صفحة الاستقبال منبر الجمعة - خطب جمعية خطبة الجمعة 09 ـ سبتمبر ـ 2011 - وماذا بعد رمضان

كتاب التربية الإسلامية والتنشئة على القيم

خطبة الجمعة 09 ـ سبتمبر ـ 2011 - وماذا بعد رمضان طباعة أرسل إلى صديق
الكاتب: خالد التلمودي   

الإمام خالد التّلمودي                          09 ـ سبتمبر ـ 2011

جامع الصّبر خزامة الغربيّة                         10 ـ شوّال 1432

 

" وماذا بعد رمضان "

 


إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستهديه ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلن تجد له وليا مرشدا الحمد لله الذي هدانا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله الحمد لله الذي خلق السماوات والأرض وجعل الظلمات والنور ثم الذين كفروا بربهم يعدلون وأشهد أن لا اله إلا الله وحده لا شريك له الملك وله الحمد وهو كل شيء قدير وأشهد أنّ محمدا رسول الله 
يا خير من دفنت بالقاع أعظمه فطاب من طيبهن القاع والأكم
نفسي الفداء لقبر أنت ساكنـه فيه العفاف وفيه الجود والكرم
لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رؤوف رحيم صلى الله عليه وعلى آله وسلم
يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون

وبعد أحبتي في الله
منذ أيّام قلائل ودّعنا شهر رمضان، شهر الله المبارك،ولا يمكن أن ننسى هذا الشّهر لمجرّد انقضائه ،،،،فالصّحابة الكرام يمضّون الأشهر الستّ الأولى وهم يدعون :" اللهمّ تقبّل منّا الصّيام" وهذا يدلّ على التزامهم بما قدّموا فيه من الطّاعات واستمرارهم على الطّاعات والقربات التي تبلغ أوجها في شهر الصّيام فحريّ بنا أن ننهج نهجهم ولو في الحدّ الأدنى ،،،أي لا ينبغي أن تنقطع صلتنا برمضان بمجرّد مرور يوم العيد ،،،خاصّة   وأنّنا قد بنينا في هذا الشهر بناء عظيما وتقدّمنا على طريق الله سبحانه وتعالى خطوات واسعة وعشنا رمضان بقلوبنا وأرواحنا في أرقى الأوقات وأحبّها إلى الله تعالى اعتكافا وتهجّدا وعشنا مع القرآن،،،،،، وليس ذلك إلاّ بتوفيق من الله  ولكن أحبّتي في الله،، انتبهوا جيّدا لهذه الآية العظيمة التي يسوقها الله في باب المثال الحسّي  يقول ربنا سبحانه وتعالى : "وَلاَ تَكُونُواْ كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِن بَعْدِ قُوَّةٍ أَنكَاثاً  " [النحل : 92] يعني لا تكن كتلك المرأة التي تغزل الغزل ثم إذا ما انتهت مما أحسنت وصنعت عادت فأفسدت كل ما غزلت فهل هذه المرأة إلا امرأة مجنونة لا تدرك ما تفعل فهي تضيّع ما تصنع وتفسده بعد جهد تكبّدته ووقت ضيّعته ومال أنفقته .......

 فحال من كان من أهل الطاعات في رمضان ثم تركها كحال تلك المرأة التي تبني ثم تهدم ، تغزل ثمّ تنقض  وها هو رمضان قد مرّ من بين أيدينا وكأنه سوق قام وانفضّ ففاز فيه من فاز وخسر فيه من خسر،،،، وبين الفائز والخسران فرق عظيم  فالفائز قد فاز فيه بالرضوان والمغفرة فاز فيه بالعتق من النيران وما أعظمه من فوز  وأسال الله سبحانه وتعالى أن يجعلنا من الفائزين  أما من خسر قد وقع تحت دعاء النبي صلى الله عليه وسلم : "خاب وخسر من أدرك رمضان ثم لم يغفر له" ولأنّ رمضان بمثابة وقفة مع النفس لتوجيهها إلى ما ينبغي فعله وما ينبغي تركه ، هو فرصة لتعرف طاقتك الإيمانيّة ، لتدرك حلاوة الإيمان  ، لتدرك سعادتك وأنت مع الله ، والآن وبعد أن انقضى رمضان .. ماذا بعد رمضان؟هل تخرجنا من مدرسةِ رمضانَ بشهادة التقوى؟هل اتخذنا من رمضانَ قاعدةً للمحافظة على الصلاة في باقي الشهور.. ومنطلقاً لترك المعاصي والذنوب؟
ماذا بقي في قلوبنا من أثر هذا الشهر الكريم؟ ماهي أحوالنا بعد رمضان؟

 لقد انقضى رمضان ، وانقسم الناس بعده إلى ثلاثة أقسام :
1-
القسم الأول : قوم كانوا على خير وطاعة ، فلما جاء رمضان شمروا عن سواعدهم ، وضاعفوا من جهدهم ، وجعلوا رمضان غنيمة ربانية ، و منحة إلهية ، استكثروا من الخيرات ، و تعرضوا للرحمات ، وتداركوا ما فات ، فما انقضى رمضان إلا و قد علت رتبهم عند الرحمن ، وارتفعت درجاتهم في الجنات، وابتعدت ذواتهم عن النيران . 
2-
القسم الثاني : قوم كانوا قبل رمضان في إعراض وغفلة، فلما أقبل رمضان أقبلوا على الطاعة والعبادة ، صاموا و قاموا ، قرءوا القران و تصدقوا ، ودَمَعت عيونهم و خشعت قلوبهم ، ولكن ، ما إن ولّى رمضان حتى عادوا إلى ما كانوا عليه ،عادوا إلى غفلتهم ، عادوا إلى ذنوبهم ،وكلّما تمرّ الأيّام إلاّ ويزيد الجفاء
3-
القسم الثالث : قوم دخل رمضان و خرج رمضان ، وحالهم كحالهم ، لم يتغير منهم شيء ، ولم يتبدل فيهم أمر ، بل ربما زادت آثامهم ، وعظمت ذنوبهم ، واسودت صحائفهم .(ورَغِمَ أنف رجل دخل عليه رمضان ثم انسلخ قبل أن يغفر له) رواه الترمذي عن أبي هريرة.أولئك هم الخاسرون حقا . وليس أمامهم إلا التوبةُ إلى ربهم ، و تداركُ ما بقي من أعمارهم . 
قال الحسن البصري : ( إن الله جعل رمضان مِضماراً لخلقه ؛ يتسابقون فيه بطاعته ، فسبق قوم ففازوا ، وتخلف آخرون فخابوا . فالعجب من اللاعب الضاحك في اليوم الذي يفوز فيه المحسنون و يخسر المبطلون ) .

فالرابح في هذا الشهر هو من حاز القبول وعلامة القبول هو استمرار الطاعات بعد شهر رمضان ولو بالقليل فأحبّ الأعمال إلى الله أدومها وإن قل  فلننظر إلى أعمالنا في رمضان ولنحاول أن نستمر عليها فيما بعد رمضان

إنّ  من أعظم الطاعات التي كانت في رمضان الصيام فبعد رمضان مباشرة هناك الأيام الستّ التي تحدث عنها النبي صلى الله عليه وسلم فقال : من صام رمضان ثم اتبعه ستاٍ من شوال فكأنما صام الدهر كله " وهذا لأن الحسنة بعشر أمثالها  فمن صام شهرا فكأنما صام عشرة أشهر ومن صام الست فكأنما صام شهرين فهذا يعادل صيام عام........
ومن أفعال الخير التي فعلنا هي صلاة المسجد فقد كانت المساجد تمتلأ بالمصليين ،،،،،،،،لكن أين ذهبوا؟هل جاءوا في رمضان ثم رحلوا عنا؟ هل هم من عبّاد رمضان فحسب ؟ألم نعلم أجر صلاة المسجد ؟وقد تحدث النبي صلى الله عليه وسلم عن هذه الأجور كثيرا فقال:  ألا أدلكم على ما يمحو الله به الخطايا ويرفع به الدرجات : إسباغ الوضوء على المكاره وكثرة الخطى إلى المساجد وانتظار الصلاة بعد الصلاة فذلكم الرباط فذلكم الرباط فذلكم الرباط " وقال :" بشر المشاءين إلى المساجد في الظلمات بالنور التام يوم القيامة "

 وقال تعالى :"  فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَن تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ ، رِجَالٌ لَّا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاء الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْماً تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ ، لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَيَزِيدَهُم مِّن فَضْلِهِ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَن يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ "[النور : 38] "


أقول قولي هذا واستغفر الله لي ولكم 

 

 

 

 

 

 

 


                           الخطبة الثانية 

 الحمد لله نحمده ونستعينه ونستهديه ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلن تجد له وليا مرشدا

أحبتي في الله
كلنا يعلم أن أعمال الخير كثيرة ومتعددة
فعلينا أن نحافظ عليها ونستمر فيها حتى نكون من الفائزين في الدارين
هذا وهناك أعمال غير بدنية وجب علينا أن نتوقف معها  وهي أعمال القلوب
فرقّة القلب وتقواها والخشية من الله وحبّ الله وحب الخير وبغض الشر............
كل هذه الأعمال إنما يحتاج تحصيلها إلى جهد عظيم فحتى تعود إلى الله بقلب سليم يجب أن تنقّي قلبك في هذه الحياة الدنيا من كلّ الأحقاد والضّغائن والله تعالى يقول : "ولا تخزني يوم يبعثون يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من آتي الله بقلب سليم " وفي الحديث: «إن العبد إذا أذنب ذنبًا كانت نكتة سوداء في قلبه فإن هو تاب ونزع، صقل قلبه، فإن عاد، عادت حتى يسود قلبه فذلك الرّان الذي قال الله عنه: }كَلا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ{ [المطففين 14]» أخرجه النسائي والترمذي وقال حديث حسن صحيح.

إذا المعاصي بأنواعها تقسّي القلوب إلى حدّ الاسوداد ، والطّاعات تليّنها  وتجلّيها وتصقلها  مع المداومة على الاستغفار والذّكر وتلاوة القرآن    .

فاتقوا الله عباد الله واحذروا المعاصي صغيرها وكبيرها، وعليكم بملازمة الاستغفار والتوبة فإن الله يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار، ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل حتى تطلع الشمس من مغربها، ليس في رمضان فحسب بل في سائر الأيّام ولكن بعدها لا ينفع نفساً إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيراً. ولندع الله في هذه السّاعة مع العزم على مفارقة المعاصي والانقطاع عنها  .

فالحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنّا لنهتدي لولا أن هدانا  الله  والحمد لله الذي جعلنا من المسلمين ومن أمّة هذا النبيّ الكريم ، اللهمّ صلّ على سيّدنا محمّد كما تحبّ وترضى ، صلّ عليه في الأوّلين صلّ عليه في الآخرين ، صلاة دائمة طيّبة مباركة

اللهم من اعتز بك فلن يذل، ومن اهتدى بك فلن يضل، ومن استكثر بك فلن يقل،ومن استقوى بك فلن يضعف، ومن استغنى بك فلن يفتقر،ومن استنصر بك فلن يخذل، ومن استعان بك فلن يغلب،ومن توكل عليك فلن يخيب،ومن جعلك ملاذه فلن يضيع، ومن اعتصم بك فقد هدى إلى صراط مستقيم، اللهم فكن لنا وليا ونصيرا، وكن لنا معينا ومجيرا، إنك كنت بنا بصيرا

اللهمَّ إنا نسألك في صلاتنا ، وفي صيامنا وفي قيامنا وفي سجودنا ودعائنا بركة تُطهر بها قلوبنا، وتكشف بها كروبنا، وتغفر بها ذنوبنا، وتُصلح بها أمورنا، وتُغني بها فقيرنا، وتُذهب بها شرنا، وتكشف بها همنا وغمنا، وتشفي بها مريضنا، وتقضي بها ديننا، وتجلو بها حزننا، وتجمع بها شملنا، وتُبيّض بها وجوهنا يا أرحم الراحمين. اللهمَّ عليك اتكالنا،فلا تكلنا إلى غيرك طرفة عين وفيما عندك عظمت رغبتنا ورجاءنا، فأقبل توبتنا،وإليك نشكو ضعفنا فارحم ضعفنا،وتجاوز عن سيَئاتنا واغفر خطيئاتنا، واقبل معذرتنا، واجعل لنا من كل خير نصيباً،ومن كل ضيق مخرجا،ومن كل  همَ فرجا وإلى كل خير سبيلاً برحمتك يا أرحم الراحمين اللهمَّ لا هاديَ لمن أضللت، ولا معطيَ لما منعت، ولا مانع لما أعطيت، ولا باسط لما قبضت، ولا مقدم لما أخرت، ولا مؤخر لما قدمت،اللهمّ نسألك كما بلّغتنا رمضان أن  تتقبّل منّا صيامنا  وقيامنا  وأن تجعلنا عنذك من المقبولين  اللهمَ انصر المجاهدين في كلّ مكان وأهلك الطّغاة المتحبّرين  

وارحم والدينا ومن علَمنا وعلمناه واهد شباب المسلمين إلى خير العمل وخير البر وخير التقوى واهدنا إلى ذلك أجمعين

. اللهمَ  قد قلت وقولك الحقَ:"ادعوني أستجب لكم " فها أننا ندعوك كما أمرتنا فاستجب لنا كما وعدتنا إنك لا تخلف الميعاد وصلّ اللهمّ وسلّم في البدء والختام على سيّد الأنام

وآخر دعوانا أن الحمد لله ربَ العالمين