صفحة الاستقبال منبر الجمعة - خطب جمعية خطبة يوم الجمعة 4 مارس 2011 فرّوا إلى الله

كتاب التربية الإسلامية والتنشئة على القيم

خطبة يوم الجمعة 4 مارس 2011 فرّوا إلى الله طباعة أرسل إلى صديق
الكاتب: خالد التلمودي   
الإمام خالد التّلمودي                                                                               التّاريخ :  04 مارس 2011

جامع الصّبر خزامة الغربيّة                                                                                  29 ربيع الأوّل 1432

 

                                                     فرّوا إلى الله

 

الحمد لله رب العالمين إله الأولين والآخرين وقيوم السموات والأراضين ومالك يوم الدين، الذي لا فوز إلا في طاعته، ولا عز إلا في التذلل لعظمته، ولا غنى إلا في الافتقار إلى رحمته ولا حياة إلا في رضاه والفرار إليه، ولا نعيم إلا في قربه، الذي إذا أطيع شكر وإذا عصي تاب وغفر، وإذا دعي أجاب وإذا عومل أثاب ، لا ملجأ ولا منجا منه إلا إليه وأشهد أن لا إله الله وحده لا شريك له ، وأشهد أن محمداً عبد الله ورسوله أول من أجاب داعي الله وآمن به حق الإيمان ،أرسله الله بشيرا ونذيرا وداعيا إلى الله بإذنه وسراجا منيرا، ،صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين 

عباد الله: أوصي نفسي و إيّاكم بتقوى الله - عز وجل – قال تعالى :" يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله و كونوا مع الصادقين "(سورة التوبة، الآية 119).

أمّا بعد : أيّها المؤمنون لا يخفى على أحد ما نحن اليوم فيه من الفتن والاضطرابات والمحن على جميع الأصعدة وطنيّا وعربيّا وعالميّا وكذلك اقتصاديّا وأسريّا ونفسيّا ، زمن أصبح فيه الحليم حيرانا فهل سألنا  أنفسنا : ما الحلّ والحالة هذه ؟ ما هي اختياراتنا ؟ ما هي انتماءاتنا ؟ أين الصّواب ؟ وأين الحقيقة ؟ حريّ بنا نحن معشر المسلمين أن يكون لنا موقف فاعل في هذا الخضم وهذا الزّخم  عملا بقوله صلّى الله عليه وسلّم :" لا يكوننّ أحدكم إمّعة " وقوله :" المؤمن القويّ خير وأحبّ إلى الله من المؤمن الضّعيف "  ولا بدّ أن نعلم أن بيوت الله لا يمكن بحال أن تكون في معزل عن مجريات الأحداث وعندما نقول  بيت الله، نقول كتاب الله وسنّة رسول الله صلّى الله عليه وسلّم هذا الكتاب الذي يقول فيه تعالى :" ما فرّطنا في الكتاب من شيء "  وقد وعدنا نبيّ الهدى والرّحمة بالهدى واليقين وعدم الضّلال إذا ما تمسّكنا بكتاب الله وسنّته الطّاهرة 

فما المطلوب إذا ونحن على ما نحن عليه ؟ المطلوب : الفرار إلى الله عملا بقوله تعالى: " ففروا إلى الله إني لكم منه نذير مبين "  سورة الذاريات، الآية 50 والفرار ليس له إلا صورة واحدة ألا وهي الانطلاق بكل ما أوتي الفار من قوة طلباً للنجاة ،دون تباطئ ودون تردّد ودون التفات يمنة أو يسرة أو إلى الخلف " ولا يلتفت منكم أحد" في طريق بيّن واضح لا يضلّ عنه إلاّ هالك بيّنه الله تعالى، ورسم لنا منهجه بالقول وبالعمل سيدنا محمّد صلّى الله عليه وسلّم قال تعالى :" وأنّ هذا صراطي مستقيما فاتّبعوه ولا تتّبعوا السّبل فتفرّق بكم عن سبيله " نحو غاية واحدة موحّدة وموحّدة هي الله " ففرّوا إلى الله " نفرّ إلى الله ونترك وراءنا إبليس الذي تعهّد بإغوائنا وإغرائنا ونترك الدّنيا ومتاعها ومناصبها ، نترك التّكالب عليها والتّقاتل من أجلها ونقول ما قال سيّد الخلق :" اللهمّ لا تجعل الدّنيا أكبر همّنا ولا مبلغ علمنا " وبقوله :" اللهمّ اجعل المال بين يديّ ولا تجعله في قلبي "

أيّها المؤمنون ليس الفرار إلى الله التخلّي عن المسؤوليّات  والتملّص من الواجبات والانقطاع عن الواقع بل  الفارَّ لا تسيطر على عقله إلا فكرة واحدة وهي النجاة،فلمن انشغلوا بدنياهم أقول لهم: فرّوا إلى الله إني لكم منه نذير مبين،ومن فضل الكريم الرحيم علينا معاشر المؤمنين أنه لم يجعل من عملية الفرار إليه عملية صعبة ولم يجعلها في طريق وعرة بل مهّد لنا سبحانه وتعالى بفضله وكرمه طريق الفرار إليه ويسر لنا سبله، فأنت تستطيع أن تفر إلى الله على كل حال من أحوالك: وأنت سائر، وأنت واقف، وأنت قاعد ،وأنت نائم، وأنت في بيتك، وأنت في حيّك ،وأنت في عملك، أو سوقك.... تستطيع الفرار إلى الله؛ومن باب أولى أن تفرّ إلى الله وأنت في الفتن .

أخي المؤمن إنّ بخروجك للكسب لتعفّ نفسك وأهلك عن الحرام تفر إلى الله ، باستجابتك لنداء الصلاة تفر إلى الله ، بذكرك لله تفر إلى الله ، بقراءتك للقرآن تفر إلى الله، بالصدقة تفر إلى الله،بصلتك لرحمك تفر إلى الله ، بأمرك بالمعروف ونهيك عن المنكر تفر إلى الله ، بتربيتك لأولادك وبناتك على هدى الشريعة تفرّ إلى الله ، بمدّ يد المساعدة للفارّين من بطش الطّغاة تفرّ إلى الله . إنّ من رحمة الله تعالى بنا وبكم أنه إذا علم من عبده صدق الفرار إليه أعانه ووفّقه ولم يتركه وحده واستمعوا معي إلى وعد من لا يخلف الميعاد يوم أن قال:{وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ}. ويقول جلت عظمته : {إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ}.

وفي صحيح البخاري عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: ((أَنَا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي بِي وَأَنَا مَعَهُ إِذَا ذَكَرَنِي فَإِنْ ذَكَرَنِي فِي نَفْسِهِ ذَكَرْتُهُ فِي نَفْسِي وَإِنْ ذَكَرَنِي فِي مَلَإٍ ذَكَرْتُهُ فِي مَلَإٍ خَيْرٍ مِنْهُمْ وَإِنْ تَقَرَّبَ إِلَيَّ بِشِبْرٍ تَقَرَّبْتُ إِلَيْهِ ذِرَاعًا وَإِنْ تَقَرَّبَ إِلَيَّ ذِرَاعًا تَقَرَّبْتُ إِلَيْهِ بَاعًا وَإِنْ أَتَانِي يَمْشِي أَتَيْتُهُ هَرْوَلَةً)).هذه الطريق إذا ميسرة ،وهذا ربكم معين لكم ففروا إلى الله إني لكم منه نذير مبين فرّوا إلى الله بالتوبة من ذنوبكم . فروا منه إليه واعملوا بطاعته .  فروا من طاعة الشيطان إلى طاعة الرحمن فرّوا من أنفسكم إلى ربكم فرّوا ممّا يكرهه الله ظاهرًا وباطنًا ، إلى ما يحبه ظاهرًا وباطنًا ، فرّوا من الجهل إلى العلم ، ومن الكفر إلى الإيمان ، ومن المعصية إلى الطاعة ،ومن الفرقة إلى الوحدة، و من الغفلة إلى ذكر الله ،وذكر الله يقتضي منا أن نقبل على كتاب الله - عز وجل – بالتلاوة والتدبرو النظرفي معانيه و العمل بأحكامه، نفر إلى الله بالدعاء و الصّلاة والصّيام وفعل الخيرات،و إخراج الصدقات، نفر إلى الله بفعل ما أمرنا به و اجتناب نواهيه... نفر إلى الله فرار السعداء لا فرار الأشقياء الذين يفرون منه لا إليه، فاللجوء إليه - سبحانه وتعالى – و الذهاب إليه و الهجرة إليه والمسارعة إلى مغفرته و جناته كلها من معاني الفرار إليه سبحانه، وذلك بتوحيده و السعي إلى مرضاته و جنته هربا من سخطه و عقوبته، هجرة إلى الله بالطلب و المحبة و العبودية والتوكل و التسليم والتفويض والخوف و الرجاء و الإقبال عليه وصدق اللجوء و الافتقار إليه، وهجرة إلى رسوله بالاقتداء بسنّته واقتفاء أثره وموافقة لشرعه.

معاشر المسلمين إن الذي يفر إلى الله بصدق، فان الله يكشف عنه مصائبه و يتغمده برحمته الواسعة، و يجعل له من كل هم فرجا ومن كل ضيق مخرجا ويحقّق له راحة البال وطمأنينة النّفس والسّلامة من كلّ إثم والفوز بالجنّة والنّجاة من النّار
إن مسنا الضر أو ضاقت بنا الحيل..................... فلن يخيب لنا في ربنا أمل 
و إن أناخت بنا البلايا فإن لنــــــــــــــــــــــــــــــــــــا ربا يحولها عنا فتنتقل
الله في كل خطب حسبنا،......................... وكفى إليه نرفع شكوانا ونبتهل 
فافزع إلى الله و اقرع باب رحمته................. فهو الرجاء لمن أعيت به السبل
عباد الله أقول قولي هذا و أستغفر الله لي ولكم إنه هو الغفور الرحيم ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.

                        الخطبةالثّانية

الحمد لله وكفى و الصلاة والسّلام على الحبيب المصطفى و من بآثاره اقتفى وأشهد ألاّ إله إلاّ الله وأشهد أنّ محمّدا عبده ورسوله الذي ارتضاه واجتباه

و بعد: أيها المسلمون إن الابتلاءات في الإسلام لها تبريراتها وفلسفتها الخاصّة  فهي سنة كونية من سنن الله تعالى، يراد بها تذكير الناس بالله، وهي دليل على حبّ الله لعباده فإذا أحبّ الله عبدا ابتلاه و بالابتلاء يمحّص الله المؤمنين من غيرهم وبالابتلاء يتميّز العمل الصّالح من الطّالح " ليبلوكم أيّكم أحسن عملا " وبالابتلاء يمتحن الله صبرنا واحتسابنا " ولنبلونّكم بشيء من الخوف والجوع ونقص من الأموال والأنفس والثّمرات وبشّر الصّابرين " وإلى جانب  ذلك فإن الله إذا أوجع الأمم أو الشعوب إنما يريد بذلك أن يفرّ الناس إليه و أن يقبلوا عليه ويقولوا: " ربنا اكشف عنا العذاب إنا مؤمنون " ( سورة الدخان، الآية 12)،  فبالبلايا يكون اللّجوء إلى الله بالتذلّل والخضوع والبكاء ممّا يزيدنا قربا إليه بسبب الفرار إليه والوقوف عند عتباته وكلّنا يقين في رحمته وألاّ ملجأ منه إلاّ إليه .

إخوة الإيمان تأمّلوا معي ما حدث من ثورات الشّعوب المقهورة في تونس ومصر وليبيا ،والبقيّة تأتي ....لقد كانت ثروات دامية استشهد فيها من استشهد وجرح فيها من جرح وتشرّد فيها من تشرّد وأفلس فيها من أفلس وتعطّلت الأعمال والمصالح وتوقّفت حركة الاقتصاد .....فإيّاكم ثمّ إيّاكم أن تتصوّروا للحظة أنّ ذلك في معزل عن الإرادة الإلهيّة والتّقدير الربّاني ،قال تعالى :"أمّن يجيب المضطرّ إذا دعاه ويكشف السّوء ويجعلكم خلفاء الأرض أإله مع الله قليلا ما تذكّرون" النّمل62 فمهما وقعت من الخسائر فهي لا تعتبر شيئا يذكر إذا ما قيست  بما كنّا فيه من القهر ومن الاضطهاد ومن الظّلم وكبت الحرّيات ، وهي كذلك لا تعتبر شيئا إذا ما قيست بما ينتظر هذه الأمّة من القوّة ومن النّصر ومن العزّة والسّيادة والوحدة ،والاستخلاف في الأرض وها أنّ بوادرها بدأت تظهر: زيارات ومساعدات وحملات وتبرّعات وقوافل الخير والبركة والكرامة والنّماء إلى مناطق كانت منسيّة ، هذا على النّطاق الوطني ، وتتوسّع دائرة الخير والعطاء لتشمل الأقطار العربيّة المجاورة بلا حسابات ولا جهويّات ولا قوميّات ولا أعراق بل ،بلا إله إلاّ الله محمّد رسول الله والدّليل على ذلك الصّلوات التي تقام في السّاحات وفي الميادين والدّليل يوم الجمعة ، هذا اليوم المشهود الذي يخرج فيه الرّجال والنّساء على حدّ السّواء من المساجد لتدوّي حناجرهم بنداء الله أكبر ، الله أكبر على كلّ من طغى وتجبّر، الله أكبر على الأعداء ، الله أكبر التي زلزلت عروش الطّغاة والمتمسّكين بالكراسي فأطاحت بهم وأذلّتهم وأخذهم الله أخذ عزيز مقتدر ، وها أنّ الأيّام بيننا لتأكّد أنّ العزّة لله ولرسوله وللمؤمنين المتمسّكين بشريعته المعتصمين بحبله الفارّين إليه ،

فلا تكن أخي المؤمن خارج نطاق هذه الدّائرة ، كن فاعلا ولو باليسير، كن متصدّقا ولو بالقليل ، كن دالاّ على الخير ناهيا عن الشرّ

أيّها الموحّدون : المطلوب منّا اليوم أن تتوحّد كلمتنا وتتراصّ صفوفنا وتتآلف قلوبنا بتوحيد منهجنا والانضواء تحت راية "لا إله إلاّ الله محمّد رسول الله " عليها نحيا وعليه نموت .إخوة الإيمان فلنتوجّه إلى السّميع العليم المجيب بقلوب خاضعة منيبة وبيقين في الإجابة في هذه السّاعة ، في هذا اليوم ،يوم النّصر على الأعداء ويوم إجابة الدّعاء

لا إِلَه إِلاَّ اللَّه العظِيمُ الحلِيمُ ، لا إِله إِلاَّ اللَّه رَبُّ العَرْشِ العظِيمِ ، لا إِلَهَ إِلاَّ اللَّه رَبُّ السمَواتِ ، وربُّ الأَرْض ، ورَبُّ العرشِ الكريمِ  .لا إله إلاّ أنت سبحانك إنّنا كنّا من الظّالمين ، اللهمّ لك الحمد على ما قضيت ولك الحمد على ما أعطيت ولك الحمد على ما منعت ، أنت قيّوم السّماوات والأرض فلك الحمد أنت ربّ السّماوات والأرض فلك الحمد ، لك الحمد أن هديتنا للإسلام ولك الحمد أن وفّقتنا للإيمان ولك الحمد أن جعلتنا من أتباع سيّد الأنام صلى الله عليه وسلّم ، اللهمّ صلّ عليه وسلّم وزد وبارك عدد السّماوات وما أظلّت وعدد الأراضين وما أقلّت
اللهم رحمتك نرجو فلا تكلني إلى أنفسنا طرفة عين ِ وأصلح لنا شأننا كله لا إله إلا أنت يا  الله ، أنت  ربنا وخالقنا ورازقنا لا نشرك بك شيئاً  فاختم لنا بالصّالحات أعمالنا  واقرن بالعافية غدوّنا وآصالنا واصبب سجال عفوك على ذنوبنا ومنّ علينا بستر عيوبنا  .اللهمّ يا كاشف الهمّ ويا مزيح الغمّ اكشف همّنا وهمّ إخواننا اللّيبيّين وأزح عنهم هذا الطّاغية المستبدّ،فإنّه لا يعجزك شيئا، اللهمّ يا ناصر المظلومين المستضعفين ، يا مفرّج كربة المكروبين المنكوبين ،يا معين المضطهدين المشرّدين انصرنا وإيّاهم نصرا عزيزا عاجلا غير آجل ، اللهمّ يا قاسم الجبّارين ويا هازم المعتدين المتسلّطين نجعلك يا ربّنا في نحورهم ، خذهم أخذ عزيز مقتدر ، اللهمّ إليك نشكو ضعف قوّتنا وقلّة حيلتنا وهواننا على النّاس ،

اللهمَّ إليك مددنا  أيدينا، وفيما عندك عظمت رغبتنا،  فأقبل توبتنا، وأرحم ضعف قوتنا، وأغفر خطيئتنا، وأقبل معذرتنا، وأجعل لنا من كل خير نصيباً، وإلى كل خير سبيلاً برحمتك يا أرحم الراحمين

. اللهمَّ لا تحرمنا سعة رحمتك، وسبوغ نعمتك، وشمول عافيتك، وجزيل عطائك، ولا تُجازنا بقبيح أعمالنا، ولا تصرف وجهك الكريم عنّا برحمتك يا أرحم الراحمين اللهمَّ لا تحرمنا ونحن ندعوك... ولا تخيبنا ونحن
نرجوك اللهمَّ إنّا نسألك يا فارج الهم، ويا كاشف الغم، أن تكشف هموم المهمومين وتقضي الدّين عن المدينين وتشفي مرضى المسلمين وترحم موتانا وشهداءنا أجمعين وآخر دعوانا أن الحمد لله ربّ العالمين .