صفحة الاستقبال منبر الجمعة - خطب جمعية خطبة يوم الجمعة 7 اكتوبر 2011 مقــــاصد الحــــــجّ

كتاب التربية الإسلامية والتنشئة على القيم

خطبة يوم الجمعة 7 اكتوبر 2011 مقــــاصد الحــــــجّ طباعة أرسل إلى صديق
الكاتب: خالد التلمودي   

الإمام خالد التّلمودي                          07 ـ أكتوبرـ 2011

جامع الصّبر خزامة الغربيّة                      10ـ ذو القعدة 1432

 

                                 مقــــاصد الحــــــجّ

 

 

الحمد لله الذي فرض الحج على عباده مرة في العام والحمد لله الذي جعله أحد أركان الإسلام والحمد لله الذي جعله مغفرة من الذّنوب والآثام وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله خير من لبّى وحجّ إلى البيت الحرام صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيراً 

فاتّقوا الله عباد الله واعلموا أنّكم إليه ترجعون وعلى أعمالكم تحاسبون
أمــــــــا بــــــعـــــــد 
أيها المؤمنون والمؤمنات في مثل هذه الأيام من كل عام تسعى وفود المسلمين من مشارق الأرض ومغاربها باسم الله وعلى بركة الله إلى أعز بقاع أرض الله تؤدي فريضة الحج وتسبح في أنوار العبادات فتتداعى في النفوس أشرفُ الذكريات وأمجدُها ويتمثل في خواطر المؤمنين الصّادقين العارفين  ذلك المشهد الذي يصوره قول الحق تبارك وتعالى [وَإِذْ بَوَّأْنَا لإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَنْ لا تُشْرِكْ بِي شَيْئاً وَطَهِّرْ بَيْتِي لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ * وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالاً وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ * لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ].

بعد أن فرغ سيدنا إبراهيم عليه السلام من بناء البيت رفع يديه إلى السماء وقال:"يا رب قد فرغت من بناء بيتك فأوحى الله إليه أن أذن في الناس بالحج ،أي ناد في الناس داعياً لهم إلى الحج إلى هذا البيت الذي أمرتك ببنائه فقال إبراهيم عليه السلام فأين يبلغ ندائي فقال الله له عليك الأذان وعليَّ أن أُسمع عبادي فقام على الصفا وقال (يا أيها الناس إن ربكم قد اتخذ بيتاً فحجّوه ،،،حتى بلغ الصوت جميع أرجاء الأرض وأسمع من في الأرحام والأصلاب وأجابه من كتب له الحج  إلى يوم القيامة لبيك اللهم لبيك). إخوة الإيمان  اعلموا أنّ الحجّ التزام بأمر الله تعالى  ولكن في الآن نفسه  ما من تكليف شرعيّ إلاّ وله مقاصده وأهدافه فما هي مقاصد الحجّ ؟ نعلمها لكي نؤديها بدراية ووعي ويقين 

ــ في الحج تتجلى الوحدة الإسلامية والمساواة الإنسانية في أسمى صورها و أروع مظاهرها فإن الناس سواسية كأسنان المشط لا فضل لأحد على أحد إلا بالتقوى والعمل الصالح كما قال تعالى[إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ][وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا].

ـ وفي الحج يلتقي المسلمون من جميع أرجاء الأرض ليوثقوا روابطهم ويوحدوا صفوفهم وينظموا جهودهم ويثبتوا للدنيا أنهم أمة واحدة تعلو فوق المطامع والخلافات وتتطلع لرب الأرض والسماوات كيف لا وهم حَمَلةُ رسالة خالدة هي رسالة الخير والحب والسلام.

ـ وفي الحج رحلة للطاعة ومقصد للكريم الرحيم المنان ووفود على المنعم المتفضل لطلب المغفرة وحط الذنوب والأوزار (من حج ولم يرفث ولم يفسق رجع من ذنوبه كيوم ولدته أمه). 
ـ وفي الحج تجديد للعهد وتصفية للقلوب وغسل لها من أدران الحقد والحسد [فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدَالَ فِي الْحَجِّ]
ـ وفي الحج طرح للمباهاة وكسر للمفاخرة وتذكير بيوم الرحيل ولبس كلبس الكفن في منظر يشعر بالوحدة والمساواة ، الشعار واحد هو التلبية واللبس واحد هو الإحرام والعمل واحد هو سائر مناسك الحج

ـ وفي الحج تظهر وحدة الأمة وقدرتها واعتصامها بخالقها انتصارا للحق على الباطل والصواب على الخطأ والاتحاد على الفرقة والعزيمة والإصرار على الكسل والبطالةولعلّ الثّورات المجيدة التي زلزلت عروش الطّغاة  فأزالتهم خير وازع ومؤشّر على الوحدة الحقيقيّة المنشودة بين المسلمين ، لتزيل الحدود والعرقيّات

ـ وفي الحج تتجلى العبودية الخالصة والطاعة المحضة ،،،،،دوران حول الكعبة رمز المسلمين الخالد،  طاعة لله وامتثالاً لأمره واقتداء بنبيه صلى الله عليه وسلم يطلب الطائفون من صاحب البيت الجود والمغفرة ولذا يتقربون إليه بالهدايا والقرابين شكراً لهذه النعمة العظيمة [وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ] وقال تعالى: [لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ
ـ وفي الحج تذكر لأبينا إبراهيم وقد استجاب لأمر خالقه حين أمره بذبح فلذة كبده ووحيده وصبر هذا الابن الصغير البار وطاعته المحضة لله ثم لأبيه [فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنْ الصَّابِرِينَ * فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ * وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ * قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ * إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلاءُ الْمُبِينُ * وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ]. 

ـ وفي الحج تتساوى رؤوس الحجيج وتذل جباههم وتسقط الشعارات الزائفة وتتحطم النعرات ويقتل الكبرياء وتحرم الزّينة ليتساوى الغنيّ مع الفقيروالرّئيس مع المرؤوس فالرب واحد والدين واحد والتفاضل إنّما يكون بالتقوى [إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ]. 

ـ وفي الحج صراع مع الشيطان في كل اتجاه فهناك يقف في كل اتجاه وينازل الحاج في كل مشعر ولكن عزيمة الطاعة وقوة العبادة وصدق اللجوء يجعل اللعين طريداً راغماً حقيراً (ما رؤى الشيطان يوما هو فيه أصغر ولا أدحر ولا أحقر ولا أغيظ منه في يوم عرفة). 

ـ وفي الحج يتجلى محض الانقياد والإتباع حتى ولو كان من غير مألوف النفوس يقول عمر رضي الله عنه: (والله أني لأعلم أنك حجر لا تضر ولا تنفع ولو لا أني رأيت رسول الله يقبلك ما قبلتك). 

نعم إخوة الإيمان الحج عظيم في مناسكه عظيم في مظهره عظيم في نتائجه عظيم في منافعه وأثاره.وهو ارتباط بالواقع التاريخي للأمة الإسلامية التي انطلق تاريخها من هذه الديار المباركة المقدسة.

فعظّموا الله تعالى بتعظيم مناسكه واستهوه يهدكم واستغفروه يغفر لكم  وادعوه يجبكم إنّه سميع مجيب كريم حييّ يستحي أن يردّ دعاء من دعاه  والحمد لله ربّ العالمين

 

 

 

 

 

 

 


الخطبة الثّانية

 

الحمد لله الذي شرع الشرائع وبين الأحكام وفرض على القادرين حج بيته الحرام وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له الذي خصّ الحج بوقت وأطلق وقت العمرة في جميع العام وأشهد أن محمداً عبده ورسوله أفضل من طاف وسعى ولبس الإحرام صلى الله عليه وعلى آله و صحبه البررة الكرام 
عباد الله اعلموا أن من أراد الحج ينبغي له أن يعمـل أموراً غفل عنها الكثير من الناس ومن أهمها:

أولاً: المبادرة إلى التوبة النصوح من جميع الذنوب والآثام لقوله تعالى [وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعاً أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ] وحقيقة التوبة الإقلاع عن الذنوب وتركها والندم على ما مضى منها والعزم على عدم العود فيها.

ثانياً: الاجتهاد في الخروج من مظالم الخلق وردها إلى أصحابها مهما كانت صغيرة أو كبيرة سواء كانت مظلمة مالية أو وقوعاً في عرض أخيه المسلم. لما ورد عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من كانت عنده مظلمة لأخيه من عرضه أو شيء فليتحلله منه اليوم قبل ألا يكون دينار ولا درهم إن كان له عمل صالح أخذ منه بقدر مظلمته وإن لم يكن له حسنات أخذ من سيئات صاحبه فحمل عليه) رواه البخاري.

ثالثاً: الاجتهاد في قضاء الديون ورد الودائع والأمانات لأهلها وأداء حقوق الله من زكاة وكفارة ونذر مخافة أن تزول به قدم فتضيع حقوق الله وحقوق الناس.

رابعاً: كتابة وصيته قبل سفره وكتابة ماله وما عليه من الديون وخصوصاً التجار عليهم أن يسجلوا كل مالهم وما عليهم من حقوق.

خامساً:الاجتهاد في رضا والديه ومن يتوجب عليه بره وطاعته وكذا ينبغي أن يسترضي كل من بينه وبينهم تعامل سواء أقاربه أو غيرهم.

سادساً: النفقات في الحج يجب أن تكون طيبة من مال طيب حلال فإن الله عز وجل طيب لا يقبل إلا طيبا فالأموال التي تكتسب من الربا في البنوك وغيرها أو تأتي من المكاسب المحرمة كالدخان والمجلات الخبيثة أو الأشرطة السيئة أو تأتي من الغش والخداع والكذب والزور والبهتان والغصب والاحتيال هذه الأموال وغيرها من كل مال حرام لا يقبل الله منه زكاة ولا حجاً ولا صدقةً وإن كانت هذه العبادات تجزيء في ظاهر الحال إلا أنها تكون وبالاً على صاحبها عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إذا خرج الرجل حاجاً بنفقه طيبه ووضع رجله في الغرز فنادى لبيك اللهم لبيك ناداه مناد من السماء لبيك وسعديك زاد حلال وراحلتك حلال وحجك مبرور غير مأزور وإذا خرج الرجل بالنفقة الخبيثة فوضع رجله في الغرز فنادى لبيك اللهم لبيك ناداه منادى من السماء لا لبيك ولا سعديك زادك حرام ونفقتك حرام وحجك غير مبرور). هذه فقط البعض من التّوجيهات والإلزامات أوصي نفسي وإيّاكم بها وفي خطب قادمة بإذن الله تعالى أقدّم لكم المزيد

أعوذ بالله من الشيطان الرجيم [وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنْ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْ الْعَالَمِينَ] صدق الله العليّ العظيم والحمد لله ربّ العالمين  حمدا يليق بجلال وجهه وعظيم سلطانه  حمدا عدد خلقه ورضا نفسه  وزينة عرشه ومداد كلماته  وأصلّي وأسلّم على المبعوث رحمة للعالمين  اللهمّ صلّ وسلّم وبارك عليه كما تحبّ وترضى  صلاة دائمة طيّبة مباركة

اللّهمّ يا من لا يضيع لديه أجر المحسنين ويا من هو منتهى خوف العابدين ويا من هو غاية خشية المتّقين نحن عبيدك بين يديك كبّلتنا الذّنوب وأثقلتنا المعاصي وليس لنا رجاء إلاّ فيك جئناك ونحن نرجو رحمتك ونخشى عذابك  ونطلب مغفرتك فلا تردّنا يا ربّنا ويا مولانا ويا خالقنا  خائبين  اللهمّ كما أقررنا بقدرتك فالقنا  بمغفرتك وارفعنا عن الذّنوب  وكما سلّمنا أنفسنا بين يديك فاكنفنا برعايتك وسترك  في الدّنيا والآخرة  اللّهمّ وثبّت في طاعتك نيّتنا  وأحكم في عبادتك  بصيرتنا  ووفّقنا إلى صالح الأقوال والأعمال وجنّبنا دنس الخطايا  اللّهمّ إنّا نتوب إليك ونحن في مقامنا هذا ونحن نعلم أنّك تحبّ التوّابين  ونستغفرك ونحن نعلم أنّك تحبّ المستغفرين  اللّهمّ فامح عنّا السيّئات كبيرها وصغيرها ظاهرها وباطنها ما علمنا منها وما لم نعلم

اللّهمّ لا تدع لنا في مقامنا هذا ذنبا إلاّ غفرته ولا همّا إلاّ فرّجته ولا دينا إلاّ قضيته ولا مريضا إلاّ شفيته  ولا مظلوما إلاّ أنصفته  ولا  ضالاّ إلاّ هديته  ولا فقيرا إلاّ أغنيته اللهمّ أقبل حجّ الحاجّين وعمرة المعتمرين  وصدقة المتصدّقين ، اللهمّ لك الحمد أن  أنعمت علينا بالغيث النّافع فزدنا ولا تنقصنا  وأغثنا ولا تجعلنا من عبادك القانطين إنّك رؤوف رحيم

اللّهم ألّف بين قلوبنا واحفظنا بما تحفظ به عبادك الصّالحين يا قويّ يا متين  اللهم  انصر من نصر الدّين واخذل أعداء الدّين واجعل كيدهم في تحرهم يا قويّ يا متين  وارحم والدينا ومن علّمنا وعلّمناه واجعلنا ممّن يستمعون القول فيتّبعون أحسنه   اللهمّ فكما أمرت بالتّوبة وضمنت بالقبول وحثثت على الدّعاء ووعدت بالإجابة فصلّ على سيّدنا محمّد وآله واقبل  توبتنا ولا ترجعنا مرجع الخيبة من رحمتك إنّك أنت التّواب الرّحيم   


اللهم وفقنا لحج بيتك العظيم اللهم حط عنا الأوزار يا كريم  
هذا وصلوا وسلموا على المبعوث رحمة للعالمين فقد أمركم الله بذلك في كتابه الكريم  اللهم صل وسلم وبارك على عبدك ورسولك سيدنا ونبينا محمد. عباد الله إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر ولذكر الله أكبر والله يعلم ما تصنعون