صفحة الاستقبال منبر الجمعة - خطب جمعية خطبة يوم الجمعة 15 أفريل 2011 - تــــــــزكية النّـّـــــفــــــس

خطبة يوم الجمعة 15 أفريل 2011 - تــــــــزكية النّـّـــــفــــــس طباعة أرسل إلى صديق
الكاتب: خالد التلمودي   

الإمام : خالد التّلمودي                                                                                  التّأريخ : 15 ـ 04 ـ 2011

جامع الصّبر بخزامة الغربيّة                                                                                  11 ـ جمادي الأولى ـ 1432

                 تــــــــزكية النّـّـــــفــــــس

 

الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستهديه ونستغفره، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، خصنا بخير كتاب أنزل، وأكرمنا بخير نبي أرسل، وأتم علينا النعمة بأعظم منهاج شرع (منهاج الإسلام) (اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا)،وأشهد أن سيدنا وإمامنا وأسوتنا وحبيبنا ومعلمنا محمداً عبد الله ورسوله أدى الأمانة وبلّغ الرسالة ونصح للأمة وعلمها من جهالة وهداها من ضلالة، وأخرجها من الظلمات إلى النور بإذن ربهم إلى صراط العزيز الحميد، اللهم صل وسلم وبارك على هذا الرسول الكريم، وارض اللهم عن آله وصحابته، وأحينا اللهم على سنته، وأمتنا على ملته، واحشرنا في زمرته مع الذين أنعمت عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا ، أما بعد،،،،

 

فيا أيّها الأخوة المسلمون..إنّ  إصلاح المجتمعات وإصلاح الأمم لا يتم إلا بصلاح الأفراد، فالأفراد للمجتمعات بمثابة اللبنات للبنيان، لا يمكن أن يقوم بنيان من لبنات فاسدة، لبنات غير صالحة، لهذا ينبغي أن نبدأ بصلاح الأفراد، وصلاح الأفراد يبدأ بصلاح الأنفس،وإصلاح الإنسان يكون من داخله، من باطنه لا من ظاهره، وهذا ما فعله رسول الله صلى الله عليه وسلم حينما أراد أن ينشئ أمة مؤمنة، ماذا فعل بها؟، إنه بدأ بإصلاح أنفسها، إصلاح عقولها ،إصلاح وجدانها، إصلاح نواياها وبواعثها وأهدافها، هكذا ظل صلى الله عليه وسلم ثلاثة عشر عاماً في مكة يعمل ويجتهد لهذا الإصلاح، ولذلك يجب أن نبدأ بإصلاح الأنفس، أصلح نفسك يصلح المجتمع، غيّر ما بنفسك يتغير التاريخ، (إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم)، لهذا سنتحدّث في هذه  الخطبة بعون الله عن تزكية الأنفس، كيف نزكي أنفسنا ليزكّينا الله عزّ وجلّ؟، كيف نصل إلى الفلاح؟ .. والفلاح هو أن تسلم مما تكره وتفوز بما تحب، الفلاح يبدأ أول ما يبدأ بتزكية نفسك التي بين جنبيك، (ونفس وما سوّاها، فألهما فجورها وتقواها، قد أفلح من زكاها، وقد خاب من دسّاها)، قد أفلح في الآخرة وأفلح في الدنيا، حتى الفلاح في الدنيا لا يمكن أن يتم إلا بتزكية الأنفس.ونحن نحتاج اليوم أكثر من أيّ وقت مضى إلى الفلاح في زحمة الاختلافات الفكريّ والمذهبيّة والحزبيّة ،نحتاج إلى الفلاح الموصول بالله

 

فما معنى التزكية؟ .. التزكية تشمل عنصرين: الطهارة والنّماء، يقال زكا الشيء إذا طهر، وزكا الشيء إذا نما، ولذلك الزكاة – الركن الثالث في الإسلام – هي طهارة ونماء، طهارة لنفس المزكي ولماله ونماء لنفسه ولماله، (خذ من أموالهم صدقة تطهّرهم وتزكيهم بها)، لابد أن نطهّر أنفسنا أولاً ثم ننمّيها ثانياً، تطهير الأنفس من رذائل الشرك، ورذائل النّفاق، ثم ننمّي هذه الأنفس بفضائل التوحيد وبأخلاق المؤمنين، هذا ما يطلق عليه علماء السّلوك (التخلية والتحلية)، أي العمل على التخلي عن الرذائل والتحلي بالفضائل

 

أوّل ما يزكي النفس توحيد الله عز وجل

فإذا أردنا أن نزكّي أنفسنا فعلينا أن نبدأ بتطهيرها، إزالة ما بها من رجس وخبث، رجس الشرك وخبث النفاق، (فاجتنبوا الرّجس من الأوثان واجتنبوا قول الزور حنفاء لله غير مشركين به ومن يشرك بالله فكأنّما خرّ من السماء فتخطفه الطير أو تهوي به الريح في مكان سحيق)، الشرك انحطاط وهوي من الأعلى إلى الأسفل، أما التوحيد فهو ارتقاء بالإنسان: أن تعلم أنه لا ربّ إلا الله، لا خالق ولا رازق ولا محيي ولا مميت ولا نافع ولا ضار إلا الله، الله هو مالك السماوات والأرض وملك السماوات والأرض، فلا تبغي غير الله ربا ولا تتخذ غير الله وليّا ولا تبتغي غير الله حكما، هذا هو التوحيد الحقيقي أن تفرد الله وحده بالعبادة والاستعانة،(إياك نعبد وإياك نستعين) هذا ما تقوله لربك كل يوم سبع عشر مرة على الأقل وأنت تقرأ فاتحة الكتاب في كل ركعة، (إياك نعبد) لا نعبد إلا إياك ولا نستعين إلا إياك، (قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين لا شريك له)، أول ما يزكي نفسك أن تتحقق بالتوحيد فلا تذل لغير الله ولا تنحني لغير الله، غير الله لا يملك لك ضراً ولا نفعاً ولا خفضاً ولا رفعاً، الرزق بيد الله لا يملك مخلوق أن يزيد في رزقك درهماً يضاف إلى خزانتك ولا يملك لقمة تدخل في بطنك، الله هو الرزّاق (إن الله هو الرزاق ذو القوة المتين)، (وما من دابّة في الأرض إلا على الله رزقها)، والآجال التي يخاف عليها الناس لا يستطيع أحد أن يزيد في عمرك دقيقة أو لحظة ولا يستطيع أن ينقص من عمرك دقيقة أو لحظة،(إن أجل الله إذا جاء لا يؤخر لو كنتم تعلمون)، (ولن يؤخر الله نفساً إذا جاء أجلها)، (فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون)، لا تخف إلاّ الله ولا تذل نفسك إلاّ لله، ابسط يدك إليه واسأله ما شئت(واسألوا الله من فضله إن الله كان بكل شيء عليما).هذا أول ما يزكي نفسك، أن توحّد الله عز وجل، وتتطهر من رذائل الشرك، أكبره وأصغره، 

وثاني ما يزكّي النّفس :التحرر والتطهّر من رذائل النفاق والمنافقين،جليّه وخفيّه ، فلا تكن مذبذباً، لك أكثر من وجه ولك أكثر من لسان مذبذبين بين ذلك لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء، لا تكن من هؤلاء الذين يقولون (آمنا بالله وباليوم الآخر وما هم بمؤمنين يخادعون الله والذين آمنوا وما يخدعون إلا أنفسهم وما يشعرون)، تحرر من هذا النفاق الذي هو سوس المجتمعات والذي يفسد الحياة ويدمرها إذا شاعت رذائل المنافقين، إن المنافقين يخادعون الله وهو خادعهم، (وإذا قاموا إلى الصلاة قاموا كسالى، يراءون الناس ولا يذكرون الله إلاّ قليلاً)، وفي زمننا هذا منافقون لا يقومون إلى الصلاة كسالى ولا نشيطين، لا يعرفون لله حقاً ولا يحنون له ظهراً ولا يعفرون له جبهة، منافقو اليوم وهم يدعون الإسلام، ولا يذكرون الله كثيراً ولا قليلاً (وإذا ذكر الله وحده اشمأزت قلوب الذين لا يؤمنون بالآخرة وإذا ذكر الذين من دونه إذا هم يستبشرون)، منافقون يتظاهرون بالانتماء للإسلام على الوجه الذي يحبّون هم لا كما يحبّ الله ورسوله ، فيجعلونه في المساجد فقط ، وفي القلوب فقط ، ويؤدّون العبادة التي يحبّون ويتركون ما لا يناسبهم ، ويقسّمون الميراث كما يشاؤون ، ويلبسون المرأة ما يشتهون ، وينسون قول المولى تبارك وتعالى :" وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم " فتحرر أخي المؤمن من هذا الضّرب من النّفاق  ، لا تكن من هؤلاء الذين يتلونون تلون الحرباء ويروغون روغان الثعالب،

يعطيك من طرف اللسان حلاوة       ويروغ منك كما يروغ الثعلب

أخي المؤمن ،،،أختي المؤمنة،،،،،،،حلي نفسك بخصال المؤمنين

إنّ أول ما يطلب منك لتزكي نفسك أن تتطهر من رذائل الشرك ورذائل النفاق، "آية المنافق ثلاث: إذا حدث كذب وإذا وعد أخلف وإذا اؤتمن خان" وفي حديث آخر "إذا عاهد غدر وإذا خاصم فجر"، أخلاق المنافقين معروفة، إذا تطهّرت من هذه الرذائل والآفات فعليك أن تبني نفسك من جديد أن تحليها بخصال المؤمنين وفضائل الموحدين وهذا يحتاج إلى جهاد وإلى رياضة، أن تروض نفسك، النفس ليست سهلة القيادة ولا سلسة الانقياد، هناك غرائز وشهوات، تدفعها إلى الشر، ولذلك وصف الله هذه النفس على لسان امرأة العزيز فقالت (وما أبرئ نفسي إن النفس لأمارة بالسوء إلا ما رحم ربي إن ربي غفور رحيم)، إذا تركت النفس وهواها .. إذا تركت النفس لغرائزها وشهواتها أمرت بالسوء وأمرت بالفحشاء وزينت لك كل شر، تسوّل لك نفسك حتى ترتكب الجريمة وحتى تغرق في المعاصي معصية وراء معصية حتى ترديك وتهلكك ولا تجد لنفسك مخرجاً ، اللهمّ اجعل لنا من أمرنا مخرجا واجعلنا من المتّقين ، نعوذ بك يا ربّنا من شرور أنفسنا ومن سيّئات أعمالنا و الحمد لله ربّ العالمين .

 

                                   الخطبة الثّانية

 

بسم الله والحمد لله والصّلاة والسّلام على رسول الله وأشهد ألاّ إله إلاّ الله وأشهد أنّ محمّدا عبده ورسوله

 

أمّا بعد : أيّها المؤمنون اعلموا أنّ النفس أمارة بالسوء ولا بد من جهادها حتى ترتاض للحق، لابدّ من جهاد هذه النفس والنبي صلى الله عليه وسلم يقول "المجاهد من جاهد هواه"، المجاهد من جاهد نفسه في ذات الله، الكيّس من جاهد نفسه حاسبها وحاكمها وعمل لما بعد الموت، لابد أن تجاهد هواك وتجاهد نفسك حتى تنتقل من نفس أمارة بالسوء إلى نفس لوامة، وهي التي ذكرها الله تعالى في قوله (لا أقسم بيوم القيامة، ولا أقسم بالنفس اللوامة) النفس اللوامة هي التي تكثر اللوم لصاحبها إذا قصّر في فعل واجب أو وقع في فعل شرّ، تلومه، تؤنبه، تقول له لماذا فعلت كذا ولماذا لم تفعل كذا،لماذا تأخّرت عن صلاتك؟ لماذا لا تقوم لصلاة الصّبح ؟ وفيها من الفضائل ما فيها  وكأنّ هذه النّفس المتيقّظة  تلذعه بسوط يلهب ظهره، هذا التأنيب الداخلي، هذه المحاسبة هذا اللوم هذا الذي يسمونه الآن الضمير الحي، هو النفس اللوامة،ولا يصدر هذا اللّوم إلاّ من نفس مؤمنة، أمّا ضعاف الإيمان والمنافقين والملحدين، ففي النّوم يغطّون ،وفي الضّلالة يعمهون، والأخطر أنّهم يحسبون أنّهم يحسنون صنعا ، بل بالمؤمنين يسخرون، وإذا مرّوا بهم يتغامزون ، إذا النّفس  اللوامة لا ينشئها ، ولا يؤسّسها إلاّ   الإيمان، الإيمان بالله والإيمان بالدار الآخرة والإيمان بالحساب والثواب والعقاب هو الذي يحيي هذا الضمير، ينشئ هذه النفس اللوامة التي تلوم صاحبها دائماً ولا تتركه يهنأ بعيش أو يلتذّ بنوم لأنه قصّر في حق من حقوق الله،أو حقّ من حقوق عباده، إذا ارتقت النفس الأمارة إلى هذه المرتبة، مرتبة النفس اللوامة ما زال صاحبها يجاهدها ويرقيها ويرقى بها حتى تصل إلى مرتبة أعلى وأسمى هي مرتبة النفس المطمئنة (يا أيتها النفس المطمئنة ارجعي إلى ربك راضية مرضية فادخلي في عبادي وادخلي جنتي)،

 إذا النّفس نفس واحدة ليست نفوساً ثلاثة، ولكن كل واحدة منها تمثّل مرتبة من مراتب النفس، ترقى إليها، وإنما ترقى إليها بالمجاهدة، كما قال تعالى (والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا وإن الله لمع المحسنين)، جهاد النفس ليس بالأمر السهل ولا بالشيء الهيّن، إنه يحتاج إلى يقظة ويحتاج إلى عمل مستمر وإلى رقابة، محاسبة ذاتيّة في داخل الإنسان يراقب أعماله دون أن يكون عليه تفتيش من الخارج ولا رقابة من دولة ولا من إدارة،ولا من مسئول ولا من بوليس بل هو الذي يراقب نفسه، هذا هو الذي يرقى بالنفس، هذه الرقابة ليست بالأمر السهل لذلك أثنى الله تعالى على الذين يخشونه بالغيب ، حيث لا يراه النّاس ، يصلّي باللّيل والنّاس نيام ، تدمع العين من خشية الله فيخفيها عن أعين النّاس ، يتصدّق بالصّدقة فلا تعلم شماله ما أعطت يمينه ، يذكر الله في نفسه ، دون كلل أو ملل فيذكره الله في نفسه ،ومع الدّوام على العبادة بأصنافها وإن قلّت ، تطمئنّ النّفس ، فترقى إلى بارئها ، وتصغر الدّنيا في عين صاحبها ، وحينها يقول للموت مرحى ، فدونك ألقى الإله الرّحيم ، ودونك ألقى  محمّدا وصحبه ، اللهمّ إنّا نسألك عيشة هنيّة وميتة سويّة ومردّا غير مخز ولا فاضح .

اللهمّ لك الحمد أنت قيّوم السّماوات والأرض فلك الحمد ، لك الحمد انت ربّ السّماوات والأرض فلك الحمد ، أنت حقّ وكتابك حقّ والنبيّون حقّ والجنّة حقّ والنّار حقّ ،،،اللهمّ صلّ وسلّم على نبيّك المصطفى ورسولك المجتبى وعلى آله وأصحابه أجمعين ، اللهمّ إنّا نسألك أن تقوّي فيك يقيننا ، وان تنير طريقنا ، وأن ترينا الحقّ حقّا وترزقنا إتباعه وأن ترنا الباطل باطلا وتجنّبنا إتباعه ،اللهمّ احرسنا بعينك التي لا تنام ، واكلأنا في كنفك الذي لا يضام ، اللهمّ افتح لنا فتحا مبينا ، واهدنا صراطك المستقيم وانصرنا نصرا عزيزا  وأتم علينا نعمتك وأنزل في قلوبنا سكينتك وانشر علينا فضلك ورحمتك، اللهم عليك باليهود الغادرين الغاصبين ، وعليك بالمجرمين المضطهدين الظالمين ، اللهم خذهم ومن ناصرهم أخذ عزيز مقتدر، اللهم أنزل عليهم بأسك الذي لا يرد عن القوم المجرمين، اللهم أذهب ريحهم وأزل دولتهم وأذهب عن أرضك سلطانهم ولا تدع لهم سبيلاً على أحد من عبادك المؤمنين، اللهم منزل الكتاب ومجري السحاب وهازم الأحزاب اهزمهم وانصرنا عليهم، ربنا اغفر لنا ذنوبنا وإسرافنا في أمرنا وثبت أقدامنا وانصرنا على القوم الكافرين، ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان ولا تجعل في قلوبنا غلا للذين آمنوا ربنا إنك رؤوف رحيم، ربنا لا تهلكنا بما فعل السفهاء منا ولا تسلط علينا بذنوبنا من لا يخافك ولا يرحمنا واجعل هذا البلد آمناً مطمئناً سخاء رخاء وسائر بلاد الإسلام، اللهم أكرمنا ولا تهنا وأعطنا ولا تحرمنا، وزدنا ولا تنقصنا وآثرنا ولا تؤثر علينا، وارض عنا وأرضنا، ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار.اللهمّ انزل علينا الغيث ولا تجعلنا من عبادك القانطين ، وجازي المحسنين والمتصدّقين والمحبّسين وارحم الوالدين واشف مرضانا وارحم موتانا  واجعل الجنّة مأواهم ومأوانا  وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين  .