صفحة الاستقبال منبر الجمعة - خطب جمعية خطبة يوم الجمعة 22 أفريل 2011 - مجـــاهـــــدة النّـّـــــفــــــس

كتاب التربية الإسلامية والتنشئة على القيم

خطبة يوم الجمعة 22 أفريل 2011 - مجـــاهـــــدة النّـّـــــفــــــس طباعة أرسل إلى صديق
الكاتب: خالد التلمودي   
لإمام : خالد التّلمودي                                                                                  التّأريخ : 22 ـ 04 ـ 2011

جامع الصّبر بخزامة الغربيّة                                                                                  18 ـ جمادي الأولى ـ 1432

                 مجـــاهـــــدة النّـّـــــفــــــس

 

الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، خصنا بخير كتاب أنزل، وأكرمنا بخير نبي أرسل، وأتم علينا النعمة بأعظم منهاج شرع ،وأشهد أن سيدنا وإمامنا وأسوتنا وحبيبنا ومعلمنا محمداً عبد الله ورسوله أدى الأمانة وبلّغ الرسالة ونصح للأمة وعلمها من جهالة وهداها من ضلالة، وأخرجها من الظلمات إلى النور بإذن ربهم إلى صراط العزيز الحميد، اللهم صل وسلم وبارك على هذا الرسول الكريم، وارض اللهم عن آله وصحابته، وأحينا اللهم على سنته، وأمتنا على ملته، واحشرنا في زمرته مع الذين أنعمت عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا ، 

 

أمّا بعد،،،،، إخوة الإيمان ، تحدّثنا في الخطبة الماضية عن تزكية النّفس وتبيّنا ما يتطلّبه الأمر من تطهير ونماء وكما قال العلماء : من تخلية وتحلية ، وإنّ ذلك لمن عزم الأمور التي يحقّ أن نسمّيها  مجاهدة النّفس التي هي أرقى أنواع الجهاد ، لذلك سأتحدّث في هذه الخطبة عن مجاهدة النّفس ، حتّى ندرك بالفعل حقيقة الجهاد ليحقّق لنا الله النّصر على الأعداء ، باعتبار أنّ تغيير ما بالأنفس بمجاهدتها  شرط أساسيّ لتغيير واقع المسلمين اليوم لقوله تعالى :" إنّ الله لا يغيّر ما بقوم حتّى يغيّروا ما بأنفسهم " فكيف يكون جهاد النّفس ؟ ولماذا يعتبر الجهاد الأشدّ ؟

 جهاد النفس هو الأشدّ لأمرين :

الأمر الأول :  أنّه عدو محبوب، فإذا كان عدوك مكروهاً فهذا أمره سهل، فيكون في قلبك من البغض له ومن الحقد عليه ما يجعلك تحترس منه وتحرس من مزالقه ولكن  إذا كنت تحبّ عدوّك فهذه مشكلة

الأمر الثاني: أنّ هذا العدوّ عدوّ من الداخل فإنّك تستطيع أن تحترس من اللص إذا كان اللص من خارج الدار فيكفي أن تحكم إغلاق الباب فلا يستطيع أن يدخل إليك ولكن إذا كان اللص من داخل دارك، معك في البيت، ينام معك ويستيقظ معك ،ويعرف أسرارك ومداخلك ومخارجك إذا كان خادم عندك مثلاً ،ويعيش معك كيف تحترس منه،؟ هذا ما جعل أحد الصّالحين يقول:

 

نفسي إذا ما ضرّني داع             تثير آلامــــي وأوجاعــــي

 كيف احتيالي من عدوّي          إذا كان عدوي بين أضلاعي

 

عدو يسكن بين ضلوعك، هذا هو خطر النفس ولذلك عليك أن تشمر عن ساعدك وأن تستيقظ لعدوّك وأن تعدّ له أسلحتك وأن تتهيأ لمواجهته في كل لحظة،

ولنعلم أنّ  مجاهدة النفس أربع مراتب

 

 المرتبة الأولى : أن تجاهدها على أن تتعلم ما جاء به رسول الله صلى الله عليه وسلم من الهدى ودين الحق، أن تتفقه في دينها، أن تتعلم ما لها وما عليها ،أن تعرف ما يضرّها في دينها وفي آخرتها كما تعرف ما يضرها في دنياها، هذا الجهاد الأول تجاهد النفس حتى تتعلم، بعض الناس لا يريد أن يقرأ كتاباً ليفهم الإسلام، يجلس أمام التليفزيون الساعات ليشاهد المسلسلات أو يسمع الأغاني وقد يقرأ مجلة حافلة بالصور الخليعة ونحو ذلك ولا يكلّف نفسه أن يتفقه في دينه،بأن يقرأ كتاباً في العقيدة أو كتاباً في الفقه أو كتاباً في السيرة النبوية أو كتاباً في حديث رسول الله أو في تفسير كتاب الله أو في الدعوة الإسلامية، لابد أن تقرأ الأمة التي أول آية في كتابها (اقرأ)، للأسف أمّتنا لا تتعلّم ولا تفقّه، الغربيون الذين ننقدهم في كثير من الأشياء يقرؤون، يجلس الإنسان بجوار أجنبيّ في الطائرة، طول الطريق يقرأ، تمر عليهم في الحدائق كل واحد معه كتاب يقرأه، يورّثون أبناءهم مكتبات فيها عدد من الكتب، نحن لا نفعل ذلك، أول ما ينبغي علينا أن نتعلمه من دين الله، إنما العلم بالتعلم قاعدة جوهريّة لا غنى لكلّ مسلم عنها(والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئاً وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة لعلكم تشكرون)، أعطاكم المفاتيح، أعطاكم النوافذ التي تطلون منها على العالم، السمع والبصر والفؤاد (ولا تقف ما ليس لك به علم إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسؤولا).

 

 المرتبة الثانية من جهاد النفس: أن تعمل بما علمت

أول مرتبة أن تتعلم، وثاني مرتبة أن تعمل بما تعلّمته، فالعلم في الإسلام ليس لمجرد التلذذ والاستمتاع، العلم للعمل، إنما تتعلم الدين ليساعدك على أن تسلك السلوك الطيب المستقيم حتى لا تمض على جهل، فإن من تعبّد الله على جهل فإنما يفسد أكثر مما يصلح، لذلك قال الإمام الحسن البصري:"العامل على غير علم يفسد أكثر مما يصلح فاطلبوا العلم طلباً لا يضر بالعبادة واطلبوا العبادة طلباً لا يضر بالعلم فإن قوماً تركوا العلم وذهبوا إلى العبادة فخرجوا بأسيافهم على أمة محمد،" تكفيرا وتفريقا وترويعا فنحن لا نخاف على الإسلام من أعدائه ولكن نخاف عليه من أدعيائه فعلم بلا عمل كشجر بلا ثمر، لا تكن مثل الحمار يحمل أسفاراً بل اعمل بعلمك(أتأمرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم)؟

 إذا المرتبة الثانية من جهاد النفس أن تجاهدها حتى تعمل بما علمت.

 

المرتبة الثالثة: علّم غيرك ما تعلمته

 أن تجاهد نفسك لتعلّم غيرك ما تعلّمته وتدعوه إلى ما عملت به لا تحتكر الخير لنفسك، أدّ زكاة علمك كما  تؤد زكاة مالك، إذا أنعم الله عليك بنصاب من المال وجب أن تزكّيه وتنفع غيرك كما نفعك الله بالمال وكذلك العلم، إذا ملكت نصاباً من العلم فأدّ زكاته، علّم غيرك، لا تحتقر أيّ شيء، الكلمة الطيّبة صدقة، لو علّمته كلمة خير فهي في ميزانك يوم القيامة وليس هناك أفضل من كلمة خير تهديها لمسلم تدلّه على هدى أو تردّه عن ردى نعم الهديّة ونعم العطيّة، (ومن أحسن قولاً ممن دعا إلى الله وعمل صالحاً وقال إنّني من المسلمين) كل مسلم عليه أن يدعو غيره، كل مسلم داعية لدينه، ليس الدعاة هم المشايخ والعلماء، كلّ يدعو بقدر ما يستطيع، اقرأ قول الله تعالى (قل هذه سبيلي أدعو إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني)، كلّنا دعاة إلى الله على بصيرة ادع أهلك ادع زوجتك ادع أولادك ادع جيرانك (وأمر أهلك بالصلاة واصطبر عليها لا نسألك رزقاً نحن نرزقك والعاقبة للتقوى)، (يا أيها الذين آمنوا قوا أنفسكم وأهليكم ناراً وقودها الناس والحجارة) جاهد نفسك على أن تعلم الآخرين وتدعوهم إلى ما تعلّمته وعملت به، لا تكن أنانياً، حاول أن تشيع النّور والهداية فيمن حولك ثم في الناس جميعاً .ذكّرهم بالصّلاة ، استنهضهم لصلاة الصّبح ،دلّهم على الخير"بلّغوا عنّي ولو آية"

 

المرتبة الرابعة: الصّبر على مشقّة الطريق

 أن تجاهد نفسك حتى تصبر على مشقة الطريق، هذا الطريق طريق طويل طريق حافل بالمشقّات  مزروع بالأشواك (أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يأتكم مثل الذين خلوا من قبلكم مسّتهم البأساء والضراء وزلزلوا حتى يقول الرسول والذين آمنوا معه متى نصر الله ألا إن نصر الله قريب)، لا تظن أنه مفروش بالورود والرياحين، لا، مسّتهم البأساء، البؤس هو الفقر في أموالهم والضراء هو التعذيب والجراحات في أبدانهم والزلزلة والقلق في نفوسهم حتى يقولوا متى نصر الله ؟ فكلّ من يدعو إلى الله يجد الصدّ والأذى والمشقّة والعناء وكيد الأعداء ولن يصمد ما لم يخلص النيّة لله تعالى الذي يمدّه بالصّبر واليقين ، ويأخذ العبرة  من الأنبياء،

طريق طويل تعب فيه آدم وناح فيه نوح وتعرّض للنار إبراهيم وللذبح إسماعيل نشّر في هذا الطريق زكريّا عليه السلام كما تنشر الخشب وذبح السيد الحصور يحيى كما تذبح الشياه وتآمروا على المسيح عيسى بن مريم وحاولوا أن يقتلوا رسول الله صلى الله عليه وسلم ووضعوا له السم في الشاة  والقائمة تطول ، قائمة الصديقين والشهداء الذين قاسوا في طريق الله ما قاسوا، طريق يريد عزائم رجولية  هذا الطريق يحتاج إلى أولي العزم كما قال الله لرسوله (فاصبر كما صبر أولوا العزم من الرسل ولا تستعجل لهم)، (لتبلون في أموالكم وأنفسكم ولتسمعن من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم ومن الذين أشركوا أذى كثيرا)،

اللهمّ أرنا الحقّ حقّا وارزقنا اتّباعه وأرنا الباطل باطلا وجنّبنا اتّباعه  اللهمّ آت نفوسنا تقواها وزكّها أنت خير من زكّاها أنت وليّها ومولاها وآخر دعوانا أن الحمد لله ربّ العالمين .

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

                                       الخطبة الثّانية

 

بسم الله والحمد لله ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، يسبّح له ما في السماوات وما في الأرض، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، وأشهد أن سيّدنا وإمامنا وأسوتنا وحبيبنا محمداً عبد الله ورسوله، البشير النذير والسراج المنير، صلوات الله وسلامه عليه،

 

 أما بعد،،،أيّها المؤمنون كلّنا يعلم مكانة  الجهاد في الإسلام فهو ذروة سنامه أي أعلى مراتبه  ولكنّه لا بدّ أن يمرّ بمراحل حتّى يبلغ هذه الذّروة وأولاها مجاهدة النّفس ، لا بدّ لنا من التّغيير من الدّاخل ، لا بدّ لنا من تغيير أفكارنا وعقّليّاتنا على النّحو الذي يرضي  ربّنا عنّا ، على النّحو الذي يكون هوانا على مقتضى شرع الله وسنّة رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ، ولنعلم أن طريق الجهاد شاقّ وطويل  ولنعلم أنّ  الجزاء جنّة عرضها السّماوات والأرض أعدّت للمتّقين و طريق الجنة حفّت بالمكاره كما حفّت النار بالشهوات فلا بدّ أن تصبر على المكاره حتى تنال الجنة وما أدراك ما الجنة، إذا أردت الجنة فلا بد أن تبذل لها ثمنها (إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة) 

فيا أيها الأخوة المسلمون ..فلنجاهد أنفسنا بالطّاعات وعمل الصّالحات والابتعاد عن المحرّمات والموبقات والمحافظة على الصّلوات في الجماعات و لنطهّر أنفسنا من الآثام وأمراض القلوب  ومن النّفاق  ولنتب إلى الله جميعا بالاستغفار الصّادق  وبالعزم واليقين في غفّار الذّنوب وستّير العيوب  " إنّ الله يغفر الذّنوب جميعا إنّه هو الغفور الرّحيم  / الله ،،،،،،،،  الذي رحماته إلينا نازلة ، رغم معاصينا ومآسينا ، ندعوه فيستجيب ، رغم انتشار الفسق والفجور ، أسبغ علينا نعمه الظّاهرة والباطنة ، وأنزل علينا الغيث ، بمجرّد أن استغفرنا ورفعنا أكفّ الذلّ والضّراعة ، وصدق إذ قال:"وقلت استغفروا ربّكم إنّه كان غفّارا يرسل السّماء عليكم مدرارا"

اللهمّ فما أكرمك  ، وما أحلمك ، وما أعدلك ، وما أرحمك ،فزدنا ولا تنقصنا  وأكرمنا ولا تهنّا  ، اللهمّ لك الحمد أنت قيّوم السّماوات والأرض فلك الحمد

اللّهمّ لك الحمد على نعمة الإسلام وعلى نعمة الإيمان لك الحمد أن جعلتنا من أمّة هذا النبيّ الكريم صلّى الله عليه وسلّم ، اللهمّ صلّ وسلّم وبارك على الحبيب المصطفى والرّسول المجتبى الذي تستفتح به الدّعوات وتنفرج بالصّلاة عليه الكربات  نشهد بشهادة التّوحيد " نشهد ألاّ إله إلاّ الله وأنّ محمّدا رسول الله" فأحينا بها وأمتنا عليها واحشرنا  مع الموحّدين يا ربّ العالمين

اللّهمّ يا من لا يضيع لديه أجر المحسنين ويا من هو منتهى خوف العابدين ويا من هو غاية خشية المتّقين نحن عبيدك بين يديك كبّلتنا الذّنوب وأثقلتنا المعاصي وليس لنا رجاء إلاّ فيك جئناك ونحن نرجو رحمتك ونخشى عذابك  ونطلب مغفرتك فلا تردّنا يا ربّنا ويا مولانا ويا خالقنا  خائبين  اللهمّ كما أقررنا بقدرتك فالقنا  بمغفرتك وارفعنا عن الذّنوب  وكما سلّمنا أنفسنا بين يديك فاكنفنا برعايتك وسترك  في الدّنيا والآخرة  اللّهمّ وثبّت في طاعتك نيّتنا  وأحكم في عبادتك  بصيرتنا  ووفّقنا إلى صالح الأقوال والأعمال وجنّبنا دنس الخطايا  اللّهمّ إنّا نتوب إليك ونحن في مقامنا هذا ونحن نعلم أنّك تحبّ التوّابين  ونستغفرك ونحن نعلم أنّك تحبّ المستغفرين  اللّهمّ فامح عنّا السيّئات كبيرها وصغيرها ظاهرها وباطنها ما علمنا منها وما لم نعلم ،وأعنّا على أنفسنا ، واجعلها نفسا رضيّة ، تقيّة ، نقيّة

اللّهمّ لا تدع لنا في مقامنا هذا ذنبا إلاّ غفرته ولا همّا إلاّ فرّجته ولا دينا إلاّ قضيته ولا مريضا إلاّ شفيته  ولا مظلوما إلاّ أنصفته  ولا  ضالاّ إلاّ هديته  ولا فقيرا إلاّ أغنيته

اللّهم ألّف بين قلوبنا واحفظنا بما تحفظ به عبادك الصّلحين يا قويّ يا متين  اللهم انصر دينك وانصر المجاهدين في كلّ  مكان حتّى لا يعبد في الأرض سواك واهزم أعداءك أعداء الدّين وخذهم أخذ عزيز مقتدر فإنّك لا تقدر ولا نقدر واجعل بلدنا آمنا مستقرّا وسائر بلاد المسلمين  

وارحم والدينا ومن علّمنا وعلّمناه واجعلنا ممّن يستمعون القول فيتّبعون أحسنه اللهمّ أحسن للمتصدّقين والمحسنين والمحبّسين ، اللهمّ وجازي كلّ المساهمين في جامعنا هذا بخير الجزاء والعطاء والرّحمة والشّفاء والحفظ من كلّ بلاء إنّك أهل لذلك والقادر عليه ، اللهمّ لك الحمد على نعمة الغيث فزدنا ولا تنقصنا  واجعله رخاء سخاء ينبت الزّرع ويدرّ الضّرع ويرحم البلاد ويسقي العباد

 اللهمّ فكما أمرت بالتّوبة وضمنت بالقبول وحثثت على الدّعاء ووعدت بالإجابة فصلّ على سيّدنا محمّد وآله واقبل  توبتنا ولا ترجعنا مرجع الخيبة من رحمتك إنّك أنت التّواب على المذنبين والرّحيم للخطّائين المنيبين .

وآخر دعوانا أن الحمد لله ربّ العالمين