صفحة الاستقبال منبر الجمعة - خطب جمعية خطبة يوم الجمعة 11- مارس 2011 - الإحسان

كتاب التربية الإسلامية والتنشئة على القيم

خطبة يوم الجمعة 11- مارس 2011 - الإحسان طباعة أرسل إلى صديق
الكاتب: خالد التلمودي   

خــــــــــزامة الغــــــــربيّة                                                                                           6 ربيع الثّاني 1432

 

                                              الإحــــــــــــســــان

 

الحمد لله ربّ العالمين ، حمدا يليق بجلال وجهه وعظيم سلطانه ، الحمد لله الذي كتب الإحسان على كلّ شيء ، الحمد لله الذي يحبّ المحسنين ، نستعينه تعالى على الطّاعات ، ونستغفره من الذّنوب والسيّئات ، ونعوذ به من شرور أنفسنا ومن سيّئات أعمالنا ، من يهده الله فلا مضلّ له ، ومن يضلل فلن تجد له وليّا مرشدا ، وأشهد ألاّ إله إلاّ الله وحده لا شريك له ، وأشهد أنّ سيّدنا محمّدا عبده ورسوله أرسله الله بالهدى ودين الحقّ ليظهره على الدّين كلّ ولو كره المشركون ، وأصلّي وأسلّم على المبعوث رحمة للعالمين هاديا ومبشّرا ونذيرا وداعيا إلى الله بإذنه وسراجا منيرا  وعلى آله وصحابته ومن والاهم إلى يوم الدّين فصلّوا  عليه وسلّموا تسليما  واتّقوا الله  حقّ تقاته ولا تموتنّ إلاّ وأنتم مسلمون .

أمّا بعد أيّها المؤمنون ، أتحدّث اليوم عن الإحسان كقيمة إنسانيّة عالية وباعتباره عطاء ربّانيّا غير محدود ، وباعتباره يحقّق التّواصل بين العبد وربّه " وأحسن كما أحسن الله إليك" ويحقّق التواصل بين العبد والعبد وبين العبد وسائر المخلوقات ، أتحدّث عن الإحسان لأنّ مفهومه عند العامّة ضيّق جدّا والحال أنّ الله تعالى كتب الإحسان على كلّ شيء، وأتحدّث عن الإحسان لأنّ الله يحبّ المحسنين ، ولنكون من المحسنين بتوفيق من الله . فما الإحسان ؟ وما هي مجالاته ؟ وما الذي يحقّقه ؟

الإحسان:هو الإخلاص. وهو الإحساس بالمراقبة الدّائمة من قبل المولى تعالى وهو حُسن الطاعة. والحسنة: ضدُّ السيئة. ويُحسِن الشيء إحسانًا، أي: يَعلَمه ويُتقِنه. والحُسن: ضدُّ القبح، وحَسَّن الشيء تحسينًا زيَّنه. وقد وردت كلمة "حسن" بتصريفاتها خمسًا وثلاثين مرة في القرآن الكريم، معظمها جاءت تحمل معاني خير الجزاء على فعل الإحسان إضافة لمعان أخرى أوسع من مجرد إحسان العبادة لله فقط، إلى آفاق أرحب من الأخلاقيات والسلوكيات الحياتية،

 

ومن أنواع الإحسان:
1 ـ الإحسان مع الله: وهو أن يستشعر الإنسان وجود الله معه في كل لحظة، وفي كل حال، خاصة عند عبادته لله -عز وجل-، فيستحضره كأنه يراه وينظر إليه.
قال صلى الله عليه وسلم: (الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك) [متفق عليه].

2 ـ الإحسان إلى النفس: المسلم يحسن إلى نفسه؛ فيبعدها عن الحرام، ولا يفعل إلا ما يرضي الله، وهو بذلك يطهِّر نفسه ويزكيها، ويريحها من الضلال والحيرة في الدنيا، ومن الشقاء والعذاب في الآخرة، قال تعالى:{إن أحسنتم أحسنتم لأنفسكم} [الإسراء: 7].
3 ـ الإحسان في القول: فلا يخرج منه إلا الكلام الطيب الحسن، يقول تعالى: {وهدوا إلى الطيب من القول}الحج: 24]، وقال تعالى:{وقولوا للناس حسنًا}البقرة: 83].
4 ـ الإحسان في التحية: والإحسان مطلوب من المسلم في التحية، فعلى المسلم أن يلتزم بتحية الإسلام، ويرد على إخوانه تحيتهم. قال الله تعالى:{وإذا حييتم بتحية فحيوا بأحسن منها أو ردوها} [النساء: 86].
5 ـ الإحسان في العمل: والمسلم يحسن في أداء عمله حتى يتقبله الله منه، ويجزيه عليه،مهما كان عمله  قال صلى الله عليه وسلم: (إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملا أن يتقنه) [البيهقي].
6 ـ الإحسان في الزينة والملبس: قال تعالى: {يا بني آدم خذوا زينتكم عند كل مسجد} [الأعراف: 31].
7 ـ الإحسان إلى الوالدين: المسلم دائم الإحسان والبر لوالديه، يطيعهما، ويقوم بحقهما، ويبتعد عن الإساءة إليهما، قال تعالى: {وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحسانًا} [الإسراء: 23].
8 ـ الإحسان إلى الأقارب: المسلم رحيم في معاملته لأقاربه، وبخاصة إخوانه وأهل بيته وأقارب والديه، يزورهم ويصلهم، ويحسن إليهم. قال الله تعالى: {واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام} [النساء: 1].وقال صلى الله عليه وسلم: (من سرَّه أن يُبْسَطَ له في رزقه (يُوَسَّع له فيه)، وأن يُنْسأ له في أثره (يُبارك له في عمره)، فليصل رحمه) [متفق عليه]،

9 ـ الإحسان إلى الجار: المسلم يحسن إلى جيرانه، ويكرمهم امتثالا لقول النبي صلى الله عليه وسلم: (ما زال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننتُ أنه سيورِّثه).متفق عليه

ومن كمال الإيمان عدم إيذاء الجار، قال صلى الله عليه وسلم: (من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يُؤْذِ جاره) [متفق عليه]. والمسلم يقابل إساءة جاره بالإحسان، فقد جاء رجل إلى ابن مسعود رضي الله عنه-فقال له: إن لي جارًا يؤذيني، ويشتمني، ويُضَيِّقُ علي. فقال له ابن مسعود: اذهب فإن هو عصى الله فيك، فأطع الله فيه

10 ـ الإحسان إلى اليتامى والمساكين: أمرنا النبي صلى الله عليه وسلم بالإحسان إلى الأيتام، وبشَّر من يكرم اليتيم، ويحسن إليه بالجنة، فقال: (أنا وكافل اليتيم في الجنة هكذا)وأشار بأصبعيه: السبابة،والوسطى،وفرَّج بينهما شيئًا.متفق عليه].وقال صلى الله عليه وسلم:(الساعي على الأرملة والمسكين كالمجاهد في سبيل الله)متفق عليه].

أيّها المؤمنون الكرام  أتحدّث  اليوم بالذّات عن الإحسان لأنّ مجتمعنا أصبح في أشدّ الحاجة إليه وقد عشتم جميعا تجربة الإحسان وأدركتم وما يدرّه من الخيرات والبركات والتّواصل والتّآزر ووحدة الصفّ ونبذ الفرقة والجهويّات  وما عند الله خير وأبقى
واعلموا أنّ أوّل المستفيدين من الإحسان هم المحسنون أنفسهم، يجنون ثمراتِه عاجلاً في نفوسهم وأخلاقهم وضمائرهم؛ فيجدون الانشراح والسكينة والطمأنينة.ويجدون الحبّ من النّاس والاحترام والإكرام ، ويحصّنون أنفسهم وأهليهم وأموالهم من الأمراض والاعتداءات والمظالم .........فليكن الإحسان دأبنا وشعارنا ومنهج حياتنا ، ولا نجعله وقفا على المناسبات والحملات وليست العبرة كذلك بالكثرة من المال أو جسامة الأعمال.. فإذا طاف بك طائف من همّ أو ألمّ بك غمّ فامنح غيرك معروفًا وأسدِ له جميلاً تجِد السرور والراحة، أعط محرومًا، انصر مظلومًا، أنقذ مكروبًا، أعن منكوبًا،عد مريضًا، أطعم جائعًا؛صل رحما، تجد السعادة تغمرك من بين يديك ومن خلفك . وهذا خير دليل على الإيمان فالمؤمن من سّرته حسنته ، فإذا وجدت هذا السّرور في نفسك فأبشر بالإيمان والقبول واعلم أنّ الإحسان من أرقى أنواع العبادات مصداقا لقول النبيّ صلّى الله عليه وسلّم :" أفضل العبادة إدخال سرور على قلب مؤمن "

نسأل الله تعالى أن يجعلنا من المحسنين الصّادقين المخلصين وأن يفتح لنا أبواب الخير والعطاء وأن يجعلنا سببا لكلّ إحسان وأن يجعلنا من الذين يستمعون القول فيتّبعون أحسنه  وآخر دعوانا أن الحمد لله ربّ العالمين .

                             الخطبة الثّانية

 

بسم الله والحمد لله والصّلاة والسّلام على رسول الله وأشهد ألاّ إله إلاّ الله وأشهد أنّ سيّدنا محمّدا رسول الله .

إخوة الإيمان من فضل الله تعالى علينا أن يجازي المحسنين منّا في الدّنيا والآخرة فبعد أن رأينا ثمار الإحسان في الدّنيا نتبيّن ثمرتها في الآخرة،،،، ولتعلم ذلك، تأمل معي هذه القصة العجيبة ، فقد ثبت في الصحيحين عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا قَالَتْ جَاءَتْنِي مِسْكِينَةٌ تَحْمِلُ ابْنَتَيْنِ لَهَا فَأَطْعَمْتُهَا ثَلَاثَ تَمَرَاتٍ فَأَعْطَتْ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا تَمْرَةً وَرَفَعَتْ إِلَى فِيهَا تَمْرَةً لِتَأْكُلَهَا فَاسْتَطْعَمَتْهَا ابْنَتَاهَا فَشَقَّتْ التَّمْرَةَ الَّتِي كَانَتْ تُرِيدُ أَنْ تَأْكُلَهَا بَيْنَهُمَا فَأَعْجَبَنِي شَأْنُهَا فَذَكَرْتُ الَّذِي صَنَعَتْ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ إِنَّ اللَّهَ قَدْ أَوْجَبَ لَهَا بِهَا الْجَنَّةَ أَوْ أَعْتَقَهَا بِهَا مِنْ النَّارِ .وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم ، (اتقوا النار ولو بشق تمرة) . ثمرة الإحسان إذا الجنّة رغم أنّها تمرة أعطتها أمّ لبناتها فكان لها بها جزاء الجنّة ، فماذا لو كانت لمسكين أو يتيم لا صلة لك به إلاّ الإنسانيّة ؟
عباد الله .. الإحسان كالمسك ينفع حامله وبائعه ومشتريه، وقد ثبت في الحديث أن شَربة ماء قدمتها امرأة بغي زانية ، لكلب عقور أثمرت دخول جنة عرضها السموات والأرض؛ لأن صاحب الثواب والعطاءغَفور شكور ، غنيّ حميد ، جواد كريم،بيده خزائن السّماوات والأرض.......... فلا تحتقر أخي المحسن إحسانك وجودك وعطاءك مهما قلّ .
أخي الحبيب، هل تريد أن تُنَفّس كربتُك ويزولَ همُك؟ فرج كربات للمساكين .. هل تريد التيسير على نفسك؟ يسّر على المعسرين .. هل تريد أن يستر الله عليك؟ استر عباد الله .هل تريد أن يكون الله في عونك ؟ كن في عون النّاس. والجزاء من جنس العمل.ففي صحيح مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((من نفس عن مؤمن كربة من كرب الدنيا نفس الله عنه كربة من كرب يوم القيامة، ومن يسر على معسر يسر الله عليه في الدنيا والآخرة، ومن ستر مسلمًا ستره الله في الدنيا والآخرة، والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه)) .قال الإمام ابن القيم رحمه الله: "من رفق بعباد الله رفق الله به، ومن رحمهم رحمه، ومن أحسن إليهم أحسن إليه، ومن جاد عليهم جاد عليه، ومن نفعهم نفعه، ومن سترهم ستره، ومن منعهم خيره منعه خيره، ومن عامل خلقه بصفة عامله الله بتلك الصفة بعينها في الدنيا والآخرة، فالله لعبده حسب ما يكون العبد لخلقه" .

عباد الله .. تعرفوا إلى الله في الرخاء يعرفكم في الشدة .. واعلموا أن الإحسان إلى الخلق سيعود إليكم صداه ولو بعد حين .. وأن الصدقة ولو بالقليل تفعل الشيء الكثير إذا وافقت إخلاصًا من المتصدق وحاجة عند الفقير، والبحث عن صاحب الحاجة اليوم عزيز، إذ اختلط الحابل بالنابل، وأفسد الكاذب على الصادق . فينبغي للمتصدق أن يتحرّى في صدقته المحتاجين دون المحتالين .
وقد يقول قائل ويسأل سائل: أين نجد هؤلاء المحتاجين؟! وكيف السبيل إليهم؟! فأقول: اجتهد في البحث تجدهم ، ومن يتحر الخير يوفق إليه .
نفعني الله وإياكم بهدي كتابه وبسنة نبيه صلى الله عليه وسلم إنه على كل شيء قدير اللهمّ لك الحمد أن هديتنا للإيمان ووفّقتنا لصالح الأعمال ، لك الحمد أنت قيّوم السّماوات والأرض فلك الحمد ، لك الحمد أنت الغنيّ ونحن الفقراء إليك ، لك الحمد أنت القويّ ونحن الضّعفاء إليك ، لك الحمد أنت المحسن ونحن المحتاجون إليك اللهم صل على محمد وعلى آل محمد ...
اللهم يمِّن كتابنا، ويسِّر حسابنا، وثقِّل موازيننا، وحقِّق إيماننا، وثبِّت على الصراط أقدامنا، وأقرّ برؤيتك يوم القيامة عيوننا، واجعل خير أعمالنا آخرها، وخير أيامنا يوم لقاك. اللهم لا تجعل بيننا وبينك في رزقنا أحدًا سواك، واجعلنا أغنى خلقك بك، وأفقر عبادك إليك. اللهم هب لنا غنى لا يطغينا، وصحة لا تلهينا، وأغننا اللهم عمّن أغنيته عنا،اللهمّ اشف مرضانا وعاف مبتلانا  واهد ضالّنا وأعد غائبنا ، واقض الدّين عن المدينين ، وفرّج كربة المكروبين وارفع الظّلم عن المظلومين في مشارق الأرض ومغاربها ، في ليبيا وفي اليمن وفي فلسطين واقسم الجبّارين والمتسلّطين وخذهم أخذ عزيز مقتدر فإنّهم لا يعجزونك شيئا إنّك على كلّ شيء قدير وجاز المحسنين والمتصدّقين في كلّ أوجه الخير إنك على ذلك قدير وبالإجابة جدير وصل اللهم على محمد وعلى آل محمّد والحمد لله ربّ العالمين