صفحة الاستقبال منبر الجمعة - خطب جمعية خطبة يوم الجمعة 21 اكتوبر 2011 أمانة الولايــــة

كتاب التربية الإسلامية والتنشئة على القيم

خطبة يوم الجمعة 21 اكتوبر 2011 أمانة الولايــــة طباعة أرسل إلى صديق
الكاتب: خالد التلمودي   

الإمام خالد التّلمودي                          21 ـ أكتوبرـ 2011

جامع الصّبر خزامة الغربيّة                      24ـ ذو القعدة 1432

 

                             

أمانة الولايــــة

 


الحمد لله الحكيم العليم،الحمد لله رب العرش العظيم، الحمد لله الذي عرض الأمانة على السّماوات والأرض والجبال ، ثمّ حملها الإنسان وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له الإله العظيم المنّان وأشهد أن نبينا محمدًا عبده ورسوله النبي الكريم، اللهم صلِّ وسلِّم وبارِك عليه وعلى آله وأصحابه أجمعين.


(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا) [الأحزاب: 70، 71].


إخوة الإسلام: من الأصول العُظمى في هذا الدين: وجوب أداء الأمانة بشتَّى صورها، ومن القواعد الكُبرى تحريم الخيانة بمختلف أشكالها: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ) [الأنفال: 27].

ويقول -صلى الله عليه وسلم-: "كلكم راعٍ وكلكم مسؤولٌ عن رعيَّته، والإمامُ راعٍ ومسؤولٌ عن رعيَّته". أخرجاه في الصحيحين.

ومن هنا؛ فأعظم أسباب كوارث الأمة وفساد أوضاعها السياسية والاقتصادية والاجتماعية وغيرها: الإخلال بهذه الأصول العُظمى والقواعد الكُبرى، فكم وقع من المصائب في الأبدان والآلام في البلدان، والكوارث في المُقدَّرات بسبب تضييع الأمانة والوقوع في الخيانة.ولا يخفى على أحد عقود الظّلم والقهر التي رزحت تحت وطأتها الشّعوب العربيّة فنزفت ألما ودما ودموعا  ولكن لابدّ للظالم من نهاية كما حصل لجبابرة شعوبنا بين فارّ وسجين وأخيرا قتيل،في مصرف للمياه كالجرذان،،، إذا لا بدّ للظّلام أن ينزاح يوما  ويشعّ النّور ، نور الحرّية  والحقّ والعدل والمساواة وهذا ما تنعم به بلادنا في هذه الأيّام ، وما بعد الثّورة المجيدة ،،،، مع ما فيها من تعثّر وابتلاءات كان ولا بدّ منها ليميز الله الخبيث من الطّيّب ، ليميز الحقّ من الباطل قال تعالى :"كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ وَالْبَاطِلَ فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الأَرْضِ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الأَمْثَالَ " سورة الرّعد 17

إخوة الإيمان نكاد لا نصدّق أنّ يوم الأحد المقبل يقبل الشّعب التّونسي على انتخابات نزيهة يختار من خلالها من يمثّله في مجلس تأسيسيّ من أجل تحقيق العدل والمساواة والحرّية الحقيقيّة ، من اجل رفع الظّلم والمحسوبيّة ، من أجل مقاومة الفقر والتخلّف والجهويّات  والرّشوة والفساد أو على الأقلّ هذا ما وعدت به الأحزاب  التي بلغ عددها ما فوق المائة أو فلنقل هذا ما يطمح إليه الشّعب الذي عاش الظّلم والقهر والطّغيان ، وأنا من هذا المنبر أقول لكلّ من تولّى أمرا من أمور المسلمين ،لكلّ من تحمّل الأمانة ،،،،،،،،،،،،،،،،،،، 
إن أعظم الأمانات أمانة الولاية بمختلف مستوياتها وتنوُّع مراتبها؛ من الولاية العُظمى إلى الولايات الصغرى، فقد جاء التشديد على أهمية الولاية لعظم مكانتها العناية في الإسلام؛ فعن أبي ذرٍّ -رضي الله عنه- قال: قلتُ: يا رسول الله: ألا تستعمِلني؟! فضرب بيده على منكِبي، ثم قال: "يا أبا ذرٍّ: إنك ضعيف، وإنها أمانة، وإنها يوم القيامة خِزيٌ وندامة، إلا من أخذها بحقِّها، وأدَّى الذي عليه فيها". أخرجه مسلم.


وعن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "إنكم ستحرِصون على الإمارة، وستكون ندامة يوم القيامة". رواه البخاري.صدقت يا سيّدي يا رسول الله، فهذا ما نعيشه اليوم من تهافت على المناصب  وحرص على الكراسي بكلّ الطّرق ، فليحذر هؤلاء ممّا هم مقدمون عليه فقد أحاط الشرعُ العظيم جميعَ الولايات وكافة المناصب بسياجاتٍ من الأوامر والنواهي التي متى رُوعِيَت أُدِّيَت الأمانة على أكمل وجهها، وتحقَّقت بهذه الولاية المصالح المتنوعة، واندرأَت بها المفاسد المختلفة، فكانت العاقبة حميدةً، والسيرة طيبة، والنتائج مرضية:ومتى ما ضيّعت كانت المفاسد والفتن والخلافات والانقسامات  (تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ) [القصص: 83].


إخوة الإسلام: وإنّ من هذه السِّياجات: أن الإسلام أوجبَ على صاحب الولاية -حاكمًا أم غيره- العدلَ التام في جميع مسؤوليات ولايته: (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ)[النساء: 58]، وقد مدح النبي -صلى الله عليه وسلم- العادلَ في ولايته القائمَ بالقسط في منصبه؛ ففي السبعة الذين يُظلُّهم الله في ظِلِّه يوم لا ظِلَّ إلا ظلُّه: "إمامٌ عادل". أخرجه البخاري ومسلم.


وفي حديث عبد الله بن عمرو بن العاص -رضي الله عنه وعن أبيه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "إن المُقسِطين عند الله على منابِر من نور الذين يعدِلون في حكمهم وأهليهم وما وَلُوا". رواه مسلم.


ومن الأصول التي جاء بها الشرع في باب الولاية: التحذير من الظلم بشتَّى صوره؛ ففي الحديث القدسي فيما يرويه -صلى الله عليه وسلم- عن ربِّه أنه قال: "يا عبادي: إني حرَّمتُ الظلمَ على نفسي، وجعلتُه بينكم مُحرَّمًا، فلا تَظَالَموا".وفي توجيه النبي -صلى الله عليه وسلم- لمعاذٍ حين بعَثَه إلى أهل اليمن: "واتَّقِ دعوةَ المظلوم؛ فإنه ليس بينها وبين الله حجابٌ". متفق عليه.


ويُوجِّه الرسولُ -صلى الله عليه وسلم- التحذيرَ لمن تولَّى للمسلمين عملاً حكَّامًا وغيرهم أن ينهَجوا أي صورةٍ من صور الظلم في ولايتهم، فيقول -صلى الله عليه وسلم-: "إن الله ليُملِي للظالم حتى إذا أخَذَه لم يُفلِتْه، ثم قرأ: (وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ) [هود: 102]".


معاشر المسلمين: ومن السِّياجات: أن الشريعةَ فرَضَت على كل من تولَّى أيَّة ولايةٍ للمسلمين أن ينصحَ لهم ويُخلِصَ في خدمتهم، وأن يصدُق في رعاية حاجاتهم، قال -صلى الله عليه وسلم-: "ما من عبدٍ يسترعيهِ الله رعيةً يموت يوم يموت وهو غاشٌّ لرعيَّته إلا حرَّم الله عليه الجنَّةَ"، وفي روايةٍ: "فلم يُحِطْها بنُصحه لم يجِد رائحة الجنة". متفق عليه. وفي روايةٍ لمسلم: "ما من أميرٍ يلِي أمور المسلمين ثم لا يجهَدُ لهم وينصحُ لهم إلا لم يدخل الجنةَ معهم".

ومن السِّياجات التي جاء بها الإسلام في هذا الجانب: وجوب الرِّفق بالرعيَّة، والشفقَة عليهم، والرحمة بهم؛ عن عائشة -رضي الله عنها- قالت: سمعتُ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول:"اللهم من ولِيَ من أمر أمتي شيئًا فشقَّ عليهم فاشقُق عليه،ومن ولِيَ من أمر أمتي شيئًا فرَفَقَ بهم فارفُق به". رواه مسلم.وعن عامر بن عمرو -رضي الله عنه- أنه دخل على عُبيد الله بن زياد فقال له: "أيْ بُنَيّ: إني سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: "إن شر الرِّعاء الحُطَمة"، فإياك أن تكون منهم". متفق عليه.والحُطَمة: هو العنيفُ القاسي الذي يظلمُ من تحت رعيَّته ولا يرِقُّ لهم ولا يرحمهم.

وإن من التوجيهات الإسلامية لمن تولَّى للمسلمين ولايةً: أنه يجب عليه أن يسمع لحاجاتهم، وأن يحرِصَ على البحث عن شؤونهم، والتحرِّي عن كل ما يُصلِحُ أوضاعَهم، وأن لا يجعل بينه وبينهم ما يحجِبُه عن أحوالهم ومعرفة أوضاعهم؛ فعن أبي مريم الأزدي أنه قال لمعاوية -رضي الله عنه-: سمعتُ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: "من ولاَّه الله شيئًا من أمور المسلمين فاحتَجَبَ دون حاجاتهم وخلَّتهم وفقرِهم احتَجَبَ الله دونَ حاجته وخلَّته وفقرِه يوم القيامة"، . رواه أبو داود والترمذي، وإسناده صحيح.


إخوة الإسلام: ومن التوجيهات في الإسلام لأهل الولايات: أنه أوجبَ عليهم أن يحرِصوا على تقريبِ أهل الخير والهُدى وعلى ذوي الصلاح والتقوى، وأن يبعُدوا عن أهل الشرك والفساد والهوى؛ روى البخاري عن أبي هريرة وأبي سعيدٍ -رضي الله عنهما- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: "ما بعثَ اللهُ من نبيٍّ ولا استخلَفَ من خليفةٍ إلا كانت له بِطانتان: بِطانةٌ تأمره بالمعروف وتحُضُّه عليه، وبِطانةٌ تأمره بالشر وتحُضُّه عليه، والمعصوم من عصَمَه الله".وعن عائشة -رضي الله عنها  قالت: قال -صلى الله عليه وسلم-: "إذا أراد الله بالأمير خيرًا جعل له وزيرَ صدقٍ: إن نسيَ ذكَّرَه، وإن ذكَرَ أعانَه، وإذا أراد به غيرَ ذلك جعل له وزيرَ سوءٍ: إن نسيَ لم يُذكِّره، وإن ذكَر لم يُعِنْه". رواه أبو داود والنسائي، وإسناده صحيح.


أيها المسلمون: ومن أصول الشريعة في باب الولاية: أن الإسلام حرَّم أشد التحريم أن يستغِلَّ صاحبُ الولاية -أيًّا كانت مرتبته- هذا المنصبَ لتحقيق مصالحه الشخصية، ومنافعه الذاتية؛ قال -صلى الله عليه وسلم-: "إن رجالاً يتخوَّضون في مال الله بغير حقٍّ، فلهم النار يوم القيامة". رواه البخاري.

فمن أخذ مالاً من الأموال العامة مُستغلاًّ منصبَه، مُتوصِّلاً بولايته إلى ما لا يحِلُّ له فليستمع إلى الزجر الشديد والوعيد الأكيد من سيد الثَّقَلَيْن -صلى الله عليه وسلم- حينما قال: "من استعملناه منكم على عملٍ فكَتَمَنا مِخيَطًا -أي: إبرةً- فما فوقه كان غلولاً يأتي به يوم القيامة".