صفحة الاستقبال مكتبة المدرّس السمات العقلانية والانسانية للتدين مصطفى ملكيان

كتاب التربية الإسلامية والتنشئة على القيم

السمات العقلانية والانسانية للتدين مصطفى ملكيان طباعة أرسل إلى صديق
السمات العقلانية والانسانية للتدين         مصطفى ملكيان

الحياة المعنوية هي «التدين العقلاني» أو الدين المعقلن، وبكلمة أخرى هي فهم للدين يتسم بالعقلانية. هذا الفهم العقلاني للدين هو بزعمي «حق» من جهة، و«مصلحة» من جهة ثانية.
فهو «حق» لأن بالامكان اثباته منطقياً والدفاع عنه، انه أرسخ أنماط الفهم عقلانية ومنطقاً.

وهو «مصلحة» لأن الإنسان المعاصر لا يتقبل القراءات الدينية الأصولية والسلفية والأيديولوجية. وهذا لا يعني أن علينا مماشاة الإنسان المعاصر في كل ما يريد، لذلك قدّمنا أن هذا الفهم حق صائب، وكونه حقاً مسألة مهمة جداً بالنسبة لنا.
التمهيد الآخر الذي يجدر الاشارة إليه هو أنني لا أعني في هذا البحث الدين الإسلامي على وجه الخصوص، فلو أردت البحث في الدين المسيحي أو أي دين آخر، لما تفاوت ما سأدونه على الإطلاق.
ومن هذا التمهيد ننطلق إلى تمهيد ثالث فحواه أن دراستنا هذه دراسة خارجية تنظر للدين من خارجه (خارج دينية) وليس من داخله (داخل دينية)، لذلك فإن الاشارات التي ستلاحظونها للآيات والروايات هي مجرد استشهاد لا يراد به أي استدلال.
يمكن تسجيل اثنتي عشرة سمة أو ميزة للدين العقلاني أو للتعقل الديني، هي طبعاً سمات عامة، يمكن ذكر عدة نقاط تفصيلية ضمن كل واحدة منها. وقد توخيت استعراضها على نحو منطقي متسلسل، فلا تتوقف احدى السمات على سمة لاحقة، بل ربّما استندت إلى سمة سابقة وتوالدت عنها.
السمة الأولى: فلسفة الحياة
قبل كل شيء يبدو أن المتدين العقلاني يطالب الدين بـ«فلسفة حياة» شاملة لكل جوانب حياته ومستوعبة لكافة ثناياها.
فالفرد المتدين لا يرغب أن تكون حياته بمجملها مطابقة لحياة غير المتدين، ولا تختلف عنها إلاّ في جانب واحد أو بعض الجوانب. المتدين المتعقل يطمح أن تسري ديانته في كل مرافق حياته ومفاصلها. والحقيقة أن التدين اللاعقلاني يقعد عن جعل حياة صاحبه ذات فوارق مع حياة غيره إلاّ في مساحات ضئيلة، أما باقي الجوانب فلا يختلف فيها المتدين اللاعقلاني عن سواه.
مثلاً إذا كانت ميزتي أنا المتدين (اللاعقلاني) عن غير المتدينين هي أنني أمارس أعمالاً معينة في أماكن وأزمنة وظروف خاصة، فإنني بعيداً عن هذه الظروف لا أختلف في شيء عن غير المتدينين. وهذه حالة تقصي التدين عن حيّز العقلانية، وكثيراً ما يسميها علماء نفس الدين بـ«النظرة التجزيئية للدين» (Compartment). فالتدين في الأديان غير العقلانية ليس كالأوكسجين المنبث في جميع خلايا حياة المتدين، بل هو كالطعام الذي لا يتجاوز المعدة والجهاز الهضمي إلى باقي أعضاء الجسم.
التدين العقلاني كالأوكسجين المتغلغل في كل واحدة من خلايا الجسم، لابدّ أن ينفذ إلى كل جزء من أجزاء حياة الإنسان، فيُمثّل بالنسبة لـه «فلسفة حياة» شاملة، إلاّ أن فلسفة الحياة هذه لا تعني أن التدين العقلاني لـه حتمياته وأوامره ونواهيه لكل حركات وسكنات البشر، وإنما هو تدين يمنح كافـــــة تصرفـات الإنسان وحالاته ـــ مهما صغرت ـــ معانيها السامية، فتكون حياته على حد تعبير أحد المتصوفة سجدة طويلة، أي أنها بمجملها عملية متجهة صوب هدف ديني محدّد، ويمكن القول: إن جميع ثناياها متجهة نحو هذا الهدف.
وبهذا تكون كل حياته ذات معنى واحد، وفلسفة واحدة، ولا يمكن تجزيئها إلى أقسام متعددة لكل قسم فلسفة متمايزة عن فلسفات سائر الأقسام.
السمة الثانية: طلب الحقيقة دون ادعاء احتكارها
المتدينون ديانة عقلانية لا يعتبرون أنفسهم «أصحاب الحقيقة» وإنما يفهمون تدينهم بمعنى أنهم «طلاّب الحقيقة»، فتدينهم لا يعني أنهم امتلكوا الحقيقة بل انهم شرعوا بطلبها، وانطلقوا في حركة سلوكية للوصول إليها، فالنصراني حينما يُغسّل غسل التعميد، يجب أن لا يفهم من هذه الممارسة أنها إحاطة تامة بالحقيقة، وأنه بهذا الغسل أمسك بمطلق الحقيقة، فهذا التعميد لا يكفل الحقيقة بتمامها لأحد، ولا يكفلها أي عمل آخر أو ممارسة أو أوراد أو أدعية، ولو كانت الحقيقة سهلة المنال إلى هذه الدرجة لما احتاجت لأية مكابدة أو جهد.
إن غسل التعميد بالنسبة للمسيحي، وذكر الشهادتين بالنسبة للمسلم، بداية طريقهم إلى طلب الحقيقة، فهذه الممارسات تعني وضع الاقدام في الطريق والشروع بالخطوات الأولى، ولا تفيد الوصول إلى الغاية.
على هذا يجدر أن نشبه علاقتنا بالحقيقة بـ«السباحة» لا بـ«ركوب السفن». فبون شاسع بين من يعتبر الدين نوعاً من السباحة، وبين من ينظر إليها كسفر على متن سفينة، وتتلخص الفوارق في:
الفارق الأول: أن الذي يستقل السفينة يتيقن أنه نجا من الأمواج ولم يعد ثمة خطر يهدده، وهو واثق من أنه سيصل إلى المكان الذي يريد عاجلاً أم آجلاً، وهو على يقين من الوصول بحيث لا يبالي بما يفعله داخل السفينة، فلو نام في السفينة لوصل إلى مقصده، ولو بقي يقظاً لوصل أيضاً. وليس المهم ماذا يفعل على ظهر السفينة؛ لأنه استقل وسيلة ستبلغ به غايته لا محالة.
أما إذا كان الإنسان سابحاً في البحر، فإنه لن يجد شيئاً مكفولاً لـه على الإطلاق، فما دام يسبح ويجيد السباحة فهو ناجٍ من الأخطار، لكنه بمجرد أن يحجم عن السباحة أو لا يسبح بنحو صحيح سيكون عرضة للهلاك. السبّاح لا يبلغ ساحل النجاة إلاّ إذا راعى ضوابط محددة، ولم يتوان عن الجد والعمل طبق هذه الضوابط والأصول.
الفارق الثاني: أننا حين نسافر على متن سفينة نجد ميزة لركاب السفينة على من لم يركبها، فنعتقد أننا سنصل يقيناً إلى المقصد، أما الذين يعومون في البحر فنكاد نجزم أنهم لن يبلغوا بر الأمان، إلاّ أفراد قلائل يمثلون حالات استثنائية، لكننا إذا كنّا من السابحين فلن نحكم على بقية السابحين بشيء، بل سنقول: إن الذي يسبح منا بصورة صحيحة يصل لغايته، وإلاّ غرق وهلك.
فمن هو المتدين في هذا الخضم ياترى؟ إنه برأيي ليس راكب السفينة، بل هو السابح في العباب والمهدد بعدم الوصول بأي توانٍ أو فساد في ممارسة العوم. وبعبارة أدق، لا يدخلنا التدين مملكة نضمن فيها الأمن والفلاح لأنفسنا، مهما فعلنا ومهما كانت تصرفاتنا ومواقفنا، بل الصحيح هو أننا عند دخول الدين نشرع بطلب الحقيقة ولا نمتلكها دفعة واحدة، ولعلّ معظم الذين انجرفوا في تدينهم إلى التزمّت والتحجّر، توهّموا أنهم أصحاب الحقيقة وملاكها دون غيرهم، ونسوا أن التدين الصحيح هو طلب الحقيقة والكدح إليها.
السمة الثالثة: الممارسة النقدية
عن السمة الثانية وهي طلب الحقيقة، تنبثق السمة الثالثة المتبلورة في الممارسة النقدية والفهم العميق لهذه الممارسة، فالتدين لا يعني التسليم الأعمى والاستغناء عن الأدلة والبراهين، ونبذ النقاش والتمحيص، والانشداد الشبقي إلى طائفة من المعتقدات والعبادات والمناسك والقيم الأخلاقية، إذ الصواب هو حفظ السمة النقدية للتدين.
والنقد لا يعني تسقّط العثرات واختلاق الهفوات، وإنما هو النظر والتدبر في مجموعة القضايا والتعاليم التي تمنح لي باعتبارها ديناً، فإذا وجدتُ بينها تعارضاً ظاهرياً علمتُ أن ثمة مرحلة أعمق ترتفع فيها هذه التعارضات، وبذا يتوغل الفرد المتدين من المعنى الظاهري إلى المعنى الأعمق، وحتى عندما يصل إلى مراتب أعمق ستواجهه إشكاليات جديدة يضطر لأجل معالجتها إلى سبر الأغوار عمقاً. وهكذا يتدرج في المراحل والمراتب إلى ما شاء الله.
والغاية من كل هذا التوغل والتعمّق هي عقلنة الدين، وتتم هذه العقلنة بفضل ثلاث عمليات:
الأولى: إزالة التعارضات الظاهرية.
الثانية: الملاءمة بين النصوص الدينية المقدسة والمعطيات البشرية، فلا يمكن العمل على نسق ابن رشد حينما أطلق نظرية الحقيقة المضاعفة، وقال بأن الإنسان إذا دخل مسرح الدين عليه الإيمان بكل ما يقولـه الدين، وعندما يخرج من دائرة الدين إلى مضمار العلوم التجريبية والعقلية والفلسفية والتاريخية والشهودية فعليه أيضاً التسليم لكل ما تجود به هذه المعارف، وإذا تنافر هذان الصنفان من المعارف فلا يتوقف عند هذا التنافر بل ليقل:إن ثمة حقيقة مضاعفة.
هذه نظرية لا تصمد للنقد، إذ من المتعذر على الإنسان إضمار قناعتين متضادتين في قرارة نفسه. وبالتالي لا مناص من توافق معطيات الوحي والعلوم البشرية، وإذا ما تناقضت فلا يصح غضّ الطرف عن هذا التناقض والإيمان بقضيتين متنافرتين؛ لأن اجتماع النقيضين مستحيل عقلاً.
الثالثة: أن النصوص الدينية لابدّ أن تتناسق والتطورات المعرفية في كل الأزمنة، بمعنى أنها لابدّ أن تكون قادرة على ركوب كل الأمواج المعرفية، فتتناسب أو قل لا تتناقض مع العلوم والمعارف البشرية في كل حقبة من الحقب.
ولحصول هذه العمليات الثلاث لا محيص من التوغل في أعماق النصوص المقدسة، فظواهر النصوص لا تحقق أياً من هذه المطامح الثلاثة المصيرية، ولأجل الإيغال في أغوار النصوص واستخراج كنوزها لا مفر أمامنا من التفكير النقدي.
لباب القول هو أن التدين العقلاني تدين يصاحبه تفكير نقدي يتحاشى تصيّد العيوب والهفوات، فهو نسق فكري رسالته أن يرتبط الالتزام العقدي لدى الإنسان بعلاقة طردية مع متانة الشواهد والأدلة على العقيدة المنظورة.
خطاب أصحاب التفكير النقدي هو أنكم إذا أردتم مني الالتزام فعليكم موافاتي ببراهين وأدلة توازي متانتها قوة الالتزام الذي تطالبونني به. والنتيجة هي أن «الدين الوراثي» ليس ديناً عقلانياً، فليس من الفخر أن نرث ديننا عن آبائنا دون أي اختيار أو تمحيص كما نرث ألوان عيوننا، وفي غير هذه الحالة لن يعود الدين «سعياً شريفاً» وإنما صرف وراثة لجملة من الآداب والتقاليد ألفينا عليها آباءنا وأمهاتنا.
السمة الرابعة: أخلاقية الكون
المتدين العقلاني هو الذي يرى الكون محكوماً بنظم أخلاقية في منتهى الدقة، ومعنى أن يرى الإنسان العالم ذا نظام أخلاقي, هو بعبارة مبسطة أن نعتقد بأن أي ذرة خير أو شرّ يستحيل لن تضيع سدى في هذا الوجود، فحينما يقال: إن نظام الكون نظام أخلاقي فمعنى ذلك أن الكون مفطور بنحو يدرك ما نقوم به نحن البشر من فضائل أو رذائل أولاً، وثانياً تصدر عنه ردود أفعال تناسب هذه الحسنات والسيئات مهما كانت مجهرية، أي أن الله نظمه بحيث يجازي على الخير والشر، فإذا آمن شخص بهاتين القضيتين فهو مؤمن بسيادة نظام أخلاقي دقيق جداً على عالم الوجود، وفي القرآن إشارة صريحة إلى هذا المعنى بقولـه تعالى: فمن يعمل مثقال ذرة خيراً يره ومن يعمل مثقال ذرة شراً يره.
نظام الكون نظام أخلاقي، والعالم الذي نعيش فيه لـه إدراكه وعلمه بما نفعل؛ ولـه إلى ذلك إرادته وردود أفعاله، بما يتناسب وإدراكاته.
والمقتنع بهذا النظام الأخلاقي يشعر بالأمن المطلق في عالم الوجود، وبالتالي كلما كان تديننا عقلانياً كلما شعرنا بالأمان والطمأنينة، فالإنسان لا يعيش الأمن في الكون الذي يعتقد أنه غير عالم بالحسن والقبح أو غير قادر على مجازاة الخير والشر. وإلى هذا المعنى أشار فيتغنشتاين بقوله: «تعريف الدين هو الشعور بالأمن في العالم».
السمة الخامسة: ضبط النفس
السمات الأربعة الآنفة دارت على فلك الرؤية الدينية، وتختص هذه السمة والسمات الثلاث التي تليها بمدار «السلوك الديني».
الحالة الأولى: للمتدين العقلاني على المستوى السلوكي هو اعتقاده بضرورة ضبط النفس أو الانضباط الشخصي. وما أروم التعبير عنه بـ«ضبط النفس» هو عدم الاستسلام للنزوات الفوتية الموقتة إذا كانت ضارة، فإذا لم يلحظ الإنسان سوى المنافع والمضار الموقتة والمكاسب والخسائر المادية، فقد سدّ طريق التدين العقلاني على نفسه بيديه. المتدين العقلاني لا ينهار أمام نزواته العابرة، وإنما يتحلّى بنوع من ضبط النفس والتحكم بميولـه ورغباته. وهذا الضبط الذاتي ليس إلاّ حسابات عقلانية دقيقة تقول للإنسان: إن اللذات العاجلة التي تتبعها ندامة مقيمة يجب أن تترك، والصعاب الزائلة التي تتمخض عن يسر ونعيم دائم لابدّ أن تبادر إليها ولو فكّر الإنسان بعمق في هاتين التوصيتين تيقن بهدي من عقلانيته أن عليه اجتناب بعض اللذائذ المؤقتة، والمسارعة إلى صنف من المتاعب الزائلة، فالعبرة في المحصلة النهائية، وما يعود على المرء في ختام المطاف. وإذا ما التزم الإنسان بهذا اللون من التعامل مع الطيبات والخبائث الفوتية، فقد تحلّى بضبط النفس، وأخذ بنظر الاعتبار مفهوم الآية الكريمة وعسى أن تكرهوا شيئاً وهو خير لكم وعسى أن تحبوا شيئاً وهو شر لكم.
ولا يقتصر هذا المفهوم طبعاً على الديانة الإسلامية، ففي بعض الديانات الشرقية التي تعنى عناية خاصة بحالات «الألم» وتعد بمجملها مسالك للخلاص من الآلام، ثمة تشديد واضح على استجلاب الآلام الموقتة المفضية إلى نعيم أبدي، وعلى الاحجام عن الملذات الزائلة المردفة بفلاح وفوز طويل الأمد.
إن ضبط النفس يبرعم في الإنسان المتدين حالتي «الخلوص» و«الرياضة». فالمتحكِّم في نفسه ونوازعه يهمّه الاخلاص والنقاء. ونقصد بالخلوص إزالة كل ما يتعارض مع التسامي الروحي للإنسان، أي تنقية وتطهير الحياة الروحية من كل الشوائب والأدران المعيقة لتطور الإنسان روحياً ومعنوياً.
والحالة الثانية التي تنبثق في المتدين العقلاني بفضل ضبط النفس هي «الرياضة». فالضابط لنفسه، فضلاً عن حياته الروحية النقية، يعيش حياة رياضية سامية. وفحوى الرياضة أو الحياة الرياضية هو أن يلتفت المتدين العقلاني في مقام العمل وفي مقام ترويض الباطن إلى أن من المستحيل الوصول لغاية إيجابية بدون متاعب وبلا ثمن. وعلى حدّ تعبير اسبينوزا: «أطهر الأشياء في العالم أشدّها مرارة».
ولكن لابدّ من استذكار أن هذه المرارة مرارة في «الطريق» لا في «النتيجة» بمعنى أن الغايات الإيجابية تستلزم مقدمات وعمليات محفوفة بالمرارة والتعب، ولا شيء طاهر مرغوب يشذ عن هذه القاعدة. وقد قيل قديماً: إن «الحقّ مرّ» وبمقدورنا بيان مدلول الحق بأنه كل الأمور والحالات الإيجابية الحسنة.
فالرياضة على هذا الأساس استيعاب فكرة أن المباهج والنعم لا تستحصل إلاّ بالمرارة والضنى، وتقف «الحقيقة» و«الخير» و«الجمال» على رأس هذه النعم والمكارم، فلا يظفر بها من دون مكابدة وألم ومرارة. كل طلاب الحقيقة وجميع نشّاد الخير وعشاق الجمال عاشوا متاعب ومرهقات جمة في حيواتهم، ولعلّ هذا ما أشار إليه سومرست موم بقولته «الحياة السليمة سير على حدّ الحسام». مضافاً إلى هاتين الحالتين المتحصلتين نتيجة ضبط النفس، هناك ثلاث خصال يفوز بها المتدين العقلاني:
الخصلة الأولى: «الصلابة العاطفية في الحياة» إنها صلابة كصلابة الماء لا كصلابة الحجر، وهي إذن تستعصي على الانكسار، فالصخور يمكن تحطيمها مهما عتت وتصلّدت، أما صلابة الماء فلا تكسر على الاطلاق. الماء يميل ذات الشمال وذات اليمين لكنه لا يتكسر، فهو كمزرعة القمح إذا هبت عليها هوج الرياح، تنحني سنابلها ولا تذهب مع الريح أو تتكسر بضرباته.
الخصلة الثانية: أن المرتاضين يتمتعون بنوع من «التفرد» المائز، فهم يختلفون عن الآخرين ولا يعانون وضعاً «إنتقائياً». وما أقصده بـ«الانتقائية» هو أن أغلبنا يتأثّر بالآخرين ويكتسب بعض ألوانهم وروائحهم، وقليل منّا جداً هم الخلّص المتفردون.
التفاح مثلاً تشم منه رائحة التفاح الخالصة، والبرتقال يبث رائحة البرتقال، ولكن إذا وضعناهما بجوار بعضهما لمدة من الزمن، شممنا من كل واحد رائحة الآخر، وبذلك لا تعود رائحته خالصة نقية. هذا ما أسميه الانتقائية أو عدم التفرد. والإنسان المرتاض كائن متفرد لا تشم منه روائح الآخرين وسماتهم، وإنما تلاحظ فيه الأصالة والخصوصية.
الانتقائية بالمفهوم الذي يستعمله نيتشه هي أن يكون فينا حاصل جمع كل الروائح والصفات التي لدى الآخرين. وهذه الظاهرة تسافر عن حياة المرتاض ولا يمكن رصدها في سلوكه أو شخصيته.
الخصلة الثالثة: هي أن الرياضة تضفي على المتدين العقلاني عمقاً لا يلفى لدى الناس العاديين. الرياضة توفر الأسباب للإنسان كي يسبر الأغوار ويكتشف الأسرار.
يقول الشاعر الإيراني سهراب سبهري «الأقدام الحافية خير من يشعر بتراب الأزقة» فالذي يعيش الضنى في حياته يتوافر على فهم أعمق لكل العالم.
السمة السادسة: سيادة الذات
من خصائص المتدين العقلاني خروجه التدريجي من «سيادة الآخر» إلى «سيادة الذات»، وللتمثيل فإنك حينما تمرض ستراجع الطبيب وتعمل بوصفته، باعتبارك غير عالم بالطب وفنون العلاج. وما دمت في هذه الحال من الجهل بالطبّ إذا سألك سائل لماذا تعمل بهذه الوصفة؟ ستجيبه لأن الطبيب هو الذي وصفها، وعلي الالتزام بتعليمات الطبيب. هذا الاتباع محمود بطبيعة الحال ولا مؤاخذة عليه. إنك في هذه المرحلة تعيش على حد تعبير بول تيليش نوعاً من التبعية (heteronomy) أي أنك تخضع لسيادة وإدارة غيرك، وهو الطبيب في مثال المريض والعلاج. ولكن إذا قادك الفضول وحب الاطلاع بعدما مرضت إلى معرفة أسباب المرض، وما يحدثه من تغييرات في الجسم، وطرق تلافيه، وساقتك هذه الرغبة إلى الانهماك في علم الطب ودراسته والتمرس فيه، فعندها ستعمل بوصفة الطبيب لا بحجّة أنه هو الذي وصفها، بل لأنك الآن تعلم مباشرة أنها صائبة ومفيدة لعلاج المرض، بل هي أفضل الوصفات الممكنة، وإذا ما سئلت لن تحيل الحكمة من العمل بها إلى علم الطبيب، وإنما تتبناها مباشرة وتنسبها إلى علومك ومعارفك. وإذا رقيت لهذه المرتبة ستعيش طبعاً ظروف الاستقلال (Autonomos) أو «سيادة الذات».
لا مراء في أن التدين في مراحله الأولى لابدّ أن يكون تقليدياً تبعياً hereronomy، فيتبع الإنسان تعاليم الباري بشكل تقليدي، من دون أن يعرف الحكمة منها. بيد أنه في مراحل لاحقة سيحاول التوافر على عمق ديني وفحص وتمحيص لمبادئه العقدية، يكشف لـه أسرار الدين وآثاره، إلى درجة أنه سيقتنع بها مباشرة، ويبلغ تدريجياً مرحلة الإيمان بها حتى لو لم تنزل من قبل الله. ومعظمنا لا يرقى لهذه المراتب مهما امتدّ به العمر، لأننا لا نتحلّى بالتدين العقلاني، فنمكث إلى آخر عمرنا خاضعين لـ«سيادة الآخر».
التبعة السلبية لـ«سيادة الآخر» حسب ما يفهمها ماركس وهيغل هي «الاغتراب عن الذات» والصراع الداخلي، لأن الإنسان في هذه الحالة سيجد نفسه منفصلاً عن كيان آخر يهيمن عليه ويسوسه بقوانينه. أما الإنسان البالغ مرحلة الـAutonomy أو سيادة الذات، فيرتقي تدريجياً إلى حيث يقول: حتى لو لم يأمرني الله بهذه التعاليم، فليس أمامي سبيل للفلاح سواها.
ويمكن ملاحظة بعض العرفاء والصوفية في الكثير من الأديان، أنهم يتمردون على الوصفات المرسومة في دياناتهم، لكنهم لا يعملون بها لمجرد أن مؤسس ديانتهم حثّ عليها. وغني عن القول أن هذا ليس تمرداً، وإنما هو فهم عميق لصحّة ما أوصى به الباري عزوجل.
السمة السابعة: الطمأنينة بلا اطمئنان
الفكرة في هذه السمة هي أن المتدين العقلاني يعيش لوناً من «اللايقين»، بمعنى أنه لا يجد برهاناً عقلياً واحداً على أي من التعاليم والقضايا الدينية أو المذهبية. فلا نستطيع اثبات وجود الله مثلاً كما نثبت أن مجموع الزوايا الداخلية للمثلث 180 درجة، أو أن زاوية سطوع الضوء تساوي زاوية انعكاسه. وبالتالي لا يوجد أي دليل على المدعيات والقضايا الدينية، فالقضايا الدينية رغم أنها لا «تعارض العقل» لكنها «فرّارة من العقل» أو مستعصية على العقل. الطروحات الدينية وخلافاً لتصورات من يعتبرونها معارضة للعقل ليست معارضة للعقل، وخلافاً لآراء من يرونها «مدعومة عقلياً» ليست كذلك، بل هي مما لا يمكن القبض عليه بالعقل، إنها فرّارة من العقل مستعصية عليه. «المدعومة عقلاً» هي القضايا التي يكتشف العقل صحتها بمفرده. و«المعارضة للعقل» هي القضايا التي يستطيع العقل بمفرده اكتشاف تهافتها، أما القضايا «المستعصية على العقل» فهي التي لا يتمكن العقل بمفرده الحكم على صحتها أو خطئها. وجميع القضايا الدينية من هذه الفئة، لا يمكن إقامة دليل عقلي على صحتها ولا على خطئها. وبالتالي إذا كان الملاك هو الاثبات العقلي، كانت القضايا الدينية ومناقضاتها على مستوى واحد في العرف الابستيمولوجي.
تأسيساً على ذلك، لابدّ أن يعيش المتدين العقلاني ظروف عدم الاطمئنان، بيد أن المهم والظريف في آن واحد هو كون المتدين بالرغم من «عدم اطمئنانه» يشعر بـ«طمأنينة» حالمة في أعماق روحه.
كنموذج لذلك لو ألقينا نظرة على كتاب دفاع Apolopy لأفلاطون الذي يعرض فيه دفاعيات سقراط؛ لألفينا أنه كلما جرى النقاش عن الحياة بعد الموت، قال سقراط: «لو كان ثمة حياة بعد الموت...» ويعلق كريكغارد بأن سقراط لم يكن على يقين من الحياة بعد الموت، ومع ذلك نراه يستقبل الموت بشجاعة ظلت خالدة على امتداد التاريخ. ويضيف كريكغارد: كم ظهر فلاسفة تصوروا أنهم برهنوا على الحياة بعد الموت ببراهين قاطعة، لكنهم كانوا يرتعدون كالجرذان إذا تذكّروا الموت. فهم رسمياً يؤمنون بالحياة بعد الموت، غير أن هذا الاطمئنان لم يمنحهم الطمأنينة، بينما لم يكن سقراط مطمئناً لكنه يسبح في لجّة لا متناهية من الطمأنينة، لم يكن على يقين، إلاّ أن دفء السكينة كان يدثره بكل حنان. وهكذا المؤمن المتعقل في كل فصول حياته يفارقه اليقين والاطمئنان وتعانقه الطمأنينة وسكون الخاطر.
وقد ورد في القرآن بشأن النبي محمد صلّى الله عليه وآله وسلّم: ومن الليل فتهجّد به نافلة لك عسى أن يبعثك ربّك مقاماً محموداً. ولنا أن ندقق في كلمة «عسى» ذات الدلالات الخاصة على عدم اليقين.
نموذج آخر قول الإمام السجّاد عليه السلام في الصحيفة السجادية: «إلهي لسنا نتّكل في النجاة على أعمالنا بل بفضلك علينا».
المتدين العقلاني يعي جيداً تعذّر نحت براهين عقلية لصالح أي من الدعاوى الدينية، ويعترف بهذه الحقيقة، فالإنسان الصادق يقر؛ أنني بالرغم من تديني والتزاماتي الروحية والسلوكية، لكنني في الوقت ذاته لا أستطيع إثبات أي من القضايا الدينية اثباتاً عقلياً، غير أن هذا التعذّر لا يسلب مني طمأنينتي أو إيماني. هذه نقطة مهمة جداً لخّصها الكاردينال نيومن بقولـه: «شيئان تجتمع فيهما الطمأنينة مع عدم الاطمئنان، الإيمان الديني والحب».
يقول الله تعالى في القرآن الكريم: الذين يظنون أنهم ملاقو ربهم هنا أيضاً يستخدم القرآن مفردة «الظن» تأشيراً إلى عدم الاطمئنان للشيء. والواقع أن القرآن لا يتطرق للحقائق الغيبية الماورائية إلاّ بمفردات من قبيل «الظن» و«لعلّ» و«عسى» و... الخ.
السمة الثامنة: النزعة الإنسانية
التدين العقلاني يحتم على صاحبه خدمة أبناء جلدته لمحض اعتبارات إنسانية، وبعيداً عن أية حواجز قومية أو وطنية أو دينية أو فئوية أو... الخ. وقد ورد في الحديث «الناس عيال الله أنفعهم لهم أحبّهم لي» وفي الحديث القدسي «الناس عيالي أنفعهم اليهم، أحبّهم الي»، وبتعبير الشاعر الإيراني «أعشق كل العالم لأن كل العالم من المعشوق». ويقرّر القرآن الكريم في وصفه للرسول أنه رحمة للعالمين ولم يقل رحمة للمسلمين أو رحمة للمؤمنين. المتدين العقلاني يرى أن الإنسان بما هو إنسان جدير بالاحترام وبإسداء الخدمة والمساعدة.
ويشير الفيلسوف وعالم النفس الأمريكي وليام جيمز في كتابه «أنواع الحالات الدينية» إلى خصائص القديسين ومنها «لم أعرف على مرّ التاريخ قديساً يسأل أحداً: ما هو دينك؟» فالمقدسون حياتهم مفعمة بالعطف والشفقة على كل البشر بما هم بشر، لا من حيث انتماؤهم الديني أو المذهبي. هذه الشفقة الشاملة تزدهر في النفوس حينما ينتصر المرء على ثلاثة معيقات في ذهنه، أثناء التعامل مع إخوانه من بني الإنسان، نوجزها فيما يلي:
أولاً: حينما نواجه إنساناً ينبغي نسيان الماضي، والتحرر من سجنه، فما لم نتحرر من قيود الماضي سنعجز عن محبة كل الناس. إذ قد يكون الماضي زاخراً بالصعاب والمماحكات والنزاعات، وإذا أردنا النبش في سوابق الأفراد تعذّر علينا أن نحبّهم وننظر إليهم نظرة عطف ومودّة.
ثانياً: علينا مضافاً إلى تجاوز الماضي تجاوز ظواهر الأفراد، فتارةً قد لانعلم عن ماضي الشخص شيئاً على الاطلاق، لكننا حينما نراه نحكم عليه بإملاء من ظاهره، ونتخذ مواقف متسرعة، دعامتها ظواهر الأشخاص دون حقيقتهم.
ثالثاً: لابدّ أيضاً أن نعتق أنفسنا من معتقداتنا ومتبنياتنا؛ لأنها قد تعمل كسد منيع يحول بيننا وبين مودة البشر بما هم بشر، فلو سلكنا سبيل التبعيض بأن نعطف على مماثلينا في المعتقدات والقناعات دون سواهم، فلن نجد من نحبه أو يعطف علينا. فقناعات البشر متفاوتة، وإذا حال هذا التفاوت دون تآخيهم وتواددهم عمّت الأحقاد والبغضاء، حتى بين أبناء الفرقة الواحدة. لذلك أرى أن المتدين المتعقل هو من يشفق على كل الناس بصفتهم آثاراً لله «ومن أحب شيئاً أحب آثاره».
السمة التاسعة: مصارحة الذات
فضلاً عن سمات «الرؤية الدينية» و «السلوك الديني» على المتدين العقلاني الاتصاف بأربع سمات، يمكن تصنيفها تحت عنوان «النزعات الدينية». فالمتدين المتعقل يتسم بأربع ميزات فيما يخص تصوراته عن العالم، ولا ريب أن تصوراته هذه للعالم تترك بصماتها على سماته الرؤيوية والسلوكية.
أولى سمات المتدين المتعقل في مضمار «النزعات الدينية» أن تكون لـه نظرته الواقعية للذات، بمعنى أنه يتوجب عليه مواجهة روحه الحاسرة عن كل الأقنعة بكل صراحة وبدون أي مجاملات أو مغالطات، والتأشير على نقاط قوته وضعفه.
هل انتبهنا إلى نقطة دقيقة جداً هي حثّ جميع الأديان على «التوبة»؟ وهل تساءلنا عن مبررات كل هذا الاهتمام؟ المبرر هو أن التوبة تعني نظرة واقعية يلتقيها الإنسان عن نفسه، فكما نستطيع النظر للآخرين بواقعية، يتوجّب إلقاء نفس النظرة الواقعية على أنفسنا، والذي ينظر لنفسه من هذه الزاوية يستطيع أن يتوب، فالتوبة علامة نظرة محايدة للذات، ومؤشر مراجعة حسابات نزيهة يمارسها الإنسان مع نفسه.
هذا النمط من النظر للذات سمة يتصف بها المتدين العقلاني، فخلافاً للمتدينين بالوراثة، السيئي الظن بغيرهم، الراضين عن أنفسهم، يسيئ المتدين العقلاني الظن أكثر ما يسيئه بنفسه.
إذن على المتدين العقلاني ما يلي:
أولاً: أن ينظر لنفسه في وقتها الحاضر، ويتقبل ذاته كما هي.
وثانياً: الاعتراف بعدم قدرته على الفكاك من قبضة الماضي الحديدية، فما من بشر قادر على التنصل من ماضيه.
وثالثاً: أن لا يرى حسناته ومناقبه أشد أو أقل مما هي عليه فعلاً.
هذه التفريعات الثلاثة على السمة التاسعة من سمات المتدين العقلاني، يكتنف في إطاره ما يقارب نصف الخصال الأخلاقية التي يدعو إليها الدين.
السمة العاشرة: استيعاب هفوات الآخرين
المتدين العقلاني يحاول تفهم نقاط ضعف كل البشر، فمتى يستطيع الإنسان تفهم نواقص الآخرين ياترى؟ وبعبارة أخرى ما هي النظرة للآخرين التي تجعلنا نصبر على هفواتهم ونحتملها؟ إننا نعجز عن استيعاب أخطاء غيرنا من الناس، حينما ننظر إليهم كنتيجة نهائية لا كعملية موقتة، فحينما ننظر لأي إنسان ـــ وحتى لأنفسنا ـــ باعتباره «نتيجة» سيتعذر علينا أن نحبّه لما نرى فيه من خطايا وكبوات. أما إذا نظرنا إليه كـ«صيرورة» أي تفاعلات وجهود مستمرة، لا تكون نتيجتها النهائية مشابهة لها بالضرورة، حينئذ لن يعود من المستحيل أن نودهم ونحسن إليهم.
النظر للآخر كـ «صيرورة» نقطة مهمة جداً لابدّ من مراعاتها حتى مع الذات. وفيها لا يعتبر الفرد نفسه سوى فاعلية متواصلة تكتنف العديد من التغيرات والتحولات والتكامل، ما يعين على استيعاب الهفوات وعدم اليأس من تلافيها. يحضرني هنا قول لوليام جيمز يؤكد فيه أن «إحدى أهم خصال القديسين صفحهم عن الآخرين كل الآخرين، وحتى عن ذواتهم». فالمتدين العقلاني يعفو عن الآخرين وعن نفسه أيضاً، فتتسع شفقته وصفحه للجميع.
السمة الحادية عشرة: الثقة بالنفس
لا يتراجع المتدين المتعقل عن متبنياته ومبادئه حتى لو خالفه فيها كل المجتمع. إنه يقبض على ما يؤمن به، رغم كل ما يتعرض لـه من ضغوط نفسية ومادية يسلطها عليه المجتمع والبيئة المحيطة. وهو من الرسوخ في إيمانه والاقتناع بمعتقداته إلى درجة الاعتصام بها، رغم المكوث وسط بيئة اجتماعية معارضة لها تماماً.
لا ينتظر المتدين المتعقل أن يبلغ المجتمع الصلاح حتى يتبناه هو أيضاً ويكتسب صلاحه من صلاح المجتمع. فهذا الانتظار يضمر في داخله إشكاليتين أساسيتين:
الاشكالية الأولى: منطقية, فالذي يفكر أن ينتظر صلاح المجتمع، وإذا صلح المجتمع صلح هو الآخر بصلاح المجتمع، يكون قد سقط أولاً في تناقض منطقي. فالمجتمع ليس سوى أفراده، وإذا انتظر كل واحد من الأفراد صلاح المجتمع (صلاح الآخرين) فلن يصلح منهم أحد، وبالتالي لن يصلح المجتمع، مهما امتد به الزمن. إذ أن الكل في هذه الحال ينتظر شيئاً غير موجود، ولأن غير الموجود هذا معدوم فلن يأتي بحال من الأحوال، وسيبقى الجميع صرعى أفيون الانتظار.
الإشكالية الثانية: وهي واقعية (Factual) يمليها الواقع وتتبلور في فكرة أن المجتمع المثالي لن يتحقق في يوم من الأيام على الكوكب الأرضي، فلم يزعم أي دين أو مذهب أنه يسوغ مجتمعاً مثالياً مئة بالمئة، فالأديان توصي بتطهير المجتمع، ولم يعد أي منها بقيام مجتمع مثالي. وكل الذين حاولوا توفير مجتمع مثالي، ضاعفوا من آفات مجتمعهم المريض. وحينما قال الله عزّوجلّ للبشر: اهبطوا من الجنة فمعنى ذلك أن الجنة لن تتوفر على الأرض، لكن بالامكان العمل لتحسين الواقع وإصلاحه إما يأتينّكم منّي هدى....
التصور المتزن للواقع، هو أن علينا المكوث فيه، واحتماله بكل ما فيه من خطوب وبلايا. ومن المناسب الإشارة في هذا المقام إلى توصية الديانة الهندوسية بأن يحمل القادمون إلى المعبد زهرة النيلوفر معهم. إنها حركة رمزية ذات مغزى عميق، فزهرة النيلوفر رغم كل جمالها لا تنمو إلاّ في المستنقعات الآسنة. والداخل إلى المعبد بهذه الوردة كأنه يخاطب الخالق العظيم: إلهي إن كنت قادراً على استنبات هذه الورود الرائعة من المستنقعات العفنة، فلا شك في أنك قادر على جعلي زهرة عطرة وسط هذا المجتمع الآسن.
السمة الثانية عشرة: تحاشي الوثنية
السمة الأخيرة في هذا العرض هي أن المتدين العقلاني يتجنّب كل مظاهر الوثنية، فلا ينساق في نظرته للعالم إلى ما يشبه الوثنية والتصنيم. والوثنية المرادة هنا هي تإليه أشياء ليست هي الله، وبتعبير فلسفي «إطلاق الأمور النسبية». فإذا جعل الإنسان من النسبي مطلقاً فقد نحت منه صنماً يعبده. وشهادة الدين الإسلامي «لا إله إلاّ الله» فلا معبود إلاّ الله، ولا شيء جدير بالتقديس والعبادة سوى ذات الباري عزّوجلّ. ومن ناحية يتفق جميع المسلمين على أن الله غير قابل للمشاهدة عياناً، فإذا كان الصحيح أن نعبد ربّاً لا يرى، كانت فحوى هذا الكلام أن كافة الأشياء المرئية ليست أهلاً للعبادة. السلطة، الثروة، النجاح الاجتماعي، المكانة الاجتماعية، الشخصيات، العقائد، وحتى الدين، أصنام طالما عبدها الإنسان بدل الله. الدين أيضاً مما ينبغي احتراز عبادته، فمثلما أن الأنبياء والأئمة ليسوا هم الله ولا تصح عبادتهم، كذلك الدين لا يمثِّل المعبود الكبير، ولا يصح توثينه وعبادته. الدين ليس الله بل هو منزل من قبل الله. والصواب هو عبادة الله دون الدين. والسؤال الذي يثار في هذا الخضم؛ كيف لنا أن نميّز ما نحن عاكفون على عبادته؟ يقدم علماء نفس الدين وعلى رأسهم أريك فروم أطروحتين للإجابة عن هذا الاستفهام:
الأولى: أننا إذا كنّا على استعداد للتضحية بكل شيء من أجل شيء معين، ولسنا مستعدين للتضحية به من أجل شيء، فهو صنمنا الذي نعبده، وبهذا نكتشف أن الكثير من الناس يعبدون إلهاً غير إله الأديان التي ينتقونها، ويخالون أنهم يعبدونه.
والثانية: أن ننقّب في دواخلنا لنرى ما الذي نخضع لـه دون أي نقاش أو تمحيص، فإذا خضعنا لشيء دون نقاش ودراسة فهو وثننا الذي نركع في حضرته.
جاء في القرآن الكريم عن النصارى واليهود اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً من دون الله ذلك أنهم أطاعوهم طاعة عمياء ولم يسائلوهم عن شيء، وهذه وثنية خلافها أن لا نتخذ مطلقاً سوى المطلق، ونصدق أن كل ما عداه أمور نسبية. إن إطلاق النسبي كما يرى تيليش أكبر معضلة يواجهها المجتمع، فكل واحد منا لـه صنمه الذي اتخذه إلهاً من دون الله وعكف على عبادته وطاعته. والمثير أن الإمام الصادق عليه السلام سئل عن هذه الآية اتخذوا أحبارهم ورهبانهم... هل عبدوهم حقاً كما يعبد الله؟ وهل طالبهم الأحبار والرهبان أن يعبدوهم بدل أن يعبدوا الله؟ فكان جواب الإمام نفياً أن الأحبار والرهبان لم يقولوا للناس اعبدونا دون الله، وإنما عاملهم الناس معاملة لا تصح إلاّ مع الله. ثم يضيف الإمام أن الله وحده الذي يسمع قولـه دون نظر، بينما اليهود والنصارى أخذوا أقوال أحبارهم ورهبانهم دون نظر وتمحيص، فكانوا يصدقونهم ويؤمنون لهم لمجرد أنهم علماء دين وبدون أن يطالبوهم بالأدلة على مزاعمهم.
خلاصة القول: إنّ الإنسان اذا ارتبط مع عالم دين، أو أى إنسان آخر، بالعلاقة التي يجب أن تربطه بالخالق، فقد عبده واتخذه وثناً، فالله وحده هو الذي لا يُسأل عمّا يفعل. المتدين العقلاني بتعبير دانتي يقلّم دائماً غابة حياته من الآلهة المزيفة. وهذه ممارسة عقلانية بلا جدال، يقوم بها المتدين المتعقل، خاضعاً لله وحده. فهل نحن كذلك فعلاً؟ كلا، بالتأكيد، فغاباتنا غاصة بالآلهة المزيفة، وأبرزها عبادة الشخصيات عبادة بعيدة كل البعد عن التوحيد، ولا تكاد تلمح حدودها الفاصلة عن الوثنية. وعبادة الشخصيات ليست حكراً على علماء الدين، لو عبد الطالب الجامعي استاذه فقد مسّه طائف من الوثنية.
لقد منعنا من عبادة كل ما سوى الله، حتى لو كان ديناً أو مذهباً دينياً أو شخصية دينية، وأمرنا أن نقلِّم باستمرار غابات حياتنا من الأصنام والآلهة المزيفة، فهل نحن فاعلون؟!

مصطفى ملكيان: مفكّر إيراني معاصر