صفحة الاستقبال منبر الجمعة - خطب جمعية خطبة يوم الجمعة 08 أفريل 2011 - زمـــــــــن الفتن

كتاب التربية الإسلامية والتنشئة على القيم

خطبة يوم الجمعة 08 أفريل 2011 - زمـــــــــن الفتن طباعة أرسل إلى صديق
الكاتب: خالد التلمودي   

الإمام : خالد التّلمودي

التّاريخ : 08 ـ 04 ـ 2011      04 ـ جمادي الأولى ـ 1432

جامع الصّبر بخزامة الغربيّة                                                                                  

                                       زمـــــــــن الفتن

 

 الحمد لله الذي أخرجنا من ظلمات الجهل إلى أنوار المعرفة والعلم ،الحمد لله الذي أنقذنا من شفا حفرة من النّار بفضل بعثة النبيّ المختار ...... أحمده تعالى وأستعينه، وأستغفره وأستهديه، وأومن به ولا أكفره، وأُعادي من يكفره، وأشهد أن لا إله إلاّ الله وحده لا شريك له، وأشهد أنّ محمّداً عبده ورسوله، أرسله بالهدى والنور والموعظة على فترة من الرسل، وقلّة من العلم، وضلالة من الناس، وانقطاع من الزمان، ودنوّ من الساعة، وقرب من الأجل، من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعصهما فقد غوى وفرّط وضلّ ضلالاً بعيداً.

عباد الله أُوصيكم بتقوى الله، فإنّه خير ما أوصى به المسلم المسلم أن يحضّه على الآخرة، وأنّ يأمره بتقوى الله، فاحذروا ما حذّركم الله من نفسه، وإنّ تقوى الله لمن عمل بها على وجل ومخافة من ربّه عون صدق على ما تبغون من أمر الآخرة

 

معاشر المسلمين : إن من المقرّر في شريعتنا أن النبي صلى الله عليه وسلم قد نصح لهذه الأمة وتركها على المحجّة البيضاء فما من خير إلا دلّها عليه وما من شر إلا حذرها منه . ومن الشر الذي حذرها منه: 
أنها ستتعرض لطوفان من الفتن والابتلاءات وألوانٍ من المحن, فتنٌ يحار فيها العقلاء والحلماء , وتضطرب معها قلوب ذوي الألباب ، فتنٌ تموج أعاصيرها موج البحار فتتغير فيها المفاهيم وتنقلب الحقائق فيتبع الهوى , ويستخف بالدم ,ويتعملق الأقزام , وتنطق الرويبضة........ .  والدّليل قوله صلى الله عليه وسلم  :( ستأتي على الناس سنوات خداعات ، يصدّق فيها الكاذب ويكذّب فيها الصادق ، ويؤتمن فيها الخائن ويخوّن فيها الأمين،وينطق فيها الرويبضة، قيل وما الرّويبضة ؟ قال : الرجلُ التافه يتكلم في أمر العامة . رواه الإمام أحمد وابن ماجه وهو حديث صحيح . 

ولا يخفى على أحد مدى تحقّق هذه المظاهر في هذا الزّمن  الذي يمكن أن نسمّيه زمن الفتن  وهو موضوع خطبتنا اليوم...........................................
إخوة الإيمان ، روى البخاري في صحيحه من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( لا تقوم الساعة حتى يقبض العلم ، وتكثر الزلازل ويتقارب الزمان ، وتظهر الفتن ، ويكثر الهرج وهو القتل القتل 

 .وقال صلى الله عليه وسلم محذّرا المؤمنين من مخاطر هذه الفتن :" تكون فتنٌ على أبوابها دعاة إلى النار فإنْ تموت وأنت عاضٌّ على جِذْع شجرةٍ خير لك من أن تتبع أحداً منهم ) رواه ابن ماجه وهو حديث صحيح) 


إخوة الإيمان : إن الحديث عن الفتن وتوصيفها ليتأكد في هذا العصر الذي ماجت فيه الفتن من كل صوب حتى غدا كثيرٌ من الناس ـ إلا من رحم ربي ـ حيال هذه الفتن في حيرة من أمرهم وذلك على مستوى الأفراد والجماعات ، وكثرة الاتّجاهات والتكتّلات والأحزاب ، وكثرة الانشقاقات و الخلافات  فضــلاً عن الفتن العظام التي حلت بالأمة  ولا زالت حلقاتُ كيد الأعداء ومكرهم  مستمرةٌ في كثير من البلدان الإسلامية , يبغون فيهم الفتنة والتبعية والذل والصغار، فمعرفة هذه الفتن وحقيقتها،والعلم بها وفقه الخلاص منها مطلب شرعي لأهل الإيمان . وفي المقابل فإن الغفلةعن أبواب الفتن ربما كان سبباً في السقوط فيها والسعي إليها
ومع هذه البلايا وتلك الفتن نذكّر ببعض المعالم المهمة التي ينبغي أن لا تغيب عنا
أولاً :أن هذه الفتن جزءٌ من سنن الله تعالى التي قدرها على عباده من أمة محمد وممن قبل أمة محمد"  أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون ولقد فتنا الذين من قبلهم فليعلمن الله الذين صدقوا وليعلمن الكاذبين" . 
وإذا كان أمر الفتن واقعٌ قدراً لا محالة فإن الاستعداد لها بالعلم والعمل مطلب شرعي لا غنى لنا عنه ، والأمر الثّابت في ذلك أنّ الذين يثبتون في الفتن هم أصحاب الأرصدة السابقة من الأعمال الصالحة ،والتّقوى واليقين في الله ، فإن كان سيّد الخلق يوصي أهله بالتّقوى والعمل الصّالح قائلا :" اعملوا آل محمّد فإنّي لن أغني عنكم من الله شيئا " فماذا نقول نحن الخطاءون  المذنبون ؟


ثانياً :أن هذه الفتن المتنوعة قد جعل لها أسباباً فوجود السبب مؤذنٌ بوجود الفتنة وسبب كثير من هذه الفتن هو مخالفة أمر الرسول صلى الله عليه وسلم قال تعالى :\" فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذابٌ أليــــم \" . 
ومن مأثور أقوال الفاروق : أنه ما نزل بلاء إلا بذنب . وأصدق منه قول المولى جل وعلا" وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ويعفوا عن كثير"
فواجب على الأمة إن رامت كشف الفتنة وقشع الغمة أن تراجع منهاج النبوة وأن تمتثل أمر نبيها على مستوى العامة والخاصة" إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم " " ولو أنهم فعلوا ما يوعظون به لكان خيراً وأشد تثبيتاً ". 



ثالثاً :إن هذه الفتن والبلايا إنما هي في الحقيقة امتحان من الله لعباده ، ففي الضراء والمحن , تمتحن معادن القلوب فيتكشف للجميع القلوب المؤمنة من القلوب التي فيها مرض ولذا عقب الله آية البلاء بقوله " وليعلمن الله الذين آمنوا وليعلمن المنافقين ." ففي الفتن تمتحن المشاعر والعواطف والقلوب والمواقف ، وفي الفتن تمتحن الألسن على الصدق والكذب والتثبيت مما ينقل ويقال أو الإسراع في القيل والقال وهل يتكلم اللسان بالعدل والإنصاف أم بالهوى والإجحاف ، تمتحن الألسن في النطق بالحق والسكوت على الباطل فربما صدع اللسان بالحق فكان أعظم الجهاد وربما توارى عن كشف الباطل فكان شيطاناً صامتاً. وصدق الله إذ قال :  "ما كان الله ليذر المؤمنين على ما أنتم عليه حتى يميز الخبيث من الطيب"

رابعاً : من المعالم التي تبرز في الفتن .أن هذه الفتن بحسب قوتها تحدث انقلاباتٍ كبرى في عقائد الناس وفي أفكارهم ومواقفهم بل وحتّى في تاريخ الأمم . وقياداتها وشعوبها  ففي الفتن تبرز الردة , وتميّع القضايا الثابتة , ويرخص أمر الدين , وتتغير المسلَّمات ، وهذا ما صوره لنا نبينا صلى الله عليه وسلم بقوله:" بادروا بالأعمال فتناً كقطع الليل المظلم يصبح الرجل مؤمناً ويمسي كافراً ، أو يمسي مؤمناً ويصبح كافراً يبيع دينه بعرضٍ من الدنيا قليل  "رواه مسلم في صحيحه. 
فإذا كانت العقائد تتغير في الفتن فدونها من باب أولى، كتغير المرء من السنة إلى البدعة أو من الهداية إلى الضلالة أو من سلامة الفكر إلى الولوغ في الفكر المنحرف إما جفاء أو غلـــوّا .ولذا فإن من الأمور المهمة أيام الفتن التأكيد على قضية التوحيد ، والسعي على تثبيت العباد على الهدى والدين وتوعية الناس بسبيل المبطلين المشككين في ثوابت الأمة أو المستهترين بشعائر الدين مع التذكير على قضية الزهد في الدنيا وأن ما عند الله خير وأبقى . 
وحريّ برجال الدّين والعلماء والمصلحين توعية النّاس عامّة وروّاد المساجد خاصّة بقيمة الدّين والحاجة إليه والتّأكيد على التّوحيد كأساس لا غنى لنا عنه يحمينا من الزّلل ومن الأهواء ومن كيد الأعداء ومن الفتن ما ظهر منها وما بطن

بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم ونفعني وإياكم بهدي سيد المرسلين
وأستغفر الله العظيم لي ولكم فاستغفروه إنّه هو الغفور الرّحيم،،

 

 

 

 

 


                                     الخطبةالثانية


الحمد لله وكفى والصلاة والسلام على عبده المصطفى وعلى آله وصحبه ومن اجتبى .

أما بعد:على كلّ مسلم أن يسأل بعد هذا العرض للفتنة وتداعياتها ما المطلوب منّا ؟

ما هو قارب النّجاة ؟

 أوّلا : لا بدّ من إنكار القلب للفتن وبغضها كدليل على صحة الطريق وسلامة القلب لله ،فيحفظ الله لعبده بعد ذلك دينه وقلبه فلا تهزّه فتنة ولا تعصف به محنة يقـول صلى الله عليه وسلم :"  تعرض الفتن على القلب كالحصير عوداً عوداً فأي قلب أشربها نكت فيه نكتة سوداء وأي قلب أنكرها نكت فيه نكتة بيضاء حتى تصير على قلبين على أبيض مثل الصفا فلا تضره فتنة ما دامت السموات والأرض ..". أخرجه مسلم في صحيحه

ثانيا : التمسّك بكتاب الله وسنّة رسول الله والعضّ عليهما بالنّواجذ فهما سفينة النجاة من الغرق في بحار الفتن ففيها العصمة لمن اعتصم وفيهما الثبات لمن ثبت عليها يقول تعالى :" فمن اتبع هداي فلا يضـــل ولا يشقــى " ويقول المصطفى صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع مودعاً أمته :" تَرَكْتُ فِيكُمْ أَمْرَيْنِ لَنْ تَضِلُّوا مَا تَمَسَّكْتُمْ بِهِمَا كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ» موطّأ الإمام مالك  ، وأعلم الناس بنور الوحيين ومقاصد الشّرع هم علماء الأمة فالرجوع إليهم والأخذ عن رأيهم هو صمّام أمان من السقوط في الفتن بعد توفيق الله تبارك  تعالى .
ثالثا : ومن أسباب النجاة من الفتن التي دل عليها الشرع لزوم جماعة المسلميــن 
والحرص على بقاء الجماعة ونبذ الفرقة مع إحياء شعيرة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وإسداء النصيحة ، وتصويب الخطأ ، وتقويم المعوج وارتياد المساجد بدءا بالحفاظ على صلاة الجماعة وحضور دروس العلم .
رابعا :العمل الصالح زمن الفتن له مزيِّـة وفضل على غيره، كلّ من موقعه مع تحقيق العبوديّة لله تعالى ، العبوديّة في مفهومها الشّامل لا العبوديّة الشّعائريّة قال صلى الله عليه وسلــم: " العبادة في الهرج كهجرة إليّ" )أخرجه مسلم من حديث معقل بن يسار)  فضلاً عن أن دفاع الله عن الأمة ورد كيد أعدائها إنما يكون بقدر عبوديتهم وإيمانهم ،

خامسا :من الواجبات المنوطة بأهل العلم ورجالات التربية والتأثير بثُ الطمأنينة في قلوب الناس ، وإحياء روح التفاؤل وتبشيرهم بوعد الله ونصره ، وإيضاح شروط تنزّل هذا الوعد من آيات القرآن وأحاديث المصطفى عليه الصلاة والسلام مع ربطهم بالتاريخ والمحن التي مرّ بها المسلمون لترتفع بذلك المعنويات وتزداد الفاعلية وتزول النظرة السوداوية لواقع الأمة الإسلامية

سادسا : التحلي بالصبــر والمصابرة لأن هذه الفتن جزءٌ من أقدار الله المؤلمة والله عز وجل قد جعل الصبر مع التقوى جزءٌ متين يتقي به المؤمن أنواع البلاء ، قال تعالى:" لتبلون في أموالكم وأنفسكم ولتسمعن من الذين أوتوا الكتـــاب من قبلكم ومن الذين أشركوا أذى كثيراً وإن تصبروا وتتقوا فإن ذلك من عزم الأمور" وقال عليه الصلاة والسلام :  إنَّ من ورائكم أيام ،الصّابر للمتمسك فيهن يومئذٍ بما أنتم عليه أجرُ خمسين منكم ، قالوا : يا نبيّ الله أو منهم ؟قال : بـــل منكـــم ) رواه الطبراني وغيره)

 المطلوب منّا أوّلا وآخرا: الفزع إلى الله تعالى والانكسار بين يديه وإعلان التوبة الصادقة والدّعاء بقلوب خاشعة ،يقول الله عز وجل حاثاً على التوبة زمن الفتنة والبأس:" فلولا إذ جاءهم بأسنا تضرعــــوا " . ألا فاتقوا الله أيها المسلمون واحرصوا على تثبيت الإيمان في قلوبكم واحذروا من الفتن ومضلاتها اعتصموا بكتاب ربكم وسنة نبيكم ،عضوا عليها بالنواجذ ، عليكم بالجماعة فإنّها رحمة وإيّاكم والفرقة فإنّها عذاب هذا وصلوا وسلموا على الناصح لأمته المشفق عليهم من الفتن صلى الله عليه وسلم ، وتوجّهوا بالدّعاء بقلوي خاضعة منيبة موقنة

اللّهمّ لك الحمد على نعمة الإسلام وعلى نعمة الإيمان لك الحمد أن جعلتنا من أمّة هذا النبيّ الكريم صلّى الله عليه وسلّم  نشهد بشهادة التّوحيد فأحينا بها وأمتنا عليها واحشرنا  مع الموحّدين يا ربّ العالمين اللهمّ صلّ وسلّم وبارك على النبيّ المصطفى وعلى آله وأصحابه الطيّبين الطّاهرين إلى يوم الدّين

 

اللّهمّ يا من لا يضيع لديه أجر المحسنين ويا من هو منتهى خوف العابدين ويا من هو غاية خشية المتّقين ،نحن عبيدك بين يديك كبّلتنا الذّنوب وأثقلتنا المعاصي وليس لنا رجاء إلاّ فيك جئناك ونحن نرجو رحمتك ونخشى عذابك  ونطلب مغفرتك فلا تردّنا يا ربّنا ويا مولانا ويا خالقنا  خائبين  اللهمّ كما أقررنا بقدرتك فتقبّلنا بمغفرتك وارفعنا عن الذّنوب  وكما سلّمنا أنفسنا بين يديك فاكنفنا برعايتك وسترك  في الدّنيا والآخرة  اللّهمّ وثبّت في طاعتك نيّتنا  وأحكم في عبادتك  بصيرتنا  ووفّقنا إلى صالح الأقوال والأعمال وجنّبنا دنس الخطايا  اللّهمّ إنّا نتوب إليك ونحن في مقامنا هذا ونحن نعلم أنّك تحبّ التوّابين  ونستغفرك ونحن نعلم أنّك تحبّ المستغفرين  اللّهمّ فامح عنّا السيّئات كبيرها وصغيرها ظاهرها وباطنها ما علمنا منها وما لم نعلم ، اللهم إنّا نعوذ بك من فتنة المحيى والممات ومن فتنة المسيح الدجّال ومن فتنة القبر ومن أكل الدّيدان ،  نعوذ بك يا ربّنا من الفتن ما ظهر منها وما بطن ، وإذا أردت بعبادك فتنةً فاقبضنا إليك غير مفتونين.

 

اللّهمّ لا تدع لنا في مقامنا هذا ذنبا إلاّ غفرته ولا همّا إلاّ فرّجته ولا دينا إلاّ قضيته ولا مريضا إلاّ شفيته  ولا مظلوما إلاّ أنصفته  ولا  ضالاّ إلاّ هديته  ولا فقيرا إلاّ أغنيته ،اللهمّ اهد أزواج المسلمات ، وزوجات المسلمين ، وأصلح البنين والبنات

اللّهم ألّف بين قلوبنا واحفظنا بما تحفظ به عبادك الصّالحين يا قويّ يا متين  اللهم  انصرنا نصرا  عزيزا مؤزّرا على كلّ من بغى علينا ، وانصر إخواننا في مشارق الأرض ومغاربها وأهلك الطّغاة والجبابرة  وخذهم أخذ عزيز مقتدر وارحم والدينا ومن علّمنا وعلّمناه واجعلنا ممّن يستمعون القول فيتّبعون أحسنه   اللهمّ فكما أمرت بالتّوبة وضمنت بالقبول وحثثت على الدّعاء ووعدت بالإجابة فصلّ على سيّدنا محمّد وآله واقبل  توبتنا ولا ترجعنا مرجع الخيبة من رحمتك إنّك أنت التّواب على المذنبين والرّحيم للخطاءين المنيبين .

وآخر دعوانا أن الحمد لله ربّ العالمين