقيقة  أساسيّة وهي أنّ الرذائل الخلقية تنبع من فردية الإنسان، وأنانيّته وتفلّته من منهج الواحد الديان، وأنّ الفضائل الخلقية تنبع من انصياع الإنسان لمنهج ربه، والتقرب إليه بخدمة عباده في إطار الجماعة لأنّها رحمة والفرقة عذاب ،لذلك لا حظوا معي أنّ أغلب العبادات تؤدّى بشكل جماعي فيتقوّى المؤمن بغيره  في صلاته وصيامه وحجّه وفي ذلك دربة على مواصلة نفس النّهج في الحياة العمليّة ، على أن يكون عطاء لله  وبمنهج الله  ،يعني إخلاصا لله وبقدر ما تعطي لا تنتظر المقابل ممّن تعطي لأنّك على يقين أيّها المؤمن أنّ المعطي هو الله وأنّ عطاءه بلا حدود وأنّه يشمل الدّنيا والآخرة ، وأنّه قد يأخذ منك في الدّنيا ولن يعطيك إلاّ في الآخرة قال تعالى :" كلاّ نمدّ هؤلاء وهؤلاء من عطاء ربّك وما كان عطاء ربّك محظورا " الإسراء 17 و الأنبياء جميعاً ـ صلوات الله تعالى وسلامه عليهم أجمعين ـ أعطوا كل شيء، ولم يأخذوا من الجماعة شيئاً، والذين على نقيضهم الأقوياء، أخذوا كل شيء، ولم يعطوا الجماعة شيئاً، والذين هم بينَ بين، أخذوا وأعطوا، ونبيّنا عليه الصّلاة والسّلام ضحّى بكلّ شيء من أجلنا ، من أجل أن يعلّمنا أنّ العطاء نبل وشهامة وعزّة ، وأنّه لذّة  ،علّمنا أنّ اليد العليا خير من اليد السّفلى ، آثر على نفسه حتّى الدّعوة لشخصه فاختبأها لنا  إلى يوم القيامة ليشفع لنا من عذاب جهنّم ، فصلّ عليك الله يا علم الهدى كما يحبّ ربّي ويرضى. .



أيها الأخوة الكرام، إن جلائل الأعمال الكبرى لا تتحقّق إلا عن طريق العمل الجماعي المتعاون، فالتعاون دين، و حضارة، و قوّة، في حين أنّ التنافس على حطام الدّنيا معصية، و تخلف، و ضعف ، ترى النّاس ضعاف الإيمان يركضون في الدّنيا ركض الوحوش ، لا يلتفتون إلى القيم ولا إلى النّاس ولا يستمعون لنداء الحقّ لأنّ في آذانهم وقر وعلى قلوبهم غشاوة ولهم أعين لا يبصرون بها ،  والعجيب أنّهم لن ينالوا من الدّنيا إلاّ ما كتب الله لهم ، وحتّى إن وسّع الله عليهم فلن يكون ذلك الكسب إلاّ وبالا عليهم . المهمّ في مقالنا هذا ،أنّ العمل الجماعي هو المثمر وأنّ التّعاون  هو الأثبت والأنجع والأنجح  قال تعالى :" ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم  " الإسراء 47

نعود مرّة أخرى إلى الدّول الغربيّة كأنموذج على التّقدّم فرغم اختلاف لغاتها وعاداتها وقوميّاتها وتاريخها  ورغم كثرة اختلافاتها والحروب الطّاحنة التي دارت بينها ، رغم  دواعي الفرقة ، عندما أرادوا أن يتّحدوا حكّموا عقولهم ومصالحهم الجماعيّة فاتّحدوا ، جعلوا أنفسهم دولة واحدة اقتصاديّا وعسكريّا ، وحّدوا عملتهم  وترابهم  فتراك تنتقل من دولة إلى أخرى دون أن ترى لا فتة تشير إلى ذلك ، دون أن تحتاج إلى تأشيرة عبور ، بل إنّك تعبر من نفق ربط بين فرنسا وبريطانيا  يمرّ من تحت البحر ، انطلق كلّ واحد من بلده والتقوا في منتصف الطّريق أقول جيّدا تحت سطح البحر  وانفتح هذا النّفق على الآخر بالدّقّة المتناهية وتصافح الفريقان  ، أمّا نحن ، نحن الأمّة الإسلاميّة رغم أنّ إلهنا واحد، ونبينا واحد، وكتابنا واحد، وآلامنا وآمالنا واحدة، ونحن نعد ثلاثاً وسبعين دولة، والانتقال من دولة إلى دولة يحتاج ثلاث ساعات أو أربع ساعات مع الوثائق، مع التأشيرات، مع التحقيقات، الغرب أرادنا أن نكون متفرقين،فقسّمنا إربا إربا ، قسّمنا ثمّ انسحب ،لأنّه يعلم بذلك أنّنا لن نقوى على مواجهته من جديد  بل إن الطغاة في الأرض تعدّ ورقة التفرقة هي الورقة الوحيدة الرابحة الأولى التي بأيديهم، والدليل: قوله تعالى :" إنّ فرعون علا في الأرض وجعل أهلها شيعا يستضعف طائفة منهم يذبّح أبناءهم ويستحيي نساءهم إنّه كان من المفسدين " القصص 4 الغريب في الأمر أنّ المسلمين متفوّقون وهم فرادى فتسمع بعلماء مسلمين في مختلف الاختصاصات لهم السّبق ويحتلّون المناصب الأولى في الدّول المتقدّمة طبعا ، وهذا ما يعبّر عنه بهجرة الأدمغة  ،ولكن واقعنا العربيّ يحتّم علينا التبعيّة  للآخر ولا خير في أمّة تأكل من وراء البحار والحال أنّ ديننا وقرآننا يدعونا بوضوح وبالأمر لا بالنّدب قائلا :" وتعاونوا على البرّ والتّقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان " المائدة 2 آية صريحة واضحة شاملة ، قال المفسّرون : البرّ صلاح الدّنيا والتّقوى صلاح الآخرة  وهذا شأن الإسلام دائما يجمع بين خيري الدّنيا والآخرة للأمّة، بل للإنسانيّة جمعاء وهذا الخير لن يتحقّق إلاّ بالتّعاون ،، ،،،،

إنّ البرّ والتّقوى مقصد والتّعاون وسيلة  فلا بدّ لنا من أساس نعتمد عليه وننطلق منه ،يقول تعالى تأسيسا لهذا المنطلق:"واعتصموا بحبل جميعا ولا تفرّقوا"آل عمران 103 وحبل الله هو عهده ونهجه ودينه به تحقّقت الوحدة والأخوّة بين المسلمين بعد أن كانوا قبائل متناحرة يقتل قويّهم ضعيفهم  فألّف الله بين قلوبهم التّي كانت متنافرة وتأليف القلوب من شأن الله وحده، فإذا اجتمعنا عليه ألّف بين قلوبنا، وإذا تفرقنا عنه باعد ما بين قلوبنا، لذلك إذا التفّ الأولاد حول أبيهم تحاببوا، وتعاونوا، وتناصروا، فإذا انفضوا من حول أبيهم، تخاصموا، وتقاطعوا وتدابروا  وهذا ينطبق على كلّ المؤسّسات الاجتماعيّة  وحتّى الشّركات والإدارات  فكلّما كان هناك تماسك وتعاون بين أفرادها كان ذلك مؤشّرا على القوّة والثّبات والاستمراريّة وكلّما كان العكس كان ذلك مؤشّرا على التفكّك والانهيار  وهذا شأن الأمّة بطبيعة الحال فلننظر إلى حالنا في واقعنا  ما الذي ينطبق علينا  ؟ إنّ الاعتصام بالله هو الملاذ والمعتمد والمعين فلا يكفي أن نعبده  بل يجب مع ذلك أن نستعين به ليؤلّف بين قلوبنا فهو القائل :"وألّف بين قلوبهم لو أنفقت ما في الأرض جميعا ما ألّفت بين قلوبهم ولكنّ الله ألّف بين قلوبهم إنّه عزيز حكيم " الأنفال 63

اللهمّ يا مؤّلّف القلوب ألّف بين قلوبنا وانصرنا على من بغى علينا  والحمد لله ربّ العالمين .

                              الخطبة الثّانية



 بسم الله الرّحمن الرّحيم والحمد لله ربّ العالمين والصّلاة والسّلام على سيّد المرسلين ولا عدوان إلاّ على الظّالمين وأشهد  ألاّ إله إلاّ الله وليّ الصّالحين وأشهد أنّ سيّدنا محمّدا عبده  ورسوله .



أمّا بعد  إخوة الإيمان إنّ المؤمنين الصادقين، الحقيقيّين،  الذين آمنوا بالله حق الإيمان لا بدّ أن يكونوا متعاونين والدّليل قوله تعالى :"

  التّوبة 71

لابدّ أن نستشعر من خلال هذه الآية الكريمة ذلك الإنسجام وذلك التّناغم وتلك الوحدة في التزام كامل بمبادئ هذا الدّين الذي يجمع ولا يفرّق ، يوحّد ولا يشتّت ويقوّي ولا يضعف  ، وهذا دليل الطّاعة لله ورسوله على اؤلئك تتنزّل الرّحمات ، فاغتنم أخي المؤمن كلّ فرص التّعاون انصر أخاك المستضعف ، فرّج كربة الملهوف ، أرشد الضالّ كن مع الفقير ومع المحتاج ، أصلح بين النّاس ،كن كما أمرنا سيّد الخلق عليه الصلاة والسلام:(( الْمُسْلِمُونَ تَتَكَافَأُ دِمَاؤُهُمْ يَسْعَى بِذِمَّتِهِمْ أَدْنَاهُمْ وَيُجِيرُ عَلَيْهِمْ أَقْصَاهُمْ وَهُمْ يَدٌ عَلَى مَنْ سِوَاهُمْ )) .[أخرجه أبو داود وابن ماجة وأحمد

لا تكن عونا للشّيطان على أخيك ، إيّاك والغيبة والنّميمة ، لا تكن همّازا مشّاء بنميم وإيّاك أن تنسى أخي المؤمن ما ذكّرك به الله ورسوله  وإلاّ  فإنّ توعّد الله يشملنا قال تعالى:"فنسوا حظّا ممّا ذكّروا به، فأغرينا بينهم العداوة والبغضاء إلى يوم القيامة " المائدة 14   فاتّقوا الله عباد الله وكونوا من الذّاكرين  واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرّقوا واستعينوا بالله إنّه خير المولى وخير النّصير .



اللهمّ لك الحمد أنت قيّوم السّماوات والأرض فلك الحمد أنت نور السّماوات والأرض فلك الحمد ، لك الحمد  حتّى ترضى ولك الحمد على الرّضا ولك الحمد في الأولى والآخرة .اللهم اهدنا فيمن هديت، وعافنا فيمن عافيت، وتولنا فيمن توليت، وبارك لنا فيما أعطيت،  وقنا واصرف عنا شر ما قضيت، فإنك تقضي بالحق، ولا يقضى عليك، وإنه لا يذل من واليت، ولا يعز من عاديت، تباركت ربنا وتعاليت، ولك الحمد على ما قضيت، نستغفرك و نتوب إليك،اللهمّ صلّ وسلّم وبارك على سيّدنا محمّد وعلى آله وأصحابه أجمعين  اللهم اهدنا لصالح الأعمال لا يهدي لصالحها إلا أنت، اللهم اهدنا لأحسن الأخلاق لا يهدي لأحسنها إلا أنت، اللهم أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا، وأصلح لنا دنيانا التي فيها معاشنا، وأصلح لنا آخرتنا التي إليها مردن

 

     خزامة الغربيّة                                          19 ذو الحجّة  1431

                                                       التّــــــــعاون

الحمد لله نحمده، ونستعينه، ونسترشده، ونستهديه ونعوذ به من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، إقراراً بربوبيته، وإرغاماً لمن جحد به وكفر، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله، أدّى الأمانة، وبلّغ الرسالة، ونصح الأمة، وكشف الغمة، وجاهد في الله حقّ الجهاد، حتّى آتاه الله اليقين فاللّهمّ صلّ وسلّم وبارك على سيّدنا محمّدا وعلى آله وصحبه وسلّم تسليما كثيرا . واتّقوا الله عباد الله ولا تموتنّ إلاّ وأنتم مسلمون  واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرّقوا.....



أمّا بعد إخوة الإيمان ، لا يختلف اثنان أنّ الغرب  يعيش حالة من التقدّم والتّطوّر على جميع الأصعدة ،وإذا أردنا أن نعرف الأسباب لأدركنا أنّ أحد أسباب قوته: نظام فريق العمل و العمل المؤسساتي، و ترشيد الاستهلاك، وحسن إدارة الوقت،والتّحكّم فيه  و إدارة الذات،والتّنظيم والانضباط ،،،،  وغير ذلك كثير ولكن لنعلم أن كل هذه القيم الحضارية أصل في ديننا، هم أخذوها من أجل دنياهم فنجحوا وتطوّروا  ونحن لا زلنا  نعاني في مساجدنا ـ مكان الطّاعة  والالتزام ـ من الهواتف التي ترنّ بلا انقطاع على نغمات متنوّعة ، ولا زلنا نعاني  أمام مساجدنا  من السيّارات التي  تسدّ الطّريق على الآخرين،  وفي طرقاتنا من السيّارات فوق الأرصفة ومن الرّاجلين على المعبّدات ،،،،و القائمة تطول ،و في كلمتين نحن نعيش التّنافس من أجل الذّات وهم يعيشون التّعاون الفعليّ من أجل الآخر  والحال أنّ ديننا هو دين الشّمول ، دين الدّنيا والآخرة بل  هو الحياة، حياتنا، مجتمعاتنا، أسرنا، أعمالنا، اقتصادنا، علاقاتنا، شبابنا، زواجنا، فرص العمل لشبابنا، فالدين هو الحياة، لذلك لا بدّ من صلاح ديننا، وصلاح دنيانا، وصلاح آخرتنا، وفي الدعاء النبوي الشريف: " اللهم أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا، وأصلح لنا دنيانا التي فيها معاشنا، وأصلح لنا آخرتنا التي إليها مردنا ".

التّعاون إخوة الإيمان هو موضوع خطبتنا اليوم ،التعاون هذه القيمة الإنسانيّة المثلى التي  أمرنا الله تعالى بها في القرآن الكريم وفي السنّة الصحيحة، وكل أمر في القرآن الكريم وفي السنة الصحيحة  يقتضيان الوجوب .فما مدى التزامنا  بهذا الأمر الربّانيّ ؟ وما السّبيل لتحقيقه على الوجه الأكمل حتّى نرتقي بأنفسنا إلى مستوى الدّول المتقدّمة  ؟



لا بدّ أن ننطلق من حقيقة  أساسيّة وهي أنّ الرذائل الخلقية تنبع من فردية الإنسان، وأنانيّته وتفلّته من منهج الواحد الديان، وأنّ الفضائل الخلقية تنبع من انصياع الإنسان لمنهج ربه، والتقرب إليه بخدمة عباده في إطار الجماعة لأنّها رحمة والفرقة عذاب ،لذلك لا حظوا معي أنّ أغلب العبادات تؤدّى بشكل جماعي فيتقوّى المؤمن بغيره  في صلاته وصيامه وحجّه وفي ذلك دربة على مواصلة نفس النّهج في الحياة العمليّة ، على أن يكون عطاء لله  وبمنهج الله  ،يعني إخلاصا لله وبقدر ما تعطي لا تنتظر المقابل ممّن تعطي لأنّك على يقين أيّها المؤمن أنّ المعطي هو الله وأنّ عطاءه بلا حدود وأنّه يشمل الدّنيا والآخرة ، وأنّه قد يأخذ منك في الدّنيا ولن يعطيك إلاّ في الآخرة قال تعالى :" كلاّ نمدّ هؤلاء وهؤلاء من عطاء ربّك وما كان عطاء ربّك محظورا " الإسراء 17 و الأنبياء جميعاً ـ صلوات الله تعالى وسلامه عليهم أجمعين ـ أعطوا كل شيء، ولم يأخذوا من الجماعة شيئاً، والذين على نقيضهم الأقوياء، أخذوا كل شيء، ولم يعطوا الجماعة شيئاً، والذين هم بينَ بين، أخذوا وأعطوا، ونبيّنا عليه الصّلاة والسّلام ضحّى بكلّ شيء من أجلنا ، من أجل أن يعلّمنا أنّ العطاء نبل وشهامة وعزّة ، وأنّه لذّة  ،علّمنا أنّ اليد العليا خير من اليد السّفلى ، آثر على نفسه حتّى الدّعوة لشخصه فاختبأها لنا  إلى يوم القيامة ليشفع لنا من عذاب جهنّم ، فصلّ عليك الله يا علم الهدى كما يحبّ ربّي ويرضى. .



أيها الأخوة الكرام، إن جلائل الأعمال الكبرى لا تتحقّق إلا عن طريق العمل الجماعي المتعاون، فالتعاون دين، و حضارة، و قوّة، في حين أنّ التنافس على حطام الدّنيا معصية، و تخلف، و ضعف ، ترى النّاس ضعاف الإيمان يركضون في الدّنيا ركض الوحوش ، لا يلتفتون إلى القيم ولا إلى النّاس ولا يستمعون لنداء الحقّ لأنّ في آذانهم وقر وعلى قلوبهم غشاوة ولهم أعين لا يبصرون بها ،  والعجيب أنّهم لن ينالوا من الدّنيا إلاّ ما كتب الله لهم ، وحتّى إن وسّع الله عليهم فلن يكون ذلك الكسب إلاّ وبالا عليهم . المهمّ في مقالنا هذا ،أنّ العمل الجماعي هو المثمر وأنّ التّعاون  هو الأثبت والأنجع والأنجح  قال تعالى :" ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم  " الإسراء 47

نعود مرّة أخرى إلى الدّول الغربيّة كأنموذج على التّقدّم فرغم اختلاف لغاتها وعاداتها وقوميّاتها وتاريخها  ورغم كثرة اختلافاتها والحروب الطّاحنة التي دارت بينها ، رغم  دواعي الفرقة ، عندما أرادوا أن يتّحدوا حكّموا عقولهم ومصالحهم الجماعيّة فاتّحدوا ، جعلوا أنفسهم دولة واحدة اقتصاديّا وعسكريّا ، وحّدوا عملتهم  وترابهم  فتراك تنتقل من دولة إلى أخرى دون أن ترى لا فتة تشير إلى ذلك ، دون أن تحتاج إلى تأشيرة عبور ، بل إنّك تعبر من نفق ربط بين فرنسا وبريطانيا  يمرّ من تحت البحر ، انطلق كلّ واحد من بلده والتقوا في منتصف الطّريق أقول جيّدا تحت سطح البحر  وانفتح هذا النّفق على الآخر بالدّقّة المتناهية وتصافح الفريقان  ، أمّا نحن ، نحن الأمّة الإسلاميّة رغم أنّ إلهنا واحد، ونبينا واحد، وكتابنا واحد، وآلامنا وآمالنا واحدة، ونحن نعد ثلاثاً وسبعين دولة، والانتقال من دولة إلى دولة يحتاج ثلاث ساعات أو أربع ساعات مع الوثائق، مع التأشيرات، مع التحقيقات، الغرب أرادنا أن نكون متفرقين،فقسّمنا إربا إربا ، قسّمنا ثمّ انسحب ،لأنّه يعلم بذلك أنّنا لن نقوى على مواجهته من جديد  بل إن الطغاة في الأرض تعدّ ورقة التفرقة هي الورقة الوحيدة الرابحة الأولى التي بأيديهم، والدليل: قوله تعالى :" إنّ فرعون علا في الأرض وجعل أهلها شيعا يستضعف طائفة منهم يذبّح أبناءهم ويستحيي نساءهم إنّه كان من المفسدين " القصص 4 الغريب في الأمر أنّ المسلمين متفوّقون وهم فرادى فتسمع بعلماء مسلمين في مختلف الاختصاصات لهم السّبق ويحتلّون المناصب الأولى في الدّول المتقدّمة طبعا ، وهذا ما يعبّر عنه بهجرة الأدمغة  ،ولكن واقعنا العربيّ يحتّم علينا التبعيّة  للآخر ولا خير في أمّة تأكل من وراء البحار والحال أنّ ديننا وقرآننا يدعونا بوضوح وبالأمر لا بالنّدب قائلا :" وتعاونوا على البرّ والتّقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان " المائدة 2 آية صريحة واضحة شاملة ، قال المفسّرون : البرّ صلاح الدّنيا والتّقوى صلاح الآخرة  وهذا شأن الإسلام دائما يجمع بين خيري الدّنيا والآخرة للأمّة، بل للإنسانيّة جمعاء وهذا الخير لن يتحقّق إلاّ بالتّعاون ،، ،،،،

إنّ البرّ والتّقوى مقصد والتّعاون وسيلة  فلا بدّ لنا من أساس نعتمد عليه وننطلق منه ،يقول تعالى تأسيسا لهذا المنطلق:"واعتصموا بحبل جميعا ولا تفرّقوا"آل عمران 103 وحبل الله هو عهده ونهجه ودينه به تحقّقت الوحدة والأخوّة بين المسلمين بعد أن كانوا قبائل متناحرة يقتل قويّهم ضعيفهم  فألّف الله بين قلوبهم التّي كانت متنافرة وتأليف القلوب من شأن الله وحده، فإذا اجتمعنا عليه ألّف بين قلوبنا، وإذا تفرقنا عنه باعد ما بين قلوبنا، لذلك إذا التفّ الأولاد حول أبيهم تحاببوا، وتعاونوا، وتناصروا، فإذا انفضوا من حول أبيهم، تخاصموا، وتقاطعوا وتدابروا  وهذا ينطبق على كلّ المؤسّسات الاجتماعيّة  وحتّى الشّركات والإدارات  فكلّما كان هناك تماسك وتعاون بين أفرادها كان ذلك مؤشّرا على القوّة والثّبات والاستمراريّة وكلّما كان العكس كان ذلك مؤشّرا على التفكّك والانهيار  وهذا شأن الأمّة بطبيعة الحال فلننظر إلى حالنا في واقعنا  ما الذي ينطبق علينا  ؟ إنّ الاعتصام بالله هو الملاذ والمعتمد والمعين فلا يكفي أن نعبده  بل يجب مع ذلك أن نستعين به ليؤلّف بين قلوبنا فهو القائل :"وألّف بين قلوبهم لو أنفقت ما في الأرض جميعا ما ألّفت بين قلوبهم ولكنّ الله ألّف بين قلوبهم إنّه عزيز حكيم " الأنفال 63

اللهمّ يا مؤّلّف القلوب ألّف بين قلوبنا وانصرنا على من بغى علينا  والحمد لله ربّ العالمين .

                              الخطبة الثّانية



 بسم الله الرّحمن الرّحيم والحمد لله ربّ العالمين والصّلاة والسّلام على سيّد المرسلين ولا عدوان إلاّ على الظّالمين وأشهد  ألاّ إله إلاّ الله وليّ الصّالحين وأشهد أنّ سيّدنا محمّدا عبده  ورسوله .



أمّا بعد  إخوة الإيمان إنّ المؤمنين الصادقين، الحقيقيّين،  الذين آمنوا بالله حق الإيمان لا بدّ أن يكونوا متعاونين والدّليل قوله تعالى :"

  التّوبة 71

لابدّ أن نستشعر من خلال هذه الآية الكريمة ذلك الإنسجام وذلك التّناغم وتلك الوحدة في التزام كامل بمبادئ هذا الدّين الذي يجمع ولا يفرّق ، يوحّد ولا يشتّت ويقوّي ولا يضعف  ، وهذا دليل الطّاعة لله ورسوله على اؤلئك تتنزّل الرّحمات ، فاغتنم أخي المؤمن كلّ فرص التّعاون انصر أخاك المستضعف ، فرّج كربة الملهوف ، أرشد الضالّ كن مع الفقير ومع المحتاج ، أصلح بين النّاس ،كن كما أمرنا سيّد الخلق عليه الصلاة والسلام:(( الْمُسْلِمُونَ تَتَكَافَأُ دِمَاؤُهُمْ يَسْعَى بِذِمَّتِهِمْ أَدْنَاهُمْ وَيُجِيرُ عَلَيْهِمْ أَقْصَاهُمْ وَهُمْ يَدٌ عَلَى مَنْ سِوَاهُمْ )) .[أخرجه أبو داود وابن ماجة وأحمد

لا تكن عونا للشّيطان على أخيك ، إيّاك والغيبة والنّميمة ، لا تكن همّازا مشّاء بنميم وإيّاك أن تنسى أخي المؤمن ما ذكّرك به الله ورسوله  وإلاّ  فإنّ توعّد الله يشملنا قال تعالى:"فنسوا حظّا ممّا ذكّروا به، فأغرينا بينهم العداوة والبغضاء إلى يوم القيامة " المائدة 14   فاتّقوا الله عباد الله وكونوا من الذّاكرين  واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرّقوا واستعينوا بالله إنّه خير المولى وخير النّصير .



اللهمّ لك الحمد أنت قيّوم السّماوات والأرض فلك الحمد أنت نور السّماوات والأرض فلك الحمد ، لك الحمد  حتّى ترضى ولك الحمد على الرّضا ولك الحمد في الأولى والآخرة .اللهم اهدنا فيمن هديت، وعافنا فيمن عافيت، وتولنا فيمن توليت، وبارك لنا فيما أعطيت،  وقنا واصرف عنا شر ما قضيت، فإنك تقضي بالحق، ولا يقضى عليك، وإنه لا يذل من واليت، ولا يعز من عاديت، تباركت ربنا وتعاليت، ولك الحمد على ما قضيت، نستغفرك و نتوب إليك،اللهمّ صلّ وسلّم وبارك على سيّدنا محمّد وعلى آله وأصحابه أجمعين  اللهم اهدنا لصالح الأعمال لا يهدي لصالحها إلا أنت، اللهم اهدنا لأحسن الأخلاق لا يهدي لأحسنها إلا أنت، اللهم أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا، وأصلح لنا دنيانا التي فيها معاشنا، وأصلح لنا آخرتنا التي إليها مردنا، واجعل الحياة زيادة  لنا من كل خير، واجعل الموت راحة لنا من كل شر، مولانا رب العالمين، اللهم اكفنا بحلالك عن حرامك، وبطاعتك عن معصيتك، وبفضلك عمن سواك، اللهم بفضلك ورحمتك أعلِ كلمة الحق والدين، وانصر الإسلام، وأعز المسلمين، انصر المسلمين في كل مكان، وفي شتى بقاع الأرض يا رب العالمين، ووفّق رئيسنا  لما تحبّه وترضاه اللهم أرنا قدرتك بأعدائك يا أكرم الأكرمين . اللهمّ وجازي المتصدّقين والمحسنين خير الجزاء  اللهمّ كلّ من نوّر هذا الجامع ونظّفه  وساهم فيه فجازه عنّا خير الجزاء  وبارك له في ماله وصحّته وذرّيته  وابن لكلّ المساهمين في بيوت الله  قصرا في الجنّة اللهمّ ارحم والدينا  ووفّق زوجاتنا إلى كلّ خير  واشف مرضانا وارحم موتانا واجعل الجنّة مأواهم ومأوانا  وآخر دعوانا أن الحمد لله ربّ العالمين  .







  12.00 Normal 0 21 false false false FR X-NONE AR-SA MicrosoftInternetExplorer4 /* Style Definitions */ table.MsoNormalTable {mso-style-name:"Tableau Normal"; mso-tstyle-rowband-size:0; mso-tstyle-colband-size:0; mso-style-noshow:yes; mso-style-priority:99; mso-style-qformat:yes; mso-style-parent:""; mso-padding-alt:0cm 5.4pt 0cm 5.4pt; mso-para-margin-top:0cm; mso-para-margin-right:0cm; mso-para-margin-bottom:10.0pt; mso-para-margin-left:0cm; line-height:115%; mso-pagination:widow-orphan; font-size:11.0pt; font-family:"Calibri","sans-serif"; mso-ascii-font-family:Calibri; mso-ascii-theme-font:minor-latin; mso-fareast-font-family:"Times New Roman"; mso-fareast-theme-font:minor-fareast; mso-hansi-font-family:Calibri; mso-hansi-theme-font:minor-latin;}

 

     خزامة الغربيّة                                          19 ذو الحجّة  1431

                                                       التّــــــــعاون

الحمد لله نحمده، ونستعينه، ونسترشده، ونستهديه ونعوذ به من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، إقراراً بربوبيته، وإرغاماً لمن جحد به وكفر، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله، أدّى الأمانة، وبلّغ الرسالة، ونصح الأمة، وكشف الغمة، وجاهد في الله حقّ الجهاد، حتّى آتاه الله اليقين فاللّهمّ صلّ وسلّم وبارك على سيّدنا محمّدا وعلى آله وصحبه وسلّم تسليما كثيرا . واتّقوا الله عباد الله ولا تموتنّ إلاّ وأنتم مسلمون  واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرّقوا.....



أمّا بعد إخوة الإيمان ، لا يختلف اثنان أنّ الغرب  يعيش حالة من التقدّم والتّطوّر على جميع الأصعدة ،وإذا أردنا أن نعرف الأسباب لأدركنا أنّ أحد أسباب قوته: نظام فريق العمل و العمل المؤسساتي، و ترشيد الاستهلاك، وحسن إدارة الوقت،والتّحكّم فيه  و إدارة الذات،والتّنظيم والانضباط ،،،،  وغير ذلك كثير ولكن لنعلم أن كل هذه القيم الحضارية أصل في ديننا، هم أخذوها من أجل دنياهم فنجحوا وتطوّروا  ونحن لا زلنا  نعاني في مساجدنا ـ مكان الطّاعة  والالتزام ـ من الهواتف التي ترنّ بلا انقطاع على نغمات متنوّعة ، ولا زلنا نعاني  أمام مساجدنا  من السيّارات التي  تسدّ الطّريق على الآخرين،  وفي طرقاتنا من السيّارات فوق الأرصفة ومن الرّاجلين على المعبّدات ،،،،و القائمة تطول ،و في كلمتين نحن نعيش التّنافس من أجل الذّات وهم يعيشون التّعاون الفعليّ من أجل الآخر  والحال أنّ ديننا هو دين الشّمول ، دين الدّنيا والآخرة بل  هو الحياة، حياتنا، مجتمعاتنا، أسرنا، أعمالنا، اقتصادنا، علاقاتنا، شبابنا، زواجنا، فرص العمل لشبابنا، فالدين هو الحياة، لذلك لا بدّ من صلاح ديننا، وصلاح دنيانا، وصلاح آخرتنا، وفي الدعاء النبوي الشريف: " اللهم أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا، وأصلح لنا دنيانا التي فيها معاشنا، وأصلح لنا آخرتنا التي إليها مردنا ".

التّعاون إخوة الإيمان هو موضوع خطبتنا اليوم ،التعاون هذه القيمة الإنسانيّة المثلى التي  أمرنا الله تعالى بها في القرآن الكريم وفي السنّة الصحيحة، وكل أمر في القرآن الكريم وفي السنة الصحيحة  يقتضيان الوجوب .فما مدى التزامنا  بهذا الأمر الربّانيّ ؟ وما السّبيل لتحقيقه على الوجه الأكمل حتّى نرتقي بأنفسنا إلى مستوى الدّول المتقدّمة  ؟



لا بدّ أن ننطلق من حقيقة  أساسيّة وهي أنّ الرذائل الخلقية تنبع من فردية الإنسان، وأنانيّته وتفلّته من منهج الواحد الديان، وأنّ الفضائل الخلقية تنبع من انصياع الإنسان لمنهج ربه، والتقرب إليه بخدمة عباده في إطار الجماعة لأنّها رحمة والفرقة عذاب ،لذلك لا حظوا معي أنّ أغلب العبادات تؤدّى بشكل جماعي فيتقوّى المؤمن بغيره  في صلاته وصيامه وحجّه وفي ذلك دربة على مواصلة نفس النّهج في الحياة العمليّة ، على أن يكون عطاء لله  وبمنهج الله  ،يعني إخلاصا لله وبقدر ما تعطي لا تنتظر المقابل ممّن تعطي لأنّك على يقين أيّها المؤمن أنّ المعطي هو الله وأنّ عطاءه بلا حدود وأنّه يشمل الدّنيا والآخرة ، وأنّه قد يأخذ منك في الدّنيا ولن يعطيك إلاّ في الآخرة قال تعالى :" كلاّ نمدّ هؤلاء وهؤلاء من عطاء ربّك وما كان عطاء ربّك محظورا " الإسراء 17 و الأنبياء جميعاً ـ صلوات الله تعالى وسلامه عليهم أجمعين ـ أعطوا كل شيء، ولم يأخذوا من الجماعة شيئاً، والذين على نقيضهم الأقوياء، أخذوا كل شيء، ولم يعطوا الجماعة شيئاً، والذين هم بينَ بين، أخذوا وأعطوا، ونبيّنا عليه الصّلاة والسّلام ضحّى بكلّ شيء من أجلنا ، من أجل أن يعلّمنا أنّ العطاء نبل وشهامة وعزّة ، وأنّه لذّة  ،علّمنا أنّ اليد العليا خير من اليد السّفلى ، آثر على نفسه حتّى الدّعوة لشخصه فاختبأها لنا  إلى يوم القيامة ليشفع لنا من عذاب جهنّم ، فصلّ عليك الله يا علم الهدى كما يحبّ ربّي ويرضى. .



أيها الأخوة الكرام، إن جلائل الأعمال الكبرى لا تتحقّق إلا عن طريق العمل الجماعي المتعاون، فالتعاون دين، و حضارة، و قوّة، في حين أنّ التنافس على حطام الدّنيا معصية، و تخلف، و ضعف ، ترى النّاس ضعاف الإيمان يركضون في الدّنيا ركض الوحوش ، لا يلتفتون إلى القيم ولا إلى النّاس ولا يستمعون لنداء الحقّ لأنّ في آذانهم وقر وعلى قلوبهم غشاوة ولهم أعين لا يبصرون بها ،  والعجيب أنّهم لن ينالوا من الدّنيا إلاّ ما كتب الله لهم ، وحتّى إن وسّع الله عليهم فلن يكون ذلك الكسب إلاّ وبالا عليهم . المهمّ في مقالنا هذا ،أنّ العمل الجماعي هو المثمر وأنّ التّعاون  هو الأثبت والأنجع والأنجح  قال تعالى :" ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم  " الإسراء 47

نعود مرّة أخرى إلى الدّول الغربيّة كأنموذج على التّقدّم فرغم اختلاف لغاتها وعاداتها وقوميّاتها وتاريخها  ورغم كثرة اختلافاتها والحروب الطّاحنة التي دارت بينها ، رغم  دواعي الفرقة ، عندما أرادوا أن يتّحدوا حكّموا عقولهم ومصالحهم الجماعيّة فاتّحدوا ، جعلوا أنفسهم دولة واحدة اقتصاديّا وعسكريّا ، وحّدوا عملتهم  وترابهم  فتراك تنتقل من دولة إلى أخرى دون أن ترى لا فتة تشير إلى ذلك ، دون أن تحتاج إلى تأشيرة عبور ، بل إنّك تعبر من نفق ربط بين فرنسا وبريطانيا  يمرّ من تحت البحر ، انطلق كلّ واحد من بلده والتقوا في منتصف الطّريق أقول جيّدا تحت سطح البحر  وانفتح هذا النّفق على الآخر بالدّقّة المتناهية وتصافح الفريقان  ، أمّا نحن ، نحن الأمّة الإسلاميّة رغم أنّ إلهنا واحد، ونبينا واحد، وكتابنا واحد، وآلامنا وآمالنا واحدة، ونحن نعد ثلاثاً وسبعين دولة، والانتقال من دولة إلى دولة يحتاج ثلاث ساعات أو أربع ساعات مع الوثائق، مع التأشيرات، مع التحقيقات، الغرب أرادنا أن نكون متفرقين،فقسّمنا إربا إربا ، قسّمنا ثمّ انسحب ،لأنّه يعلم بذلك أنّنا لن نقوى على مواجهته من جديد  بل إن الطغاة في الأرض تعدّ ورقة التفرقة هي الورقة الوحيدة الرابحة الأولى التي بأيديهم، والدليل: قوله تعالى :" إنّ فرعون علا في الأرض وجعل أهلها شيعا يستضعف طائفة منهم يذبّح أبناءهم ويستحيي نساءهم إنّه كان من المفسدين " القصص 4 الغريب في الأمر أنّ المسلمين متفوّقون وهم فرادى فتسمع بعلماء مسلمين في مختلف الاختصاصات لهم السّبق ويحتلّون المناصب الأولى في الدّول المتقدّمة طبعا ، وهذا ما يعبّر عنه بهجرة الأدمغة  ،ولكن واقعنا العربيّ يحتّم علينا التبعيّة  للآخر ولا خير في أمّة تأكل من وراء البحار والحال أنّ ديننا وقرآننا يدعونا بوضوح وبالأمر لا بالنّدب قائلا :" وتعاونوا على البرّ والتّقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان " المائدة 2 آية صريحة واضحة شاملة ، قال المفسّرون : البرّ صلاح الدّنيا والتّقوى صلاح الآخرة  وهذا شأن الإسلام دائما يجمع بين خيري الدّنيا والآخرة للأمّة، بل للإنسانيّة جمعاء وهذا الخير لن يتحقّق إلاّ بالتّعاون ،، ،،،،

إنّ البرّ والتّقوى مقصد والتّعاون وسيلة  فلا بدّ لنا من أساس نعتمد عليه وننطلق منه ،يقول تعالى تأسيسا لهذا المنطلق:"واعتصموا بحبل جميعا ولا تفرّقوا"آل عمران 103 وحبل الله هو عهده ونهجه ودينه به تحقّقت الوحدة والأخوّة بين المسلمين بعد أن كانوا قبائل متناحرة يقتل قويّهم ضعيفهم  فألّف الله بين قلوبهم التّي كانت متنافرة وتأليف القلوب من شأن الله وحده، فإذا اجتمعنا عليه ألّف بين قلوبنا، وإذا تفرقنا عنه باعد ما بين قلوبنا، لذلك إذا التفّ الأولاد حول أبيهم تحاببوا، وتعاونوا، وتناصروا، فإذا انفضوا من حول أبيهم، تخاصموا، وتقاطعوا وتدابروا  وهذا ينطبق على كلّ المؤسّسات الاجتماعيّة  وحتّى الشّركات والإدارات  فكلّما كان هناك تماسك وتعاون بين أفرادها كان ذلك مؤشّرا على القوّة والثّبات والاستمراريّة وكلّما كان العكس كان ذلك مؤشّرا على التفكّك والانهيار  وهذا شأن الأمّة بطبيعة الحال فلننظر إلى حالنا في واقعنا  ما الذي ينطبق علينا  ؟ إنّ الاعتصام بالله هو الملاذ والمعتمد والمعين فلا يكفي أن نعبده  بل يجب مع ذلك أن نستعين به ليؤلّف بين قلوبنا فهو القائل :"وألّف بين قلوبهم لو أنفقت ما في الأرض جميعا ما ألّفت بين قلوبهم ولكنّ الله ألّف بين قلوبهم إنّه عزيز حكيم " الأنفال 63

اللهمّ يا مؤّلّف القلوب ألّف بين قلوبنا وانصرنا على من بغى علينا  والحمد لله ربّ العالمين .

                              الخطبة الثّانية



 بسم الله الرّحمن الرّحيم والحمد لله ربّ العالمين والصّلاة والسّلام على سيّد المرسلين ولا عدوان إلاّ على الظّالمين وأشهد  ألاّ إله إلاّ الله وليّ الصّالحين وأشهد أنّ سيّدنا محمّدا عبده  ورسوله .



أمّا بعد  إخوة الإيمان إنّ المؤمنين الصادقين، الحقيقيّين،  الذين آمنوا بالله حق الإيمان لا بدّ أن يكونوا متعاونين والدّليل قوله تعالى :"

  التّوبة 71

لابدّ أن نستشعر من خلال هذه الآية الكريمة ذلك الإنسجام وذلك التّناغم وتلك الوحدة في التزام كامل بمبادئ هذا الدّين الذي يجمع ولا يفرّق ، يوحّد ولا يشتّت ويقوّي ولا يضعف  ، وهذا دليل الطّاعة لله ورسوله على اؤلئك تتنزّل الرّحمات ، فاغتنم أخي المؤمن كلّ فرص التّعاون انصر أخاك المستضعف ، فرّج كربة الملهوف ، أرشد الضالّ كن مع الفقير ومع المحتاج ، أصلح بين النّاس ،كن كما أمرنا سيّد الخلق عليه الصلاة والسلام:(( الْمُسْلِمُونَ تَتَكَافَأُ دِمَاؤُهُمْ يَسْعَى بِذِمَّتِهِمْ أَدْنَاهُمْ وَيُجِيرُ عَلَيْهِمْ أَقْصَاهُمْ وَهُمْ يَدٌ عَلَى مَنْ سِوَاهُمْ )) .[أخرجه أبو داود وابن ماجة وأحمد

لا تكن عونا للشّيطان على أخيك ، إيّاك والغيبة والنّميمة ، لا تكن همّازا مشّاء بنميم وإيّاك أن تنسى أخي المؤمن ما ذكّرك به الله ورسوله  وإلاّ  فإنّ توعّد الله يشملنا قال تعالى:"فنسوا حظّا ممّا ذكّروا به، فأغرينا بينهم العداوة والبغضاء إلى يوم القيامة " المائدة 14   فاتّقوا الله عباد الله وكونوا من الذّاكرين  واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرّقوا واستعينوا بالله إنّه خير المولى وخير النّصير .



اللهمّ لك الحمد أنت قيّوم السّماوات والأرض فلك الحمد أنت نور السّماوات والأرض فلك الحمد ، لك الحمد  حتّى ترضى ولك الحمد على الرّضا ولك الحمد في الأولى والآخرة .اللهم اهدنا فيمن هديت، وعافنا فيمن عافيت، وتولنا فيمن توليت، وبارك لنا فيما أعطيت،  وقنا واصرف عنا شر ما قضيت، فإنك تقضي بالحق، ولا يقضى عليك، وإنه لا يذل من واليت، ولا يعز من عاديت، تباركت ربنا وتعاليت، ولك الحمد على ما قضيت، نستغفرك و نتوب إليك،اللهمّ صلّ وسلّم وبارك على سيّدنا محمّد وعلى آله وأصحابه أجمعين  اللهم اهدنا لصالح الأعمال لا يهدي لصالحها إلا أنت، اللهم اهدنا لأحسن الأخلاق لا يهدي لأحسنها إلا أنت، اللهم أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا، وأصلح لنا دنيانا التي فيها معاشنا، وأصلح لنا آخرتنا التي إليها مردنا، واجعل الحياة زيادة  لنا من كل خير، واجعل الموت راحة لنا من كل شر، مولانا رب العالمين، اللهم اكفنا بحلالك عن حرامك، وبطاعتك عن معصيتك، وبفضلك عمن سواك، اللهم بفضلك ورحمتك أعلِ كلمة الحق والدين، وانصر الإسلام، وأعز المسلمين، انصر المسلمين في كل مكان، وفي شتى بقاع الأرض يا رب العالمين، ووفّق رئيسنا  لما تحبّه وترضاه اللهم أرنا قدرتك بأعدائك يا أكرم الأكرمين . اللهمّ وجازي المتصدّقين والمحسنين خير الجزاء  اللهمّ كلّ من نوّر هذا الجامع ونظّفه  وساهم فيه فجازه عنّا خير الجزاء  وبارك له في ماله وصحّته وذرّيته  وابن لكلّ المساهمين في بيوت الله  قصرا في الجنّة اللهمّ ارحم والدينا  ووفّق زوجاتنا إلى كلّ خير  واشف مرضانا وارحم موتانا واجعل الجنّة مأواهم ومأوانا  وآخر دعوانا أن الحمد لله ربّ العالمين  .







 

ا، واجعل الحياة زيادة  لنا من كل خير، واجعل الموت راحة لنا من كل شر، مولانا رب العالمين، اللهم اكفنا بحلالك عن حرامك، وبطاعتك عن معصيتك، وبفضلك عمن سواك، اللهم بفضلك ورحمتك أعلِ كلمة الحق والدين، وانصر الإسلام، وأعز المسلمين، انصر المسلمين في كل مكان، وفي شتى بقاع الأرض يا رب العالمين، ووفّق رئيسنا  لما تحبّه وترضاه اللهم أرنا قدرتك بأعدائك يا أكرم الأكرمين . اللهمّ وجازي المتصدّقين والمحسنين خير الجزاء  اللهمّ كلّ من نوّر هذا الجامع ونظّفه  وساهم فيه فجازه عنّا خير الجزاء  وبارك له في ماله وصحّته وذرّيته  وابن لكلّ المساهمين في بيوت الله  قصرا في الجنّة اللهمّ ارحم والدينا  ووفّق زوجاتنا إلى كلّ خير  واشف مرضانا وارحم موتانا واجعل الجنّة مأواهم ومأوانا  وآخر دعوانا أن الحمد لله ربّ العالمين  .