صفحة الاستقبال منبر الجمعة - خطب جمعية خطبة يوم الجمعة 22 ـ 08 ـ 2011 - التربية

كتاب التربية الإسلامية والتنشئة على القيم

خطبة يوم الجمعة 22 ـ 08 ـ 2011 - التربية طباعة أرسل إلى صديق
الكاتب: خالد التلمودي   
   خالد التّلمودي                                                                                   التّاريخ   : 22 ـ 08 ـ 2011

جامع الصّبر خزامة الغربيّة                                                                           21 ـ  شعبان ـ 1432 

            سوسة

 

 

 

                 التـــــــــــــــّربيـــــة

 


إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه. ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا. من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له. واشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وأتباعه إلى يوم الدين وسلم تسليما كثيرا.

أما بعد : أيها الأحبة الكرام  اتّقوا الله حقّ تقاته ولا تموتنّ إلاّ وأنتم مسلمون واعتصموا بحبل الله  ولا تفرّقوا واعلموا أنّكم إليه ترجعون

أيها المؤمنون اعلموا علم يقين  أن الله تعالى لا يدع الصحوة ولا يدع الدعوة لأمثالنا من المقصرين والمسرفين على أنفسهم، بل إن الله تعالى يختار لها من الصادقين المخلصين من يكون فيهم الرشد والكفاية، والكفاءة والإقبال على دين الله  والتّضحية في سبيله إلى أن يصلح الله أحوال  هذه  الأمّة المتعثّرة ، والمتنازعة ،ليتدارك   تهافتها وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء. ولن يكون ذلك إلاّ بالتّربية القويمة البنّاءة المتبصّرة  لا التّربية  الهدّامة  المتعثّرة  المقلّدة
 لكن ما مفهوم التّربية أوّلا ؟
التربية أيها الأخوة لها مفهوم أوسع وأعمق،ممّا نتصوّر ...... إن التربية هي الحياة بكل تفاصيلها، وبكل أشخاصها، وبكل مؤسساتها، والحياة تعني وجود الإنسان من يوم أن ظهر على الأرض وإلى أن يغادرها، فهي تبدأ مع الإنسان بشهادة الميلاد، وتنتهي مع الإنسان بشهادة الدفن.
إذا التربية ليست أمرا مقصورا على وجود الإنسان في منزله، أو بيته، ولا وجوده في مدرسته، أو حتّى في مصلاّه  بل هي وجود الإنسان في الحياة كلها بكل مؤسساتها من بيت ومدرسة ومسجد وإعلام وصحة وغير ذلك، بل وجود الإنسان من خلال الأشخاص الذين يقابلونه في حياته بكل تناقضاتهم. فهذا يحيّيه ويسلم عليه، وذاك يعيّره ويشتمه، وهذا يحادثه وهذا يبايعه أو يشاريه وهذا يعلمه أو يتعلم منه، وهذا يوافقه وهذا يخالفه، وهذا يمدحه وهذا يذمه. وهذا يؤثّمه وهذا يغتابه
، فالإنسان كائن مؤثر متأثر، ولا يمكن أن نستهين بشيء يواجه الإنسان، لأنّ كلّ هذه الممارسات تدخل في مجالات التّربية الحياتيّة بكلّ متناقضاتها

ولهذا جاء الشرع بتحميل الإنسان مسئوليته الفردية بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وجاء الشرع أيضا بتحميل المجتمع كأمة مؤمنة لا يميزها إلا الإيمان بالله الذي عليه اجتمعت ثم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الذي به قوامها وبقائها:
كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر، وتؤمنون بالله). وقال تعالى :" والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة ويطيعون الله ورسوله أولئك سيرحمهم الله إن الله عزيز حكيم)ولذلك فإن الإنسان محتاج إلى المجتمع كله ومن حوله ليتأثر بهم وينتفع منهم وينظر ما عندهم من خير فيقتبسه، أو خطأ فيتجنبه،أو نصيحة يعمل بها. ثم هو محتاج أيضا إلى المؤسسات الموجودة في المجتمع والتي يتربى من خلالها، فهو يتربى قاعدا في المسجد ينتظر الصلاة، ويتربى وهو في مدرسته، ويتربى وهو في سوقه، ويتربى وهو في بيته، حتى والإنسان في متجره هو يتربى، يتربى على الأخلاق الإسلامية في المعاملة والبيع والشراء والأخذ والعطاء،والصّدق والأمانة ،،،،،،وغير ذلك.
وحين يفسد الزمان وبمعنى أصح وبالاصطلاح الشرعي ،ينحرف الناس، يؤمر الإنسان باعتزالهم حتى يسلم الإنسان من شرهم أو يسلموا هم من شره، كما في الحديث المتفق عليه عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه وأرضاه أن النبي صلى الله عليه وسلم لما سُئل: أي الناس خير قال:مؤمن مجاهد في سبيل الله تعالى بماله ونفسه، قيل ثم أي؟ قال مؤمن في شعب من الشعاب معتزل يعبد ربه ويدع الناس من شره). وأخشى ما أخشاه أن ندرك ذلك الزّمن أو لعلّنا قد أدركناه  بعد عجزا منّا عن الإصلاح أو عجزا من الآخرين عن إصلاح ما بنا

أيّها المؤمنون ،التربية إذا عملية ضخمة وكبيرة تبدأ مع الإنسان من يوم ولد، لا بل أقول تبدأ قبل الميلاد، ومن الطرائف الواقعيّة  أن رجلا جاء لأحد العلماء فقال له:أنا قد تزوجت، وحملت زوجتي وهي في الشهر الرابع، وأريد أن تعطيني بعض التعليمات في أسلوب تربية هذا الطفل، فقال له:هذا الطفل قد فات عليك ما دام في الشهر الرابع، لكن أعطيك تعليمات للطفل القادم،،،،، والمقصود أن التربية تبدأ حتى من يوم اختيار الزوجة، فإن الزوجة هي الحضن السليم المناسب الذي ينشأ معه الطفل ويتربى في أحضانه ويقتبس من أخلاقه، فهي تبدأ حتى قبل أن يولد الإنسان.

إذا المقصد الأساسي من التّربية هو الإنسان ذاته وإنّما بُعث الرسل عليهم السلام، وأنزلت الكتب من السماء إلى البشر من أجل تقويم هذا الإنسان، من أجل أن يترقى حتى يتأهل لجنة عرضها السماوات والأرض، بل لينال من وراء ذلك درجة الكرامة " أولئك في جنّات مكرمون " هذا التّكريم الذي ناله بمجرّد خلقه " ولقد كرّمنا بني آدم " فإمّا أن  يترقى بالتربية حتى يتأهل لهذا المستوى الرفيع، وإمّا ينحط حتى يصبح حطبا ووقودا لجهنم مع الحجارة  قال الله عز وجل: "وقودها الناس والحجارة ". إذا بناء الإنسان – أيها الأحبة – هو محط الاهتمام، وهذه القضية الكبرى التي يجب أن نرفع شعارها ونتحدث عنها ونملأ بها مجالسنا هي قضية الإنسان.

إن بناء الإنسان أهم من بناء الجسور وأهم من تعبيد الطرق. وأهم من تشييد العمارات الشاهقة.وأهم من توفير الخدمات  إذ لا قيمة لهذه الأشياء كلها في ضل غياب الإنسان. والإنسان المكرّم تحديدا / فكلّ الذين عذّبوا وشرّدوا وأهينوا وقطعت أرزاقهم  وصودرت ممتلكاتهم  ونزع الحجاب ، حجاب العفّة والطّهر عن بناتهم وزوجاتهم  في عهد الظّلم والاستبداد   يحقّ لهم أن تستردّوا كرامتهم  بالطّريقة التي ترضيهم  وإن كان أجرهم على الله وما فعلوا ذلك إلاّ ابتغاء وجه الله  ولكن هذا الإنسان له كرامة قد ديست  وتركت شرخا عميقا في ذواتهم  ......... من أجل بناء تونس الغد  برجال مرفوعيّ الهامة  ذوي نفس زكيّة طاهرة محرّرة من قيود القهر والظّلم الذي لا زلنا نرى آثاره حتّى من خلال ردود الفعل اللاّمسؤولة وما يحصل الآن في مختلف بقاع هذا البلد الطيّب هو عنوان لتراكمات جثمت على صدورهم حتّى طفح بهم الكيل ........ يحتاج إنسان اليوم إلى أن يردّ له اعتباره   ليسترجع توازنه  فتتطهّر نفسه وعقليّته  ويصبح قادرا على التصرّف برشد لا بغوغائيّة وتهوّر  وأنانيّة

اللهمّ آت نفوسنا تقواها وزكّها أنت خير من زكّاها أنت وليّها ومولاها  والحمد لله ربّ العالمين

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

                                     الخطبة الثّانية

 

بسم الله والحمد لله والصّلاة والسّلام على رسول الله وأشهد ألاّ إله إلاّ الله وأشهد أنّ محمّدا رسول الله

إخوتي في الله 
 أي معنى لإنسان  حسن الثياب جميل الهيئة بهي الطلعة ممتلئ الجسم معتدل الصحة ولكنه يرصف في قيوده في أسره وسجنه.وفي ضلاله وظلمه لنفسه وغيره
وأي قيمة لإنسان هذا شأنه إذا كان بلا عقل.وأي قيمة لإنسان هذا شأنه إذا كان بلا دين ولا خُلق ولا عقيدة.

إن الإنسان هو المقصد الأول من الوسائل التربوية كلها، ولا قيمة لإنسان لا يعبد ربه ولا يسجد لله تعالى ولا يمرغ جبهته خضوعا لرب العالمين، ولا يسبّح بحمد ربه عز وجل.إنه في دنياه يعيش الشقاء بكل صوره وألوانه وفي أخرته إلى نار لا تخبو  "كلما خبت زدناهم سعيرا".

إن تحقيق وجود الإنسان بالمعنى الشرعي يحقق كل المكاسب الأخرى.كونوا على يقين من ذلك لأنّه هذا ما فعله سيّد الخلق ومنقذ الإنسانيّة من الجاهليّة  " وكنتم على شفا  حفرة من النّار فأنقذكم منها "

فلنفترض مثلا أننا أمة فقيرة، ليس همنا أن نطلب المال لأن بناء الإنسان الصالح سيجعله قادرا بإذن الله على تحصيل المال.

ولنفترض أننا أمة متأخرة في المجال الصناعي والتقني وفي كلّ المجالات كما هو الواقع فعلا ، فإن بناء الإنسان الصالح العاقل العالم الرشيد هو السبيل إلى تطويع الصناعة وإلى الحصول على أسرار التصنيع، وإلى الوصول إلى أعلى المستويات في الحضارة المادية.


إذاً، المخرج من كل أزماتنا ومصائبنا التي نعيشها وتعيشها الأمة معنا هو بناء الإنسان، تتعدد الحلول ولكنها تتفق على أن الذي يمكن أن يتولى تمثيل هذه الحلول هو الإنسان ذاته.
وبوضوح ويقين أقول : لن يحصل الإنسان على كرامته الحقيقة إلا بالتزامه بدين الله تعالى، وذلك بسبب واضح تزيدنا به الأيام بصيرة وهو أن الإسلام هو كلمة الخالق: " ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير"

للهمّ إنّا نسألك بأنّك أنت الله لا إله إلاّ أنت الواحد الأحد الفرد الصّمد أن تحينا  حياة طيّبة وألاّ تجعل الدّنيا اكبر همّنا ولا مبلغ علمنا  وأن تكتب لنا الجنّة أجمعين  اللهمّ صلّ على سيّدنا محمّد سيّد الأوّلين والآخرين  وشفيعنا يوم الدّين

اللهم انفعنا بما علمتنا وعلمنا ما ينفعنا ، اللهم افتح لنا بخير ، واجعل عواقب أمورنا إلى خير ، اللهم إنا نعوذ بك من فواتح الشر وخواتمه وأوله وآخره وباطنه وظاهره .
اللهم لا تجعل بيننا وبينك في رزقنا أحداً سواك ، واجعلنا أغنى خلقك بك ، وأفقر عبادك إليك ، وهب لنا غنىً لا يطغينا ، وصحة لا تلهينا ، واغننا عمن أغنيته عنا ، واجعل آخر كلامنا شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله ، وتوفنا وأنت راضٍ عنا غير غضبان ، واجعلنا في موقف القيامة من الذين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون برحمتك يا أرحم الراحمين يا ربّ العالمين .
 اللهم إنا نسألك إخبات المخبتين وإخلاص المؤمنين ومرافقة الأبرار، واستحقاق حقائق الإيمان والغنيمة من كل بر ، والسلامة من كل إثم ووجوب رحمتك وعزائم مغفرتك ، والفوز بالجنة والنجاة من النار .

اللهم لا تجعل لنا ذنباً إلا غفرته ولا هماً إلا فرجته ، ولا دَيناً إلا قضيته ولا مريضاً إلا شفيته ، ولا عدواً إلا كفيته ، ولا غائباً إلا رددته ، ولا عاصياً إلا عصمته ، ولا فاسداً إلا أصلحته ، ولا ميتاً إلا رحمته ، ولا عيباً إلا سترته ، ولا عسيراً إلا يسّرته ، ولا حاجة من حوائج الدنيا والآخرة لك فيها رضاً ، ولنا فيها صلاح إلا أعنتنا على قضائها في يسر منك وعافية برحمتك يا أرحم الراحمين.

اللهمّ  انصر إخواننا المجاهدين  في كلّ مكان وارفع راية الإسلام عالية خفّاقة لتحقّق الأمن والسّلام والسّعادة في الدّارين  واحفظ بلدنا من كيد الكائدين وسائر بلاد المسلمين إنّك على كلّ شيء قدير وارحم والدينا وجاز المحسنين والمساهمين في كلّ أبواب الخير وكلّ من ساهم في جامعنا هذا وبارك لهم في أموالهم  وصحّتهم وذريّاتهم واكتب الفلاح والنّجاح والصّلاح لأبنائنا أجمعين والحمد لله ربّ العالمين .