صفحة الاستقبال منبر الجمعة - خطب جمعية خطبة يوم الجمعة 05 ـ 11ـ 2010 - أضرار المعاصي

كتاب التربية الإسلامية والتنشئة على القيم

خطبة يوم الجمعة 05 ـ 11ـ 2010 - أضرار المعاصي طباعة أرسل إلى صديق
الكاتب: خالد التلمودي   

جامع الصّبر بخزامة الغربيّة                                                     التّاريخ :  05  ـ 11ـ 2010

الإمام  :خالد التّلمودي                                                                     27 ـ ذو القعدة 1431


                                        أضرار المعاصي


الحمد لله نحمده ، ونستعينه ، و نسترشده ، ونعوذ به من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا ، من يهده الله فلا مُضل له ، ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، إقراراً بربوبيته ، وإرغاماً لمن جحد به وكفر ، وأشهد أن سيدنا محمداً صلى الله عليه وسلم رسول الله ، سيد الخلق و البشر ، ما اتصلت عين بنظر ، أو سمعت أذن بخبر، اللهم صلِ وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه ، وعلى ذريته ومن والاه ومن تبعه إلى يوم الدين ، اللهم علمنا ما ينفعنا و انفعنا بما علمتنا و زدنا علماً ، و أرنا الحق حقاً وارزقنا اتّباعه ، و أرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ، و اجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين ،

عباد الله أوصيكم ونفسي الخاطئة بتقوى الله فإنّها جماع الخير كلّه فاتّقوا الله حقّ تقاته ولا تموتنّ إلاّ وانتم مسلمون



أمّا بعد :لقد خلق الله تعالى الإنسان وكرمه واصطفاه، وفضله على كثير ممن خلق تفضيلا، وأودع في النفس البشرية صفاتٍ تميّزها وسجايا  فُطرت عليها النفس البشرية: طبيعة التقصير والخطأ، والانحراف والهوى، فالمعصية طبعٌ جبلّي وخلق بشري، متى ما كان الوقوع فيها بدافع الشهوة والشبهة، دون محبةٍ أو رغبة، مع كره القلب لها، ونفور النفس منها.

وقد اقتضت حكمة الله تعالى واتصافه بصفات المغفرة والرحمة أن يقع العباد في الذنوب والآثام، ثم يرجعون إلى الله مقبلين تائبين فيغفر لهم ويتجاوز عنهم بمنّه وكرمه، ولو شاء الله لآمن من في الأرض أجمعين ولهدى الناس كلهم، لكن حكمته اقتضت أن يكون من عباده برّ وفاجر وطائع وعاصي

عباد الله: من ذا الذي لم تصدر منه زلّة؟ ومن الذي لم تقع منه هفوة؟ ومن لم يقع في معصية؟ وقد قال المصطفى صلى الله عليه وسلم: ((والذي نفسي بيده لو لم تذنبوا لذهب الله بكم ولجاء بقومٍ يذنبون فيستغفرون الله فيغفر لهم)) [رواه مسلم في صحيحه].

وروى الترمذي وابن ماجة أنه صلى الله عليه وسلم قال: ((كل بني آدم خطّاء وخير الخطاءين التوابون)).إلاّ أنّ الله تبارك وتعالى كتب العصمة لأنبيائه باعتبارهم صفوة الخلق  وقدوتهم  يرتقي النّاس في مسالكهم  . و المؤمن الصادق في إيمانه مع ذلك كله يدرك خطورة المعصية وشناعتها وأنها جرأةٌ على مولاه، فإذا وقع فيها تحت ضعف بشري كان ذليلا خائفا يتمنى ذلك اليوم الذي يفارق فيه الذنب ويتخلص من شؤم المعصية.

أيها المسلمون: إن الواقعين في المعاصي أحد رجلين:

إما رجلٌ يقع في المعصية حباً لها وشغفاً بها، تتحكم المعصية في قلبه وتسطو على تفكيره، حتى يسعى بكل جوارحه للوقوع فيها، وقد يبذل مالاً أو جاهاً حتى يقع فيها، فإذا حال بينه وبين الوقوع فيها حائل أخذته الحسرات وعصره الندم على أنه لم يتمكن من فعلها، كل ذلك دون رادعٍ من دين أو خلق أو ضمير، فلا يفكر بالتوبة ولا يقيم لها وزناً، فهذا وأمثاله لا تزال خطواته تقوده من معصية إلى أخرى ومن صغيرة إلى كبيرة حتى تكبّه على وجهه في النار عياذاً بالله. هذا هو الرجل الأول.

وأما الآخر فهو يبغض المعصية ويُقبل على الطاعة، لكنه تأخذه في لحظةٍ من اللحظات حالة ضعف بشري، فيواقع المعصية أياً كانت، وما إن يفارقها حتى يلتهب فؤاده ندماً وحسرةً وخوفاً ووجلاً من الله تعالى، فيحتقر نفسه ويمقتها ثم يتجه إلى الله طارقاً بابه راجياً عفوه وغفرانه، فهذا وأمثاله ممن قال الله فيهم :"والذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم ذكروا الله فاستغفروا لذنوبهم ومن يغفر الذنوب إلى الله  ولم يصروا على ما فعلوا وهم يعلمون. ولقد صوّر ابن مسعود رضي الله عنه حال المؤمن مع المعصية تصويراً بليغاً دقيقاً فقال: (إن المؤمن يرى ذنوبه كأنه قاعدٌ تحت جبل يخاف أن يقع عليه، وإن الفاجر يرى ذنوبه كذبابٍ مرّ على أنفه فقال به بيده فطار). قال الطبري رحمه الله تعالى: (وإنما كانت هذه صفة المؤمن لشدة خوفه من الله ومن عقوبته وسخطه، لأنه على يقين من الذنب، وليس على يقين من المغفرة، والفاجر قليل المعرفة بالله، فلذلك قلّ خوفه من الله واستهان بالمعصية).

أيها المسلمون: المعاصي سببُ كل عناء، وطريق كل تعاسة وشقاء، ما حلت في ديار إلا أهلكتها، ولا فشت في مجتمعات إلا دمرتها وأزالتها، وما أهلك الله تعالى أمة إلا بذنب، وما نجى من نجى وفاز من فاز إلا بتوبة وطاعة، فإن ما أصاب الناس من ضُرّ وضيق في كل مجال من المجالات فردياً كان أو جماعياً إنما بسبب معاصيهم وإهمالهم لأوامر الله عز وجل، ونسيانهم شريعته.وصدق الله سبحانه إذ يقول: وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ويعفو عن كثير وقال تعالى: ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس ليذيقهم بعض الذي عملوا لعلهم يرجعون.

وكتاب الله تعالى خير شاهد، فقد عمّ قوم نوح الغرق، وأهلكت عاداً الريح العقيم، وأخذت ثمود الصيحة، وقُلبت قرى قوم لوط عليهم فكلاً أخذنا بذنبه فمنهم من أرسلنا عليه حاصباً ومنهم من أخذته الصيحة ومنهم من خسفنا به الأرض ومنهم من أغرقنا وما كان الله ليظلمهم ولكن كانوا أنفسهم يظلمون.

أيها المسلمون: وحين طغت على كثير من الناس النظرة المادية فضعف عندهم ربط الأسباب بمسبباتها وغفلوا عن إدراك سنن الله الكونية وآياته الظاهرة، يؤازر ذلك ويساعده تتابع الفتن والشهوات على الناس، صُدّوا عن السبيل، ووقعوا في المعاصي دون أدنى رقيب أو محاسبة.

نعم عباد الله! لقد انتشرت الفواحش، وعمّت المنكرات، واستبيحت المحرمات، ووقع الناس في الذنوب والموبقات، لمّا غاب عنهم الرقيب وضعف في نفوسهم الإيمان، فهانوا على الله فلم يبال بهم في أيّ أوديته هلكوا. ذُكر للحسن البصري رحمه الله أن قوماً وقعوا في المعاصي فقال: "هانوا على الله فعصوه ولو عزّوا عليه لعصمهم".

نعم أيها الإخوة! لقد وقع الناس في المعاصي والذنوب لمّا استحكمت الغفلة من القلوب، وران حب الدنيا على النفوس فأمنت مكر الله.

عباد الله: المعاصي مزيلة للنعم، جالبة للنقم، مؤدية إلى الهلاك والدمار، فقد روى ابن ماجة وغيره عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: أقبل علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: ((يا معشر المهاجرين، خمس خصال إذا ابتليتم بهنّ وأعوذ بالله أن تدركوهن: لم تظهر الفاحشة في قوم قط حتى يعلنوا بها إلا فشا فيهم الطاعون والأوجاع التي لم تكن في أسلافهم الذين مضوا، ولم ينقصوا المكيال والميزان إلا أخذوا بالسنين وشدة المؤونة وجور السلطان عليهم، ولم يمنعوا زكاة أموالهم إلا منعوا القطر من السماء، ولولا البهائم لم يمطروا، ولم ينقضوا عهد الله وعهد رسوله إلا سلط الله عليهم عدواً من غيرهم فأخذ بعض ما في أيديهم، وما لم تحكم أئمتهم بكتاب الله ويتخيروا مما أنزل الله إلا جعل الله بأسهم بينهم)).

أيها المسلمون: إن أضرار المعاصي وشؤم الذنوب عظيمٌ وخطير، فهي موجبةٌ للذل والحرمان، جالبة للصد عن سبيل الرحمن، تفسد القلوب، وتورث الهوان، وتوجب اللعنة من الله ومن رسوله، تزيل النعم، وتجلب النقم، وتلقي الرعب والخوف في القلوب، تعمي البصيرة، وتسقط الكرامة، توجب القطيعة وتمحق البركة، ما لم يتب العبد منها ويرجع إلى الله تعالى خائفاً وجلاً تائباً طائعاً، قال ابن المبارك رحمه الله:

رأيت الذنوب تميت القلوب         وقد يورث الذل إدمانها

وترك الذنوب حياة القلوب          وخير لنفسك عصيانها

قال مجاهد رحمه الله: "إن البهائم لتلعن العصاة من بني آدم إذا اشتدت السنة وأمسك المطر تقول: هذا بشؤم معصية بني آدم".

جعلني الله وإيّاكم ممّن يستمعون القول فيتّبعون أحسنه اللهمّ حبّ إلينا  الإيمان وزيّنه في قلوبنا وكرّه غلينا الكفر والفسوق والعصيان والحمد لله ربّ العالمين .







                               الخطبة الثّانية


بسم الله والحمد لله والصّلاة والسّلام على رسول الله وأشهد ألاّ إله إلاّ الله وأشهد أنّ سيّدنا محمّدا رسول الله .

أمّا بعد إخوة الإيمان

اعلموا رحمني الله وإياكم أن للمعصية ظلمة يجدها العاصي في قلبه لا يبددها ويجلوها إلا التوبة إلى الله تعالى والتقرب إليه بالأعمال الصالحة، قال ابن عباس رضي الله عنهما: "إن للحسنة ضياءً في الوجه، ونوراً في القلب، وسعة في الرزق وقوة في البدن، ومحبةً في قلوب الخلق، وإن للسيئة سواداً في الوجه، وظلمة في القلب، ووهناً في البدن، ونقصاً في الرزق، وبغضاً في قلوب الخلق". قال صلى الله عليه وسلم: ((إن الرجل ليحرم الرزق بالذنب يصيبه)). رواه الإمام أحمد.

قال الفضيل بن عياض رحمه الله: "إني لأعصي الله تعالى فأرى ذلك في خلق دابتي وامرأتي".

إن للمعاصي أيها المسلمون من الآثار القبيحة المذمومة المضرة بالقلب والبدن في الدنيا والآخرة ما لا يعلمها إلا الله، من حرمان للرزق، ووحشة يجدها العاصي بينه وبين الناس وبينه وبين الله، ومِن تعسّر الأمور عليه، وحرمان التوفيق والظلمة في القلب، وحرمان الطاعة، ونقص في العمر، ومحق للبركة، وأعز من ذلك كله نقص العلم وحرمانه، قال الشافعي رحمه الله:

   شكوت إلى وكيع سوء حفظي                      فأرشدني إلى ترك المعاصي

  وقــــال اعلم: بأن العلم نـــــور                    ونـــــــور الله لا يؤتـاه عاصي

وكذا هوان العبد على ربه، وسقوطه من عينيه ومن يهن الله فما له من مكرم إن الله يفعل ما يشاء. ووقوع العاصي في الذل والمهانة، لأن العز كله في طاعة الله.

قال تعالى: ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء والأرض ولكن كذبوا فأخذناهم بما كانوا يكسبون  أفأمن أهل القرى أن يأتيهم بأسنا بياتاً وهم نائمون  أو أمن أهل القرى أن يأتيهم بأسنا ضحىً وهم يلعبون  أفأمنوا مكر الله فلا يأمن مكر الله إلا القوم الخاسرون.




فاتقوا الله رحمكم الله، واعلموا أن المعاصي إنما تُحارب بطاعة الله تعالى ومراقبته والخوف منه، واستعظام الذنوب والتوبة منها عند الوقوع فيها قال الله تعالى: وتوبوا إلى الله جميعاً أيها المؤمنون لعلكم تفلحون.

عباد الله: إن استعظام الذنب يتولد منه لدى صاحبه استغفار وندم وتوبة وإلحاحٌ على الله عز وجل بالدعاء وسؤاله سبحانه أن يخلصه من شؤمه ووباله، وما يلبث ذلك أن يولد لدى الإنسان دافعاً قوياً يمكّنه من الانتصار على الشهوات والسيطرة على الهوى.قد نسأل أنفسنا لماذا تقسو القلوب؟ ولماذا تُظلم النفوس وتضيق الصدور؟ ولماذا ندعو فلا يستجاب لنا ونسألُ فلا نعطى ونستغفر فلا يغفر لنا؟

نحن ندعو الإله في كلّ كربٍ               ثم ننساه عند كشف الكروبِ

كيف نرجـو إجابـةً لدعــــــاءٍ              قــــد سـددنا طريقـه بالذنوبِ

.

فاتقوا الله عباد الله واحذروا المعاصي صغيرها وكبيرها، وعليكم بملازمة الاستغفار والتوبة فإن الله يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار، ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل حتى تطلع الشمس من مغربها، وبعدها لا ينفع نفساً إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيراً. ولندع الله في هذه السّاعة مع العزم على مفارقة المعاصي والانقطاع عنها  .

فالحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنّا لنهتدي لولا أن هدانا  الله  والحمد لله الذي جعلنا من المسلمين ومن أمّة هذا النبيّ الكريم اللهمّ صلّ على سيّدنا محمّد كما تحبّ وترضى ، صلّ عليه في الأوّلين صلّ عليه في الآخرين ، صلاة دائمة طيّبة مباركة

اللهم من اعتز بك فلن يذل، ومن اهتدى بك فلن يضل، ومن استكثر بك فلن يقل،ومن استقوى بك فلن يضعف، ومن استغنى بك فلن يفتقر،ومن استنصر بك فلن يخذل، ومن استعان بك فلن يغلب،ومن توكل عليك فلن يخيب،ومن جعلك ملاذه فلن يضيع، ومن اعتصم بك فقد هدى إلى صراط مستقيم، اللهم فكن لنا وليا ونصيرا، وكن لنا معينا ومجيرا، إنك كنت بنا بصيرا

اللهمَّ إنا نسألك في صلاتنا ودعائنا بركة تُطهر بها قلوبنا، وتكشف بها كروبنا، وتغفر بها ذنوبنا، وتُصلح بها أمورنا، وتُغني بها فقيرنا، وتُذهب بها شرنا، وتكشف بها همنا وغمنا، وتشفي بها مريضنا، وتقضي بها ديننا، وتجلو بها حزننا، وتجمع بها شملنا، وتُبيّض بها وجوهنا يا أرحم الراحمين. اللهمَّ عليك اتكالنا،فلا تكلنا إلى غيرك طرفة عين وفيما عندك عظمت رغبتنا ورجاءنا، فأقبل توبتنا،وإليك نشكو ضعفنا فارحم ضعفنا،وتجاوز عن سيَئاتنا واغفر خطيئاتنا، واقبل معذرتنا، واجعل لنا من كل خير نصيباً،ومن كل ضيق مخرجا،ومن كل  همَ فرجا وإلى كل خير سبيلاً برحمتك يا أرحم الراحمين اللهمَّ لا هاديَ لمن أضللت، ولا معطيَ لما منعت، ولا مانع لما أعطيت، ولا باسط لما قبضت، ولا مقدم لما أخرت، ولا مؤخر لما قدمت، اللهمَ انصر كل من نصر الدين ووفق رئيسنا زين العابدين للحق واليقين وانصر إخواننا في فلسطين على اليهود الغاصبين  وارحم والدينا ومن علَمنا وعلمناه واهد شباب المسلمين إلى خيرالعمل وخير البر وخير التقوى واهدنا إلى ذلك أجمعين اللهمّ وفّق حجيجنا لأداء المناسك على الوجه الذي يرضيك عنهم وأعدهم إلى الوطن والأهل سالمين غانمين مأجورين غير موزورين واشملنا معهم بالتّوبة والرّحمة والغفران . اللهمَ  قد قلت وقولك الحقَ:"ادعوني أستجب لكم " فها أننا ندعوك كما أمرتنا فاستجب لنا كما وعدتنا إنك لا تخلف الميعاد وآخر دعوانا أن الحمد لله ربَ العالمين .