صفحة الاستقبال منبر الجمعة - خطب جمعية خطبة يوم الجمعة 10 فيفري 2012 المسلم والعمل الاجتماعي

كتاب التربية الإسلامية والتنشئة على القيم

خطبة يوم الجمعة 10 فيفري 2012 المسلم والعمل الاجتماعي طباعة أرسل إلى صديق
الكاتب: خالد التلمودي   
خالد التّلمودي  جامع الصّبر                                                      التّأريخ : 10ـ 02ـ 2012
خزامة الغربيّة                                                                     18   ـ ربيع الأنور 1432
المسلم والعمل الاجتماعي
 
الحمد لله خالق الدُّجى والصباح، ومسبِّب الهدى والصلاح، ومقدِّر الغموم والأفراح. عزَّ فارتفع، وفرَّق وجمع، ووصل وقطع، وحرَّم وأباح. مَلَكَ وقدَّر، وطوى ونشر، وخلق البشر، ;وأغنى وأفقر. رفع السماء، وأنزلَ الماء،والثّلج والبرد وعلَّم آدَمَ الأسماء، وذَرَى الرِّياح. أعطى ومنح، وأنعم ومدح، وعفا عمَّنِ اجْتَرَح، وداوى الجراح. علم ما كان ويكون، وخلق الحركة والسكون، وإليه الرجوع والركون في الغد والرَّوَاح. أحمده وأستعينه وأتوكَّل عليه، وأسأله التوفيق لعمل يقرِّب إليه، وأشهد بوحدانيته عن أدلةٍ صحاح. وأن محمدًا عبده المقدَّم، ورسوله المعظم، وحبيبه المكرَّم، تفديه الأرواح. صلى الله عليه وسلم، وعلى آله وأصحابه الأبرار الأخيار .يا أيّها الذين آمنوا اتقوا الله حقّ تقاته ولا تموتنّ إلاّ وانتم مسلمون واعلموا أنّكم إليه تحشرون وعلى أعمالكم تحاسبون
 
أمّا بعد : أيّها الإخوة الكرام ، تجتاح بلدنا هذه الأيّام موجات من البرد  لم تشهد لها بلدنا مثيلا منذ سنوات طوال ، قطع فيها عنّا الغيث النّافع بسبب ذنوبنا ومعاصينا ، وكم في المنابر والمساجد دعونا واستغثنا إلى الله السّميع المجيب ، و ها أنّ الرّحمة عمّت  البلاد والعباد ، فلا تحسبوه شرّ لكم بل هو خير لكم  وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم  إذ لا خيرة إلاّ فيما اختاره الله   ولعلّ المؤمن الفطن يدرك حكمة الله من خلال  هذا المناخ القاسي،  فأولى بوادره أنّه فكّ الاعتصامات التي كانت تعيق الاقتصاد وكشفت درجات الفقر والحاجة والخصاصة في المناطق الدّاخليّة لبلدنا الحبيب  فلفتت الانتباه، وبشدّة هذه المرّة ، انتباه كلّ التّونسيّين والتّونسيّات بما في ذلك  المسئولين في أعلى هرم السّلطة ليتحوّلوا إلى القاعدة حيث يكتوي الشّعب بألم الجوع والبرد القارص ، فهبّت الجمعيّات من كلّ تراب الجمهوريّة لتقديم العون المادّي والمعنوي وتنقّلت العائلات التّونسيّة إلى حيث هناك لتتقاسم شدّة البرد  والحرمان علّها تنشر الدفء، وتسدّ الرّمق ،وتكسو العريان، وتشبع الجوعان ،لكي يهنأ بالها بلقمة تأكلها، ودفء تنعم به ،إذ ليس منّا من بات شبعان وجاره جائع، ومن لم يهتمّ بأمر المسلمين فليس منهم.....
أيّها الإخوة الكرام هذا هو الدّين ،وهذا هو الإسلام ،وهذا هو خلق النبيّ العدنان حتّى من قبل بعثته قالت له السيّدة خديجة رضي الله عنها:أبشر ، فوالله لا يخزيك الله أبدا ؛ إنك لتصل الرحم ، وتصدق الحديث ، وتحمل الكل ، وتقري الضيف ، وتعين على نوائب الحق ".بهذه الكلمات العظيمة تثبت أم المؤمنين خديجة قلب رسول الله صلى الله عليه وسلم لمّا حدّثها بشأن المَلك الذي نزل عليه بغار حراء والناظر فى هذه الصفات التى وصفت بها السيدة خديجة النبى لتدلل أن النبى كان اجتماعيا ويسعى فى قضاء حوائج الناس لذلك كان من أهمّ ما يدعو إليه التّآلف بين المسلمين باعتبارهم يمثّلون جسدا واحدا ، فقال صلى الله عليه وآله وسلم ( مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى) ، بمثل هذه الأدلة الشرعية وجهت الشريعة الإسلامية السمحاء إلى أهمية التكافل الاجتماعي بين المسلمين وضرورة تأسيس مؤسسات اجتماعية وجمعيّات خيريّة تخدم المجتمع الإسلامي بشكل خاص والمجتمع الإنساني بشكل عام كل ذلك من اجل تكامل الإنسانية نحو الأفضل ومحاربة الأنانية وحب الذات وتنمية حب المجتمع لدى الفرد  الذي يعود بالخير على الناس، ورفع من شأن كل عمل فيه تحقيق لمصالح العباد وقضاء لحوائجهم، وتفريج لكرباتهم وتهوين لمصائبهم، والشواهد على ذلك لا يتسع المقام لحصرها، ففي القرآن الكريم تجد مثلاً الحث على المسارعة في فعل الخيرات، والتعاون على البر والتقوى، والتواصي بالحق والتواصي بالصبر، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والإنفاق على الفقراء والمحتاجين، وصلة الأرحام، وبر الوالدين والدفع بالتي هي أحسن وكظم الغيظ والعفو عن الناس، كما تجد آيات أخرى تنهى عن البغي والظلم والقتل وأكل أموال الناس بالباطل،وقطع الطّرق، والاعتداء، وغمط حقوق النساء واليتامى والضعفاء، وإشاعة الفاحشة في الذين آمنوا وغيرها.......وكل هذه الأوامر والمنهيات القرآنية هي في حقيقتها أعمال اجتماعية لا يقتصر تأثيرها على فاعلها بل يتعداه لمنفعة الغير،ليسهم كلّ من موقعه في تحقيق التّكافل الاجتماعي : هذا بالكلمة الطيّبة والآخر بالمال والثّالث بالجهد والرّابع بشدّ الأزر وإدخال السّرور ولو بالبسمة الصّادقة التي تنبع من القلب لتدخل الدّفء الإنساني وهذا يدلل على طبيعة الرسالة التي جاء بها الإسلام وهي إقامة القسط بين الناس، وإنشاء مجتمع قائم على العدل والتكافل والتراحم. فاسمعوا لقول النبي صلى الله عليه وسلم:  الذي أرسله الله رحمة للعالمين :"أحب الناس إلى الله أنفعهم للناس، وأحب الأعمال إلى الله سرور تدخله على مسلم، أو تكشف عنه كربة، أو تقضي عنه دَينًا، أو تطرد عنه جوعًا، ولئن أمشي مع أخ لي في حاجة أحبّ إلي من أن أعتكف في هذا المسجد شهرًا- في مسجد المدينة - ومن كفّ غضبه ستر الله عورته، ومن كظم غيظه ولو شاء أن يمضيه أمضاه ،ملأ الله قلبه رجاء يوم القيامة، ومن مشى مع أخيه في حاجة حتى يثبتها له ثبّت الله قدمه يوم تزول الأقدام".هذا الحديث ـ أيّها الإخوة الكرام ـ يقرر حقيقة مهمة ،وهي أن القرب من الله يمر عبر إعانة الناس ومنفعتهم، وهذا ما يضفي على الإسلام تميزه فهو ليس كالعقائد المنحرفة التي زعمت أن الدين علاقة خاصة بين الإنسان وخالقه، وأنه يجب أن يظل محصورًا بين جدران أربع، وألا يتدخل في شئون الحياة، ففي الإسلام لا معنى للعبادة بدون العمل الاجتماعي، بل إن العبادة إن لم تقترن بحسن الخلق والمعاملة مع الناس فإنها تجلب الوزر لا الأجر،لذلك قال تعالى: { وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ "  قال مصلحون ولم يقل صالحون والفرق بيّن ، والإصلاح لا يكون داخل المساجد فحسب بل لا بدّ أن يشمل المجتمع بأسره ،فقد سئل النبي صلى الله عليه وسلم عن امرأة تصوم النهار وتقوم الليل لكنها تؤذي جيرانها، فقال عليه الصلاة والسلام: "هي في النار".لأن الشعائر التعبدية المحضة في الإسلام لا بدّ أن تجد صداها في الأبعاد الاجتماعية، وإذا تأملنا أركان الإسلام الخمسة نجد أن لكل منها آثاره في الحياة العمليّة، فالصلاة مثلاً تجدد شحن المسلم بطاقة روحية تعينه على مواصلة دوره الاجتماعي، وتهون عليه العقبات التي يواجهها في حياته،وتنهاه عن الفحشاء والمنكر والصوم يزكي النفس، ويجعلها أكثر إحساسًا بالفقراء والمساكين، أما الزكاة فأثرها الاجتماعي لا يحتاج إلى برهان فهي التي تحقق التكافل وتنشئ مجتمعًا متراحمًا متحابًّا لا يبغض فقراؤه أغنياءه ولا يحسدونهم، والحج فيه اجتماع للمسلمين وتحقيق للمساواة بينهم لا فضل لغني على فقير ولا لأسود على أبيض كلهم بلباس واحد وفي صعيد واحد يدعون ربًّا واحدًا.وهكذا يتبين أمامنا أن الإسلام في جملته هو رسالة إصلاحية تهدف إلى إسعاد الناس في الدنيا والآخرة، وليس الانزواء بعيدًا عنهم في المساجد والصوامع.
ويبشّر النبيّ الكريم كلّ من يقدّم العون لأخيه المسلم بأجر أرقى أنواع العبادات التي تتطلّب الجهد والوقت والمال ، كلّ ذلك يمكن أن يكسبه في أقلّ الأوقات وبأقل الجهد والتّكلفة والدّليل قول النبي صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم  : ( السَّاعِي علَى الأَرْمَلَةِ وَالمِسْكِينِ كَالمُجاهِدِ في سبيلِ اللَّه ) وأَحْسُبهُ قال : ( وَكَالْقائِمِ الَّذي لا يَفْتُرُ ، وَكَالصَّائِمِ لا يُفْطِرِ )متفقٌ عليه  بل لقد أعدّ الله له  جزاء من عنده من جنس عمله وشتّان بين ما يقدّمه الإنسان لأخيه الإنسان وما يجازي به الله عباده - قال صلى الله عليه وسلم (من نفّس عن مؤمن كربة من كرب الدنيا نفّس الله عنه كربة من كرب يوم القيامة ومن يسّر على معسر يسر الله عليه في الدنيا والآخرة ومن ستر مسلماً ستره الله في الدنيا والآخرة والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه)


اللهمّ اجعلنا من الذين يستمعون القول فيتّبعون أحسنه ، واجعلنا من الذي استخدمتهم في خدمة عبادك واجعل أعمالنا كلّها خالصة لوجهك الكريم يا كريم والحمد لله ربّ العالمين .
 
                                       الخطبة الثّانية
 
 
بسم الله والحمد لله والصّلاة والسّلام على رسول الله وأشهد ألاّ إله إلاّ الله وأشهد أن ّسيّدنا محمّدا رسول الله
أمّا بعد أيّها الإخوة الكرام يقول الله تعالى :(أَهُمْ يَقْسِمُونَ‏رَحْمَةَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُم مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُم بَعْضاًسُخْرِيّاً)(الزخرف/ 32). هذه الآية الكريمة تؤكّد لنا أنّ التفاوت بين النّاس وبين الجهات ليس مقياس الأفضلية وأن الدرجات التي يتفاوت بها الناس ما بين فقير وذي ثروة طائلة، وآمر ومأمور، وصحيح الجسم وسقيم... كل ذلك‏ ليس دليلاً على أن اللَّه سبحانه وتعالى يفضلّ بعض الناس على بعض دون سبب، بل هي تدبيرات إلهية لتنظيم حياة البشر.،والحكمة في ذلك أن يحتاج الناس إلى بعضهم البعض، وأن تتشابك مصالحهم، ويتعاونوا في الحياة الدنيا. وما هذه الأزمات التي يعيشها مجتمعنا إلاّ مخاض حقيقيّ لينبلج النّور وليحقّ الحقّ وليدمغ الباطل إنّ الباطل كان زهوقا ، وما هذه الابتلاءات إلاّ مجال اختبار للصّادقين والثّابتين والموصولين بالله، في مقابل المنافقين والمتشدّقين والوصولييّن  ليميز الله الخبيث من الطيّب  فكلّ ما ينفع  النّاس فيمكث في الأرض وينبت ويثمر وينفع البلاد والعباد وأمّا الزّبد فتأخذه الرّياح ويطويه النّسيان  وينال الخزي والعار والدّمار ،ومع ذلك فإن رحمة اللَّه، ورسالاته وقيمه، والمحبّة فيه والتّضحية في سبيله،خير ممّا يجمعون، خير من حطام الدنيا الذي يتكالب عليه أبناءها ،
 
 أيّها الإخوة الكرام اعلموا أن الإحسان إلى الخلق سيعود إليكم صداه ولو بعد حين .. وأن الصدقة ولو بالقليل تفعل الشيء الكثير إذا وافقت إخلاصًا من المتصدق وحاجة عند الفقير،وأنّ الصّدقة مهما كانت قليلة تكون في يد الخالق قبل أن تكون في يد المخلوق ، ونحمد الله تعالى ان سخّر أناسا لخدمة المجتمع وخدمة الفئات المحرومة تحديدا سخّروا وقتهم ومالهم وجهدهم من أجل ذلك نسأل الله لهم الأجر والإخلاص والثّبات ، هم وسطاء يبلّغون ما به تتصدّقون ، ويصلون إلى حيث لا يمكنكم الوصول  ، فلا تتردّدوا رحمكم الله في تقديم المعونة ولو بالقليل ممّا أعطاكم الله واعلموا أنّ من أفضل الصّدقات جهد المقلّ  .
نفعني الله وإياكم بهدي كتابه وبسنة نبيه صلى الله عليه وسلم إنه على كل شيء قدير اللهمّ لك الحمد أن هديتنا للإيمان ووفّقتنا لصالح الأعمال ، لك الحمد أنت قيّوم السّماوات والأرض فلك الحمد ، لك الحمد أنت الغنيّ ونحن الفقراء إليك ، لك الحمد أنت القويّ ونحن الضّعفاء إليك ، لك الحمد أنت المحسن ونحن المحتاجون إليك اللهم صل على محمد وعلى آل محمد ...
اللهم يمِّن كتابنا، ويسِّر حسابنا، وثقِّل موازيننا، وحقِّق إيماننا، وثبِّت على الصراط أقدامنا، وأقرّ برؤيتك يوم القيامة عيوننا، واجعل خير أعمالنا آخرها، وخير أيامنا يوم لقاك. اللهم لا تجعل بيننا وبينك في رزقنا أحدًا سواك، واجعلنا أغنى خلقك بك، وأفقر عبادك إليك. اللهم هب لنا غنى لا يطغينا، وصحة لا تلهينا، وأغننا اللهم عمّن أغنيته عنا،اللهمّ اشف مرضانا وعاف مبتلانا  واهد ضالّنا وأعد غائبنا ، واقض الدّين عن المدينين ، وفرّج كربة المكروبين وارفع الظّلم عن المظلومين في مشارق الأرض ومغاربها ،اللهمّ يسّر الأمر على إخواننا المحتاجين المعزولين المكروبين في بلدنا وفي سائر بلاد المسلمين ،وخاصّة في سوريا حيث شدّة البلاء ، وتقتيل الأبرياء وتمزيق الأجساد إلى أشلاء ، اللهمّ كن لهم وليّا وناصرا ومعينا،  واقسم الجبّارين والمتسلّطين وخذهم أخذ عزيز مقتدر فإنّهم لا يعجزونك شيئا إنّك على كلّ شيء قدير وجاز المحسنين والمتصدّقين في كلّ أوجه الخير إنك على ذلك قدير وبالإجابة جدير وصل اللهم على محمد وعلى آل محمّد والحمد لله ربّ العالمين



خالد التّلمودي  جامع الصّبر                                                      التّأريخ : 10ـ 02ـ 2012
خزامة الغربيّة                                                                     18   ـ ربيع الأنور 1432
المسلم والعمل الاجتماعي
 
الحمد لله خالق الدُّجى والصباح، ومسبِّب الهدى والصلاح، ومقدِّر الغموم والأفراح. عزَّ فارتفع، وفرَّق وجمع، ووصل وقطع، وحرَّم وأباح. مَلَكَ وقدَّر، وطوى ونشر، وخلق البشر، ;وأغنى وأفقر. رفع السماء، وأنزلَ الماء،والثّلج والبرد وعلَّم آدَمَ الأسماء، وذَرَى الرِّياح. أعطى ومنح، وأنعم ومدح، وعفا عمَّنِ اجْتَرَح، وداوى الجراح. علم ما كان ويكون، وخلق الحركة والسكون، وإليه الرجوع والركون في الغد والرَّوَاح. أحمده وأستعينه وأتوكَّل عليه، وأسأله التوفيق لعمل يقرِّب إليه، وأشهد بوحدانيته عن أدلةٍ صحاح. وأن محمدًا عبده المقدَّم، ورسوله المعظم، وحبيبه المكرَّم، تفديه الأرواح. صلى الله عليه وسلم، وعلى آله وأصحابه الأبرار الأخيار .يا أيّها الذين آمنوا اتقوا الله حقّ تقاته ولا تموتنّ إلاّ وانتم مسلمون واعلموا أنّكم إليه تحشرون وعلى أعمالكم تحاسبون
 
أمّا بعد : أيّها الإخوة الكرام ، تجتاح بلدنا هذه الأيّام موجات من البرد  لم تشهد لها بلدنا مثيلا منذ سنوات طوال ، قطع فيها عنّا الغيث النّافع بسبب ذنوبنا ومعاصينا ، وكم في المنابر والمساجد دعونا واستغثنا إلى الله السّميع المجيب ، و ها أنّ الرّحمة عمّت  البلاد والعباد ، فلا تحسبوه شرّ لكم بل هو خير لكم  وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم  إذ لا خيرة إلاّ فيما اختاره الله   ولعلّ المؤمن الفطن يدرك حكمة الله من خلال  هذا المناخ القاسي،  فأولى بوادره أنّه فكّ الاعتصامات التي كانت تعيق الاقتصاد وكشفت درجات الفقر والحاجة والخصاصة في المناطق الدّاخليّة لبلدنا الحبيب  فلفتت الانتباه، وبشدّة هذه المرّة ، انتباه كلّ التّونسيّين والتّونسيّات بما في ذلك  المسئولين في أعلى هرم السّلطة ليتحوّلوا إلى القاعدة حيث يكتوي الشّعب بألم الجوع والبرد القارص ، فهبّت الجمعيّات من كلّ تراب الجمهوريّة لتقديم العون المادّي والمعنوي وتنقّلت العائلات التّونسيّة إلى حيث هناك لتتقاسم شدّة البرد  والحرمان علّها تنشر الدفء، وتسدّ الرّمق ،وتكسو العريان، وتشبع الجوعان ،لكي يهنأ بالها بلقمة تأكلها، ودفء تنعم به ،إذ ليس منّا من بات شبعان وجاره جائع، ومن لم يهتمّ بأمر المسلمين فليس منهم.....
أيّها الإخوة الكرام هذا هو الدّين ،وهذا هو الإسلام ،وهذا هو خلق النبيّ العدنان حتّى من قبل بعثته قالت له السيّدة خديجة رضي الله عنها:أبشر ، فوالله لا يخزيك الله أبدا ؛ إنك لتصل الرحم ، وتصدق الحديث ، وتحمل الكل ، وتقري الضيف ، وتعين على نوائب الحق ".بهذه الكلمات العظيمة تثبت أم المؤمنين خديجة قلب رسول الله صلى الله عليه وسلم لمّا حدّثها بشأن المَلك الذي نزل عليه بغار حراء والناظر فى هذه الصفات التى وصفت بها السيدة خديجة النبى لتدلل أن النبى كان اجتماعيا ويسعى فى قضاء حوائج الناس لذلك كان من أهمّ ما يدعو إليه التّآلف بين المسلمين باعتبارهم يمثّلون جسدا واحدا ، فقال صلى الله عليه وآله وسلم ( مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى) ، بمثل هذه الأدلة الشرعية وجهت الشريعة الإسلامية السمحاء إلى أهمية التكافل الاجتماعي بين المسلمين وضرورة تأسيس مؤسسات اجتماعية وجمعيّات خيريّة تخدم المجتمع الإسلامي بشكل خاص والمجتمع الإنساني بشكل عام كل ذلك من اجل تكامل الإنسانية نحو الأفضل ومحاربة الأنانية وحب الذات وتنمية حب المجتمع لدى الفرد  الذي يعود بالخير على الناس، ورفع من شأن كل عمل فيه تحقيق لمصالح العباد وقضاء لحوائجهم، وتفريج لكرباتهم وتهوين لمصائبهم، والشواهد على ذلك لا يتسع المقام لحصرها، ففي القرآن الكريم تجد مثلاً الحث على المسارعة في فعل الخيرات، والتعاون على البر والتقوى، والتواصي بالحق والتواصي بالصبر، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والإنفاق على الفقراء والمحتاجين، وصلة الأرحام، وبر الوالدين والدفع بالتي هي أحسن وكظم الغيظ والعفو عن الناس، كما تجد آيات أخرى تنهى عن البغي والظلم والقتل وأكل أموال الناس بالباطل،وقطع الطّرق، والاعتداء، وغمط حقوق النساء واليتامى والضعفاء، وإشاعة الفاحشة في الذين آمنوا وغيرها.......وكل هذه الأوامر والمنهيات القرآنية هي في حقيقتها أعمال اجتماعية لا يقتصر تأثيرها على فاعلها بل يتعداه لمنفعة الغير،ليسهم كلّ من موقعه في تحقيق التّكافل الاجتماعي : هذا بالكلمة الطيّبة والآخر بالمال والثّالث بالجهد والرّابع بشدّ الأزر وإدخال السّرور ولو بالبسمة الصّادقة التي تنبع من القلب لتدخل الدّفء الإنساني وهذا يدلل على طبيعة الرسالة التي جاء بها الإسلام وهي إقامة القسط بين الناس، وإنشاء مجتمع قائم على العدل والتكافل والتراحم. فاسمعوا لقول النبي صلى الله عليه وسلم:  الذي أرسله الله رحمة للعالمين :"أحب الناس إلى الله أنفعهم للناس، وأحب الأعمال إلى الله سرور تدخله على مسلم، أو تكشف عنه كربة، أو تقضي عنه دَينًا، أو تطرد عنه جوعًا، ولئن أمشي مع أخ لي في حاجة أحبّ إلي من أن أعتكف في هذا المسجد شهرًا- في مسجد المدينة - ومن كفّ غضبه ستر الله عورته، ومن كظم غيظه ولو شاء أن يمضيه أمضاه ،ملأ الله قلبه رجاء يوم القيامة، ومن مشى مع أخيه في حاجة حتى يثبتها له ثبّت الله قدمه يوم تزول الأقدام".هذا الحديث ـ أيّها الإخوة الكرام ـ يقرر حقيقة مهمة ،وهي أن القرب من الله يمر عبر إعانة الناس ومنفعتهم، وهذا ما يضفي على الإسلام تميزه فهو ليس كالعقائد المنحرفة التي زعمت أن الدين علاقة خاصة بين الإنسان وخالقه، وأنه يجب أن يظل محصورًا بين جدران أربع، وألا يتدخل في شئون الحياة، ففي الإسلام لا معنى للعبادة بدون العمل الاجتماعي، بل إن العبادة إن لم تقترن بحسن الخلق والمعاملة مع الناس فإنها تجلب الوزر لا الأجر،لذلك قال تعالى: { وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ "  قال مصلحون ولم يقل صالحون والفرق بيّن ، والإصلاح لا يكون داخل المساجد فحسب بل لا بدّ أن يشمل المجتمع بأسره ،فقد سئل النبي صلى الله عليه وسلم عن امرأة تصوم النهار وتقوم الليل لكنها تؤذي جيرانها، فقال عليه الصلاة والسلام: "هي في النار".لأن الشعائر التعبدية المحضة في الإسلام لا بدّ أن تجد صداها في الأبعاد الاجتماعية، وإذا تأملنا أركان الإسلام الخمسة نجد أن لكل منها آثاره في الحياة العمليّة، فالصلاة مثلاً تجدد شحن المسلم بطاقة روحية تعينه على مواصلة دوره الاجتماعي، وتهون عليه العقبات التي يواجهها في حياته،وتنهاه عن الفحشاء والمنكر والصوم يزكي النفس، ويجعلها أكثر إحساسًا بالفقراء والمساكين، أما الزكاة فأثرها الاجتماعي لا يحتاج إلى برهان فهي التي تحقق التكافل وتنشئ مجتمعًا متراحمًا متحابًّا لا يبغض فقراؤه أغنياءه ولا يحسدونهم، والحج فيه اجتماع للمسلمين وتحقيق للمساواة بينهم لا فضل لغني على فقير ولا لأسود على أبيض كلهم بلباس واحد وفي صعيد واحد يدعون ربًّا واحدًا.وهكذا يتبين أمامنا أن الإسلام في جملته هو رسالة إصلاحية تهدف إلى إسعاد الناس في الدنيا والآخرة، وليس الانزواء بعيدًا عنهم في المساجد والصوامع.
ويبشّر النبيّ الكريم كلّ من يقدّم العون لأخيه المسلم بأجر أرقى أنواع العبادات التي تتطلّب الجهد والوقت والمال ، كلّ ذلك يمكن أن يكسبه في أقلّ الأوقات وبأقل الجهد والتّكلفة والدّليل قول النبي صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم  : ( السَّاعِي علَى الأَرْمَلَةِ وَالمِسْكِينِ كَالمُجاهِدِ في سبيلِ اللَّه ) وأَحْسُبهُ قال : ( وَكَالْقائِمِ الَّذي لا يَفْتُرُ ، وَكَالصَّائِمِ لا يُفْطِرِ )متفقٌ عليه  بل لقد أعدّ الله له  جزاء من عنده من جنس عمله وشتّان بين ما يقدّمه الإنسان لأخيه الإنسان وما يجازي به الله عباده - قال صلى الله عليه وسلم (من نفّس عن مؤمن كربة من كرب الدنيا نفّس الله عنه كربة من كرب يوم القيامة ومن يسّر على معسر يسر الله عليه في الدنيا والآخرة ومن ستر مسلماً ستره الله في الدنيا والآخرة والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه)


اللهمّ اجعلنا من الذين يستمعون القول فيتّبعون أحسنه ، واجعلنا من الذي استخدمتهم في خدمة عبادك واجعل أعمالنا كلّها خالصة لوجهك الكريم يا كريم والحمد لله ربّ العالمين .
 
                                       الخطبة الثّانية
 
 
بسم الله والحمد لله والصّلاة والسّلام على رسول الله وأشهد ألاّ إله إلاّ الله وأشهد أن ّسيّدنا محمّدا رسول الله
أمّا بعد أيّها الإخوة الكرام يقول الله تعالى :(أَهُمْ يَقْسِمُونَ‏رَحْمَةَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُم مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُم بَعْضاًسُخْرِيّاً)(الزخرف/ 32). هذه الآية الكريمة تؤكّد لنا أنّ التفاوت بين النّاس وبين الجهات ليس مقياس الأفضلية وأن الدرجات التي يتفاوت بها الناس ما بين فقير وذي ثروة طائلة، وآمر ومأمور، وصحيح الجسم وسقيم... كل ذلك‏ ليس دليلاً على أن اللَّه سبحانه وتعالى يفضلّ بعض الناس على بعض دون سبب، بل هي تدبيرات إلهية لتنظيم حياة البشر.،والحكمة في ذلك أن يحتاج الناس إلى بعضهم البعض، وأن تتشابك مصالحهم، ويتعاونوا في الحياة الدنيا. وما هذه الأزمات التي يعيشها مجتمعنا إلاّ مخاض حقيقيّ لينبلج النّور وليحقّ الحقّ وليدمغ الباطل إنّ الباطل كان زهوقا ، وما هذه الابتلاءات إلاّ مجال اختبار للصّادقين والثّابتين والموصولين بالله، في مقابل المنافقين والمتشدّقين والوصولييّن  ليميز الله الخبيث من الطيّب  فكلّ ما ينفع  النّاس فيمكث في الأرض وينبت ويثمر وينفع البلاد والعباد وأمّا الزّبد فتأخذه الرّياح ويطويه النّسيان  وينال الخزي والعار والدّمار ،ومع ذلك فإن رحمة اللَّه، ورسالاته وقيمه، والمحبّة فيه والتّضحية في سبيله،خير ممّا يجمعون، خير من حطام الدنيا الذي يتكالب عليه أبناءها ،
 
 أيّها الإخوة الكرام اعلموا أن الإحسان إلى الخلق سيعود إليكم صداه ولو بعد حين .. وأن الصدقة ولو بالقليل تفعل الشيء الكثير إذا وافقت إخلاصًا من المتصدق وحاجة عند الفقير،وأنّ الصّدقة مهما كانت قليلة تكون في يد الخالق قبل أن تكون في يد المخلوق ، ونحمد الله تعالى ان سخّر أناسا لخدمة المجتمع وخدمة الفئات المحرومة تحديدا سخّروا وقتهم ومالهم وجهدهم من أجل ذلك نسأل الله لهم الأجر والإخلاص والثّبات ، هم وسطاء يبلّغون ما به تتصدّقون ، ويصلون إلى حيث لا يمكنكم الوصول  ، فلا تتردّدوا رحمكم الله في تقديم المعونة ولو بالقليل ممّا أعطاكم الله واعلموا أنّ من أفضل الصّدقات جهد المقلّ  .
نفعني الله وإياكم بهدي كتابه وبسنة نبيه صلى الله عليه وسلم إنه على كل شيء قدير اللهمّ لك الحمد أن هديتنا للإيمان ووفّقتنا لصالح الأعمال ، لك الحمد أنت قيّوم السّماوات والأرض فلك الحمد ، لك الحمد أنت الغنيّ ونحن الفقراء إليك ، لك الحمد أنت القويّ ونحن الضّعفاء إليك ، لك الحمد أنت المحسن ونحن المحتاجون إليك اللهم صل على محمد وعلى آل محمد ...
اللهم يمِّن كتابنا، ويسِّر حسابنا، وثقِّل موازيننا، وحقِّق إيماننا، وثبِّت على الصراط أقدامنا، وأقرّ برؤيتك يوم القيامة عيوننا، واجعل خير أعمالنا آخرها، وخير أيامنا يوم لقاك. اللهم لا تجعل بيننا وبينك في رزقنا أحدًا سواك، واجعلنا أغنى خلقك بك، وأفقر عبادك إليك. اللهم هب لنا غنى لا يطغينا، وصحة لا تلهينا، وأغننا اللهم عمّن أغنيته عنا،اللهمّ اشف مرضانا وعاف مبتلانا  واهد ضالّنا وأعد غائبنا ، واقض الدّين عن المدينين ، وفرّج كربة المكروبين وارفع الظّلم عن المظلومين في مشارق الأرض ومغاربها ،اللهمّ يسّر الأمر على إخواننا المحتاجين المعزولين المكروبين في بلدنا وفي سائر بلاد المسلمين ،وخاصّة في سوريا حيث شدّة البلاء ، وتقتيل الأبرياء وتمزيق الأجساد إلى أشلاء ، اللهمّ كن لهم وليّا وناصرا ومعينا،  واقسم الجبّارين والمتسلّطين وخذهم أخذ عزيز مقتدر فإنّهم لا يعجزونك شيئا إنّك على كلّ شيء قدير وجاز المحسنين والمتصدّقين في كلّ أوجه الخير إنك على ذلك قدير وبالإجابة جدير وصل اللهم على محمد وعلى آل محمّد والحمد لله ربّ العالمين