صفحة الاستقبال منبر الجمعة - خطب جمعية خطبة يوم الجمعة 17 فيفيري 2012 - فضائل الصّدقة

كتاب التربية الإسلامية والتنشئة على القيم

خطبة يوم الجمعة 17 فيفيري 2012 - فضائل الصّدقة طباعة أرسل إلى صديق
الكاتب: خالد التلمودي   

خالد التّلمودي  جامع الصّبر                                                      التّأريخ : 17ـ 02ـ 2012

خزامة الغربيّة                                                                     25  ـ ربيع الأنور 1432

فضائل الصّدقة

 

إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ؛ ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ؛ ومن سيئات أعمالنا ؛ من يهده فلا مضل له ؛ ومن يضلل فلا هادي له؛وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ؛ وأشهد أن محمداً عبده ورسوله ؛ صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.

أما بعد:-عباد الله:اتقوا الله تعالى حقّ تقاته واعلموا أنّ ما بكم من نعمة فمن الله وأنّكم إليه ترجعون وعلى أعمالكم محاسبون وتذكروا قول الله جل وعلا : ( آمنوا بالله ورسوله وأنفقوا مما جعلكم مستخلفين فيه )

أيّها الإخوة الكرام أنا على يقين أنّ كلّ من في هذا المسجد قد أنفق من مال الله الذي آتاه قليلا كان أو كثيرا ، أنفق في سبيل الله من أجل إدخال الفرحة على قلوب المحتاجين والمعوزين ، من أجل إدخال الدّفء على الذين أصابهم زمهرير الشّتاء في المناطق الدّاخليّة لبلدنا العزيز، أسأل الله  أن يقيكم جميعا زمهرير جهنّم،،،  هذا البلاء هو في الحقيقة  ابتلاء " ليبلوكم أيّكم أحسن عملا " قال تعالى :"هاأنتم هؤلاء تدعون لتنفقوا في سبيل الله فمنكم من يبخل ومن يبخل فإنما يبخل عن نفسه والله الغني وأنتم الفقراء وإن تتولوا يستبدل قوما غيركم ثم لا يكونوا أمثالكم . " محمّد 36 هذه الدّعوة تأتي صريحة من القرآن ، كما يدعو إليها الواقع والحاجة والخصاصة ووسائل الإعلام والأئمّة فوق المنابر ، بحيث لا يبقى لأيّنا عذر في عدم مدّ يد المساعدة وهذا ما تمّ بالفعل والحمد لله .....

خطبتنا اليوم أيّها الأحبّة  ، عن فضائل الصّدقة وفوائدها ، كلام يلقى على مسامعكم، من الأكيد أنّه سيلقى صداه في قلوبكم ، لأنّ هذه الفضائل قد أدركتموها في نفوسكم وأموالكم وصحّتكم وإيمانكم ومصالحكم ، وإنّ هذا لهو القول الفصل لأنّه قول العزيز الحكيم ومن أصدق من الله قيلا ، ولأنّه قول الصّادق المصدوق ، فهو لا ينطق عن الهوى..

أيّها الإخوة الكرام ، الإنفاق صفة من صفات المؤمنين الذين امتدحهم العزيز الحكيم بقوله : ( والذين في أموالهم حق معلوم * للسائل والمحروم ) أي : أن في أموالهم نصيباً مقرراً لذوي الحاجات من الناس سواءٌ كان هذا الحق واجباً أو مستحباً.واعلموا أنّ مال العبد في الحقيقة هو ما قدم لنفسه ليكون له ذخراً بعد موته ، وليس ماله ما جمع فاقتسمه الورثة بعده ، ففي الصحيح عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه ، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( أيكم مال وارثه أحب إليه من ماله ؟،قالوا يا رسول الله ، ما منا أحد إلا ماله أحب إليه ، قال فإن ماله ما قدم، ومال وارثه ما أخر ).  كما أن الصدقة دليل على إيمان العبد قال النبي صلى الله عليه وسلم: ( والصدقة برهان ) أي دليل وعلامة على صدق الإيمان. وهي سبب للشفاء والسلامة من الأمراض قبل وقوعها وبعد وقوعها قال صلى الله عليه وسلم :"داووا مرضاكم بالصدقة"وعندما يحشر الناس حفاةً عراة وتدنو منهم الشمس ويلجمهم العرق يكون المسلم في ظل صدقته قال صلى الله عليه وسلم :"كل امرئ في ظل صدقته حتى يُفصل بين الناس ). والصدقة تطفئ غضب الرب سبحانه،قال صلى الله عليه وسلم: ( صدقة السر تطفئ غضب الرب ). وهي سبب لنيل محبة الله عز وجل قال عليه الصلاة والسلام: ( أحب الأعمال إلى الله عز و جل سرور تدخله على مسلم أو تكشف عنه كربة أو تقضي عنه دينا أو تطرد عنه جوعا ولأن أمشي مع أخي في حاجته أحب إلي من أن اعتكف في هذا المسجد شهراً ). وهي سبب لزيادة الرزق ونزول البركات قال الله تعالى: ( يمحق الله الربا ويربي الصدقات ) وقال صلى الله عليه وسلم: ( ما نقص مال من صدقة ).والصدقة من أعظم أبواب البر والإيمان وذوق حلاوته قال تعالى: ( لن تنالو البر حتى تنفقوا مما تحبون وما تنقوا من شيء فإن الله به عليم ) والصدقة الجارية يبقى ثوابها حتى بعد الموت قال صلى الله عليه وسلم: ( إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاثة: ـ وذكر منها ـ صدقة جارية )وهي سبب لإطفاء الخطايا وتكفير الذنوب قال صلى الله عليه وسلم:(الصوم جنة والصدقة تطفئ الخطيئة كما يطفئ الماء النار). وهي حجاب عن النار قال صلى الله عليه وسلم: ( اتقوا النار ولو بشق تمرة )والصدقة من أفضل صنائع المعروف قال صلى الله عليه وسلم:"صنائع المعروف تقي مصارع السوء"فيا لها من فضائل يغفل عنها كثير من الناس.........

عباد الله لا يزال من فضائل الصّدقة الخير الكثير فإن الله تعالى يضاعف للمتصدّقين صدقاتهم جزاء ما أنفقوا في سبيل الله فقال: (مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ) وعن أبي هريرة عن النبي r قال : (من تصدق بعدل تمرة من كسب طيب - ولا يصعد إلى الله إلا الطيب - فإن الله تعالى يقبلها بيمينه ثم يربيها لصاحبها كما يربي أحدكم فلوه حتى تكون مثل الجبل). متفق عليه.واعلموا أنّ الصّدقة لا تكون إلاّ في الحياة الدّنيا لتثمر وتينع لذلك يذكّرنا مولانا  ويحثّنا على الصّدقة قبل أن تفاجئنا  المنيّة فيقول :" وَأَنْفِقُوا مِنْ مَا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ (المنافقون 10)

ولكن أعظم الصدقة عباد الله ما تنفقه على أقاربك فكلما كان الإنسان إليك أقرب كانت الصدقة أعظم حتى كانت أفضل الصدقات ما تتصدق به على أهلك وأولادك وزوجك، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:" دينار أنفقته في سبيل الله ودينار أنفقته في رقبة ودينار تصدقت به على مسكين ودينار أنفقته على أهلك أعظمها أجرا الذي أنفقته على أهلك". رواه مسلم. وعن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه أن رسول الله قال له :"وأنك لن تنفق نفقة تبتغي بها وجه الله إلا أجرت عليها حتى ما تجعل في فيّ امرأتك". متفق عليه. فالصدقة على الأقارب تجمع بين أجر الصدقة وأجر صلة الرحم عن سلمان بن عامر رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (الصدقة على المسكين صدقة وعلى ذوي الرحم ثنتان صدقة وصلة).لكن يشترط في النفقة على الأهل أن يحتسب ذلك عند الله ،فيجب أن تكون نيّته أن ينفق عليهم لله تعالى وابتغاء أجر الله. فعن ابن مسعود البدري رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال" إذا أنفق الرجل على أهله نفقة وهو يحتسبها كانت له صدقة." متفق عليه.فأكثروا عباد الله من الصدقة والإنفاق في سبيله ففي ذلك الثواب العظيم من الله تعالى: (الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرّاً وَعَلانِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ).أقول ما تسمعون وأستغفر الله...لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنبٍ إنه هو الغفور الرحيم....

                                   الخطبة الثانية

 

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن اتّبع هداه

أما بعد:

أيّها الإخوة الكرام كثيرا ما نتحدّث عن فضائل الصّدقة بالنّسبة للمتصدّق  تشجيعا للنّاس على الإنفاق في سبيل الله ولكن نتغافل عن فوائدها بالنّسبة للمتصدّق عليه والحال أنّ  ذلك هو المقصد،فمن أهمّ فوائدها :

ــ إدخال السّرور على الفقراء والمحتاجين ، ولا يفقه هذا الكلام إلاّ من مارسه ووضع صدقته بين يدي المحتاج وعاين الضّنك الذي يعانيه ، وبتلك الصّدقة استشعر الفرحة الغامرة التي علت محيّاه وشملت أفراد عائلته ، وتلقّى الدّعوات الصّالحات التي ترقرقت من فيه نابعة من قلبه ، لتنزل بردا وسلاما على المتصدّق ،هذا الدّعاء يصعّد إلى السّماء في لمح البرق ويجد المتصدّق صداه في الإبّان

ــ الصّدقة تطهّر قلب الفقير من الحسد والكراهيّة التي يكنّها في صدره تجاه الأغنياء بذلك القرب وذلك التّواصل ،لذلك أنصح المتصدّقين بأن يبادروا بأنفسهم بتوزيع صدقاتهم ما وجدوا على ذلك سبيلا .

ــ الصّدقة تقلّص الفوارق الاجتماعيّة وتحرّك دواليب الاقتصاد لما توفّره من موارد ماليّة لأغلبيّة الفئات الاجتماعيّة  لاقتناء حاجيّاتهم الأساسيّة لتحقيق درجة الكفاف ومن بعدها درجة الكفاية .

ــ الصّدقة تحدّ بشكل كبير من ظاهرة العنف والسّرقة والنّهب وقطع الطّرق ،لأنّ هذه الظّواهر ناتجة بالأساس عن الفقر الذي قال فيه عمر رضي الله عنه :"لو كان الفقر رجلا لقتلته " ، هذا الفقر  الذي استعاذ منه سيّد الخلق صلّى الله عليه وسلّم

وتبعا لذلك يتحقّق الأمن في المجتمع ، الأمن الذي هو قوام الأعمال وسبب الازدهار ، وما أحوجنا اليوم إلى الأمن لإقامة المشاريع  وتحقيق النّهوض الاجتماعي والاقتصادي

ـ الصّدقة ، تحدّ من الأمراض ، لأنّ الفقير يعجز عن اقتناء الدّواء وعن العلاج ، كما أنّ الصّدقة تساعد على مقاومة الجهل والأميّة ،  كلّ هذا الكلام يختزله حديث سيّد الخلق بقوله :" من أصبح آمنا في سربه معافى في جسده له قوت يومه فقد حيزت له الدّنيا  بحذافيرها  " لينطلق بعدها إلى العمل والجدّ والإعمار والعبادة في مفهومها الشّمل

اللهمّ لك الحمد حمدا كثيرا طيّبا مباركا ملء السّماوات والأرض ومن فيهنّ حمدا يليق بجلال وجهك وعظيم سلطانك،اللهم صل وسلم وبارك على عبدك ورسولك نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه الطّيّبين الطّاهرين وعنا معهم بعفوك ومنك وكرمك وإحسانك يا أرحم الراحمين. اللهمّ إنّا نسألك ،بأسمائك الحسنى وصفاتك العلى أن تجعلنا من المتصدقين في كل أحوالنا ،في غنانا وفقرنا ،في صحتنا ومرضنا ،في حضرنا وسفرنا ،وفي سائر أحوالنا إنك ولي ذلك والقادر عليه.

اللهم إنا نسألك أن تقبل صدقاتنا ،وتأخذها منا بيمينك ،وتنميها عندك ،حتى نأتي يوم القيامة ،وإذا هي كجبل أحد في ميزاننا. اللهم اجعلنا من المتصدقين المنفقين في سبيلك ،اللهم إنّا نعوذ بك من فتنة المال والولد ،اللهم أصلح لنا ذرياتنا وأزواجنا وأهلينا ،اللهم اغفر للمؤمنين والمؤمنات الأحياء منهم والأموات ...

اللهم أعز الإسلام والمسلمين، وأذل الشرك والمشركين، ودمر أعدائك أعداء الدين، وانصر عبادك الموحدين، واحمي حوزة الدين. اللهم انصر دينك وانصر من نصر دينك واجعلنا من أنصار دينك يا رب العالمين. اللهم فرج هم المهمومين ونفس كرب المكروبين واقض الدين عن المدينين واشف مرضانا ومرضى المسلمين. اللهم وفق ولاة أمرنا لما تحبه وترضاه اللهم وأصلح قلوبهم وأعمالهم يا ذا الجلال والإكرام. ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار. 
اللهم اغفر لنا ولآبائنا ولأمهاتنا ولأولادنا ولأزواجنا. ولجميع المسلمين والمسلمات. اللهم نور على أهل القبور من المسلمين والمسلمات قبورهم اللهم واغفر للأحياء ويسر لهم أمورهم. 
عباد الله: -(إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ* [النحل/90-91]. فاذكروا الله الجليل يذكركم واشكروه على نعمه يزدكم ولذكر الله أكبر والله يعلم ما تصنعون.