صفحة الاستقبال منبر الجمعة - خطب جمعية خطبة عبر من خطبة حجّة الوداع

كتاب التربية الإسلامية والتنشئة على القيم

خطبة عبر من خطبة حجّة الوداع طباعة أرسل إلى صديق
الكاتب: خالد التلمودي   

خالد التّلمودي                                                   التّاريخ : 19 ـ 11 ـ 2010

إمام جامع الصّبر بخزامة الغربيّة                                             13 ذو الحجّة  1431

                       عبر من خطبة حجّة الوداع


الحمد لله نحمده ، ونستعينه ، و نستغفره  ، ونعوذ به من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا ، من يهده الله فلا مُضل له ، ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، إقراراً بربوبيته ، وإرغاماً لمن جحد به وكفر ، وأشهد أن سيدنا محمداً صلى الله عليه وسلم رسول الله ، سيد الخلق و البشر ، ما اتصلت عين بنظر ، أو سمعت أذن بخبر، اللهم صلِ وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه ، وعلى ذريته ومن والاه ومن تبعه إلى يوم الدين ، اللهم علمنا ما ينفعنا و انفعنا بما علمتنا و زدنا علماً ، و أرنا الحق حقاً وارزقنا اتّباعه ، و أرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ، و اجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين ،

عباد الله أوصيكم ونفسي الخاطئة بتقوى الله فإنّها جماع الخير كلّه فاتّقوا الله حقّ تقاته ولا تموتنّ إلاّ وانتم مسلمون

إخوة الإيمان منذ أيّام قلائل أدّى الحجيج وقوفهم بعرفة ذلك اليوم المشهود ولكن يجب ألاّ يخفى علينا أهمّ ما وقع في ذلك اليوم ألا وهو خطبة حجّة الوداع لنبيّ المرحمة والهدى سيّدنا محمّدا صلّى الله عليه ، خطبة ألقت بظلال الرحمة على حاضريها بل على من لم يحضرها لأنّ النبيّ الكريم أكد على تبليغها للجميع قائلا :"فليبلّغ  الشّاهد الغائب  " لما تشتمل عليه هذه الخطبة العظيمة من كلّيات هذا الدّين  فحريّ بنا أن نستلهم منها العبر في زمن فقدنا فيها مقاييس الحقّ والعدل وأن نقف بدورنا وقفة تأمّل وتدبّر وكأنّنا موجودون في ذلك  المشهد المهيب بين يدي سيّد الخلق أجمعين....

يوم عرفة يوم عظيم من أيام الله ، هذا اليوم الذي قال فيه رسولنا صلى الله عليه وسلم :" الحج عرفة " لما له من قيمة عظمى في نفوس المؤمنين  الصادقين إذ هو يوم المغفرة و العفو و الرضا من الله سبحانه و تعالى ، هذه المعاني الربانية تتجلى في هذا اليوم ، الحاشد بالمقبلين و الفارين إلى الله تعالى تاركين كل نعيم الدنيا الزائل ، و كل همهم أن يعفو الله عنهم و يعودوا إلى ديارهم كيوم ولدتهم أمهاتهم

فإذا كان المقام هو مقام اللجوء إلى الله طلبا لرضاه من على جبل عرفة إعلانا بانتصار راية التوحيد ، فإن المقال هو خطبة جامعة مودّعة ختم بها النبي صلى الله عليه وسلم مسيرته الجهادية مستخلصا منها أعظم الدروس و العبر لخصها في خطبته العظيمة مبلغا إياها لأمته الإسلامية و للبشرية جمعاء ، و لذلك لم تخل خطبته من كلمتي " ألا هل بلغت اللهم فاشهد و ليبلغ الشاهد منكم الغائب " ..

إنها كلمات النبوة التي أتت بعد جهد القلب و العقل و الجوارح ،فاخترقت حجب الزمان و قد بلغنا صداها و سيستمر هذا الصدى إلى أن يرث الله الأرض و من عليها ..،كثيرة هي الخطب و التقارير الإستراتيجية التي نستمع إليها و نعطيها شأنا في حياتنا المعاصرة بالتحليل و الدرس للإفادة منها لعلنا نصل إلى جادة الصواب ، فهل حقا وفينا خطبة حجة الوداع- هذه الوثيقة النبوية - بالنظر و التأمل عملا و ممارسة؟

جميل أن يكون يوم عرفة ، يوم توبة روحية تربوية فردية ، و الأجمل أن يكون يوم توبة فكرية و سياسية و اقتصادية واجتماعية و قيميّة ، و خطبة حجة الوداع جسدت هذه المعاني الراقية ، فهي وزّان تزن به الأمة خطاباتها و أفعالها حتى تكون على رسالة النبي صلى الله عليه وسلم ، فيوم عرفة يوم توبة و أوبة الأمة إلى الله..وممّا يمكن أن يستفاد من القضايا  من هذه الخطبة القمّة  ما يلي : 

1 - الخطاب الإسلامي خطاب العالمية .:الإسلام هو دعوة للعالمين يقول تعالى:{ وما أرسلناك إلى رحمة للعالمين } الأنبياء :107 . و يقول أيضا :{ قل يا أيها الناس إني رسول الله إليكم جميعا } الأعراف :158 . وهذا واضح في خطبته صلى الله عليه وسلم التي تتخللها نداءاته العالمية " يا أيها الناس " ، فهو مكلف برسالة من رب العالمين فكيف يعقل أن تكون دعوة الرسول صلى الله عليه وسلم دعوة طائفية ؟!والرسول صلى الله عليه وسلم كان يدعو دعوة عالمية بما هي مضمون و بما هي وسيلة ، و إن كانت الوسيلة في زمانه ليست هي الوسيلة في زماننا ، و مع ذلك وظّف كل ما يسهم في تحقيق عالمية الدعوة و خير مثال على ذلك الرسائل التي أرسلها إلى ملوك زمانه ، و بعث الرسائل إلى الملوك فيه دلالة عميقة على فهم و معرفة النبي صلى الله عليه وسلم لجغرافية المكان الذي يتحرك فيه ، وكذلك معرفته بطبيعة كل ملك من الملوك ، و هذا واضح لما أرسل مجموعة من الصحابة إلى الحبشة حماية لهم من بطش قريش ، فقال لهم :{ لو خرجتم إلى أرض الحبشة فإن بها ملكا لا يظلم عنده احد ، وهي أرض صدق ، حتى يجعل الله لكم فرجا مما انتم فيه } ، ولذلك لما جاء جعفر بن أبي طالب إلى النجاشي خاطبه خطابا يليق به .....و الخطاب الإسلامي المعاصر في حاجة إلى أن يخاطب الغرب و الشرق و أن لا ينطوي على ذاته ، و هذا يستدعي منه إلى أن يعرف ثقافات الشعوب و المجتمعات العالمية لكي يخاطبهم بلسانهم ،ومن تعلّم لغة قوم أمن شرّهم  و إن لم يفعل ذلك فدعوى العالمية ستبقى شعارا دون ممارسة ، وفي الوقت المعاصر هناك إمكانيات هائلة للتواصل و معرفة الآخر معرفة دقيقة ، فقط نحتاج إلى خطط و استراتيجيات ذات رؤى واضحة .

 2- الخطاب الإسلامي خطاب التنمية . :من أهم الأمور التي أكد عليها الرسول صلى الله عليه وسلم و بين خطورتها المسألة التّنمويّة الماليّة التي تسهم بشكل فعّال في تفقير الفقير و إغناء الغني ، وهذه المسألة التنموية حاضرة بقوة في رسالة الإسلام بل الأكثر من هذا أن الله سبحانه و تعالى حرّم الرّبا، و أفسح للناس البيع المشروع القائم على العدل بين المتبايعين ، فقال :"و أحل الله البيع و حرم الربا" ردا على من ساوى بين البيع و الربا ، فالإسلام لا يحرم شيئا إلا و يعطي بدائل كثيرة لكي لا يعيش الناس في الضيق و الحرج و العسرة ، ليخلق بهذا مجتمعا تسود فيه التنمية بمعناها الشامل ، وليس بالمعنى المادي المحض الذي لا يعترف بالقيمة ، لأن المال في الإسلام له أشكال متعددة لتداوله بين الناس ، فالإنسان المؤمن يعتبر أن المال هو مال الله و هو مستخلف فيه و محاسب عليه ، فلما يكون الاعتقاد على هذا النحو فإن كثيرا من القيم السلبية ستضمحل من المجتمعات الإنسانية كالاحتكار و الاستهلاك و البخل و الاحتيال ..

3- الخطاب الإسلامي خطاب المرحمة .:لقد حضر خطبة حجة الوداع مائة ألف من المسلمين ، هذا العدد الضخم في مثل هذه التجمعات العظيمة لم تشهده مسيرة الدعوة النبوية إلا في حجة الوداع ، بدأ النبي صلى الله عليه وسلم دعوته بأربعين فردا من المسلمين و المسلمات و أنهى مسيرته الجهادية في مكة المكرمة بمائة ألف يحضرون خطبته ، خاطبهم في بداية الدعوة على جبل الصفا فقابلوه بالسـب و الشتم ، وخاطبهم في نهاية دعوته على جبل عرفة فقابلوه بالاستعداد لإبلاغ الرسالة ، إنه سر الرحمة المهداة " و ما أرسلناك إلا رحمة للعالمين" ، فالمجموعة الإسلامية التي بدأت العمل الإسلامي و انضمت إليها القوافل المسلمة تعرضت إلى العذاب و التنكيل في مكة و لم يسلم شخص من الإيذاء حتى الرسول صلى الله عليه وسلم ، و حينما جاء عصر التمكين و بسط نفوذ القيم الإسلامية و غرسها في نفوس الناس، و أصبح للمسلمين قوة مادية و معنوية لا يستطيع أي عدو مجابهتم أو مواجهتهم ، لم يكن الجزاء لمن آذوا من جنس عملهم.

فالحمد لله الذي جعلنا من أمّة الإسلام وجعلنا من أتباع نبيّ المرحمة  فلنتراحم بيننا تجسيدا لهذه القيمة الثّابتة  وآخر دعوانا أن الحمد لله ربّ العالمين














                                 الخطبة الثّانية


بسم الله  والحمد لله والصّلاة والسّلام على رسول الله وأشهد ألاّ إله إلاّ الله  وأشهد أنّ سيّدنا محمّدا رسول الله

أمّا بعد : مواصلة لما يستفاد من القضايا التي عالجتها خطبة حجّة الوداع  أقول :

4- الخطاب الإسلامي خطاب الضروريات .فمن الأمور التي أكد عليها النبي صلى الله عليه وسلم ، حفظ الدماء و الأموال و الأعراض ، و هذه الثلاث من الكليات الخمس للشريعة الإسلامية و المتمثلة في حفظ الدين و النفس و العقل و النسل و المال ، فالشريعة الإسلامية شرعت وسائل لوجود هذه الكليات واستمرارها ، و شرعت وسائل تمنع من عدم زوالها ، فشرعت صنوفا لتداول المال وتنميته كالبيع المشروع الذي لا غرر فيه ضمانا لوجودها ورعايتها ، وشرع حد السرقة حفظا للمال من جانب العدم  ، و خصوصا لما يتعلق الأمر بالضروريات التي لا تستقيم الحياة بزوالها أو ضياعها ، فلما تصبح الأرواح دماؤها رخيصة من غير حق ، و تصبح الأعراض منتهكة من طرف المجرمين ، فالحياة ستعمّ فيها الفوضى و الاضطراب ، ولما تكون هذه الضروريات الخمس في مأمن من عبث العابثين و انتهاك المنتهكين ، فسيعم الخير و السعادة و الطمأنينة ،ولذلك أكد النبي صلى الله عليه وسلم في خطبته على حرمة المال و الأعراض و الدماء ..

وهذا ما  ينبغي أن تدعى المجتمعات الإنسانية إلى حفظها ، و هي في الحقيقة تشكل أرضية مركزية للتواصل مع الآخر ، لأن علماءنا أكدوا على أن جميع الملل و النحلل مجمعة على حفظ هذه الخمس ، وما يعيشه المجتمع العالمي من اضطراب و فوضى و عبثية إنما مرده لعدم حفظ هذه الكليات ، فلو نظرنا إلى الدماء ، فالإنسان أصبح دمه مباحا في العالم و خصوصا الإسلامي منه ، في العراق و فلسطين و الصومال و أفغانستان ...نسأل الله تعالى أن يحقّق النّصر والعزّة للمسلمين ويذلّ الشّرك والمشركين

اللهمّ لك الحمد كلّه ولك الشّكر كلّه ،بيدك الخير كلّه  أهل أنت  أن تحمد ، أهل أنت أن تعبد اللّهمّ صلّ وسلّم وبارك على خير من صام وصلّى وحجّ واعتمر  وعلى آله وصحبه الأخيار الأبرار

اللهمّ يا ودود يا ودود ، يا ذا العرش المجيد ، يا مبدئ يا معيد، يا فعال لما يريد،

نسألك بنور وجهك الذي ملأ أركان عرشك، ونسألك بقدرتك التي قدرت بها على جميع خلقك  ونسألك برحمتك التي وسعت كل شيء، نسألك زيادة في الدين

وبركة في العمر وصحة في الجسد وسعة في الرزق وتوبة قبل الموت وشهادة عند الموت ومغفرة بعد الموت وعفوا عند الحساب وأمانا من العذاب ونصيبا من الجنة

وارزقنا النظر إلى وجهك الكريم اللهم ارحم موتانا وموتى المسلمين واشفي مرضانا ومرضى المسلمين  اللهم اغفر للمسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات الأحياء منهم والأموات  اللهم من اعتز بك فلن يذل ومن اهتدى بك فلن يضل ومن استكثر بك فلن يقل ومن استقوى بك فلن يضعف ومن استغنى بك فلن يفتقر ومن استنصر بك فلن يخذل ومن استعان بك فلن يغلب ومن توكل عليك فلن يخيب ومن جعلك ملاذه فلن يضيع ومن اعتصم بك فقد هدى إلى صراط مستقيم اللهم فكن لنا وليا ونصيرا وكن لنا معينا ومجيرا إنك كنت بنا بصيرا.  اللهمّ انصر كلّ من نصر الدّين واخذل كلّ من خذل الإسلام والمسلمين وكن لرئيسنا خير مرشد ومعين للحقّ واليقين  اللهمّ من أراد بالإسلام خيرا فوفّقه إلى كلّ خير ومن أراد بالإسلام شرّا فاجعل كيده في نحره .  اللهمّ لك الحمد على ما أنعمت به علينا من نعمة الغيث  النّافع ، اللهمّ فزدنا ولا تنقصنا واجعله  سخاء رخاء  نافعا غير ضارّ ينبت الزّرع ويسقي  الحرث ويدرّ الضّرع  ويرحم البلاد والعباد . ربّنا آتنا في الدّنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النّار  ،يا عزيز يا غفّار  ،اللهمّ اغفر لنا ولوالدينا  ولجميع المسلمات والمسلمات  الأحياء منهم والأموات وآخر دعوانا أن الحمد لله ربّ العالمين