صفحة الاستقبال منبر الجمعة - خطب جمعية خطبة يوم الجمعة 30ـ سبتمبر ـ 2011 - التشويق للحج

كتاب التربية الإسلامية والتنشئة على القيم

خطبة يوم الجمعة 30ـ سبتمبر ـ 2011 - التشويق للحج طباعة أرسل إلى صديق
الكاتب: خالد التلمودي   

الإمام خالد التّلمودي                          30 ـ سبتمبر ـ 2011

جامع الصّبر خزامة الغربيّة                      03ـ ذو القعدة 1432

 

                                 التّشويق للحجّ

 

 

  الحمد لله.. الحمد لله رفع شعائر الإسلام وأبانها لخلقه واضحة المناهج والأعلام.. فاضل بين الشهور والأيام وجعل الحج من أركان الدين العظام.. أحمده -سبحانه- وأشكره وأستوجب منه عفوه الجميل وأستغفره من الخطايا والآثام، وأسأله الهداية والتوفيق والدخول في زمرة من قال ربي الله ثم استقام..

وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له.. هو الحي القيوم الذي لا ينام، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله المفضل على سائر الخلق والأنام.. صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته الكرام.

أما بعد: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنظُرْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ) [الحشر: 18

أيها المسلمون:بعد انقضاء شهر رمضان و شهر شوّال يهلّ علينا شهر ذو القعدة إيذانا بقرب أداء مناسك الحجّ ، وإن كانت هذه العبادة المتميّزة تخصّ القلّة القليلة أداء ،إلاّ أنّها تشمل الجميع بركة وأنوارا لفضل المكان وعلوّ شأن الزّمان نسال الله تعالى أن يكتب الحجّ للجميع وأن يتقبّل من كلّ من حجّ واعتمر

إخوة الإيمان بعد أيّام قلائل تستقبل مكة المكرّمة وفود الحجيج ويحتضن المسجد الحرام ضيوف الرحمن في مواكب مهيبة تجللهم عناية الله.. جاءوا من كل فجٍّ عميقٍ يلبُّون نداء ربهم ويجيبون أذان خليله: (وَأَذِّن فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالاً وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ * لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ) [الحج: 27 - 28].

يتوجّه الحجيج يغمرهم الشوق ويحدوهم الأمل.. لرؤية بيت الله الحرام والطّواف به وتقبيل الحجر الأسود وشرب ماء زمزم  وللصّلاة في روضة المصطفى صلّى الله عليه وسلّم  ، هي روضة من رياض الجنّة  ، والسّلام على الحبيب ، وكلّ من سلّم عليه إلاّ وردّ عليه السّلام

يا خير من دفنت في الترب أعظمـه *** فطاب من طيبهـن القـاع والأكـم 
 

نفسي الفـداء لقبـر أنـت ساكنـه *** فيه العفاف وفيـه الجـود والكـرم
 

أنت الحبيب الذي ترجـى شفاعتـه *** عند الصراط إذا مـا زلـت القـدم 
 

 

يتوجّه حجيجنا الميامين إلى أطهر البقاع على وجه الأرض، طامعين في تكفير الخطايا لعلّهم يرجعون إلى أوطانهم كيوم ولدتهم أمّهاتهم

مكة المكرمة ، هذا البلد الأمين تاريخٌ وذكريات سيرةٌ ومسيرة: (إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكاً وَهُدًى لِّلْعَالَمِينَ * فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَّقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَن دَخَلَهُ كَانَ آمِناً) [آل عمران: 96 - 97].


إليه حَجَّ الأنبياء وصلَّى إمام الحنفاء.. من مكة شعَّ نور الهدى وانطلقت رسالة التوحيد حتى عمَّت أرجاء الأرض وغيرت العالم وأرست أجمل وأعظم حضارة عرفها التاريخ.. مكة مركز العالم ورمز وحدة المسلمين ومصدر النور للعالمين.. أفضل البقاع عند الله وأحب البقاع عند رسول الله -صلى الله عليه وسلم-.


مكة المكرمة (أم القرى) بها ميلاد أشرف الورى.. على رباها نشأ وترعرع وفي أرجائها مشى وما تضعضع.. نصف قرنٍ من الزمان شهدت حياة النبي -صلى الله عليه وسلم- في مكة؛ فأيُّ شرفٍ يعلو هذا الشرف، ولو نطقت هذي الربى؛ فأي سيرة ستذكر وأي تاريخ ستسرد..


في هذه البقاع نزل جبريل -عليه السلام- بالوحي، وصدع النبي -صلى الله عليه وسلم- بالتوحيد من (جبل الصفا).. لو حدثتكم الكعبة أو حكى زمزم والمقام لقالوا: كان هنا أبو بكرٍ وعمر، وكان عثمان وعلي وغيرهم من الصحب الكرام -رضوان الله عليهم أجمعين- أضاءوا الدنيا وطهروا الأرض، واعترك التوحيد مع الوثنية حتى أظهر الله الدين..


هنا وقف النبي -صلى الله عليه وسلم- أمام الكعبة ليقرر مبادئ الدين العظمى ويرسم نهج الإنسانية الأرقى.. والذي عجزت عن تحقيقه كل حضارات البشر إلى يومنا هذا.

حجاج بيت الله الحرام:يا من عزمتم على الحجّ هذه السّنة ، ويا من حججتم آنفا  هنيئاً لكم بلوغ بيت الله المعظم.. هنيئاً لكم هذه الشعائر والمشاعر.. شرف الزمان وشرف المكان مع عظيم الأعمال؛ فاحمدوا الله على ما حباكم من هذه النعم واشكروه؛ فقد تأذَّن بالزيادة لمن شكر.

يسَّر الله حجكم، وحفظكم من كل مكروه، وجعل حجكم مبروراً وسعيكم مشكوراً، تقبل الله منَّا ومنكم.


أيها المسلمون: إن قصد هذه البقاع الطاهرة يكفِّر الذنوب ويمحو الآثام ويحط الأوزار، بل ليس للحج المبرور جزاءٌ إلا الجنة.. قول نبيكم -صلى الله عليه وسلم-.

كم اشتاقت لبطحاء مكة النفوس وهفت لرباها القلوب، وكم باكٍ شوقاً وتوقاَ، .. يتمنى المبيت ليلةً بمنى أو الوقوف ساعةً بعرفة أو المشاركة في ليلة مزدلفة والمزاحمة عند الجمرات.. أو الطواف بالبيت وسكب العَبَرَات، يتمنى هذه المواطن حيث تسيل العَبَرَات وتنزل الرحمات وتُقَالُ العثرات وتُستجَاب الدعوات..


ما أجمل أصوات التلبية تعجُّ بها الطائرات في الأجواء وفي المراكب وفي الطّرقات : لبَّيْكَ الَّلهُمَّ لبيك. لبيك لا شريك لك لبيك. إن الحمد والنعمة لك والملك. لا شريك لك.


وجهةٌ واحدة وهدفٌ واحد.. كلهم مستجيبون ثم في حرم الله يلتقون.. إنها قوافل الإيمان ورحلة الحياة  وقبلة المسلمين اجمعين.

عباد الله حجاج بيت الله الحرام: إن منزلة الحج عند الله عظيمة ومكانته من الدين كبيرة.. أوجبه الله بقوله: (وَلِلّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ الله غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ) [آل عمران:97].


وهو من أفضل الأعمال إلى الله  ففي الصحيحين  أن النبي -صلى الله عليه وسلم- سُئِل: أيُّ الأعمال أفضل؟ قال: "إيمان بالله - عز وجل- "، قيل: ثم ماذا؟ قال: "جهادٌ في سبيل الله"، قيل: ثم ماذا؟ قال: "الحج المبرور".إنه تجارة الدنيا والآخرة وربح الدارين..إنّه طهرة شاملة من الذّنوب ففي الصحيحين: أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "مَنْ حجَّ هذا البيتَ فلمْ يرفُثْ ولم يفْسُقْ رجَعَ كما ولَدتْهُ أمّه".. هذا مع مضاعفة الحسنات ورفعة الدرجات  في الصّلاة فعن جابر -رضي الله عنه- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "صلاةٌ في مسجِدي هذَا أفضلُ منْ ألفِ صلاةٍ فيما سواه إلا المسجدَ الحرام، وصلاةٌ في المسجدِ الحرامِ أفضلُ من مائةِ ألْفِ صلاةٍ فيما سواه" رواه الإمام أحمد وابن ماجة بسندٍ صحيح، ..

أما عرفات.. وما أدراك ما عرفات! يقول النبي -صلى الله عليه وسلم-: "ما من يومٍ أكْثرُ منْ أنْ يعْتِقَ الله فيه عبداً من النَّار من يومِ عَرَفَة، وإنّهُ لَيدْنُو ثمَّ يباهِي بهِم الملائِكةَ فيقول: ما أرادَ هؤلاء؟" رواه مسلم من حديث عائشة -رضي الله عنها-.إنهم يريدون رحمة ربهم وجنته.. يريدون مغفرة ذنوبهم والعتق من النار، جاءوا من أقاصِي الدنيا وأطراف الأرض.. تركوا أهلهم وأوطانهم وأنفقوا كل ما يستطيعون للوصول إلى هذه الأماكن الشريفة.. وفي المقابل ترى  بعض الموسرين القادرين يتكاسلون عن أداء فريضة الإسلام.. ينفقون أموالهم ويضيعون أوقاتهم في السفر والنزهة واللهو والغفلة.....في حين لم يحجوا مرةً واحدة. قدّموا الدّنيا على الآخرة ،،،،ليعلم هؤلاء أنهم تركوا ركناً من أركان الإسلام.. يقول عمر بن الخطاب -رضي الله عنه-: "من كان ذا ميسَرةٍ فمات ولم يحج فلْيمُتْ إنْ شاءَ يهُوديًّا أو نصرانيًّا"، ورُوِي مثله عن علي بن أبي طالب - رضي الله عنه-.


فليتَّقِوا الله ولْيُبادر المستطيعُ قبل الفوات، ولو فاجأه العجْزُ أو الأجلُ فلَمْ ينفعه الاعتذار بالتهاون والكسل. أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: (وَلِلّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ الله غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ) [آل عمران: 97].

 

بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعنا بسنة سيد المرسلين.


أقول قولي هذا وأستغفر الله -تعالى- لي ولكم.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

                                    الخطبة الثانية

 

الحمد لله على إحسانه.. والشكر له على توفيقه وامتنانه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له تعظيماً لشانه، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله الداعي إلى رضوانه، صلَّى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه وإخوانه.


أما بعد: فيا أيها المؤمنون حجاج بيت الله العتيق: يقول تعالى: (ذَلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ) [الحج: 32].


-
ومن تعظيم الشعائر: إحسان العمل وإتمامه والحرص على كماله، واتباع هدي النبي -صلى الله عليه وسلم- في كل صغيرةٍ وكبيرة، وقد قال: "خذوا عني مناسككم". كما أن تتبع الرخص والتهاون في المناسك خذلانٌ ونقص.. والله -تعالى- يقول: (وَأَتِمُّواْ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلّهِ) [البقرة:196]..


-
كما أن من تعظيم شعائر الله: البعد عما ينقص الحج واحترام وتوقير الزمان والمكان الذي عظَّمه الحق -سبحانه-.


-
تجنب المراء والجدل والخصام والتشويش؛ فالقبول والمغفرة مشروطة بترك ذلك.. قال الله -عز وجل-: (الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَّعْلُومَاتٌ فَمَن فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلاَ رَفَثَ وَلاَ فُسُوقَ وَلاَ جِدَالَ فِي الْحَجِّ) [البقرة: 197].


وقد سبق قول النبي -صلى الله عليه وسلم- المخرَّج في الصحيحين: "