صفحة الاستقبال منبر الجمعة - خطب جمعية خطبة يوم الجمعة 2 ديسمبر 2011 الهــــجــــرة إلى الله

كتاب التربية الإسلامية والتنشئة على القيم

خطبة يوم الجمعة 2 ديسمبر 2011 الهــــجــــرة إلى الله طباعة أرسل إلى صديق
الكاتب: خالد التلمودي   
الإمام خالد التّلمودي                        02 ـ  12 ـ 2011

جامع الصّبر خزامة الغربيّة                  07 ـ محرّم ـ 1433

 

                     الهــــجــــرة إلى الله



الحمد لله ربّ العالمين ، نحمده تعالى ونستغفره ونتوب إليه ونعوذ به من شرور أنفسنا ومن سيّئات أعمالنا  من يهده الله فلا مضلّ له ومن يضلل فلن تجد له وليّا مرشدا  وأشهد ألاّ إله إلاّ الله وحده لا شريك له ، له الملك  وله الحمد  ، يحيي ويميت  وهو على كلّ شيء قدير وأشهد أنّ سيّدنا محمّدا عبده ورسوله  أرسله الله  بالهدى ودين الحقّ ليظهره على الدّين كلّه ولو كره المشركون وأصلّي وأسلّم على المبعوث رحمة للعالمين وعلى آله وصحبه أجمعين . فصلّواعليه وسلّموا تسليما واتّقوا الله حقّ تقاته  ولا تموتنّ إلاّ وأنتم مسلمين .......

أمّا بعد إخوة الإيمان ها أنّنا على أعتاب سنة هجريّة جديدة أرادت العناية الإلهيّة أن تكون تأريخا لأمّة الإسلام تنضوي تحتها جلّ التّكاليف الشّرعيّة من حجّ وزكاة وصيام ، تأريخ تليد ،،،،غيّر مجرى التّاريخ ونهض بالأمّة المحمّديّة ، وجعلها في مصاف أعلى الأمم ثمّ ارتقى بها إلى ذروة المجد وإلى قمّة الحضارة ، كلّ ذلك تبعا لأحداث تضمّنها هذا التّاريخ ، أحداث جسام ونضالات ، وكدح بلا هوادة ،،نبراسها  : لا إله إلاّ الله محمّد رسول الله

إخوة الإيمان .....كلما حلت ذكرى الهجرة النبوية تجددت في النفوس كثير من المعاني القيّمة والدروس البليغة، فهي زاخرة بالمواقف الجليلة التي لا يملك المسلم إلا أن يقف أمامها معتبرا متتلمذا عليها، يرتشف من معانيها الفياضة، ويلتمس فيها المدد السليم في سيره إلى الله عز وجل وفي جهاده، يصحح بها منهاجه، ويقوم سلوكه وفهمه على ضوئها، إذ لا معنى لتخليد هذه الذكرى أو غيرها ما لم يكن ذلك لاستنباط عوامل النصر وأسباب والهزيمة، حتى يتلقاها المسلم بنية الاسترشاد والإتباع، لا بنية التغني بالأمجاد التليدة مبررا قعوده وتردده عن اقتحام العقبات.فدراسة هذه المناسبة تختلف من جيل إلى جيل ومن زمن إلى آخر ، إذ قراءتنا للهجرة ما قبل الثّورة غير قراءتنا لها بعدها  وعلى مدى السّنوات القادمة ، لذلك لم تكن الهجرة النبويّة معجزة مثلما كانت حادثة الإسراء والمعراج : براق وملك وسبح في ملكوت السماوات وسياحة في الأرض إلى بيت المقدس وعودة قبل طلوع النهار، لكن شاءت حكمته سبحانه أن تكون الهجرة مجهودات وتضحيات وترتيبات،ومخطّطات كل ذلك لتتعلم الأمة في كل فقرات تاريخها أن بناء الدولة والأمة الإسلاميتين يحتاج إلى إعداد، فهي مسيرة حقيقيّة وقودها إرادة الإنسان وتضحياته وبذله وخبرته...... بل إنّ هذه الهجرة المجيدة كانت تبعا لأحداث مريرة قاسية، دامية تكبّدها النبيّ صلّى الله عليه وسلّم وصحبه على مدى ثلاثة عشر عاما وعانوا، من مختلف أنواع الأذى من الأعداء؛ الأذى النفسي والجسدي، والمقاطعة الاقتصادية والاجتماعية، وكذا المساومة والإغراء،والسّجن والتّنكيل وحتى القتل والاغتيال، بل وصل إلى الأعراض الطاهرة. ونالت القيادة المتجسدة في رسول الله صلى الله عليه وسلم الحظ الوافر من كل ذلك فصبر عليه الصلاة والسلام، وصبر من كان معه. لقد علموا وهم خريجو المدرسة النبوية أن كلمة العدل والحق يتبعها بذل وتضحية واسترخاص(يصبح رخيص) لكل شيء عداها، وأيقنوا إيقانا تاما أن قول الحق والعمل به والتواصي به والدعوة إليه يتبعه ابتلاء؛ فلا بد له من صبر ومصابرة وهم في ذلك ترن في آذانهم ﴿ إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر .

هذا الابتلاء لا يزيد الأصحاب والإخوان والمسلمين الصّادقين  من بعده -صلى الله عليه وسلم- إلا صلابة في الحق، ولا يترك في أنفسهم إلا عزما ويقينا وتصميما، والقصد دائما الله ورسوله،إذ لو حادوا عن هذا المنهج وعن الإخلاص قيد أنملة ، لزلّت بهم القدم حتّى وإن كان بين ظهرانيهم رسول الله صلّى الله عليه وسلّم / كما حصل لهم في غزوة حنين يوم أن اعتدّوا بعددهم وأعجبتهم كثرتهم فلم تغن عنهم كثرتهم من الله شيئا ،وكذلك يوم أن وهنت هذه الأمّة أكلت من وراء البحار ، وأرّخت بغير تاريخها، وتداعت عليها الأمم كما تداعى الأكلة على قصعتها...... إذا يجب أن تعلم الأمّة المسلمة فرادى وجماعات أنّهم  في هجرة دائمة ، هجرة إلى الله،  قصدا وسلوكا وعملا. كلما اشتد البلاء وحدَّت شوكة العدو وضاقت الأنفس جاء الفرج لينقلهم من ضيق إلى سعة، ومن خوف إلى أمن، وكلما كان الاضطرار أوثق، كان النصر أقرب، حتى إذا ابتلي المؤمن المجاهد وصبر وثبت، صار أمينا على السلطان والاستخلاف، فأمكنه الله من زمام الدنيا، وتلك سنة الله ماضية في العالمين في معادلة حتمية: ابتلاء فصبر فتمكين. "فلما أن ابتلاهم الله فصبروا، ولما أن فرغت نفوسهم من حظ نفوسهم، ولما أن علم الله منهم أنهم لا ينتظرون جزاء في هذه الأرض -كائنا ما كان هذا الجزاء– ولو كان هو انتصار هذه الدعوة على أيديهم، وقيام هذا الدين في الأرض بجهدهم... أصبحوا أمناء على الأمة الكبرى... أمناء على العقيدة... وأمناء على السلطان الذي يوضع في أيديهم..." ، ﴿ وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ ﴾

بل إنّ أعداء الإسلام تعدّدوا وتنوّعوا بعد الهجرة أكثر ممّا كانوا عليه قبلها ،  فيا من شددت الرحال مهاجرا إلى الله، ويا من ولّيت وجهك شطر رسول الله، اعلم علم اليقين أنك تحتاج في سيرك إلى جهد ،وبذل، وتضحية، وذاك يقابله ابتلاء من الله، فأعدَّ نفسك واصبرها على الحق ومع الصابرين، ولا تظنن أن الطريق سُهول وورود، فأنت طالب المعالي، وكي يزف لك النصر والتأييد والمهر غال وشاق في ذوق أبناء الدنيا، نعيم عند من جعل هجرته إلى الله ورسوله، لا يبتغي منها دولة يصيبها أو منصبا يشغله "دنيا"، ولا يريد مكانة اجتماعية أو أموالا وترفا في المأكل والمشرب والمسكن "امرأة ينكحها". وصدق تعالى وهو أصدق القائلين :" إنّ الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأنّ لهم الجنّة" ولن يتحققّ النّصر إلاّ بشرطين أساسييّن جهاد ونية

 جهاد في مفهومه الواسع الذي يواكب المكان والزّمان فإذا ما استعرضنا الغاية من الهجرة الأولى، الهجرة الفعليّة الماديّة وجدناها في مغزاها ومرماها  نصرة دين الله عز وجل. فر المهاجرون بدينهم وخلفوا وراءهم الأموال والأولاد والتجارة، وهي المعاني التي لازالت قائمة إلى يومنا هذا، فلئن كانت الهجرة الحسية المكانية قد توقفت "لا هجرة بعد الفتح" ، فما كانت من أجله لازال قائما ، إذ المطلوب من المؤمن أن يهاجر نصرة لله ورسوله، يهجر القعود كما هجره الصحابة، وينضم إلى القائمين لهذا الأمر، يهجر التّواني والكسل ، يهجر الجهل والبطالة والتخلّف المقيت ،يهجر الخلافات والجهويّات والعرقيّات والأنانيّات، يهجر المعاصي والموبقات ،يهاجر حتّى في ذاته ، بقطع حبائل النفس المادية والمعنوية التي تمنعه وتقعده عن ذلك الانضمام.من أجل البناء وتحقيق الوحدة إذا هي  هجرة  لا بد منها.

 

( يا أيها الذين آمنوا إن تنصروا الله ينصركم ويثبت أقدامكم ) [ محمد : 7 ] 

اللهمّ انصرنا على من عادانا  وتولّى أمرنا وألهمنا رشدنا وثبّت أقدامنا على الحقّ وعلى الصّراط السويّ والحمد لله ربّ العالمين

 

                        الخطبة الثّانية

 

بسم الله والحمد لله والصّلاة والسّلام على رسول الله وأشهد ألاّ إله إلاّ الله وحده لا شريك له ، له الملك وله الحمد يحيي ويميت وهو على كلّ شيء قدير

 

إخوة الإيمان لقد تعدّد وتنوّع أعداء الإسلام ما بعد الهجرة ، بعد أن كان العدوّ يقتصر على المشركين فإذا بهم منافقون وأهل كتاب وكفّار وفي المقابل إذا بالمسلمين أنصار ومهاجرون وأعراب هذي المفاهيم باشتقاقاتها اللغوية، نجدها في كثير من الآيات والأحاديث. وقد يظن ظان أن صلاحيتها قد انتهت بانتهاء الفترة الأولى من التاريخ الإسلامي ،،كلا.....فإن معاني القرآن الكريم خالدة، ولكي يتحققّ لها الخلود لا بدّ أن تحمل في طيّاتها معاني غزيرة تلاءم المكان والزّمان ،والقرآن كما قال سيّد الخلق :"حمّال ذات وجوه" فعلينا أن نبحث عن هذه النّماذج التي ذكرها القرآن والتي تكوّن المجتمع المدني الذي ننتمي إليه بكلّ تصنيفاته  لأنّ الإنسان في النّهاية هو الإنسان ونماذجه تتكرّر في كلّ حقبة زمنيّة  وذلك لكي تتلاءم الأحكام ومناهج التّعامل مع هذه الفئات ، وهذا الأمر لا بدّ له من ذوي الاختصاص كما أن هذا التصنيف الذي أفرزته الهجرة يفيدنا في تحديد طبيعة المجتمع الذي نحن فيه، كما يفيدنا في تصنيف الناس تصنيفا قرآنيا نبويا نفسيّا وتربويّا.فإذا ما تساءلنا حول فئة المسلمين فقد يتساءل الشاب الحائر، والداعية إلى الله، والمسلم المبتدئ  ،وربّما المسلم التّقليديّ  يتساءل: ترى هل مجتمعاتنا مجتمعات كفر وجاهلية؟ أهي مجتمعات فتنة؟ ومن أولئك الذين تنطبق عليهم فئة المهاجرين الفارّين بدينهم من الظّلم المحلّي والعالمي الحاملين للدّعوة  ومن هم  الأنصار الذين  يؤوون ويؤثرون، رغم ما بهم من خصاصة؟كما عايشنا ذلك إبّان هجرة الإخوة اللّيبييّن إلى بلدنا؟؟؟؟ أم إن الجمع أعراب يؤثرون المصلحة الخاصة على المصلحة العامة، يؤثرون العافية؟ أعراب تشغلهم الأموال والأولاد، ولما يدخل الإيمان في قلوبهم؟ ما العمل؟ من أين نبدأ ؟وكيف نبدأ؟...

إنّ هذه الأسئلة وغيرها لا بدّ من طرحها في هذه المرحلة التي نعيشها ،،،، في هذا المخاض الذي نتخبّط فيه جميعا ،،، أمّا الإجابة عنها فلست أهلا للإجابة عنها ،،فأترك المجال لمن هو أهل

 

 اللهمّ لك الحمد حتّى ترضى ولك الحمد على الرّضا ولك الحمد في الأولى والآخرة لك الحمد أن بعثت فينا نبيّك وصفيّك رحمة للعالمين ولك الحمد أن جعلتنا من أمّته التي اصطفيتها على سائر الأمم فاحشرنا في زمرة المتّقين واجعلنا من شفعائه يوم الدّين واجعلنا من ورثة جنّة النعيم مع الصدّيقين والشّهداء والصّالحين وحسن أولئك رفيقا اللهمّ صلّ وسلّم وبارك على نبيّك الكريم سيّد الأوّلين والآخرين وقائد الغرّ المحجّلين

اللهمّ اجعلنا من المهاجرين إلى نبيّك باتّباع منهجه والسّير على هداه واجعلنا ممّن يهجر المعاصي والذّنوب أبدا ما أحييتنا حتّى نلقاك وأنت راض عنّا  .

اللهمّ إنّا نعوذ بك من الذّنوب التي تنزل النّقم ونعوذ بك من الذّنوب التي ترفع النّعم ونعوذ بك من الذّنوب التي تحبس الماء من السّماء اللهمّ فلا تآخذنا بذنوبنا وذنوب السّفهاء منّا ،وأغثنا بغيث العلم والهدى والتّقى كما أغثتنا بماء من السّماء  اللهمّ إنّا نعلم أنّك تحبّ من عبادك الملحاحين في الدّعاء، فها أنّا نرجوك وندعوك ونعلم انّ فيك وحدك الرّجاء ونحن عبادك الفقراء إليك فاقبل دعاءنا وأجب رجاءنا فإنّك تقدر ولا نقدر وتعلم ولا نعلم وأنت علاّم الغيوب . اللهمّ يا مقلّب القلوب ثبّت قلوبنا على دينك وأرنا الحقّ حقّا وارزقنا اتّباعه وأرنا الباطل باطلا وجنّبنا اتّباعه  اللهمّ احفضنا من كلّ داء ومن كلّ بلاء  ومن كلّ وباء ومن شماتة الأعداء  واكتب لنا النّصر على الأعداء بفضلك وجودك وكرمك فقد وعدتنا وأنت لا تخلف الميعاد فقلت :" ادعوني أستجب لكم " فها أنّنا ندعوك كما أمرتنا فاستجب يا ربّنا كما وعدتنا ...نسألك يا ألله بكلّ اسم هو لك سمّيت به نفسك أو استأثرت به في علم الغيب عندك أو أنزلته في كتابك أو علّمته أحدا من خلقك أن تجيب دعانا ولا تخيّب فيك رجانا نسألك يا ألله أن تجعل القرآن العظيم ربيع قلوبنا وجلاء أحزاننا وذهاب غمومنا وهمومنا  اللهمّ نوّر به أبصارنا وقلوبنا وبيوتنا ودروبنا واهد به أبناءنا واجعله شفاء من كلّ داء. اللهمّ اشف مرضانا وارحم موتانا واجعل الجنّة مأواهم ومأوانا  اللهمّ يا عالما بالسرّ والنّجوى أعط لكلّ الحاضرين من الخير ما نوى اللهمّ انصر كلّ من نصر الدّين واخذل أعداءك أعداء الدّين اللهمّ ولّ أمورنا خيارنا  واجعلهم ممّن يخافوك فينا واجعل هذا العام الهجريّ عام خير ويمن وبركة ونصر وتأييد لجميع المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها   وارحم والدينا ومن علّمنا ووفّقنا إلى كلّ خير إنّك على كلّ شيء قدير وآخر دعوانا أن الحمد لله ربّ العالمين

عباد الله إنّ الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعضكم لعلّكم تذكّرون