صفحة الاستقبال منبر الجمعة - خطب جمعية خطبة يوم الجمعة 31 ـ 12 ـ 2010 - - العبادات تحقّق الكــــــرامة الإنسانيّة

كتاب التربية الإسلامية والتنشئة على القيم

خطبة يوم الجمعة 31 ـ 12 ـ 2010 - - العبادات تحقّق الكــــــرامة الإنسانيّة طباعة أرسل إلى صديق
الكاتب: خالد التلمودي   

خطبة الجمعة  بجامع الصّبر                     التّاريخ  : 25 محرّم 1432

خزامة الغربيّة سوسة                               31  ـ 12 ـ 2010

الإمام : خالد التّلمودي

               العبادات تحقّق الكــــــرامة الإنسانيّة 

 

الحمد لله أحمده وأستعينه، وأستغفره وأستهديه، وأومن به ولا أكفره، وأُعادي من يكفره، وأشهد أن لا إله إلاّ الله وحده لا شريك له، وأشهد أنّ محمّداً عبده ورسوله، أرسله بالهدى والنور والموعظة على فترة من الرسل، وقلّة من العلم، وضلالة من الناس، وانقطاع من الزمان، ودنوّ من الساعة، وقرب من الأجل، من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعصهما فقد غوى وفرط وضلّ ضلالاً بعيداً.

أُوصيكم بتقوى الله، فإنّه خير ما أوصى به المسلم المسلم أن يحضّه على الآخرة، وأنّ يأمره بتقوى الله، فاحذروا ما حذّركم الله من نفسه، وإنّ تقوى الله لمن عمل بها على وجل ومخافة من ربّه عون صدق على ما تبغون من أمر الآخرة،

أمّا بعد أيّها المؤمنون لعلّكم لا زلتم تذكرون خطبة الجمعة الماضية عن الكرامة الإنسانيّة المتأصّلة في الإنسان بعد أن عرّفنا ماهيّة الإنسان في هذا السّياق ، وخصصنا بالذّكر معصية الزّنا ودورها في الحطّ من الكرامة الإنسانيّة ، أمّا اليوم بعون الله فنتحدّث عن العبادات ودورها في تحقيق الكرامة الإنسانيّة والرّفع من شأنها أقول هذا الكلام  وأهدف فيما أهدف إلى تحقّق اليقين في عظمة هذا الدّين وفي كلّ عبادة نؤدّيها لله تعالى ولننطلق من قاعدة كشفها لنا القرآن :أنّ كلّ ما في الوجود يعبد الله والدّليل قوله تعالى :"تسبّح له السّماوات السّبع والأرض ومن فيهنّ وإن من شيء إلاّ يسبّح بحمده ولكن لا تفقهون تسبيحهم إنّه كان حليما غفورا  " الإسراء 44  أترون كيف استوعبت الآية كلّ الوجود خضوعا وإنابة لله تعالى ؟

هذا الإعلام يدعوك أيّها الإنسان عامّة وأيّها المؤمن خاصّة إلى الانخراط في هذا النّاموس الكونيّ لتكون من المسبّحين ومن الذّاكرين ومن العابدين ، وهذا الخضوع المطلق لله وحده هو الذي يقينا من الذلّ ومن المهانة لغير الله و بالتّالي هو الذي يحقّق لنا الكرامة الإنسانيّة  لأنّ الخضوع حاجة بشريّة فلا بدّ أن نخضع لشيء ما وهذا الشيء لا بدّ أن يكون جديرا بالعبادة ،يعني له صفة الكمال وليس في الوجود كمال غير الله وما دون الله فهو ناقص محتاج إلى غيره لذلك يخاطب الله من يعبد غير الله قائلا:"قل أتعبدون من دون الله مالا يملك لكم ضرّا ولا نفعا " المائدة 76  إذا العبادة هي التي تحقّق الكرامة الإنسانيّة لأنّ الكرامة في جوهرها وفي حقيقتها هي الترفّع عن الاستعانة بالغير مطلقا ، عدم الاعتماد على الغير ، عدم الخوف من الغير إلاّ الله الذي لا تنفعه طاعة ولا تضرّه معصية ،فمن اعتمد على عقله ضلّ ومن اعتمد على ماله زلّ ومن اعتمد على جاهه ذلّ ولكن من اعتمد على الله لا ضلّ ولا زلّ ولا ذلّ بل هدي إلى صراط مستقيم  فالتذلّل لله على النّحو الذي شرّعه لنا من خلال الأنموذج التّطبيقي لسيّد الخلق أجمعين صلّى الله عليه وسلّم الذي يقول : "صلّوا كما رأيتموني أصلّي"والذي يقول:"خذوا عنّي مناسككم " ، بهذه العبادة يمكننا أن نترقّى في سلّم اكتساب الكرامة لننال الشّهادة العليا، التي لا ينجح فيها كلّ النّاس أو ينجح فيها بعض النّاس بشكل متفاوت ..........

إخوة الإيمان، إنّ الكرامة الإنسانيّة في أقصى مداها لا تنال إلاّ بالعبادة التي بها يتحقّق النموّ الإنساني الذي يحظى بشرف الاستخلاف ، أوّلا من خلال الأيّام التي يقضّيها الإنسان من حياته قلّت أو كثرت ، طالت أو قصرت ، وهي لا تعدو في حقيقتها أن تكون برهة من الزّمن المطلق ، وثانيا شرف الوقوف بين يدي الله تبارك وتعالى الذي اختزل هذه المراحل في آية واحدة من قوله جلّ وعلا  :" وهو الذي يتوفّاكم باللّيل ويعلم ما جرحتم بالنّهار ثمّ يبعثكم فيه ليقضى أجل مسمّى ثمّ إليه مرجعكم ثمّ ينبئكم بما كنتم تعملون " الأنعام 60  ولننتبه إلى فعل "جرحتم" وكأنّنا بأعمالنا وذنوبنا التي نقترفها في يومنا نجرح فعلا أنفسنا ونترك عليها آثارا تخدش  كرامتنا ، وأشدّ المواقف بعد كلّ هذا الوقوف بين يدي الله تعالى ، ولا بدّ أن نضع في اعتبارنا أنّ أوّل ما يسأل عنه المرء يوم القيامة الصّلاة كما ورد في الحديث  الصّحيح  بصيغتين : (أوّل ما يحاسب عنه العبد من عمله صلاته، فإن صلحت فقد أفلح ونجح، وإن فسدت فقد خاب وخسر) وفي رواية أخرى: (فإن قبلت صلاته قبل منه سائر عمله، وإن ردت عليه صلاته ردّ عليه سائر عمله) أتدرون لماذا ؟ لأنّ الصّلاة هي مقياس الإيمان ،ولأنّ بصلاحها يصلح العمل كلّه، وتتوطّد العلاقة بالخلق كلّه ،وبالتّالي بالمخلوق وبهما تتحقّق الكرامة الإنسانيّة .

 بالصّلاة إذا تتحقّق أدنى مراتب إنسانيّة الإنسان في حين أنّ تارك الصّلاة ، لا يعرض على الله أصلا  بل لا ينظر إليه ولا يزكّى ، لأنّه ببساطة لم يزكّي نفسه ، اقرؤوا إن شئتم قوله تعالى :" قد أفلح من زكّاها وقد خاب من دسّاها " الشّمس

 فلا يمكن للنّفس الإنسانيّة أن تزكّى إلاّ بالعبادات وأرقى درجاتها الصّلاة التي هي بطاقة تعريف أو هويّة الفرد الإنسان أمام الله  ، وهي التي بها  تتحقّق سائر العبادات من زكاة وصيام وحجّ وذكر وتلاوة للقرآن ، إذ ليس من المنطقي أن يكون الإنسان تاركا للصّلاة ويؤدّي باقي العبادات لذلك يرى أغلب الفقهاء أنّ الصّيام مثلا لا يصحّ من تارك الصّلاة لأنّها هي الدّافع والمحرّك ، كما أنّها تحقّق   التعفّف والتنزّه عن محارم الله وحدوده " تلك حدود الله فلا تقربوها " . وبهذا المعنى فإنّ الصّلاة هي محرار  الاستقامة، فإذا تخلّفت عن صلاتك أو سهوت عنها فاعلم أنّك تعصي الله ، وإذا رأيت ابنك قصّر في صلاته أو انقطع عنها فاعلم كذلك أنّه على معصية ، فالصّلاة حاجة روحيّة نفسيّة تماما كحاجة الجسد للأكل والشّرب فتركها أو حتّى تأخيرها يحدث خرابا كبيرا وجرحا عميقا في الذّات الإنسانيّة قد يصعب رتقه أو علاجه لذلك جاء التوعّد بالويل لمجرّد تأخير الصّلاة عن وقتها " ويل للمصلّين الذين هم عن صلاتهم ساهون "  فماذا نقول عن تاركها ؟؟؟؟؟ فالصّلاة لا بدّ أن تؤدّى في أوقات محدّدة من اليوم موزّعة توزيعا دقيقا محكما لذلك قال تعالى :" إنّ الصّلاة كانت على المؤمنين كتابا موقوتا " تماما مثل الدّواء  الذي يعطيه الطّبيب للمريض ويأمره بالالتزام بتناوله في أوقات محدّدة بل يؤكّد عليه بأخذه قبل الأكل أو بعده ......

إخوة الإيمان  إنّ بناء النّفس الإنسانيّة  لا يمكن أن  يتمّ بالأكل والشّرب أو حتّى بالإشباع العاطفي والتّربوي من قبل الوالدين ، لذلك يؤكّد الإسلام على تعليم الأبناء الصّلاة منذ نعومة الأظفار ، بدءا بإعطاء المثال بالحرص  على أدائها  قلبا وقالبا وسلوكا مطابقا لمقتضياتها ثمّ يأتي أمر الأهل بالصّلاة :" وأمر أهلك بالصّلاة واصطبر عليها " ويكون ذلك منذ سنّ السّابعة تعليما وتوجيها ومنذ سنّ العاشرة إلزاما وتقريعا رغم أن الطّفل في تلك السنّ لم يبلغ بعد سنّ التّكليف  لما روى الإمام أحمد وأبو داود والحاكم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال :« مروا أولادكم بالصلاة وهم أبناء سبع سنين واضربوهم عليها وهم أبناء عشر سنين " وذلك لما يخشى  من التّفريط فيها بعد هذه السنّ التّأسيسيّة في شخصيّة النّشء ، وفي هذه المرحلة يرفع القلم عن الأبناء ولكن يحاسب الوالدان حسابا شديدا على تفريطهم في حقّ أنفسهم  بدءا ثمّ حقّ أبنائهم ، وسوف يسألون .

نسأل الله تعالى أن يرينا الحقّ حقّا  ويرزقنا إتباعه  وأن يرينا الباطل باطلا  ويجنّبنا إتباعه   . والحمد لله ربّ العامين

 

 

 

 

 

 

 

                         الخطبة الثّانية

 

بسم  الله والحمد لله والصّلاة والسّلام على رسول الله وأشهد ألاّ إله إلاّ الله وأشهد أنّ محمّدا عبده ورسوله

إخوة الإيمان بقدر ما تحقّق الصّلاة الكرامة الإنسانيّة في بعدها النّفسي والرّوحي والسّلوكي ، كذلك الزّكاة ، أخت الصّلاة ، وقرينتها  وهذا ما جاء في القرآن والسنّة على حدّ السّواء " وأقيموا الصّلاة وآتوا الزّكاة " وهنا نتحدّث عن الكرامة الاقتصاديّة ليس للمزكّى عليه فحسب بل للمزكّي  كذلك . وهذا الخطاب يأتي بشكل جمعيّ للدّلالة على أنّ الله تعالى يحمّل المجموعة مسؤوليّة الحفاظ على هذه الكرامة  بتأمين الأكل والشّرب  والسّكن والأمن الصحّي والنّفسي  وسائر الاحتياجات الإنسانيّة  جمعها سيّد الخلق في قوله :"من أصبح منكم آمناً في سربه ، معافى في جسده ، عنده قوت يومه ، فكأنما حيزت له الدنيا بأسرها " حديث حسن

وحيزت له الدّنيا  تقتضي الاستغناء عن الغير بالكليّة  من غير سؤال ولا مذلّة ولا مسكنة إلاّ توكّلا على الله  والتجاء إليه .... ومن حكمة الله في الزّكاة أنّها لا تتقيّد بزمن واحد شأن الصّيام أو الحجّ  مثلا ،فهي على مدار السّنة  كما أنّه لكلّ زكاته بحيث تخرج الزّكاة على مدار السّنة وبصفة يوميّة وهذا يوازي الحاجة اليوميّة للمحتاجين دون طلب منهم أو سؤال أو إلحاف تحقيقا للكرامة ، كما أنّ الزّكاة شديدة التنوّع بين نقود وحبوب وزيتون ومواشي وعروض تجارة  وذهب وفضّة .....سدّا للحاجيّات المتنوّعة التي يجب سدّها . وإنّ التّراخي في أداء الزّكاة جريمة شنيعة وكبيرة من الكبائر ـ فضلا عن التّفريط في أدائها  ـ أشدّ من التّفريط في الصّلاة لأنّ الصّلاة تتعلّق بحقّ الله والزّكاة تتعلّق بحقّ الله وحقّ العباد في الآن نفسه .....................................................

خلاصة القول أنّ  الإنسان لا يمكن أن يكون إنسانا في حدّه الأدنى دون الإقرار بالله ربّا وأداء العبادات على الوجه الذي أدّاه سيّدنا محمّد صلّى الله عليه وسلّم ليتحقّق الانطلاق الفعليّ نحو الأرقى والأسمى من الكرامة والعزّة للجميع دون استثناء للفقير والغنيّ والرّاعي والرّعيّة والرّجال والنّساء  ومن هنا نفهم قوله تعالى :" ولله العزّة ولرسوله وللمؤمنين " ومن هنا نفهم مرّة أخرى قوله تعالى :" إنّ أكرمكم عند الله أتقاكم " جعلني الله وإيّاكم من الأتقياء الأعزّاء المكرمين في أعلى علّيين مع الصّحابة المقرّبين والغرّ المحجّلين

 اللهمّ لك الحمد على نعمك الجليلة وآلائك العظيمة ولك الحمد أن هديتنا إلى الصّراط المستقيم صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضّالين اللهمّ صلّ وسلّم وبارك على نبيّك خير الدّعاة إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة   اللهمّ فزدنا يقينا وهداية وتوفيقا وسدادا ورشادا ، وأرنا الحقّ حقّا وارزقنا إتباعه وأرنا الباطل باطلا وجنّبنا إتباعه

اللهمّ إنّا نسألك بأنّك الله لا إله إلاّ أنت بجلالك ونور وجهك الذي ملأ أركان عرشك  وبنورك الذي ملأ السّماوات والأرض أن تجعل لنا نصيبا من هذا النّور فتنوّر به قلوبنا وأبصارنا وأسماعنا وأن تجعله عن أيماننا وعن شمائلنا ومن فوقنا ومن تحتنا وأن تجعل لنا نورا في حياتنا كلّها تحمينا به من شرور أنفسنا ومن سيّئات أعمالنا ومن وساوس الشّياطين ومن كيد الكائدين ومكر الماكرين وحسد الحاسدين وسحر السّحرة الفاسقين وأن تجعلنا من الدّعاة إلى الخير ومن الذين يقولون ما يفعلون 

اللهمّ إنّا نسألك أن تجعل القرآن العظيم ربيع قلوبنا وجلاء أحزاننا وذهاب همومنا ونور عقولنا وشفاء صدورنا وشفاء لنا من كلّ داء وكاشفا لكلّ بلاء اللهمّ ذكّرنا منه ما نسّينا وعلّمنا منه ما جهلنا واجعلنا ممّن يقرأه آناء الليّل وأطراف النّهار على الوجه الذي يرضيك عنّا وعلّمه لأبنائنا وزوجاتنا واحفظهم به من الزّيغ والأهواء وكيد الأعداء واحفظهم من شرّ الطّريق ومن فتن اللّيل والنّهار ومن طوارق اللّيل والنّهار إلاّ طارقا يطرق بخير يا رحمن

اللهمّ لا تجعل الدّنيا أكبر همّنا ولا مبلغ علمنا، اجعلها يا ربّنا بين أيدينا ولا تجعلها في قلوبنا اللهمّ اشف مرضانا وعاف مبتلانا واهد ضالّنا وثبّتنا على الهدى والصّلاح والاستقامة يا من قلت وقولك الحقّ ادعوني أستجب لكم لا تردّنا يا ربّنا

خائبين فإنّك تقدر ولا نقدر ولا حول ولا قوّة لنا إلاّ بك فلا تكلنا إلى أنفسنا طرفة عين  اللهمّ انصر كلّ من نصر الدّين واخذل كلّ من خذل الإسلام والمسلمين وكن لرئيسنا خير مرشد ومعين للحقّ واليقين وانصر إخواننا في فلسطين نصرا من عندك مبين تهزم به الأعداء وتعزّ به الأذلاّء وترحم به الضّعفاء ، وارحم والدينا وجازي المتصدّقين والمحسنين وكلّ المساهمين في بيوت الله وكلّ من ساهم في جامعنا هذا بالمال والجهد والتدبير والنّظافة والتّنوير اللهمّ ابن لهم جميعا قصرا في الجنّة وبارك لهم في أموالهم وصحّتهم وذرّياتهم ما أحييتهم  والحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنّا لنهتدي لولا أن هدانا الله 

 

خطبة الجمعة  بجامع الصّبر                     التّاريخ  : 25 محرّم 1432

خزامة الغربيّة سوسة                               31  ـ 12 ـ 2010

الإمام : خالد التّلمودي

               العبادات تحقّق الكــــــرامة الإنسانيّة 

 

الحمد لله أحمده وأستعينه، وأستغفره وأستهديه، وأومن به ولا أكفره، وأُعادي من يكفره، وأشهد أن لا إله إلاّ الله وحده لا شريك له، وأشهد أنّ محمّداً عبده ورسوله، أرسله بالهدى والنور والموعظة على فترة من الرسل، وقلّة من العلم، وضلالة من الناس، وانقطاع من الزمان، ودنوّ من الساعة، وقرب من الأجل، من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعصهما فقد غوى وفرط وضلّ ضلالاً بعيداً.

أُوصيكم بتقوى الله، فإنّه خير ما أوصى به المسلم المسلم أن يحضّه على الآخرة، وأنّ يأمره بتقوى الله، فاحذروا ما حذّركم الله من نفسه، وإنّ تقوى الله لمن عمل بها على وجل ومخافة من ربّه عون صدق على ما تبغون من أمر الآخرة،

أمّا بعد أيّها المؤمنون لعلّكم لا زلتم تذكرون خطبة الجمعة الماضية عن الكرامة الإنسانيّة المتأصّلة في الإنسان بعد أن عرّفنا ماهيّة الإنسان في هذا السّياق ، وخصصنا بالذّكر معصية الزّنا ودورها في الحطّ من الكرامة الإنسانيّة ، أمّا اليوم بعون الله فنتحدّث عن العبادات ودورها في تحقيق الكرامة الإنسانيّة والرّفع من شأنها أقول هذا الكلام  وأهدف فيما أهدف إلى تحقّق اليقين في عظمة هذا الدّين وفي كلّ عبادة نؤدّيها لله تعالى ولننطلق من قاعدة كشفها لنا القرآن :أنّ كلّ ما في الوجود يعبد الله والدّليل قوله تعالى :"تسبّح له السّماوات السّبع والأرض ومن فيهنّ وإن من شيء إلاّ يسبّح بحمده ولكن لا تفقهون تسبيحهم إنّه كان حليما غفورا  " الإسراء 44  أترون كيف استوعبت الآية كلّ الوجود خضوعا وإنابة لله تعالى ؟

هذا الإعلام يدعوك أيّها الإنسان عامّة وأيّها المؤمن خاصّة إلى الانخراط في هذا النّاموس الكونيّ لتكون من المسبّحين ومن الذّاكرين ومن العابدين ، وهذا الخضوع المطلق لله وحده هو الذي يقينا من الذلّ ومن المهانة لغير الله و بالتّالي هو الذي يحقّق لنا الكرامة الإنسانيّة  لأنّ الخضوع حاجة بشريّة فلا بدّ أن نخضع لشيء ما وهذا الشيء لا بدّ أن يكون جديرا بالعبادة ،يعني له صفة الكمال وليس في الوجود كمال غير الله وما دون الله فهو ناقص محتاج إلى غيره لذلك يخاطب الله من يعبد غير الله قائلا:"قل أتعبدون من دون الله مالا يملك لكم ضرّا ولا نفعا " المائدة 76  إذا العبادة هي التي تحقّق الكرامة الإنسانيّة لأنّ الكرامة في جوهرها وفي حقيقتها هي الترفّع عن الاستعانة بالغير مطلقا ، عدم الاعتماد على الغير ، عدم الخوف من الغير إلاّ الله الذي لا تنفعه طاعة ولا تضرّه معصية ،فمن اعتمد على عقله ضلّ ومن اعتمد على ماله زلّ ومن اعتمد على جاهه ذلّ ولكن من اعتمد على الله لا ضلّ ولا زلّ ولا ذلّ بل هدي إلى صراط مستقيم  فالتذلّل لله على النّحو الذي شرّعه لنا من خلال الأنموذج التّطبيقي لسيّد الخلق أجمعين صلّى الله عليه وسلّم الذي يقول : "صلّوا كما رأيتموني أصلّي"والذي يقول:"خذوا عنّي مناسككم " ، بهذه العبادة يمكننا أن نترقّى في سلّم اكتساب الكرامة لننال الشّهادة العليا، التي لا ينجح فيها كلّ النّاس أو ينجح فيها بعض النّاس بشكل متفاوت ..........

إخوة الإيمان، إنّ الكرامة الإنسانيّة في أقصى مداها لا تنال إلاّ بالعبادة التي بها يتحقّق النموّ الإنساني الذي يحظى بشرف الاستخلاف ، أوّلا من خلال الأيّام التي يقضّيها الإنسان من حياته قلّت أو كثرت ، طالت أو قصرت ، وهي لا تعدو في حقيقتها أن تكون برهة من الزّمن المطلق ، وثانيا شرف الوقوف بين يدي الله تبارك وتعالى الذي اختزل هذه المراحل في آية واحدة من قوله جلّ وعلا  :" وهو الذي يتوفّاكم باللّيل ويعلم ما جرحتم بالنّهار ثمّ يبعثكم فيه ليقضى أجل مسمّى ثمّ إليه مرجعكم ثمّ ينبئكم بما كنتم تعملون " الأنعام 60  ولننتبه إلى فعل "جرحتم" وكأنّنا بأعمالنا وذنوبنا التي نقترفها في يومنا نجرح فعلا أنفسنا ونترك عليها آثارا تخدش  كرامتنا ، وأشدّ المواقف بعد كلّ هذا الوقوف بين يدي الله تعالى ، ولا بدّ أن نضع في اعتبارنا أنّ أوّل ما يسأل عنه المرء يوم القيامة الصّلاة كما ورد في الحديث  الصّحيح  بصيغتين : (أوّل ما يحاسب عنه العبد من عمله صلاته، فإن صلحت فقد أفلح ونجح، وإن فسدت فقد خاب وخسر) وفي رواية أخرى: (فإن قبلت صلاته قبل منه سائر عمله، وإن ردت عليه صلاته ردّ عليه سائر عمله) أتدرون لماذا ؟ لأنّ الصّلاة هي مقياس الإيمان ،ولأنّ بصلاحها يصلح العمل كلّه، وتتوطّد العلاقة بالخلق كلّه ،وبالتّالي بالمخلوق وبهما تتحقّق الكرامة الإنسانيّة .

 بالصّلاة إذا تتحقّق أدنى مراتب إنسانيّة الإنسان في حين أنّ تارك الصّلاة ، لا يعرض على الله أصلا  بل لا ينظر إليه ولا يزكّى ، لأنّه ببساطة لم يزكّي نفسه ، اقرؤوا إن شئتم قوله تعالى :" قد أفلح من زكّاها وقد خاب من دسّاها " الشّمس

 فلا يمكن للنّفس الإنسانيّة أن تزكّى إلاّ بالعبادات وأرقى درجاتها الصّلاة التي هي بطاقة تعريف أو هويّة الفرد الإنسان أمام الله  ، وهي التي بها  تتحقّق سائر العبادات من زكاة وصيام وحجّ وذكر وتلاوة للقرآن ، إذ ليس من المنطقي أن يكون الإنسان تاركا للصّلاة ويؤدّي باقي العبادات لذلك يرى أغلب الفقهاء أنّ الصّيام مثلا لا يصحّ من تارك الصّلاة لأنّها هي الدّافع والمحرّك ، كما أنّها تحقّق   التعفّف والتنزّه عن محارم الله وحدوده " تلك حدود الله فلا تقربوها " . وبهذا المعنى فإنّ الصّلاة هي محرار  الاستقامة، فإذا تخلّفت عن صلاتك أو سهوت عنها فاعلم أنّك تعصي الله ، وإذا رأيت ابنك قصّر في صلاته أو انقطع عنها فاعلم كذلك أنّه على معصية ، فالصّلاة حاجة روحيّة نفسيّة تماما كحاجة الجسد للأكل والشّرب فتركها أو حتّى تأخيرها يحدث خرابا كبيرا وجرحا عميقا في الذّات الإنسانيّة قد يصعب رتقه أو علاجه لذلك جاء التوعّد بالويل لمجرّد تأخير الصّلاة عن وقتها " ويل للمصلّين الذين هم عن صلاتهم ساهون "  فماذا نقول عن تاركها ؟؟؟؟؟ فالصّلاة لا بدّ أن تؤدّى في أوقات محدّدة من اليوم موزّعة توزيعا دقيقا محكما لذلك قال تعالى :" إنّ الصّلاة كانت على المؤمنين كتابا موقوتا " تماما مثل الدّواء  الذي يعطيه الطّبيب للمريض ويأمره بالالتزام بتناوله في أوقات محدّدة بل يؤكّد عليه بأخذه قبل الأكل أو بعده ......

إخوة الإيمان  إنّ بناء النّفس الإنسانيّة  لا يمكن أن  يتمّ بالأكل والشّرب أو حتّى بالإشباع العاطفي والتّربوي من قبل الوالدين ، لذلك يؤكّد الإسلام على تعليم الأبناء الصّلاة منذ نعومة الأظفار ، بدءا بإعطاء المثال بالحرص  على أدائها  قلبا وقالبا وسلوكا مطابقا لمقتضياتها ثمّ يأتي أمر الأهل بالصّلاة :" وأمر أهلك بالصّلاة واصطبر عليها " ويكون ذلك منذ سنّ السّابعة تعليما وتوجيها ومنذ سنّ العاشرة إلزاما وتقريعا رغم أن الطّفل في تلك السنّ لم يبلغ بعد سنّ التّكليف  لما روى الإمام أحمد وأبو داود والحاكم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال :« مروا أولادكم بالصلاة وهم أبناء سبع سنين واضربوهم عليها وهم أبناء عشر سنين " وذلك لما يخشى  من التّفريط فيها بعد هذه السنّ التّأسيسيّة في شخصيّة النّشء ، وفي هذه المرحلة يرفع القلم عن الأبناء ولكن يحاسب الوالدان حسابا شديدا على تفريطهم في حقّ أنفسهم  بدءا ثمّ حقّ أبنائهم ، وسوف يسألون .

نسأل الله تعالى أن يرينا الحقّ حقّا  ويرزقنا إتباعه  وأن يرينا الباطل باطلا  ويجنّبنا إتباعه   . والحمد لله ربّ العامين

 

 

 

 

 

 

 

                         الخطبة الثّانية

 

بسم  الله والحمد لله والصّلاة والسّلام على رسول الله وأشهد ألاّ إله إلاّ الله وأشهد أنّ محمّدا عبده ورسوله

إخوة الإيمان بقدر ما تحقّق الصّلاة الكرامة الإنسانيّة في بعدها النّفسي والرّوحي والسّلوكي ، كذلك الزّكاة ، أخت الصّلاة ، وقرينتها  وهذا ما جاء في القرآن والسنّة على حدّ السّواء " وأقيموا الصّلاة وآتوا الزّكاة " وهنا نتحدّث عن الكرامة الاقتصاديّة ليس للمزكّى عليه فحسب بل للمزكّي  كذلك . وهذا الخطاب يأتي بشكل جمعيّ للدّلالة على أنّ الله تعالى يحمّل المجموعة مسؤوليّة الحفاظ على هذه الكرامة  بتأمين الأكل والشّرب  والسّكن والأمن الصحّي والنّفسي  وسائر الاحتياجات الإنسانيّة  جمعها سيّد الخلق في قوله :"من أصبح منكم آمناً في سربه ، معافى في جسده ، عنده قوت يومه ، فكأنما حيزت له الدنيا بأسرها " حديث حسن

وحيزت له الدّنيا  تقتضي الاستغناء عن الغير بالكليّة  من غير سؤال ولا مذلّة ولا مسكنة إلاّ توكّلا على الله  والتجاء إليه .... ومن حكمة الله في الزّكاة أنّها لا تتقيّد بزمن واحد شأن الصّيام أو الحجّ  مثلا ،فهي على مدار السّنة  كما أنّه لكلّ زكاته بحيث تخرج الزّكاة على مدار السّنة وبصفة يوميّة وهذا يوازي الحاجة اليوميّة للمحتاجين دون طلب منهم أو سؤال أو إلحاف تحقيقا للكرامة ، كما أنّ الزّكاة شديدة التنوّع بين نقود وحبوب وزيتون ومواشي وعروض تجارة  وذهب وفضّة .....سدّا للحاجيّات المتنوّعة التي يجب سدّها . وإنّ التّراخي في أداء الزّكاة جريمة شنيعة وكبيرة من الكبائر ـ فضلا عن التّفريط في أدائها  ـ أشدّ من التّفريط في الصّلاة لأنّ الصّلاة تتعلّق بحقّ الله والزّكاة تتعلّق بحقّ الله وحقّ العباد في الآن نفسه .....................................................

خلاصة القول أنّ  الإنسان لا يمكن أن يكون إنسانا في حدّه الأدنى دون الإقرار بالله ربّا وأداء العبادات على الوجه الذي أدّاه سيّدنا محمّد صلّى الله عليه وسلّم ليتحقّق الانطلاق الفعليّ نحو الأرقى والأسمى من الكرامة والعزّة للجميع دون استثناء للفقير والغنيّ والرّاعي والرّعيّة والرّجال والنّساء  ومن هنا نفهم قوله تعالى :" ولله العزّة ولرسوله وللمؤمنين " ومن هنا نفهم مرّة أخرى قوله تعالى :" إنّ أكرمكم عند الله أتقاكم " جعلني الله وإيّاكم من الأتقياء الأعزّاء المكرمين في أعلى علّيين مع الصّحابة المقرّبين والغرّ المحجّلين

 اللهمّ لك الحمد على نعمك الجليلة وآلائك العظيمة ولك الحمد أن هديتنا إلى الصّراط المستقيم صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضّالين اللهمّ صلّ وسلّم وبارك على نبيّك خير الدّعاة إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة   اللهمّ فزدنا يقينا وهداية وتوفيقا وسدادا ورشادا ، وأرنا الحقّ حقّا وارزقنا إتباعه وأرنا الباطل باطلا وجنّبنا إتباعه

اللهمّ إنّا نسألك بأنّك الله لا إله إلاّ أنت بجلالك ونور وجهك الذي ملأ أركان عرشك  وبنورك الذي ملأ السّماوات والأرض أن تجعل لنا نصيبا من هذا النّور فتنوّر به قلوبنا وأبصارنا وأسماعنا وأن تجعله عن أيماننا وعن شمائلنا ومن فوقنا ومن تحتنا وأن تجعل لنا نورا في حياتنا كلّها تحمينا به من شرور أنفسنا ومن سيّئات أعمالنا ومن وساوس الشّياطين ومن كيد الكائدين ومكر الماكرين وحسد الحاسدين وسحر السّحرة الفاسقين وأن تجعلنا من الدّعاة إلى الخير ومن الذين يقولون ما يفعلون 

اللهمّ إنّا نسألك أن تجعل القرآن العظيم ربيع قلوبنا وجلاء أحزاننا وذهاب همومنا ونور عقولنا وشفاء صدورنا وشفاء لنا من كلّ داء وكاشفا لكلّ بلاء اللهمّ ذكّرنا منه ما نسّينا وعلّمنا منه ما جهلنا واجعلنا ممّن يقرأه آناء الليّل وأطراف النّهار على الوجه الذي يرضيك عنّا وعلّمه لأبنائنا وزوجاتنا واحفظهم به من الزّيغ والأهواء وكيد الأعداء واحفظهم من شرّ الطّريق ومن فتن اللّيل والنّهار ومن طوارق اللّيل والنّهار إلاّ طارقا يطرق بخير يا رحمن

اللهمّ لا تجعل الدّنيا أكبر همّنا ولا مبلغ علمنا، اجعلها 

خطبة الجمعة  بجامع الصّبر                     التّاريخ  : 25 محرّم 1432

خزامة الغربيّة سوسة                               31  ـ 12 ـ 2010

الإمام : خالد التّلمودي

               العبادات تحقّق الكــــــرامة الإنسانيّة 

 

الحمد لله أحمده وأستعينه، وأستغفره وأستهديه، وأومن به ولا أكفره، وأُعادي من يكفره، وأشهد أن لا إله إلاّ الله وحده لا شريك له، وأشهد أنّ محمّداً عبده ورسوله، أرسله بالهدى والنور والموعظة على فترة من الرسل، وقلّة من العلم، وضلالة من الناس، وانقطاع من الزمان، ودنوّ من الساعة، وقرب من الأجل، من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعصهما فقد غوى وفرط وضلّ ضلالاً بعيداً.

أُوصيكم بتقوى الله، فإنّه خير ما أوصى به المسلم المسلم أن يحضّه على الآخرة، وأنّ يأمره بتقوى الله، فاحذروا ما حذّركم الله من نفسه، وإنّ تقوى الله لمن عمل بها على وجل ومخافة من ربّه عون صدق على ما تبغون من أمر الآخرة،

أمّا بعد أيّها المؤمنون لعلّكم لا زلتم تذكرون خطبة الجمعة الماضية عن الكرامة الإنسانيّة المتأصّلة في الإنسان بعد أن عرّفنا ماهيّة الإنسان في هذا السّياق ، وخصصنا بالذّكر معصية الزّنا ودورها في الحطّ من الكرامة الإنسانيّة ، أمّا اليوم بعون الله فنتحدّث عن العبادات ودورها في تحقيق الكرامة الإنسانيّة والرّفع من شأنها أقول هذا الكلام  وأهدف فيما أهدف إلى تحقّق اليقين في عظمة هذا الدّين وفي كلّ عبادة نؤدّيها لله تعالى ولننطلق من قاعدة كشفها لنا القرآن :أنّ كلّ ما في الوجود يعبد الله والدّليل قوله تعالى :"تسبّح له السّماوات السّبع والأرض ومن فيهنّ وإن من شيء إلاّ يسبّح بحمده ولكن لا تفقهون تسبيحهم إنّه كان حليما غفورا  " الإسراء 44  أترون كيف استوعبت الآية كلّ الوجود خضوعا وإنابة لله تعالى ؟

هذا الإعلام يدعوك أيّها الإنسان عامّة وأيّها المؤمن خاصّة إلى الانخراط في هذا النّاموس الكونيّ لتكون من المسبّحين ومن الذّاكرين ومن العابدين ، وهذا الخضوع المطلق لله وحده هو الذي يقينا من الذلّ ومن المهانة لغير الله و بالتّالي هو الذي يحقّق لنا الكرامة الإنسانيّة  لأنّ الخضوع حاجة بشريّة فلا بدّ أن نخضع لشيء ما وهذا الشيء لا بدّ أن يكون جديرا بالعبادة ،يعني له صفة الكمال وليس في الوجود كمال غير الله وما دون الله فهو ناقص محتاج إلى غيره لذلك يخاطب الله من يعبد غير الله قائلا:"قل أتعبدون من دون الله مالا يملك لكم ضرّا ولا نفعا " المائدة 76  إذا العبادة هي التي تحقّق الكرامة الإنسانيّة لأنّ الكرامة في جوهرها وفي حقيقتها هي الترفّع عن الاستعانة بالغير مطلقا ، عدم الاعتماد على الغير ، عدم الخوف من الغير إلاّ الله الذي لا تنفعه طاعة ولا تضرّه معصية ،فمن اعتمد على عقله ضلّ ومن اعتمد على ماله زلّ ومن اعتمد على جاهه ذلّ ولكن من اعتمد على الله لا ضلّ ولا زلّ ولا ذلّ بل هدي إلى صراط مستقيم  فالتذلّل لله على النّحو الذي شرّعه لنا من خلال الأنموذج التّطبيقي لسيّد الخلق أجمعين صلّى الله عليه وسلّم الذي يقول : "صلّوا كما رأيتموني أصلّي"والذي يقول:"خذوا عنّي مناسككم " ، بهذه العبادة يمكننا أن نترقّى في سلّم اكتساب الكرامة لننال الشّهادة العليا، التي لا ينجح فيها كلّ النّاس أو ينجح فيها بعض النّاس بشكل متفاوت ..........

إخوة الإيمان، إنّ الكرامة الإنسانيّة في أقصى مداها لا تنال إلاّ بالعبادة التي بها يتحقّق النموّ الإنساني الذي يحظى بشرف الاستخلاف ، أوّلا من خلال الأيّام التي يقضّيها الإنسان من حياته قلّت أو كثرت ، طالت أو قصرت ، وهي لا تعدو في حقيقتها أن تكون برهة من الزّمن المطلق ، وثانيا شرف الوقوف بين يدي الله تبارك وتعالى الذي اختزل هذه المراحل في آية واحدة من قوله جلّ وعلا  :" وهو الذي يتوفّاكم باللّيل ويعلم ما جرحتم بالنّهار ثمّ يبعثكم فيه ليقضى أجل مسمّى ثمّ إليه مرجعكم ثمّ ينبئكم بما كنتم تعملون " الأنعام 60  ولننتبه إلى فعل "جرحتم" وكأنّنا بأعمالنا وذنوبنا التي نقترفها في يومنا نجرح فعلا أنفسنا ونترك عليها آثارا تخدش  كرامتنا ، وأشدّ المواقف بعد كلّ هذا الوقوف بين يدي الله تعالى ، ولا بدّ أن نضع في اعتبارنا أنّ أوّل ما يسأل عنه المرء يوم القيامة الصّلاة كما ورد في الحديث  الصّحيح  بصيغتين : (أوّل ما يحاسب عنه العبد من عمله صلاته، فإن صلحت فقد أفلح ونجح، وإن فسدت فقد خاب وخسر) وفي رواية أخرى: (فإن قبلت صلاته قبل منه سائر عمله، وإن ردت عليه صلاته ردّ عليه سائر عمله) أتدرون لماذا ؟ لأنّ الصّلاة هي مقياس الإيمان ،ولأنّ بصلاحها يصلح العمل كلّه، وتتوطّد العلاقة بالخلق كلّه ،وبالتّالي بالمخلوق وبهما تتحقّق الكرامة الإنسانيّة .

 بالصّلاة إذا تتحقّق أدنى مراتب إنسانيّة الإنسان في حين أنّ تارك الصّلاة ، لا يعرض على الله أصلا  بل لا ينظر إليه ولا يزكّى ، لأنّه ببساطة لم يزكّي نفسه ، اقرؤوا إن شئتم قوله تعالى :" قد أفلح من زكّاها وقد خاب من دسّاها " الشّمس

 فلا يمكن للنّفس الإنسانيّة أن تزكّى إلاّ بالعبادات وأرقى درجاتها الصّلاة التي هي بطاقة تعريف أو هويّة الفرد الإنسان أمام الله  ، وهي التي بها  تتحقّق سائر العبادات من زكاة وصيام وحجّ وذكر وتلاوة للقرآن ، إذ ليس من المنطقي أن يكون الإنسان تاركا للصّلاة ويؤدّي باقي العبادات لذلك يرى أغلب الفقهاء أنّ الصّيام مثلا لا يصحّ من تارك الصّلاة لأنّها هي الدّافع والمحرّك ، كما أنّها تحقّق   التعفّف والتنزّه عن محارم الله وحدوده " تلك حدود الله فلا تقربوها " . وبهذا المعنى فإنّ الصّلاة هي محرار  الاستقامة، فإذا تخلّفت عن صلاتك أو سهوت عنها فاعلم أنّك تعصي الله ، وإذا رأيت ابنك قصّر في صلاته أو انقطع عنها فاعلم كذلك أنّه على معصية ، فالصّلاة حاجة روحيّة نفسيّة تماما كحاجة الجسد للأكل والشّرب فتركها أو حتّى تأخيرها يحدث خرابا كبيرا وجرحا عميقا في الذّات الإنسانيّة قد يصعب رتقه أو علاجه لذلك جاء التوعّد بالويل لمجرّد تأخير الصّلاة عن وقتها " ويل للمصلّين الذين هم عن صلاتهم ساهون "  فماذا نقول عن تاركها ؟؟؟؟؟ فالصّلاة لا بدّ أن تؤدّى في أوقات محدّدة من اليوم موزّعة توزيعا دقيقا محكما لذلك قال تعالى :" إنّ الصّلاة كانت على المؤمنين كتابا موقوتا " تماما مثل الدّواء  الذي يعطيه الطّبيب للمريض ويأمره بالالتزام بتناوله في أوقات محدّدة بل يؤكّد عليه بأخذه قبل الأكل أو بعده ......

إخوة الإيمان  إنّ بناء النّفس الإنسانيّة  لا يمكن أن  يتمّ بالأكل والشّرب أو حتّى بالإشباع العاطفي والتّربوي من قبل الوالدين ، لذلك يؤكّد الإسلام على تعليم الأبناء الصّلاة منذ نعومة الأظفار ، بدءا بإعطاء المثال بالحرص  على أدائها  قلبا وقالبا وسلوكا مطابقا لمقتضياتها ثمّ يأتي أمر الأهل بالصّلاة :" وأمر أهلك بالصّلاة واصطبر عليها " ويكون ذلك منذ سنّ السّابعة تعليما وتوجيها ومنذ سنّ العاشرة إلزاما وتقريعا رغم أن الطّفل في تلك السنّ لم يبلغ بعد سنّ التّكليف  لما روى الإمام أحمد وأبو داود والحاكم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال :« مروا أولادكم بالصلاة وهم أبناء سبع سنين واضربوهم عليها وهم أبناء عشر سنين " وذلك لما يخشى  من التّفريط فيها بعد هذه السنّ التّأسيسيّة في شخصيّة النّشء ، وفي هذه المرحلة يرفع القلم عن الأبناء ولكن يحاسب الوالدان حسابا شديدا على تفريطهم في حقّ أنفسهم  بدءا ثمّ حقّ أبنائهم ، وسوف يسألون .

نسأل الله تعالى أن يرينا الحقّ حقّا  ويرزقنا إتباعه  وأن يرينا الباطل باطلا  ويجنّبنا إتباعه   . والحمد لله ربّ العامين

 

 

 

 

 

 

 

                         الخطبة الثّانية

 

بسم  الله والحمد لله والصّلاة والسّلام على رسول الله وأشهد ألاّ إله إلاّ الله وأشهد أنّ محمّدا عبده ورسوله

إخوة الإيمان بقدر ما تحقّق الصّلاة الكرامة الإنسانيّة في بعدها النّفسي والرّوحي والسّلوكي ، كذلك الزّكاة ، أخت الصّلاة ، وقرينتها  وهذا ما جاء في القرآن والسنّة على حدّ السّواء " وأقيموا الصّلاة وآتوا الزّكاة " وهنا نتحدّث عن الكرامة الاقتصاديّة ليس للمزكّى عليه فحسب بل للمزكّي  كذلك . وهذا الخطاب يأتي بشكل جمعيّ للدّلالة على أنّ الله تعالى يحمّل المجموعة مسؤوليّة الحفاظ على هذه الكرامة  بتأمين الأكل والشّرب  والسّكن والأمن الصحّي والنّفسي  وسائر الاحتياجات الإنسانيّة  جمعها سيّد الخلق في قوله :"من أصبح منكم آمناً في سربه ، معافى في جسده ، عنده قوت يومه ، فكأنما حيزت له الدنيا بأسرها " حديث حسن

وحيزت له الدّنيا  تقتضي الاستغناء عن الغير بالكليّة  من غير سؤال ولا مذلّة ولا مسكنة إلاّ توكّلا على الله  والتجاء إليه .... ومن حكمة الله في الزّكاة أنّها لا تتقيّد بزمن واحد شأن الصّيام أو الحجّ  مثلا ،فهي على مدار السّنة  كما أنّه لكلّ زكاته بحيث تخرج الزّكاة على مدار السّنة وبصفة يوميّة وهذا يوازي الحاجة اليوميّة للمحتاجين دون طلب منهم أو سؤال أو إلحاف تحقيقا للكرامة ، كما أنّ الزّكاة شديدة التنوّع بين نقود وحبوب وزيتون ومواشي وعروض تجارة  وذهب وفضّة .....سدّا للحاجيّات المتنوّعة التي يجب سدّها . وإنّ التّراخي في أداء الزّكاة جريمة شنيعة وكبيرة من الكبائر ـ فضلا عن التّفريط في أدائها  ـ أشدّ من التّفريط في الصّلاة لأنّ الصّلاة تتعلّق بحقّ الله والزّكاة تتعلّق بحقّ الله وحقّ العباد في الآن نفسه .....................................................

خلاصة القول أنّ  الإنسان لا يمكن أن يكون إنسانا في حدّه الأدنى دون الإقرار بالله ربّا وأداء العبادات على الوجه الذي أدّاه سيّدنا محمّد صلّى الله عليه وسلّم ليتحقّق الانطلاق الفعليّ نحو الأرقى والأسمى من الكرامة والعزّة للجميع دون استثناء للفقير والغنيّ والرّاعي والرّعيّة والرّجال والنّساء  ومن هنا نفهم قوله تعالى :" ولله العزّة ولرسوله وللمؤمنين " ومن هنا نفهم مرّة أخرى قوله تعالى :" إنّ أكرمكم عند الله أتقاكم " جعلني الله وإيّاكم من الأتقياء الأعزّاء المكرمين في أعلى علّيين مع الصّحابة المقرّبين والغرّ المحجّلين

 اللهمّ لك الحمد على نعمك الجليلة وآلائك العظيمة ولك الحمد أن هديتنا إلى الصّراط المستقيم صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضّالين اللهمّ صلّ وسلّم وبارك على نبيّك خير الدّعاة إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة   اللهمّ فزدنا يقينا وهداية وتوفيقا وسدادا ورشادا ، وأرنا الحقّ حقّا وارزقنا إتباعه وأرنا الباطل باطلا وجنّبنا إتباعه

اللهمّ إنّا نسألك بأنّك الله لا إله إلاّ أنت بجلالك ونور وجهك الذي ملأ أركان عرشك  وبنورك الذي ملأ السّماوات والأرض أن تجعل لنا نصيبا من هذا النّور فتنوّر به قلوبنا وأبصارنا وأسماعنا وأن تجعله عن أيماننا وعن شمائلنا ومن فوقنا ومن تحتنا وأن تجعل لنا نورا في حياتنا كلّها تحمينا به من شرور أنفسنا ومن سيّئات أعمالنا ومن وساوس الشّياطين ومن كيد الكائدين ومكر الماكرين وحسد الحاسدين وسحر السّحرة الفاسقين وأن تجعلنا من الدّعاة إلى الخير ومن الذين يقولون ما يفعلون 

اللهمّ إنّا نسألك أن تجعل القرآن العظيم ربيع قلوبنا وجلاء أحزاننا وذهاب همومنا ونور عقولنا وشفاء صدورنا وشفاء لنا من كلّ داء وكاشفا لكلّ بلاء اللهمّ ذكّرنا منه ما نسّينا وعلّمنا منه ما جهلنا واجعلنا ممّن يقرأه آناء الليّل وأطراف النّهار على الوجه الذي يرضيك عنّا وعلّمه لأبنائنا وزوجاتنا واحفظهم به من الزّيغ والأهواء وكيد الأعداء واحفظهم من شرّ الطّريق ومن فتن اللّيل والنّهار ومن طوارق اللّيل والنّهار إلاّ طارقا يطرق بخير يا رحمن

اللهمّ لا تجعل الدّنيا أكبر همّنا ولا مبلغ علمنا، اجعلها يا ربّنا بين أيدينا ولا تجعلها في قلوبنا اللهمّ اشف مرضانا وعاف مبتلانا واهد ضالّنا وثبّتنا على الهدى والصّلاح والاستقامة يا من قلت وقولك الحقّ ادعوني أستجب لكم لا تردّنا يا ربّنا

خائبين فإنّك تقدر ولا نقدر ولا حول ولا قوّة لنا إلاّ بك فلا تكلنا إلى أنفسنا طرفة عين  اللهمّ انصر كلّ من نصر الدّين واخذل كلّ من خذل الإسلام والمسلمين وكن لرئيسنا خير مرشد ومعين للحقّ واليقين وانصر إخواننا في فلسطين نصرا من عندك مبين تهزم به الأعداء وتعزّ به الأذلاّء وترحم به الضّعفاء ، وارحم والدينا وجازي المتصدّقين والمحسنين وكلّ المساهمين في بيوت الله وكلّ من ساهم في جامعنا هذا بالمال والجهد والتدبير والنّظافة والتّنوير اللهمّ ابن لهم جميعا قصرا في الجنّة وبارك لهم في أموالهم وصحّتهم وذرّياتهم ما أحييتهم  والحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنّا لنهتدي لولا أن هدانا الله 

 

خطبة الجمعة  بجامع الصّبر                     التّاريخ  : 25 محرّم 1432

خزامة الغربيّة سوسة                               31  ـ 12 ـ 2010

الإمام : خالد التّلمودي

               العبادات تحقّق الكــــــرامة الإنسانيّة 

 

الحمد لله أحمده وأستعينه، وأستغفره وأستهديه، وأومن به ولا أكفره، وأُعادي من يكفره، وأشهد أن لا إله إلاّ الله وحده لا شريك له، وأشهد أنّ محمّداً عبده ورسوله، أرسله بالهدى والنور والموعظة على فترة من الرسل، وقلّة من العلم، وضلالة من الناس، وانقطاع من الزمان، ودنوّ من الساعة، وقرب من الأجل، من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعصهما فقد غوى وفرط وضلّ ضلالاً بعيداً.

أُوصيكم بتقوى الله، فإنّه خير ما أوصى به المسلم المسلم أن يحضّه على الآخرة، وأنّ يأمره بتقوى الله، فاحذروا ما حذّركم الله من نفسه، وإنّ تقوى الله لمن عمل بها على وجل ومخافة من ربّه عون صدق على ما تبغون من أمر الآخرة،

أمّا بعد أيّها المؤمنون لعلّكم لا زلتم تذكرون خطبة الجمعة الماضية عن الكرامة الإنسانيّة المتأصّلة في الإنسان بعد أن عرّفنا ماهيّة الإنسان في هذا السّياق ، وخصصنا بالذّكر معصية الزّنا ودورها في الحطّ من الكرامة الإنسانيّة ، أمّا اليوم بعون الله فنتحدّث عن العبادات ودورها في تحقيق الكرامة الإنسانيّة والرّفع من شأنها أقول هذا الكلام  وأهدف فيما أهدف إلى تحقّق اليقين في عظمة هذا الدّين وفي كلّ عبادة نؤدّيها لله تعالى ولننطلق من قاعدة كشفها لنا القرآن :أنّ كلّ ما في الوجود يعبد الله والدّليل قوله تعالى :"تسبّح له السّماوات السّبع والأرض ومن فيهنّ وإن من شيء إلاّ يسبّح بحمده ولكن لا تفقهون تسبيحهم إنّه كان حليما غفورا  " الإسراء 44  أترون كيف استوعبت الآية كلّ الوجود خضوعا وإنابة لله تعالى ؟

هذا الإعلام يدعوك أيّها الإنسان عامّة وأيّها المؤمن خاصّة إلى الانخراط في هذا النّاموس الكونيّ لتكون من المسبّحين ومن الذّاكرين ومن العابدين ، وهذا الخضوع المطلق لله وحده هو الذي يقينا من الذلّ ومن المهانة لغير الله و بالتّالي هو الذي يحقّق لنا الكرامة الإنسانيّة  لأنّ الخضوع حاجة بشريّة فلا بدّ أن نخضع لشيء ما وهذا الشيء لا بدّ أن يكون جديرا بالعبادة ،يعني له صفة الكمال وليس في الوجود كمال غير الله وما دون الله فهو ناقص محتاج إلى غيره لذلك يخاطب الله من يعبد غير الله قائلا:"قل أتعبدون من دون الله مالا يملك لكم ضرّا ولا نفعا " المائدة 76  إذا العبادة هي التي تحقّق الكرامة الإنسانيّة لأنّ الكرامة في جوهرها وفي حقيقتها هي الترفّع عن الاستعانة بالغير مطلقا ، عدم الاعتماد على الغير ، عدم الخوف من الغير إلاّ الله الذي لا تنفعه طاعة ولا تضرّه معصية ،فمن اعتمد على عقله ضلّ ومن اعتمد على ماله زلّ ومن اعتمد على جاهه ذلّ ولكن من اعتمد على الله لا ضلّ ولا زلّ ولا ذلّ بل هدي إلى صراط مستقيم  فالتذلّل لله على النّحو الذي شرّعه لنا من خلال الأنموذج التّطبيقي لسيّد الخلق أجمعين صلّى الله عليه وسلّم الذي يقول : "صلّوا كما رأيتموني أصلّي"والذي يقول:"خذوا عنّي مناسككم " ، بهذه العبادة يمكننا أن نترقّى في سلّم اكتساب الكرامة لننال الشّهادة العليا، التي لا ينجح فيها كلّ النّاس أو ينجح فيها بعض النّاس بشكل متفاوت ..........

إخوة الإيمان، إنّ الكرامة الإنسانيّة في أقصى مداها لا تنال إلاّ بالعبادة التي بها يتحقّق النموّ الإنساني الذي يحظى بشرف الاستخلاف ، أوّلا من خلال الأيّام التي يقضّيها الإنسان من حياته قلّت أو كثرت ، طالت أو قصرت ، وهي لا تعدو في حقيقتها أن تكون برهة من الزّمن المطلق ، وثانيا شرف الوقوف بين يدي الله تبارك وتعالى الذي اختزل هذه المراحل في آية واحدة من قوله جلّ وعلا  :" وهو الذي يتوفّاكم باللّيل ويعلم ما جرحتم بالنّهار ثمّ يبعثكم فيه ليقضى أجل مسمّى ثمّ إليه مرجعكم ثمّ ينبئكم بما كنتم تعملون " الأنعام 60  ولننتبه إلى فعل "جرحتم" وكأنّنا بأعمالنا وذنوبنا التي نقترفها في يومنا نجرح فعلا أنفسنا ونترك عليها آثارا تخدش  كرامتنا ، وأشدّ المواقف بعد كلّ هذا الوقوف بين يدي الله تعالى ، ولا بدّ أن نضع في اعتبارنا أنّ أوّل ما يسأل عنه المرء يوم القيامة الصّلاة كما ورد في الحديث  الصّحيح  بصيغتين : (أوّل ما يحاسب عنه العبد من عمله صلاته، فإن صلحت فقد أفلح ونجح، وإن فسدت فقد خاب وخسر) وفي رواية أخرى: (فإن قبلت صلاته قبل منه سائر عمله، وإن ردت عليه صلاته ردّ عليه سائر عمله) أتدرون لماذا ؟ لأنّ الصّلاة هي مقياس الإيمان ،ولأنّ بصلاحها يصلح العمل كلّه، وتتوطّد العلاقة بالخلق كلّه ،وبالتّالي بالمخلوق وبهما تتحقّق الكرامة الإنسانيّة .

 بالصّلاة إذا تتحقّق أدنى مراتب إنسانيّة الإنسان في حين أنّ تارك الصّلاة ، لا يعرض على الله أصلا  بل لا ينظر إليه ولا يزكّى ، لأنّه ببساطة لم يزكّي نفسه ، اقرؤوا إن شئتم قوله تعالى :" قد أفلح من زكّاها وقد خاب من دسّاها " الشّمس

 فلا يمكن للنّفس الإنسانيّة أن تزكّى إلاّ بالعبادات وأرقى درجاتها الصّلاة التي هي بطاقة تعريف أو هويّة الفرد الإنسان أمام الله  ، وهي التي بها  تتحقّق سائر العبادات من زكاة وصيام وحجّ وذكر وتلاوة للقرآن ، إذ ليس من المنطقي أن يكون الإنسان تاركا للصّلاة ويؤدّي باقي العبادات لذلك يرى أغلب الفقهاء أنّ الصّيام مثلا لا يصحّ من تارك الصّلاة لأنّها هي الدّافع والمحرّك ، كما أنّها تحقّق   التعفّف والتنزّه عن محارم الله وحدوده " تلك حدود الله فلا تقربوها " . وبهذا المعنى فإنّ الصّلاة هي محرار  الاستقامة، فإذا تخلّفت عن صلاتك أو سهوت عنها فاعلم أنّك تعصي الله ، وإذا رأيت ابنك قصّر في صلاته أو انقطع عنها فاعلم كذلك أنّه على معصية ، فالصّلاة حاجة روحيّة نفسيّة تماما كحاجة الجسد للأكل والشّرب فتركها أو حتّى تأخيرها يحدث خرابا كبيرا وجرحا عميقا في الذّات الإنسانيّة قد يصعب رتقه أو علاجه لذلك جاء التوعّد بالويل لمجرّد تأخير الصّلاة عن وقتها " ويل للمصلّين الذين هم عن صلاتهم ساهون "  فماذا نقول عن تاركها ؟؟؟؟؟ فالصّلاة لا بدّ أن تؤدّى في أوقات محدّدة من اليوم موزّعة توزيعا دقيقا محكما لذلك قال تعالى :" إنّ الصّلاة كانت على المؤمنين كتابا موقوتا " تماما مثل الدّواء  الذي يعطيه الطّبيب للمريض ويأمره بالالتزام بتناوله في أوقات محدّدة بل يؤكّد عليه بأخذه قبل الأكل أو بعده ......

إخوة الإيمان  إنّ بناء النّفس الإنسانيّة  لا يمكن أن  يتمّ بالأكل والشّرب أو حتّى بالإشباع العاطفي والتّربوي من قبل الوالدين ، لذلك يؤكّد الإسلام على تعليم الأبناء الصّلاة منذ نعومة الأظفار ، بدءا بإعطاء المثال بالحرص  على أدائها  قلبا وقالبا وسلوكا مطابقا لمقتضياتها ثمّ يأتي أمر الأهل بالصّلاة :" وأمر أهلك بالصّلاة واصطبر عليها " ويكون ذلك منذ سنّ السّابعة تعليما وتوجيها ومنذ سنّ العاشرة إلزاما وتقريعا رغم أن الطّفل في تلك السنّ لم يبلغ بعد سنّ التّكليف  لما روى الإمام أحمد وأبو داود والحاكم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال :« مروا أولادكم بالصلاة وهم أبناء سبع سنين واضربوهم عليها وهم أبناء عشر سنين " وذلك لما يخشى  من التّفريط فيها بعد هذه السنّ التّأسيسيّة في شخصيّة النّشء ، وفي هذه المرحلة يرفع القلم عن الأبناء ولكن يحاسب الوالدان حسابا شديدا على تفريطهم في حقّ أنفسهم  بدءا ثمّ حقّ أبنائهم ، وسوف يسألون .

نسأل الله تعالى أن يرينا الحقّ حقّا  ويرزقنا إتباعه  وأن يرينا الباطل باطلا  ويجنّبنا إتباعه   . والحمد لله ربّ العامين

 

 

 

 

 

 

 

                         الخطبة الثّانية

 

بسم  الله والحمد لله والصّلاة والسّلام على رسول الله وأشهد ألاّ إله إلاّ الله وأشهد أنّ محمّدا عبده ورسوله

إخوة الإيمان بقدر ما تحقّق الصّلاة الكرامة الإنسانيّة في بعدها النّفسي والرّوحي والسّلوكي ، كذلك الزّكاة ، أخت الصّلاة ، وقرينتها  وهذا ما جاء في القرآن والسنّة على حدّ السّواء " وأقيموا الصّلاة وآتوا الزّكاة " وهنا نتحدّث عن الكرامة الاقتصاديّة ليس للمزكّى عليه فحسب بل للمزكّي  كذلك . وهذا الخطاب يأتي بشكل جمعيّ للدّلالة على أنّ الله تعالى يحمّل المجموعة مسؤوليّة الحفاظ على هذه الكرامة  بتأمين الأكل والشّرب  والسّكن والأمن الصحّي والنّفسي  وسائر الاحتياجات الإنسانيّة  جمعها سيّد الخلق في قوله :"من أصبح منكم آمناً في سربه ، معافى في جسده ، عنده قوت يومه ، فكأنما حيزت له الدنيا بأسرها " حديث حسن

وحيزت له الدّنيا  تقتضي الاستغناء عن الغير بالكليّة  من غير سؤال ولا مذلّة ولا مسكنة إلاّ توكّلا على الله  والتجاء إليه .... ومن حكمة الله في الزّكاة أنّها لا تتقيّد بزمن واحد شأن الصّيام أو الحجّ  مثلا ،فهي على مدار السّنة  كما أنّه لكلّ زكاته بحيث تخرج الزّكاة على مدار السّنة وبصفة يوميّة وهذا يوازي الحاجة اليوميّة للمحتاجين دون طلب منهم أو سؤال أو إلحاف تحقيقا للكرامة ، كما أنّ الزّكاة شديدة التنوّع بين نقود وحبوب وزيتون ومواشي وعروض تجارة  وذهب وفضّة .....سدّا للحاجيّات المتنوّعة التي يجب سدّها . وإنّ التّراخي في أداء الزّكاة جريمة شنيعة وكبيرة من الكبائر ـ فضلا عن التّفريط في أدائها  ـ أشدّ من التّفريط في الصّلاة لأنّ الصّلاة تتعلّق بحقّ الله والزّكاة تتعلّق بحقّ الله وحقّ العباد في الآن نفسه .....................................................

خلاصة القول أنّ  الإنسان لا يمكن أن يكون إنسانا في حدّه الأدنى دون الإقرار بالله ربّا وأداء العبادات على الوجه الذي أدّاه سيّدنا محمّد صلّى الله عليه وسلّم ليتحقّق الانطلاق الفعليّ نحو الأرقى والأسمى من الكرامة والعزّة للجميع دون استثناء للفقير والغنيّ والرّاعي والرّعيّة والرّجال والنّساء  ومن هنا نفهم قوله تعالى :" ولله العزّة ولرسوله وللمؤمنين " ومن هنا نفهم مرّة أخرى قوله تعالى :" إنّ أكرمكم عند الله أتقاكم " جعلني الله وإيّاكم من الأتقياء الأعزّاء المكرمين في أعلى علّيين مع الصّحابة المقرّبين والغرّ المحجّلين

 اللهمّ لك الحمد على نعمك الجليلة وآلائك العظيمة ولك الحمد أن هديتنا إلى الصّراط المستقيم صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضّالين اللهمّ صلّ وسلّم وبارك على نبيّك خير الدّعاة إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة   اللهمّ فزدنا يقينا وهداية وتوفيقا وسدادا ورشادا ، وأرنا الحقّ حقّا وارزقنا إتباعه وأرنا الباطل باطلا وجنّبنا إتباعه

اللهمّ إنّا نسألك بأنّك الله لا إله إلاّ أنت بجلالك ونور وجهك الذي ملأ أركان عرشك  وبنورك الذي ملأ السّماوات والأرض أن تجعل لنا نصيبا من هذا النّور فتنوّر به قلوبنا وأبصارنا وأسماعنا وأن تجعله عن أيماننا وعن شمائلنا ومن فوقنا ومن تحتنا وأن تجعل لنا نورا في حياتنا كلّها تحمينا به من شرور أنفسنا ومن سيّئات أعمالنا ومن وساوس الشّياطين ومن كيد الكائدين ومكر الماكرين وحسد الحاسدين وسحر السّحرة الفاسقين وأن تجعلنا من الدّعاة إلى الخير ومن الذين يقولون ما يفعلون 

اللهمّ إنّا نسألك أن تجعل القرآن العظيم ربيع قلوبنا وجلاء أحزاننا وذهاب همومنا ونور عقولنا وشفاء صدورنا وشفاء لنا من كلّ داء وكاشفا لكلّ بلاء اللهمّ ذكّرنا منه ما نسّينا وعلّمنا منه ما جهلنا واجعلنا ممّن يقرأه آناء الليّل وأطراف النّهار على الوجه الذي يرضيك عنّا وعلّمه لأبنائنا وزوجاتنا واحفظهم به من الزّيغ والأهواء وكيد الأعداء واحفظهم من شرّ الطّريق ومن فتن اللّيل والنّهار ومن طوارق اللّيل والنّهار إلاّ طارقا يطرق بخير يا رحمن

اللهمّ لا تجعل الدّنيا أكبر همّنا ولا مبلغ علمنا، اجعلها يا ربّنا بين أيدينا ولا تجعلها في قلوبنا اللهمّ اشف مرضانا وعاف مبتلانا واهد ضالّنا وثبّتنا على الهدى والصّلاح والاستقامة يا من قلت وقولك الحقّ ادعوني أستجب لكم لا تردّنا يا ربّنا

خائبين فإنّك تقدر ولا نقدر ولا حول ولا قوّة لنا إلاّ بك فلا تكلنا إلى أنفسنا طرفة عين  اللهمّ انصر كلّ من نصر الدّين واخذل كلّ من خذل الإسلام والمسلمين وكن لرئيسنا خير مرشد ومعين للحقّ واليقين وانصر إخواننا في فلسطين نصرا من عندك مبين تهزم به الأعداء وتعزّ به الأذلاّء وترحم به الضّعفاء ، وارحم والدينا وجازي المتصدّقين والمحسنين وكلّ المساهمين في بيوت الله وكلّ من ساهم في جامعنا هذا بالمال والجهد والتدبير والنّظافة والتّنوير اللهمّ ابن لهم جميعا قصرا في الجنّة وبارك لهم في أموالهم وصحّتهم وذرّياتهم ما أحييتهم  والحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنّا لنهتدي لولا أن هدانا الله 

 

يا ربّنا بين أيدينا ولا تجعلها في قلوبنا اللهمّ اشف مرضانا وعاف مبتلانا واهد ضالّنا وثبّتنا على الهدى والصّلاح والاستقامة يا من قلت وقولك الحقّ ادعوني أستجب لكم لا تردّنا يا ربّنا

خائبين فإنّك تقدر ولا نقدر ولا حول ولا قوّة لنا إلاّ بك فلا تكلنا إلى أنفسنا طرفة عين  اللهمّ انصر كلّ من نصر الدّين واخذل كلّ من خذل الإسلام والمسلمين وكن لرئيسنا خير مرشد ومعين للحقّ واليقين وانصر إخواننا في فلسطين نصرا من عندك مبين تهزم به الأعداء وتعزّ به الأذلاّء وترحم به الضّعفاء ، وارحم والدينا وجازي المتصدّقين والمحسنين وكلّ المساهمين في بيوت الله وكلّ من ساهم في جامعنا هذا بالمال والجهد والتدبير والنّظافة والتّنوير اللهمّ ابن لهم جميعا قصرا في الجنّة وبارك لهم في أموالهم وصحّتهم وذرّياتهم ما أحييتهم  والحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنّا لنهتدي لولا أن هدانا الله