صفحة الاستقبال منبر الجمعة - خطب جمعية خطبة يوم الجمعة 24 ـ ديسمبر ـ 2010- الكرامة الإنسانية

كتاب التربية الإسلامية والتنشئة على القيم

خطبة يوم الجمعة 24 ـ ديسمبر ـ 2010- الكرامة الإنسانية طباعة أرسل إلى صديق
الكاتب: خالد التلمودي   

خزامة الغربيّة سوسة                                   24  ـ 12 ـ 2010

الإمام : خالد التّلمودي

                                               الكــــــرامة الإنسانيّة

 

 

الحمد لله أحمده وأستعينه، وأستغفره وأستهديه، وأومن به ولا أكفره، وأُعادي من يكفره، وأشهد أن لا إله إلاّ الله وحده لا شريك له، وأشهد أنّ محمّداً عبده ورسوله، أرسله بالهدى والنور والموعظة على فترة من الرسل، وقلّة من العلم، وضلالة من الناس، وانقطاع من الزمان، ودنوّ من الساعة، وقرب من الأجل، من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعصهما فقد غوى وفرط وضلّ ضلالاً بعيداً.

أُوصيكم بتقوى الله، فإنّه خير ما أوصى به المسلم المسلم أن يحضّه على الآخرة، وأنّ يأمره بتقوى الله، فاحذروا ما حذّركم الله من نفسه، وإنّ تقوى الله لمن عمل بها على وجل ومخافة من ربّه عون صدق على ما تبغون من أمر الآخرة،

أمّا بعد : أيّها المؤمنون ، يا من كرّمكم الله على سائر مخلوقاته ، اعلموا أنّ أغلى ما حبانا الله تعالى به في هذا الوجود هو الكرامة الإنسانيّة ، وهو موضوع خطبتنا اليوم ولكن لا  يمكننا أن نتكلّم عن الكرامة دون أن نتكلّم عن الإنسان في هذا السّياق حتّى ندرك معنى الكرامة ......

الإنسان في القرآن مخلوق حرّ، مختار، مسئول ، سيّد نفسه ، وسيّد الوجود الذي وجد فيه سخّر له بالكليّة  " وسخّر لكم ما في السّماوات وما في الأرض جميعا منه " الجاثية 13 وبناء عليه كان خليفة الله في الأرض ، وبناء عليه أقام ذلك التّواصل بينه وبين ذات الله العليّة ، ليس من خلال الخلق فحسب كسائر المخلوقات بل كذلك من خلال إرسال الرّسالات التي تعينه وتذكّره وتوجّهه وتستفزّ أرقى ما تميّز به ، عقله لكي تشتغل هذه الملكة إلى أقصى مداها ، لتمارس قدراتها بين كتاب الله المقروء : الوحي، وكتاب الله المنظور : الطّبيعة  كما تشكّل الرّسالات السّماويّة قاعدة معرفيّة تعين الإنسان على تحديد نقاط اتّصاله مع ذاته ومع الآخر وفوق هذا وذاك تواصله مع الخالق  ومن غير هذا التّواصل الأخير لا يمكن للبشر كجنس مخلوق أن يرقى إلى درجة الإنسانيّة بل يبقى في مستوى الحيوانيّة بل أدنى من ذلك ،  لذلك كثيرا ما شبّه الله تعالى فئة من البشر قطعوا صلتهم بالخالق  بأنّهم كالأنعام وأحيانا شبّههم بالحمير وأحينا بالكلب،،، والقاسم المشترك بينهم جميعا أنّهم لا يعقلون ، ولأنّهم لا يعقلون يولدون ويموتون كما تولد وتموت الحيوانات تماما بل أسوأ لأنّهم يفسدون ويضرّون والحيوانات لا تفسد بل تنفع ،،،،إذا الإنسان الحقيقيّ هو الذي كلّف بمهمّة الاستخلاف على الأرض بمعنى آخر هو الكائن الذي وكّلت إليه مهمّة " إدارة " الأرض بكلّ حريّة وإرادة ومسؤوليّة ،مهمّة عرضت على غيره من الكائنات العظمى فأعرضت وأبت وأشفقت  في حين قبل الإنسان ،ولكن لننتبه هنا ، أنّ أولى المواصفات التي ميّزت هذا الكائن هي الكرامة والدّليل قوله تعالى:" ولقد كرّمنا بني آدم وحملناهم في البرّ والبحر ورزقناهم من الطيّبات وفضّلناهم على كثير ممّن خلقنا تفضيلا " الإسراء 70

وهذا  التّكريم متأصّل في الإنسان أي ليس كسبيّا ،هو مبدأ عامّ في الإنسان مطلقا وهبه الله إيّاه وجعله جزءا من كيانه ومن فطرته  وقد أدرك إبليس نفسه هذا التميّز والتفرّد وهو في عالم الأزل قال تعالى :" وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلاّ إبليس قال أأسجد لمن خلقت طينا ، قال أرأيتك هذا الذي كرّمت عليّ لئن أخّرتني إلى يوم القيامة لأحتنكنّ ذرّيته إلاّ قليلا " فلم يذكر إبليس فضلا آخر غير التّكريم  ، هذا التّكريم بقدر ما هو أصليّ في الإنسان ،  يولد به  إلاّ أنّه يمكن أن يتلاشى بالمعاصي والبعد عن الله وقطع الصّلة به  وللشّيطان دور في ذلك فحدّد مهمّته بأنّه سيحتنك ذريّة آدم أيّ سيحوّلهم إلى سوائم أي إلى بهائم يضع اللّجام في أفواههم ويقودهم حيثما يشاء وهذا الأمر يكون في متناوله إلى أبعد الحدود فيسلبهم صفة الكرامة التي ميّزهم الله بها  ولكن لا يحقّق ذلك مع المؤمنين الصّادقين الموصولين بالله تعالى " إنّ عبادي ليس لك عليهم  إلاّ من اتّبعك من الغاوين " الحجر 42  وقد قال الشّيطان نفسه  :" قال فبعزّتك لأغوينّهم أجمعين إلاّ عبادك منهم المخلصين "  ص 83 فعباد الله الذين توجّهوا إلى الله وأخلصوا له العبادة فتواصلوا معه أخلصهم  الله له نتيجة سعيهم  ، وبهذا السّعي يكون التّرقّي في درجات الكمال للوصول مرّة أخرى إلى درجة الكرامة  لذلك قال الله تعالى :" إنّ أكرمكم عند الله  أتقاكم  "  فكّلّما اجتهدنا في التّقوى كلّما بلغنا درجات الكرامة  وليس العكس  ومن أهمّ ما يحقّق التّقوى العبادة بأشكالها والتي بها نعرف الله  وكلّما عرفنا الله كلّما نلنا الكرامة وكلّما ابتعدنا عن الله لوّثتنا المعاصي وكبّلتنا الشّهوات  ونلنا الإهانات ، هانت علينا أنفسنا بقدر ما هانت على النّاس وهانت على الله " ومن يهن الله فما له من مكرم "  الحجّ 18  أي لا يمكن أن يكرمه أحد وإن كان أغنى النّاس وأرقاهم  ، وبالتّالي لا يمكن أن تتحقق له الكرامة  لا في الدّنيا ولا في الآخرة  وأعطانا المولى المثال بآدم  عندما عصى ربّه لحقه إثم المعصية  وذلّها فتعرّى" فبدت لهما سوآتهما "ومن هنا نفهم ـ بقراءة أخرى ـ أنّ الحلال قرين الكرامة والحرام قرين الإهانة فلا يمكن للسّارق أن تكون له كرامة وهو يسرق ، ولا يمكن للمرتشي أن تكوم له كرامة ، ولا يمكن للسّكران أن تكون له كرامة...... وقل ذلك بكلّ يقين مع كلّ المعاصي والموبقات من باب أولى ، ولنخصّ الزّنا بالذّكر  ، فالزّاني ـ على ما يجد من الشّهوة في لحظات يتعرّى فيها من الإيمان ـ يهدر كلّ كرامته التي ميّزه الله بها  لأنّه ببساطة يمارس شهوته الجنسيّة تماما كما يمارسها الحيوان بدون ضوابط لأنّه بعمله ضرب بالأرحام عرض الحائط والحال أنّها  عنوان لأرقى العلاقات الإنسانية  والتي لا تخصّ أيّ جنس غير جنس الإنسان فبالزّنا يفقد الإنسان خصوصيّته الإنسانيّة وبالتّالي يفقد كرامته ويتساوى مع الحيوان في دورته الوجوديّة  ومن هنا  ندرك قيمة مؤسّسة الزّواج في القرآن باعتباره حجر الأساس لتأسيس إنسانيّة الإنسان ، لكن ليس بمعنى التّزاوج فحسب لأنّ التّزاوج سنّة كونيّة  قال تعالى :" سبحان الذي خلق الأزواج كلّها  ممّا تنبت الأرض ومن أنفسهم وممّا لا يعلمون " يس36

ولكن  من أجل تأمين الميزة العليا للإنسان ألا وهي الكرامة  ،اقرءوا الآن مرّة أخرى قوله تعالى :" يا أيّها النّاس إنّا خلقناكم من  ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إنّ أكرمكم عند الله أتقاكم إنّ الله عليم خبير " الحجرات 13 والإشارة واضحة هنا إلى الزّواج باعتباره الميثاق الغليظ  والتّواصل الاجتماعي والبشري يهدف بالأساس إلى تحقيق الكرامة التي لا يمكن تحقيقها إلاّ بالتّقوى التي لا يمكن تحقيقها إلاّ بالعبادة والطّاعة .

جعلني الله وإيّاكم  من الذين يستمعون القول فيتّبعون أحسنه ، اللهمّ اجعلنا من المكرمين المتّقين الطّائعين وآخر دعوانا أن الحمد لله ربّ العالمين /

الخطبة الثّانية

 

بسم الله والحمد لله والصّلاة والسّلام على رسول الله وأشهد ألاّ إله إلاّ الله وحده لا شريك له وأشهد أنّ محمّدا عبده ورسوله

أمّا بعد إخوة الإيمان  ونحن نتحدّث عن الكرامة الإنسانيّة في إطار التشريع الربّانيّ الذي يمثّل أعظم ضمان لهذه الكرامة  جعل الإسلام الحدود وقال :"تلك حدود الله فلا تعتدوها " البقرة 229  والأولى ألاّ نقربها قال تعالى :" تلك حدود الله فلا تقربوها " البقرة 187  وهذا شأن الزّنا  الذي ورد فيه النّهي على هذه الصّيغة  فقال تعالى :" ولا تقربوا الزّنى إنّه كان فاحشة وساء سبيلا " الإسراء 32 فالقرآن لم ينه عن الزّنى فحسب بل نهى عن مجرّد الاقتراب منه  لأنّه يوقع الإنسان في الحيوانيّة دون أن نتحدّث عن الشّذوذ  ويفقد بذلك عقله وشرفه ومكانته ، فقد كرامته التي تأبى عليه ذلك ، ولا يرتضيها أيّ إنسان في أهله  وبالإجمال  يكون قد فقد صفته  كخليفة لله في الأرض  لذلك نجد القرآن بالمرصاد لجريمة الزّنا  أكثر من أيّ جريمة أخرى لأنّ بليّتها تتجاوز الفرد لتصبح وباء وعدوى تصيب  القريب والبعيد ، وإذا كان الشّرع مع السّتر والرّحمة وحفظ الحرمات إلاّ أنّه في هذا الصّدد  يكشف المستور ويشدّد على العقوبة  أمام الملأ  في سورة اسمها " النّور"  يقول تعالى :" سورة أنزلناها وفرضناها وأنزلنا فيها آيات بيّنات لعلّكم تذكّرون 1 الزّانية والزّاني فاجلدوا كلّ واحد منهما مائة جلدة ولا تأخذكم بهما رأفة في دين الله إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر وليشهد عذابهما طائفة من المؤمنين 2 " بل لقد اعتبر القرآن الزّنا  قرين الكفر فقال تعالى في الآية الموالية :" الزّاني لا ينكح إلاّ زانية أو مشركة والزّانية لا  ينكحها  إلاّ زان أو مشرك وحرّم ذلك على المؤمنين "   لقد اعتبر القرآن عمليّة الزّنا وما يترتّب عنها من البلايا خرقا للنّاموس الإنساني وحطّا من الكرامة الإنسانيّة كما اعتبر مقدّمات الزّنا  ، زنا  فالعين تزنا  واليد تزنا والرّجل تزنا  ............نسأل الله العفو والعافية والسّلامة الدّائمة في الدّين والدّنيا والآخرة

 اللهمّ إنّا نسألك بأنّك أنت الله لا إله إلاّ أنت الواحد الأحد الفرد الصّمد ان تحينا  حياة طيّبة وألاّ تجعل الدّنيا اكبر همّنا ولا مبلغ علمنا  وأن تكتب لنا الجنّة أجمعين  اللهمّ صلّ على سيّدنا محمّد سيّد الأوّلين والآخرين  وشفيعنا يوم الدّين

اللهم انفعنا بما علمتنا وعلمنا ما ينفعنا ، اللهم افتح لنا بخير ، واجعل عواقب أمورنا إلى خير ، اللهم إنا نعوذ بك من فواتح الشر وخواتمه وأوله وآخره وباطنه وظاهره .
اللهم لا تجعل بيننا وبينك في رزقنا أحداً سواك ، واجعلنا أغنى خلقك بك ، وأفقر عبادك إليك ، وهب لنا غنىً لا يطغينا ، وصحة لا تلهينا ، وأغننا عمن أغنيته عنا ، واجعل آخر كلامنا شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله ، وتوفنا وأنت راضٍ عنا غير غضبان ، واجعلنا في موقف القيامة من الذين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون  وأكرمنا بلقائك يا ديّان  برحمتك يا أرحم الراحمين يا ربّ العالمين .
 
اللهم إنا نسألك إخبات المخبتين وإخلاص المؤمنين ومرافقة الأبرار، واستحقاق حقائق الإيمان والغنيمة من كل بر ، والسلامة من كل إثم  ، والكرامة الدّائمة ووجوب رحمتك وعزائم مغفرتك ، والفوز بالجنة والنجاة من النار .

اللهم لا تجعل لنا ذنباً إلا غفرته ولا هماً إلا فرجته ، ولا دَيناً إلا قضيته ولا مريضاً إلا شفيته ، ولا عدواً إلا كفيته ، ولا غائباً إلا رددته ، ولا عاصياً إلا عصمته ، ولا فاسداً إلا أصلحته ، ولا ميتاً إلا رحمته ، ولا عيباً إلا سترته ، ولا عسيراً إلا يسرته ، ولا حاجة من حوائج الدنيا والآخرة لك فيها رضاً ، ولنا فيها صلاح إلا أعنتنا على قضائها في يسر منك وعافية برحمتك يا أرحم الراحمين.

اللهمّ  انصر إخواننا المجاهدين  في كلّ مكان وارفع راية الإسلام عالية خفّاقة لتحقّق الأمن والسّلام والسّعادة في الدّارين وكن خير مرشد ومعين لرئيسنا زين العابدين للعمل بتعاليم هذا الدّين القويم  واحفظ بلدنا من كيد الكائدين وسائر بلاد المسلمين واسق البلاد والعباد بغيث منك نافع غير ضارّ  إنّك على كلّ شيء قدير وارحم والدينا وجاز المحسنين والمساهمين في كلّ أبواب الخير وكلّ من ساهم في جامعنا هذا وبارك لهم في أموالهم  وصحّتهم وذريتهم واكتب الفلاح والنّجاح والصّلاح لأبنائنا أجمعين والحمد لله ربّ العالمين .

 

 

Normal 0 21 false false false FR X-NONE AR-SA MicrosoftInternetExplorer4

خزامة الغربيّة سوسة                                                                                         24  ـ 12 ـ 2010

الإمام : خالد التّلمودي

                                               الكــــــرامة الإنسانيّة

 

 

الحمد لله أحمده وأستعينه، وأستغفره وأستهديه، وأومن به ولا أكفره، وأُعادي من يكفره، وأشهد أن لا إله إلاّ الله وحده لا شريك له، وأشهد أنّ محمّداً عبده ورسوله، أرسله بالهدى والنور والموعظة على فترة من الرسل، وقلّة من العلم، وضلالة من الناس، وانقطاع من الزمان، ودنوّ من الساعة، وقرب من الأجل، من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعصهما فقد غوى وفرط وضلّ ضلالاً بعيداً.

أُوصيكم بتقوى الله، فإنّه خير ما أوصى به المسلم المسلم أن يحضّه على الآخرة، وأنّ يأمره بتقوى الله، فاحذروا ما حذّركم الله من نفسه، وإنّ تقوى الله لمن عمل بها على وجل ومخافة من ربّه عون صدق على ما تبغون من أمر الآخرة،

أمّا بعد : أيّها المؤمنون ، يا من كرّمكم الله على سائر مخلوقاته ، اعلموا أنّ أغلى ما حبانا الله تعالى به في هذا الوجود هو الكرامة الإنسانيّة ، وهو موضوع خطبتنا اليوم ولكن لا  يمكننا أن نتكلّم عن الكرامة دون أن نتكلّم عن الإنسان في هذا السّياق حتّى ندرك معنى الكرامة ......

الإنسان في القرآن مخلوق حرّ، مختار، مسئول ، سيّد نفسه ، وسيّد الوجود الذي وجد فيه سخّر له بالكليّة  " وسخّر لكم ما في السّماوات وما في الأرض جميعا منه " الجاثية 13 وبناء عليه كان خليفة الله في الأرض ، وبناء عليه أقام ذلك التّواصل بينه وبين ذات الله العليّة ، ليس من خلال الخلق فحسب كسائر المخلوقات بل كذلك من خلال إرسال الرّسالات التي تعينه وتذكّره وتوجّهه وتستفزّ أرقى ما تميّز به ، عقله لكي تشتغل هذه الملكة إلى أقصى مداها ، لتمارس قدراتها بين كتاب الله المقروء : الوحي، وكتاب الله المنظور : الطّبيعة  كما تشكّل الرّسالات السّماويّة قاعدة معرفيّة تعين الإنسان على تحديد نقاط اتّصاله مع ذاته ومع الآخر وفوق هذا وذاك تواصله مع الخالق  ومن غير هذا التّواصل الأخير لا يمكن للبشر كجنس مخلوق أن يرقى إلى درجة الإنسانيّة بل يبقى في مستوى الحيوانيّة بل أدنى من ذلك ،  لذلك كثيرا ما شبّه الله تعالى فئة من البشر قطعوا صلتهم بالخالق  بأنّهم كالأنعام وأحيانا شبّههم بالحمير وأحينا بالكلب،،، والقاسم المشترك بينهم جميعا أنّهم لا يعقلون ، ولأنّهم لا يعقلون يولدون ويموتون كما تولد وتموت الحيوانات تماما بل أسوأ لأنّهم يفسدون ويضرّون والحيوانات لا تفسد بل تنفع ،،،،إذا الإنسان الحقيقيّ هو الذي كلّف بمهمّة الاستخلاف على الأرض بمعنى آخر هو الكائن الذي وكّلت إليه مهمّة " إدارة " الأرض بكلّ حريّة وإرادة ومسؤوليّة ،مهمّة عرضت على غيره من الكائنات العظمى فأعرضت وأبت وأشفقت  في حين قبل الإنسان ،ولكن لننتبه هنا ، أنّ أولى المواصفات التي ميّزت هذا الكائن هي الكرامة والدّليل قوله تعالى:" ولقد كرّمنا بني آدم وحملناهم في البرّ والبحر ورزقناهم من الطيّبات وفضّلناهم على كثير ممّن خلقنا تفضيلا " الإسراء 70

وهذا  التّكريم متأصّل في الإنسان أي ليس كسبيّا ،هو مبدأ عامّ في الإنسان مطلقا وهبه الله إيّاه وجعله جزءا من كيانه ومن فطرته  وقد أدرك إبليس نفسه هذا التميّز والتفرّد وهو في عالم الأزل قال تعالى :" وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلاّ إبليس قال أأسجد لمن خلقت طينا ، قال أرأيتك هذا الذي كرّمت عليّ لئن أخّرتني إلى يوم القيامة لأحتنكنّ ذرّيته إلاّ قليلا " فلم يذكر إبليس فضلا آخر غير التّكريم  ، هذا التّكريم بقدر ما هو أصليّ في الإنسان ،  يولد به  إلاّ أنّه يمكن أن يتلاشى بالمعاصي والبعد عن الله وقطع الصّلة به  وللشّيطان دور في ذلك فحدّد مهمّته بأنّه سيحتنك ذريّة آدم أيّ سيحوّلهم إلى سوائم أي إلى بهائم يضع اللّجام في أفواههم ويقودهم حيثما يشاء وهذا الأمر يكون في متناوله إلى أبعد الحدود فيسلبهم صفة الكرامة التي ميّزهم الله بها  ولكن لا يحقّق ذلك مع المؤمنين الصّادقين الموصولين بالله تعالى " إنّ عبادي ليس لك عليهم  إلاّ من اتّبعك من الغاوين " الحجر 42  وقد قال الشّيطان نفسه  :" قال فبعزّتك لأغوينّهم أجمعين إلاّ عبادك منهم المخلصين "  ص 83 فعباد الله الذين توجّهوا إلى الله وأخلصوا له العبادة فتواصلوا معه أخلصهم  الله له نتيجة سعيهم  ، وبهذا السّعي يكون التّرقّي في درجات الكمال للوصول مرّة أخرى إلى درجة الكرامة  لذلك قال الله تعالى :" إنّ أكرمكم عند الله  أتقاكم  "  فكّلّما اجتهدنا في التّقوى كلّما بلغنا درجات الكرامة  وليس العكس  ومن أهمّ ما يحقّق التّقوى العبادة بأشكالها والتي بها نعرف الله  وكلّما عرفنا الله كلّما نلنا الكرامة وكلّما ابتعدنا عن الله لوّثتنا المعاصي وكبّلتنا الشّهوات  ونلنا الإهانات ، هانت علينا أنفسنا بقدر ما هانت على النّاس وهانت على الله " ومن يهن الله فما له من مكرم "  الحجّ 18  أي لا يمكن أن يكرمه أحد وإن كان أغنى النّاس وأرقاهم  ، وبالتّالي لا يمكن أن تتحقق له الكرامة  لا في الدّنيا ولا في الآخرة  وأعطانا المولى المثال بآدم  عندما عصى ربّه لحقه إثم المعصية  وذلّها فتعرّى" فبدت لهما سوآتهما "ومن هنا نفهم ـ بقراءة أخرى ـ أنّ الحلال قرين الكرامة والحرام قرين الإهانة فلا يمكن للسّارق أن تكون له كرامة وهو يسرق ، ولا يمكن للمرتشي أن تكوم له كرامة ، ولا يمكن للسّكران أن تكون له كرامة...... وقل ذلك بكلّ يقين مع كلّ المعاصي والموبقات من باب أولى ، ولنخصّ الزّنا بالذّكر  ، فالزّاني ـ على ما يجد من الشّهوة في لحظات يتعرّى فيها من الإيمان ـ يهدر كلّ كرامته التي ميّزه الله بها  لأنّه ببساطة يمارس شهوته الجنسيّة تماما كما يمارسها الحيوان بدون ضوابط لأنّه بعمله ضرب بالأرحام عرض الحائط والحال أنّها  عنوان لأرقى العلاقات الإنسانية  والتي لا تخصّ أيّ جنس غير جنس الإنسان فبالزّنا يفقد الإنسان خصوصيّته الإنسانيّة وبالتّالي يفقد كرامته ويتساوى مع الحيوان في دورته الوجوديّة  ومن هنا  ندرك قيمة مؤسّسة الزّواج في القرآن باعتباره حجر الأساس لتأسيس إنسانيّة الإنسان ، لكن ليس بمعنى التّزاوج فحسب لأنّ التّزاوج سنّة كونيّة  قال تعالى :" سبحان الذي خلق الأزواج كلّها  ممّا تنبت الأرض ومن أنفسهم وممّا لا يعلمون " يس36

ولكن  من أجل تأمين الميزة العليا للإنسان ألا وهي الكرامة  ،اقرءوا الآن مرّة أخرى قوله تعالى :" يا أيّها النّاس إنّا خلقناكم من  ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إنّ أكرمكم عند الله أتقاكم إنّ الله عليم خبير " الحجرات 13 والإشارة واضحة هنا إلى الزّواج باعتباره الميثاق الغليظ  والتّواصل الاجتماعي والبشري يهدف بالأساس إلى تحقيق الكرامة التي لا يمكن تحقيقها إلاّ بالتّقوى التي لا يمكن تحقيقها إلاّ بالعبادة والطّاعة .

جعلني الله وإيّاكم  من الذين يستمعون القول فيتّبعون أحسنه ، اللهمّ اجعلنا من المكرمين المتّقين الطّائعين وآخر دعوانا أن الحمد لله ربّ العالمين /

الخطبة الثّانية

 

بسم الله والحمد لله والصّلاة والسّلام على رسول الله وأشهد ألاّ إله إلاّ الله وحده لا شريك له وأشهد أنّ محمّدا عبده ورسوله

أمّا بعد إخوة الإيمان  ونحن نتحدّث عن الكرامة الإنسانيّة في إطار التشريع الربّانيّ الذي يمثّل أعظم ضمان لهذه الكرامة  جعل الإسلام الحدود وقال :"تلك حدود الله فلا تعتدوها " البقرة 229  والأولى ألاّ نقربها قال تعالى :" تلك حدود الله فلا تقربوها " البقرة 187  وهذا شأن الزّنا  الذي ورد فيه النّهي على هذه الصّيغة  فقال تعالى :" ولا تقربوا الزّنى إنّه كان فاحشة وساء سبيلا " الإسراء 32 فالقرآن لم ينه عن الزّنى فحسب بل نهى عن مجرّد الاقتراب منه  لأنّه يوقع الإنسان في الحيوانيّة دون أن نتحدّث عن الشّذوذ  ويفقد بذلك عقله وشرفه ومكانته ، فقد كرامته التي تأبى عليه ذلك ، ولا يرتضيها أيّ إنسان في أهله  وبالإجمال  يكون قد فقد صفته  كخليفة لله في الأرض  لذلك نجد القرآن بالمرصاد لجريمة الزّنا  أكثر من أيّ جريمة أخرى لأنّ بليّتها تتجاوز الفرد لتصبح وباء وعدوى تصيب  القريب والبعيد ، وإذا كان الشّرع مع السّتر والرّحمة وحفظ الحرمات إلاّ أنّه في هذا الصّدد  يكشف المستور ويشدّد على العقوبة  أمام الملأ  في سورة اسمها " النّور"  يقول تعالى :" سورة أنزلناها وفرضناها وأنزلنا فيها آيات بيّنات لعلّكم تذكّرون 1 الزّانية والزّاني فاجلدوا كلّ واحد منهما مائة جلدة ولا تأخذكم بهما رأفة في دين الله إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر وليشهد عذابهما طائفة من المؤمنين 2 " بل لقد اعتبر القرآن الزّنا  قرين الكفر فقال تعالى في الآية الموالية :" الزّاني لا ينكح إلاّ زانية أو مشركة والزّانية لا  ينكحها  إلاّ زان أو مشرك وحرّم ذلك على المؤمنين "   لقد اعتبر القرآن عمليّة الزّنا وما يترتّب عنها من البلايا خرقا للنّاموس الإنساني وحطّا من الكرامة الإنسانيّة كما اعتبر مقدّمات الزّنا  ، زنا  فالعين تزنا  واليد تزنا والرّجل تزنا  ............نسأل الله العفو والعافية والسّلامة الدّائمة في الدّين والدّنيا والآخرة

 اللهمّ إنّا نسألك بأنّك أنت الله لا إله إلاّ أنت الواحد الأحد الفرد الصّمد ان تحينا  حياة طيّبة وألاّ تجعل الدّنيا اكبر همّنا ولا مبلغ علمنا  وأن تكتب لنا الجنّة أجمعين  اللهمّ صلّ على سيّدنا محمّد سيّد الأوّلين والآخرين  وشفيعنا يوم الدّين

اللهم انفعنا بما علمتنا وعلمنا ما ينفعنا ، اللهم افتح لنا بخير ، واجعل عواقب أمورنا إلى خير ، اللهم إنا نعوذ بك من فواتح الشر وخواتمه وأوله وآخره وباطنه وظاهره .
اللهم لا تجعل بيننا وبينك في رزقنا أحداً سواك ، واجعلنا أغنى خلقك بك ، وأفقر عبادك إليك ، وهب لنا غنىً لا يطغينا ، وصحة لا تلهينا ، وأغننا عمن أغنيته عنا ، واجعل آخر كلامنا شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله ، وتوفنا وأنت راضٍ عنا غير غضبان ، واجعلنا في موقف القيامة من الذين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون  وأكرمنا بلقائك يا ديّان  برحمتك يا أرحم الراحمين يا ربّ العالمين .
 
اللهم إنا نسألك إخبات المخبتين وإخلاص المؤمنين ومرافقة الأبرار، واستحقاق حقائق الإيمان والغنيمة من كل بر ، والسلامة من كل إثم  ، والكرامة الدّائمة ووجوب رحمتك وعزائم مغفرتك ، والفوز بالجنة والنجاة من النار .

اللهم لا تجعل لنا ذنباً إلا غفرته ولا هماً إلا فرجته ، ولا دَيناً إلا قضيته ولا مريضاً إلا شفيته ، ولا عدواً إلا كفيته ، ولا غائباً

خزامة الغربيّة سوسة                                                                                         24  ـ 12 ـ 2010

الإمام : خالد التّلمودي

                                               الكــــــرامة الإنسانيّة

 

 

الحمد لله أحمده وأستعينه، وأستغفره وأستهديه، وأومن به ولا أكفره، وأُعادي من يكفره، وأشهد أن لا إله إلاّ الله وحده لا شريك له، وأشهد أنّ محمّداً عبده ورسوله، أرسله بالهدى والنور والموعظة على فترة من الرسل، وقلّة من العلم، وضلالة من الناس، وانقطاع من الزمان، ودنوّ من الساعة، وقرب من الأجل، من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعصهما فقد غوى وفرط وضلّ ضلالاً بعيداً.

أُوصيكم بتقوى الله، فإنّه خير ما أوصى به المسلم المسلم أن يحضّه على الآخرة، وأنّ يأمره بتقوى الله، فاحذروا ما حذّركم الله من نفسه، وإنّ تقوى الله لمن عمل بها على وجل ومخافة من ربّه عون صدق على ما تبغون من أمر الآخرة،

أمّا بعد : أيّها المؤمنون ، يا من كرّمكم الله على سائر مخلوقاته ، اعلموا أنّ أغلى ما حبانا الله تعالى به في هذا الوجود هو الكرامة الإنسانيّة ، وهو موضوع خطبتنا اليوم ولكن لا  يمكننا أن نتكلّم عن الكرامة دون أن نتكلّم عن الإنسان في هذا السّياق حتّى ندرك معنى الكرامة ......

الإنسان في القرآن مخلوق حرّ، مختار، مسئول ، سيّد نفسه ، وسيّد الوجود الذي وجد فيه سخّر له بالكليّة  " وسخّر لكم ما في السّماوات وما في الأرض جميعا منه " الجاثية 13 وبناء عليه كان خليفة الله في الأرض ، وبناء عليه أقام ذلك التّواصل بينه وبين ذات الله العليّة ، ليس من خلال الخلق فحسب كسائر المخلوقات بل كذلك من خلال إرسال الرّسالات التي تعينه وتذكّره وتوجّهه وتستفزّ أرقى ما تميّز به ، عقله لكي تشتغل هذه الملكة إلى أقصى مداها ، لتمارس قدراتها بين كتاب الله المقروء : الوحي، وكتاب الله المنظور : الطّبيعة  كما تشكّل الرّسالات السّماويّة قاعدة معرفيّة تعين الإنسان على تحديد نقاط اتّصاله مع ذاته ومع الآخر وفوق هذا وذاك تواصله مع الخالق  ومن غير هذا التّواصل الأخير لا يمكن للبشر كجنس مخلوق أن يرقى إلى درجة الإنسانيّة بل يبقى في مستوى الحيوانيّة بل أدنى من ذلك ،  لذلك كثيرا ما شبّه الله تعالى فئة من البشر قطعوا صلتهم بالخالق  بأنّهم كالأنعام وأحيانا شبّههم بالحمير وأحينا بالكلب،،، والقاسم المشترك بينهم جميعا أنّهم لا يعقلون ، ولأنّهم لا يعقلون يولدون ويموتون كما تولد وتموت الحيوانات تماما بل أسوأ لأنّهم يفسدون ويضرّون والحيوانات لا تفسد بل تنفع ،،،،إذا الإنسان الحقيقيّ هو الذي كلّف بمهمّة الاستخلاف على الأرض بمعنى آخر هو الكائن الذي وكّلت إليه مهمّة " إدارة " الأرض بكلّ حريّة وإرادة ومسؤوليّة ،مهمّة عرضت على غيره من الكائنات العظمى فأعرضت وأبت وأشفقت  في حين قبل الإنسان ،ولكن لننتبه هنا ، أنّ أولى المواصفات التي ميّزت هذا الكائن هي الكرامة والدّليل قوله تعالى:" ولقد كرّمنا بني آدم وحملناهم في البرّ والبحر ورزقناهم من الطيّبات وفضّلناهم على كثير ممّن خلقنا تفضيلا " الإسراء 70

وهذا  التّكريم متأصّل في الإنسان أي ليس كسبيّا ،هو مبدأ عامّ في الإنسان مطلقا وهبه الله إيّاه وجعله جزءا من كيانه ومن فطرته  وقد أدرك إبليس نفسه هذا التميّز والتفرّد وهو في عالم الأزل قال تعالى :" وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلاّ إبليس قال أأسجد لمن خلقت طينا ، قال أرأيتك هذا الذي كرّمت عليّ لئن أخّرتني إلى يوم القيامة لأحتنكنّ ذرّيته إلاّ قليلا " فلم يذكر إبليس فضلا آخر غير التّكريم  ، هذا التّكريم بقدر ما هو أصليّ في الإنسان ،  يولد به  إلاّ أنّه يمكن أن يتلاشى بالمعاصي والبعد عن الله وقطع الصّلة به  وللشّيطان دور في ذلك فحدّد مهمّته بأنّه سيحتنك ذريّة آدم أيّ سيحوّلهم إلى سوائم أي إلى بهائم يضع اللّجام في أفواههم ويقودهم حيثما يشاء وهذا الأمر يكون في متناوله إلى أبعد الحدود فيسلبهم صفة الكرامة التي ميّزهم الله بها  ولكن لا يحقّق ذلك مع المؤمنين الصّادقين الموصولين بالله تعالى " إنّ عبادي ليس لك عليهم  إلاّ من اتّبعك من الغاوين " الحجر 42  وقد قال الشّيطان نفسه  :" قال فبعزّتك لأغوينّهم أجمعين إلاّ عبادك منهم المخلصين "  ص 83 فعباد الله الذين توجّهوا إلى الله وأخلصوا له العبادة فتواصلوا معه أخلصهم  الله له نتيجة سعيهم  ، وبهذا السّعي يكون التّرقّي في درجات الكمال للوصول مرّة أخرى إلى درجة الكرامة  لذلك قال الله تعالى :" إنّ أكرمكم عند الله  أتقاكم  "  فكّلّما اجتهدنا في التّقوى كلّما بلغنا درجات الكرامة  وليس العكس  ومن أهمّ ما يحقّق التّقوى العبادة بأشكالها والتي بها نعرف الله  وكلّما عرفنا الله كلّما نلنا الكرامة وكلّما ابتعدنا عن الله لوّثتنا المعاصي وكبّلتنا الشّهوات  ونلنا الإهانات ، هانت علينا أنفسنا بقدر ما هانت على النّاس وهانت على الله " ومن يهن الله فما له من مكرم "  الحجّ 18  أي لا يمكن أن يكرمه أحد وإن كان أغنى النّاس وأرقاهم  ، وبالتّالي لا يمكن أن تتحقق له الكرامة  لا في الدّنيا ولا في الآخرة  وأعطانا المولى المثال بآدم  عندما عصى ربّه لحقه إثم المعصية  وذلّها فتعرّى" فبدت لهما سوآتهما "ومن هنا نفهم ـ بقراءة أخرى ـ أنّ الحلال قرين الكرامة والحرام قرين الإهانة فلا يمكن للسّارق أن تكون له كرامة وهو يسرق ، ولا يمكن للمرتشي أن تكوم له كرامة ، ولا يمكن للسّكران أن تكون له كرامة...... وقل ذلك بكلّ يقين مع كلّ المعاصي والموبقات من باب أولى ، ولنخصّ الزّنا بالذّكر  ، فالزّاني ـ على ما يجد من الشّهوة في لحظات يتعرّى فيها من الإيمان ـ يهدر كلّ كرامته التي ميّزه الله بها  لأنّه ببساطة يمارس شهوته الجنسيّة تماما كما يمارسها الحيوان بدون ضوابط لأنّه بعمله ضرب بالأرحام عرض الحائط والحال أنّها  عنوان لأرقى العلاقات الإنسانية  والتي لا تخصّ أيّ جنس غير جنس الإنسان فبالزّنا يفقد الإنسان خصوصيّته الإنسانيّة وبالتّالي يفقد كرامته ويتساوى مع الحيوان في دورته الوجوديّة  ومن هنا  ندرك قيمة مؤسّسة الزّواج في القرآن باعتباره حجر الأساس لتأسيس إنسانيّة الإنسان ، لكن ليس بمعنى التّزاوج فحسب لأنّ التّزاوج سنّة كونيّة  قال تعالى :" سبحان الذي خلق الأزواج كلّها  ممّا تنبت الأرض ومن أنفسهم وممّا لا يعلمون " يس36

ولكن  من أجل تأمين الميزة العليا للإنسان ألا وهي الكرامة  ،اقرءوا الآن مرّة أخرى قوله تعالى :" يا أيّها النّاس إنّا خلقناكم من  ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إنّ أكرمكم عند الله أتقاكم إنّ الله عليم خبير " الحجرات 13 والإشارة واضحة هنا إلى الزّواج باعتباره الميثاق الغليظ  والتّواصل الاجتماعي والبشري يهدف بالأساس إلى تحقيق الكرامة التي لا يمكن تحقيقها إلاّ بالتّقوى التي لا يمكن تحقيقها إلاّ بالعبادة والطّاعة .

جعلني الله وإيّاكم  من الذين يستمعون القول فيتّبعون أحسنه ، اللهمّ اجعلنا من المكرمين المتّقين الطّائعين وآخر دعوانا أن الحمد لله ربّ العالمين /

الخطبة الثّانية

 

بسم الله والحمد لله والصّلاة والسّلام على رسول الله وأشهد ألاّ إله إلاّ الله وحده لا شريك له وأشهد أنّ محمّدا عبده ورسوله

أمّا بعد إخوة الإيمان  ونحن نتحدّث عن الكرامة الإنسانيّة في إطار التشريع الربّانيّ الذي يمثّل أعظم ضمان لهذه الكرامة  جعل الإسلام الحدود وقال :"تلك حدود الله فلا تعتدوها " البقرة 229  والأولى ألاّ نقربها قال تعالى :" تلك حدود الله فلا تقربوها " البقرة 187  وهذا شأن الزّنا  الذي ورد فيه النّهي على هذه الصّيغة  فقال تعالى :" ولا تقربوا الزّنى إنّه كان فاحشة وساء سبيلا " الإسراء 32 فالقرآن لم ينه عن الزّنى فحسب بل نهى عن مجرّد الاقتراب منه  لأنّه يوقع الإنسان في الحيوانيّة دون أن نتحدّث عن الشّذوذ  ويفقد بذلك عقله وشرفه ومكانته ، فقد كرامته التي تأبى عليه ذلك ، ولا يرتضيها أيّ إنسان في أهله  وبالإجمال  يكون قد فقد صفته  كخليفة لله في الأرض  لذلك نجد القرآن بالمرصاد لجريمة الزّنا  أكثر من أيّ جريمة أخرى لأنّ بليّتها تتجاوز الفرد لتصبح وباء وعدوى تصيب  القريب والبعيد ، وإذا كان الشّرع مع السّتر والرّحمة وحفظ الحرمات إلاّ أنّه في هذا الصّدد  يكشف المستور ويشدّد على العقوبة  أمام الملأ  في سورة اسمها " النّور"  يقول تعالى :" سورة أنزلناها وفرضناها وأنزلنا فيها آيات بيّنات لعلّكم تذكّرون 1 الزّانية والزّاني فاجلدوا كلّ واحد منهما مائة جلدة ولا تأخذكم بهما رأفة في دين الله إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر وليشهد عذابهما طائفة من المؤمنين 2 " بل لقد اعتبر القرآن الزّنا  قرين الكفر فقال تعالى في الآية الموالية :" الزّاني لا ينكح إلاّ زانية أو مشركة والزّانية لا  ينكحها  إلاّ زان أو مشرك وحرّم ذلك على المؤمنين "   لقد اعتبر القرآن عمليّة الزّنا وما يترتّب عنها من البلايا خرقا للنّاموس الإنساني وحطّا من الكرامة الإنسانيّة كما اعتبر مقدّمات الزّنا  ، زنا  فالعين تزنا  واليد تزنا والرّجل تزنا  ............نسأل الله العفو والعافية والسّلامة الدّائمة في الدّين والدّنيا والآخرة

 اللهمّ إنّا نسألك بأنّك أنت الله لا إله إلاّ أنت الواحد الأحد الفرد الصّمد ان تحينا  حياة طيّبة وألاّ تجعل الدّنيا اكبر همّنا ولا مبلغ علمنا  وأن تكتب لنا الجنّة أجمعين  اللهمّ صلّ على سيّدنا محمّد سيّد الأوّلين والآخرين  وشفيعنا يوم الدّين

اللهم انفعنا بما علمتنا وعلمنا ما ينفعنا ، اللهم افتح لنا بخير ، واجعل عواقب أمورنا إلى خير ، اللهم إنا نعوذ بك من فواتح الشر وخواتمه وأوله وآخره وباطنه وظاهره .
اللهم لا تجعل بيننا وبينك في رزقنا أحداً سواك ، واجعلنا أغنى خلقك بك ، وأفقر عبادك إليك ، وهب لنا غنىً لا يطغينا ، وصحة لا تلهينا ، وأغننا عمن أغنيته عنا ، واجعل آخر كلامنا شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله ، وتوفنا وأنت راضٍ عنا غير غضبان ، واجعلنا في موقف القيامة من الذين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون  وأكرمنا بلقائك يا ديّان  برحمتك يا أرحم الراحمين يا ربّ العالمين .
 
اللهم إنا نسألك إخبات المخبتين وإخلاص المؤمنين ومرافقة الأبرار، واستحقاق حقائق الإيمان والغنيمة من كل بر ، والسلامة من كل إثم  ، والكرامة الدّائمة ووجوب رحمتك وعزائم مغفرتك ، والفوز بالجنة والنجاة من النار .

اللهم لا تجعل لنا ذنباً إلا غفرته ولا هماً إلا فرجته ، ولا دَيناً إلا قضيته ولا مريضاً إلا شفيته ، ولا عدواً إلا كفيته ، ولا غائباً إلا رددته ، ولا عاصياً إلا عصمته ، ولا فاسداً إلا أصلحته ، ولا ميتاً إلا رحمته ، ولا عيباً إلا سترته ، ولا عسيراً إلا يسرته ، ولا حاجة من حوائج الدنيا والآخرة لك فيها رضاً ، ولنا فيها صلاح إلا أعنتنا على قضائها في يسر منك وعافية برحمتك يا أرحم الراحمين.

اللهمّ  انصر إخواننا المجاهدين  في كلّ مكان وارفع راية الإسلام عالية خفّاقة لتحقّق الأمن والسّلام والسّعادة في الدّارين وكن خير مرشد ومعين لرئيسنا زين العابدين للعمل بتعاليم هذا الدّين القويم  واحفظ بلدنا من كيد الكائدين وسائر بلاد المسلمين واسق البلاد والعباد بغيث منك نافع غير ضارّ  إنّك على كلّ شيء قدير وارحم والدينا وجاز المحسنين والمساهمين في كلّ أبواب الخير وكلّ من ساهم في جامعنا هذا وبارك لهم في أموالهم  وصحّتهم وذريتهم واكتب الفلاح والنّجاح والصّلاح لأبنائنا أجمعين والحمد لله ربّ العالمين .


  Normal 0 21 false false false FR X-NONE AR-SA MicrosoftInternetExplorer4 /* Style Definitions */ table.MsoNormalTable {mso-style-name:"Tableau Normal"; mso-tstyle-rowband-size:0; mso-tstyle-colband-size:0; mso-style-noshow:yes; mso-style-priority:99; mso-style-qformat:yes; mso-style-parent:""; mso-padding-alt:0cm 5.4pt 0cm 5.4pt; mso-para-margin-top:0cm; mso-para-margin-right:0cm; mso-para-margin-bottom:10.0pt; mso-para-margin-left:0cm; line-height:115%; mso-pagination:widow-orphan; font-size:11.0pt; font-family:"Calibri","sans-serif"; mso-ascii-font-family:Calibri; mso-ascii-theme-font:minor-latin; mso-fareast-font-family:"Times New Roman"; mso-fareast-theme-font:minor-fareast; mso-hansi-font-family:Calibri; mso-hansi-theme-font:minor-latin; mso-bidi-font-family:Arial; mso-bidi-theme-font:minor-bidi;}

خزامة الغربيّة سوسة                                                                                         24  ـ 12 ـ 2010

الإمام : خالد التّلمودي

                                               الكــــــرامة الإنسانيّة

 

 

الحمد لله أحمده وأستعينه، وأستغفره وأستهديه، وأومن به ولا أكفره، وأُعادي من يكفره، وأشهد أن لا إله إلاّ الله وحده لا شريك له، وأشهد أنّ محمّداً عبده ورسوله، أرسله بالهدى والنور والموعظة على فترة من الرسل، وقلّة من العلم، وضلالة من الناس، وانقطاع من الزمان، ودنوّ من الساعة، وقرب من الأجل، من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعصهما فقد غوى وفرط وضلّ ضلالاً بعيداً.

أُوصيكم بتقوى الله، فإنّه خير ما أوصى به المسلم المسلم أن يحضّه على الآخرة، وأنّ يأمره بتقوى الله، فاحذروا ما حذّركم الله من نفسه، وإنّ تقوى الله لمن عمل بها على وجل ومخافة من ربّه عون صدق على ما تبغون من أمر الآخرة،

أمّا بعد : أيّها المؤمنون ، يا من كرّمكم الله على سائر مخلوقاته ، اعلموا أنّ أغلى ما حبانا الله تعالى به في هذا الوجود هو الكرامة الإنسانيّة ، وهو موضوع خطبتنا اليوم ولكن لا  يمكننا أن نتكلّم عن الكرامة دون أن نتكلّم عن الإنسان في هذا السّياق حتّى ندرك معنى الكرامة ......

الإنسان في القرآن مخلوق حرّ، مختار، مسئول ، سيّد نفسه ، وسيّد الوجود الذي وجد فيه سخّر له بالكليّة  " وسخّر لكم ما في السّماوات وما في الأرض جميعا منه " الجاثية 13 وبناء عليه كان خليفة الله في الأرض ، وبناء عليه أقام ذلك التّواصل بينه وبين ذات الله العليّة ، ليس من خلال الخلق فحسب كسائر المخلوقات بل كذلك من خلال إرسال الرّسالات التي تعينه وتذكّره وتوجّهه وتستفزّ أرقى ما تميّز به ، عقله لكي تشتغل هذه الملكة إلى أقصى مداها ، لتمارس قدراتها بين كتاب الله المقروء : الوحي، وكتاب الله المنظور : الطّبيعة  كما تشكّل الرّسالات السّماويّة قاعدة معرفيّة تعين الإنسان على تحديد نقاط اتّصاله مع ذاته ومع الآخر وفوق هذا وذاك تواصله مع الخالق  ومن غير هذا التّواصل الأخير لا يمكن للبشر كجنس مخلوق أن يرقى إلى درجة الإنسانيّة بل يبقى في مستوى الحيوانيّة بل أدنى من ذلك ،  لذلك كثيرا ما شبّه الله تعالى فئة من البشر قطعوا صلتهم بالخالق  بأنّهم كالأنعام وأحيانا شبّههم بالحمير وأحينا بالكلب،،، والقاسم المشترك بينهم جميعا أنّهم لا يعقلون ، ولأنّهم لا يعقلون يولدون ويموتون كما تولد وتموت الحيوانات تماما بل أسوأ لأنّهم يفسدون ويضرّون والحيوانات لا تفسد بل تنفع ،،،،إذا الإنسان الحقيقيّ هو الذي كلّف بمهمّة الاستخلاف على الأرض بمعنى آخر هو الكائن الذي وكّلت إليه مهمّة " إدارة " الأرض بكلّ حريّة وإرادة ومسؤوليّة ،مهمّة عرضت على غيره من الكائنات العظمى فأعرضت وأبت وأشفقت  في حين قبل الإنسان ،ولكن لننتبه هنا ، أنّ أولى المواصفات التي ميّزت هذا الكائن هي الكرامة والدّليل قوله تعالى:" ولقد كرّمنا بني آدم وحملناهم في البرّ والبحر ورزقناهم من الطيّبات وفضّلناهم على كثير ممّن خلقنا تفضيلا " الإسراء 70

وهذا  التّكريم متأصّل في الإنسان أي ليس كسبيّا ،هو مبدأ عامّ في الإنسان مطلقا وهبه الله إيّاه وجعله جزءا من كيانه ومن فطرته  وقد أدرك إبليس نفسه هذا التميّز والتفرّد وهو في عالم الأزل قال تعالى :" وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلاّ إبليس قال أأسجد لمن خلقت طينا ، قال أرأيتك هذا الذي كرّمت عليّ لئن أخّرتني إلى يوم القيامة لأحتنكنّ ذرّيته إلاّ قليلا " فلم يذكر إبليس فضلا آخر غير التّكريم  ، هذا التّكريم بقدر ما هو أصليّ في الإنسان ،  يولد به  إلاّ أنّه يمكن أن يتلاشى بالمعاصي والبعد عن الله وقطع الصّلة به  وللشّيطان دور في ذلك فحدّد مهمّته بأنّه سيحتنك ذريّة آدم أيّ سيحوّلهم إلى سوائم أي إلى بهائم يضع اللّجام في أفواههم ويقودهم حيثما يشاء وهذا الأمر يكون في متناوله إلى أبعد الحدود فيسلبهم صفة الكرامة التي ميّزهم الله بها  ولكن لا يحقّق ذلك مع المؤمنين الصّادقين الموصولين بالله تعالى " إنّ عبادي ليس لك عليهم  إلاّ من اتّبعك من الغاوين " الحجر 42  وقد قال الشّيطان نفسه  :" قال فبعزّتك لأغوينّهم أجمعين إلاّ عبادك منهم المخلصين "  ص 83 فعباد الله الذين توجّهوا إلى الله وأخلصوا له العبادة فتواصلوا معه أخلصهم  الله له نتيجة سعيهم  ، وبهذا السّعي يكون التّرقّي في درجات الكمال للوصول مرّة أخرى إلى درجة الكرامة  لذلك قال الله تعالى :" إنّ أكرمكم عند الله  أتقاكم  "  فكّلّما اجتهدنا في التّقوى كلّما بلغنا درجات الكرامة  وليس العكس  ومن أهمّ ما يحقّق التّقوى العبادة بأشكالها والتي بها نعرف الله  وكلّما عرفنا الله كلّما نلنا الكرامة وكلّما ابتعدنا عن الله لوّثتنا المعاصي وكبّلتنا الشّهوات  ونلنا الإهانات ، هانت علينا أنفسنا بقدر ما هانت على النّاس وهانت على الله " ومن يهن الله فما له من مكرم "  الحجّ 18  أي لا يمكن أن يكرمه أحد وإن كان أغنى النّاس وأرقاهم  ، وبالتّالي لا يمكن أن تتحقق له الكرامة  لا في الدّنيا ولا في الآخرة  وأعطانا المولى المثال بآدم  عندما عصى ربّه لحقه إثم المعصية  وذلّها فتعرّى" فبدت لهما سوآتهما "ومن هنا نفهم ـ بقراءة أخرى ـ أنّ الحلال قرين الكرامة والحرام قرين الإهانة فلا يمكن للسّارق أن تكون له كرامة وهو يسرق ، ولا يمكن للمرتشي أن تكوم له كرامة ، ولا يمكن للسّكران أن تكون له كرامة...... وقل ذلك بكلّ يقين مع كلّ المعاصي والموبقات من باب أولى ، ولنخصّ الزّنا بالذّكر  ، فالزّاني ـ على ما يجد من الشّهوة في لحظات يتعرّى فيها من الإيمان ـ يهدر كلّ كرامته التي ميّزه الله بها  لأنّه ببساطة يمارس شهوته الجنسيّة تماما كما يمارسها الحيوان بدون ضوابط لأنّه بعمله ضرب بالأرحام عرض الحائط والحال أنّها  عنوان لأرقى العلاقات الإنسانية  والتي لا تخصّ أيّ جنس غير جنس الإنسان فبالزّنا يفقد الإنسان خصوصيّته الإنسانيّة وبالتّالي يفقد كرامته ويتساوى مع الحيوان في دورته الوجوديّة  ومن هنا  ندرك قيمة مؤسّسة الزّواج في القرآن باعتباره حجر الأساس لتأسيس إنسانيّة الإنسان ، لكن ليس بمعنى التّزاوج فحسب لأنّ التّزاوج سنّة كونيّة  قال تعالى :" سبحان الذي خلق الأزواج كلّها  ممّا تنبت الأرض ومن أنفسهم وممّا لا يعلمون " يس36

ولكن  من أجل تأمين الميزة العليا للإنسان ألا وهي الكرامة  ،اقرءوا الآن مرّة أخرى قوله تعالى :" يا أيّها النّاس إنّا خلقناكم من  ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إنّ أكرمكم عند الله أتقاكم إنّ الله عليم خبير " الحجرات 13 والإشارة واضحة هنا إلى الزّواج باعتباره الميثاق الغليظ  والتّواصل الاجتماعي والبشري يهدف بالأساس إلى تحقيق الكرامة التي لا يمكن تحقيقها إلاّ بالتّقوى التي لا يمكن تحقيقها إلاّ بالعبادة والطّاعة .

جعلني الله وإيّاكم  من الذين يستمعون القول فيتّبعون أحسنه ، اللهمّ اجعلنا من المكرمين المتّقين الطّائعين وآخر دعوانا أن الحمد لله ربّ العالمين /

الخطبة الثّانية

 

بسم الله والحمد لله والصّلاة والسّلام على رسول الله وأشهد ألاّ إله إلاّ الله وحده لا شريك له وأشهد أنّ محمّدا عبده ورسوله

أمّا بعد إخوة الإيمان  ونحن نتحدّث عن الكرامة الإنسانيّة في إطار التشريع الربّانيّ الذي يمثّل أعظم ضمان لهذه الكرامة  جعل الإسلام الحدود وقال :"تلك حدود الله فلا تعتدوها " البقرة 229  والأولى ألاّ نقربها قال تعالى :" تلك حدود الله فلا تقربوها " البقرة 187  وهذا شأن الزّنا  الذي ورد فيه النّهي على هذه الصّيغة  فقال تعالى :" ولا تقربوا الزّنى إنّه كان فاحشة وساء سبيلا " الإسراء 32 فالقرآن لم ينه عن الزّنى فحسب بل نهى عن مجرّد الاقتراب منه  لأنّه يوقع الإنسان في الحيوانيّة دون أن نتحدّث عن الشّذوذ  ويفقد بذلك عقله وشرفه ومكانته ، فقد كرامته التي تأبى عليه ذلك ، ولا يرتضيها أيّ إنسان في أهله  وبالإجمال  يكون قد فقد صفته  كخليفة لله في الأرض  لذلك نجد القرآن بالمرصاد لجريمة الزّنا  أكثر من أيّ جريمة أخرى لأنّ بليّتها تتجاوز الفرد لتصبح وباء وعدوى تصيب  القريب والبعيد ، وإذا كان الشّرع مع السّتر والرّحمة وحفظ الحرمات إلاّ أنّه في هذا الصّدد  يكشف المستور ويشدّد على العقوبة  أمام الملأ  في سورة اسمها " النّور"  يقول تعالى :" سورة أنزلناها وفرضناها وأنزلنا فيها آيات بيّنات لعلّكم تذكّرون 1 الزّانية والزّاني فاجلدوا كلّ واحد منهما مائة جلدة ولا تأخذكم بهما رأفة في دين الله إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر وليشهد عذابهما طائفة من المؤمنين 2 " بل لقد اعتبر القرآن الزّنا  قرين الكفر فقال تعالى في الآية الموالية :" الزّاني لا ينكح إلاّ زانية أو مشركة والزّانية لا  ينكحها  إلاّ زان أو مشرك وحرّم ذلك على المؤمنين "   لقد اعتبر القرآن عمليّة الزّنا وما يترتّب عنها من البلايا خرقا للنّاموس الإنساني وحطّا من الكرامة الإنسانيّة كما اعتبر مقدّمات الزّنا  ، زنا  فالعين تزنا  واليد تزنا والرّجل تزنا  ............نسأل الله العفو والعافية والسّلامة الدّائمة في الدّين والدّنيا والآخرة

 اللهمّ إنّا نسألك بأنّك أنت الله لا إله إلاّ أنت الواحد الأحد الفرد الصّمد ان تحينا  حياة طيّبة وألاّ تجعل الدّنيا اكبر همّنا ولا مبلغ علمنا  وأن تكتب لنا الجنّة أجمعين  اللهمّ صلّ على سيّدنا محمّد سيّد الأوّلين والآخرين  وشفيعنا يوم الدّين

اللهم انفعنا بما علمتنا وعلمنا ما ينفعنا ، اللهم افتح لنا بخير ، واجعل عواقب أمورنا إلى خير ، اللهم إنا نعوذ بك من فواتح الشر وخواتمه وأوله وآخره وباطنه وظاهره .
اللهم لا تجعل بيننا وبينك في رزقنا أحداً سواك ، واجعلنا أغنى خلقك بك ، وأفقر عبادك إليك ، وهب لنا غنىً لا يطغينا ، وصحة لا تلهينا ، وأغننا عمن أغنيته عنا ، واجعل آخر كلامنا شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله ، وتوفنا وأنت راضٍ عنا غير غضبان ، واجعلنا في موقف القيامة من الذين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون  وأكرمنا بلقائك يا ديّان  برحمتك يا أرحم الراحمين يا ربّ العالمين .
 
اللهم إنا نسألك إخبات المخبتين وإخلاص المؤمنين ومرافقة الأبرار، واستحقاق حقائق الإيمان والغنيمة من كل بر ، والسلامة من كل إثم  ، والكرامة الدّائمة ووجوب رحمتك وعزائم مغفرتك ، والفوز بالجنة والنجاة من النار .

اللهم لا تجعل لنا ذنباً إلا غفرته ولا هماً إلا فرجته ، ولا دَيناً إلا قضيته ولا مريضاً إلا شفيته ، ولا عدواً إلا كفيته ، ولا غائباً إلا رددته ، ولا عاصياً إلا عصمته ، ولا فاسداً إلا أصلحته ، ولا ميتاً إلا رحمته ، ولا عيباً إلا سترته ، ولا عسيراً إلا يسرته ، ولا حاجة من حوائج الدنيا والآخرة لك فيها رضاً ، ولنا فيها صلاح إلا أعنتنا على قضائها في يسر منك وعافية برحمتك يا أرحم الراحمين.

اللهمّ  انصر إخواننا المجاهدين  في كلّ مكان وارفع راية الإسلام عالية خفّاقة لتحقّق الأمن والسّلام والسّعادة في الدّارين وكن خير مرشد ومعين لرئيسنا زين العابدين للعمل بتعاليم هذا الدّين القويم  واحفظ بلدنا من كيد الكائدين وسائر بلاد المسلمين واسق البلاد والعباد بغيث منك نافع غير ضارّ  إنّك على كلّ شيء قدير وارحم والدينا وجاز المحسنين والمساهمين في كلّ أبواب الخير وكلّ من ساهم في جامعنا هذا وبارك لهم في أموالهم  وصحّتهم وذريتهم واكتب الفلاح والنّجاح والصّلاح لأبنائنا أجمعين والحمد لله ربّ العالمين .

 

 

إلا رددته ، ولا عاصياً إلا عصمته ، ولا فاسداً إلا أصلحته ، ولا ميتاً إلا رحمته ، ولا عيباً إلا سترته ، ولا عسيراً إلا يسرته ، ولا حاجة من حوائج الدنيا والآخرة لك فيها رضاً ، ولنا فيها صلاح إلا أعنتنا على قضائها في يسر منك وعافية برحمتك يا أرحم الراحمين.

اللهمّ  انصر إخواننا المجاهدين  في كلّ مكان وارفع راية الإسلام عالية خفّاقة لتحقّق الأمن والسّلام والسّعادة في الدّارين وكن خير مرشد ومعين لرئيسنا زين العابدين للعمل بتعاليم هذا الدّين القويم  واحفظ بلدنا من كيد الكائدين وسائر بلاد المسلمين واسق البلاد والعباد بغيث منك نافع غير ضارّ  إنّك على كلّ شيء قدير وارحم والدينا وجاز المحسنين والمساهمين في كلّ أبواب الخير وكلّ من ساهم في جامعنا هذا وبارك لهم في أموالهم  وصحّتهم وذريتهم واكتب الفلاح والنّجاح والصّلاح لأبنائنا أجمعين والحمد لله ربّ العالمين .