صفحة الاستقبال منبر الجمعة - خطب جمعية خطبة يوم الجمعة 2 مارس 2012 برّ الوالدين

كتاب التربية الإسلامية والتنشئة على القيم

خطبة يوم الجمعة 2 مارس 2012 برّ الوالدين طباعة أرسل إلى صديق
الكاتب: خالد التلمودي   

خالد التّلمودي  جامع الصّبر                                                      التّاريخ : 02 03  2012

خزامة الغربيّة                                                                     09ـ ربيع الثّاني 1432

             برّ الوالدين

   

إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا ، من يهده فلا مضل له ، ومن يضلل فلا هادي له ، وأشهد أن لا إله إلا الله ، وحده لا شريك له ، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله ، صلوات الله وسلامه عليه ، وعلى آله وأصحابه ، والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين . . .

 

أما بعد :اتقوا الله عباد الله ، واعلموا أنكم ملاقوه ، ولن تعجزوه ، فمن الأرض خلقكم وفيها يعيدكم ومنها يخرجكم تارة أخرى ، قال تعالى : " يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون " ،

 أيّها الإخوة الكرام كثيرا ما تطالعنا  أحداث اجتماعيّة تسبّب لنا القلق والتوتّر لكن سرعان ما تزول آثارها  ، ولكن تحدث من القضايا الأسريّة ما يشيب منه الولدان وما يجعل الحليم حيرانا ،أشدّها وطأة ظاهرة عقوق الأبوين ، لأنّ آثارها خطيرة، وعواقبها وخيمة ، في الحاضر والمستقبل وفي المال والنّفس والولد وفي الدّنيا والآخرة ، بل  لا صلاة ولا صيام ولا صرف ولا عدل،،، للعاقّ ، لذلك كان العقوق من أكبر الكبائر ،،،، أقول هذا الكلام وكلّي ألم وحرقة ،لأنّ العقوق قد تحوّل إلى ظاهرة وما أسوأها من ظاهرة ، ظاهرة شهدتها وشاهدتها ، شاهدت أمّا تذرف الدّموع من عقوق ابنها، وشاهدت أبا يصف عقوق ابنه بالذّبح من قفا  الرّقبة ، ويبلّغني أب أنّ ابنه صفعه بملء يده على وجهه والأدهى والأمرّ أن هذه الأمثلة ، تصدر من أبناء يداومون على صلاتهم ، فأيّ صلاة هذه التي يصلّيها ، أمّا عن غيرهم فلا تسأل ،،،إهانات  واعتداءات وسبّ وسلب ونهب وطرد وتعنيف وإلقاء في المآوي بل وصل الحدّ إلى القتل ، هذا كلّه يفعل بالوالدين ،الأم والأب ،أصل حياة الأبناء، ومنبع الخير فيهم ،وزارعي القيم والمبادئ في نفوسهم ،الوالدان اللذان بذلا الجهد والتضحية في سبيل الأبناء، والأمّ التي ثلّث النبيّ صلّى الله عليه وسلّم طاعتها، تلك التي حملتك في بطنها تسعة أشهر، وتألمت من حملك، وكابدت آلام وضعك، بل وغذتك من لبنها،ومن دمها وعظمها  وسهرت ونمت، وتألمت لألمك، وسهرت لراحتك، وحملت أذاك وهي غير كارهة، وتحملت أذاك وهي راضية ،،،

أيّها الإخوة الكرام ،إنّ المتأمل في النصوص الشرعية يجد عجبًا؛ فالنصوص الآمرة للأبناء ببرّ الآباء وحفظ كرامتهم والاعتناء بهم هي من الكثرة بمكان، في حين نجد في المقابل أن النصوص الحاثة للآباء برعاية الأبناء وحفظ حياتهم والاعتناء بمعيشتهم وكسوتهم وإطعامهم ليست على المستوى نفسه من الكثرة والتشعب، ذلك لأن الله تعالى قد فطر قلوب الأبوين على حب الأطفال والتعلق بهم، وبذل الغالي والرخيص في سبيل إمتاعهم وإسعادهم، أمّا واقعنا اليوم ، فهو دليل على انتكاس الفطرة ، وانحراف السّلوك ، وانقلاب المقاييس ،لذلك لا بدّ من التّذكير،والنّذير بل والتّرهيب من كبيرة العقوق فهي من أكبر الكبائر بعد الإشراك بالله، وكيف لا يكون كذلك وقد قرن الله برهما بالتوحيد فقال تعالى:  وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحساناً  [الإسراء: 23وقال تعالى:  قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم ألا تشركوا به شيئاً وبالوالدين إحساناً  الأنعام: 151بل هي من المواثيق التي أخذت على أهل الكتاب من قبلنا،  وإذ أخذنا ميثاق بني إسرائيل لا تعبدون إلا الله وبالوالدين إحساناً وذي القربى واليتامى والمساكين وقولوا للناس حسناً  [البقرة: 83وقال تعالى:  واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئاً وبالوالدين إحساناً
قال ابن عباس رضي الله عنهما: يريد البر بهما مع اللطف ولين الجانب، فلا يغلظ لهما في الجواب، لا يحدّ النظر إليهما، ولا يرفع صوته عليهما، بل يكون بين يديهما مثل العبد بين يدي السيد تذللاً لهما. وقال الهيثمي عند قوله تعالى:  وقل لهما قولاً كريماً  أي اللين اللطيف المشتمل على العطف والاستمالة وموافقة مرادهما وميلهما ومطلوبهما ما أمكن لا سيما عند الكبر،  واخفض لهما جناح الذل من الرحمة  ثم أمر تعالى بعد القول الكريم بأن يخفض لهما جناح الذل من القول، بأن لا يُكلّمهما إلا مع الاستكانة والذل والخضوع، وإظهار ذلك لهما، واحتمال ما يصدر منهما، ويريهما أنه في غاية التقصير في حقهما وبرّهما. 
ولا يزال على نحو ذلك حتى ينثلج خاطرهما، ويبرد قلبهما عليه، فينعطفا عليه بالرضا والدعاء، ومن ثم طلب منه بعد ذلك أن يدعو لهما،  وقل رب ارحمهما كما ربياني صغيراً . وهاهو رسول الله   يجعل حق الوالدين مقدماً على الجهاد في سبيل الله. ففي الصحيحين من حديث عبد الله بن مسعود   قال: سألت رسول الله  : أي الأعمال أحب إلى الله؟ قال:الصلاة على وقتها، قلت: ثم أي؟ قال: ثم بر الوالدين، قلت: ثم أي؟ قال: ثم الجهاد في سبيل الله. وعن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما أن رسول الله قال لرجل استأذنه في الجهاد:أحي والداك؟ قال: نعم، قال: ففيهما فجاهد[رواه البخاري]. وعنه أيضاً أن النبي   قال:رضا الرب في رضا الوالد، وسخط الرب في سخط الوالد [رواه الترمذي  وعن معاوية بن جاهمة   قال: جاء رجل إلى رسول الله   فقال:أردت أن أغزو وقد جئت أستشيرك، فقال: هل لك أم؟ قال: نعم، قال: فالزمها فإن الجنة تحت رجليها)) [رواه النسائي وابن ماجه

]. وها هو رسول الله   يدعو على من أدرك أبويه أو أحدهما ثم لم يدخل الجنة، فيقول كما في صحيح مسلم عن أبي هريرة:((رغم أنفه، رغم أنفه، رغم أنفه، قيل: من يا رسول الله؟ قال: من أدرك أبويه عنده الكبر أحدهما أو كليهما ثم لم يدخل الجنة)). 
وبر الوالدين من أعظم القربات وأجل الطاعات، وببرهما تتنزل الرحمات وتكشف الكربات.  ولنا في السّلف الصّالح المثل الأعلى جسّدوا قيم البرّ بالوالدين فذكرهم التّاريخ ،وخلّد ذكراهم ، اذكرها وأنا أستحي من نفسي ،ومن تقصيري ......
فهذا محمد بن سيرين إذا كلم أمّه كأنه يتضرّع. وقال ابن عوف: دخل رجل على محمد بن سيرين وهو عند أمه، فقال: ما شأن محمد أيشتكي شيئاً؟ قالوا: لا، ولكن هكذا يكون إذا كان عند أمّه. وهذا أبو الحسن علي بن الحسين زين العابدين رضي الله عنهم كان من سادات التابعين، وكان كثير البر بأمه حتى قيل له: إنك من أبر الناس بأمك، ولسنا نراك تأكل معها في صحفة، فقال: أخاف أن تسبق يدي إلى ما سبقت إليه عينها، فأكون قد عققتها. وهذا حيوة بن شريح، وهو أحد أئمة المسلمين والعلماء المشهورين، يقعد في حلقته يعلم الناس ويأتيه الطلاب من كل مكان ليسمعوا عنه، فتقول له أمه وهو بين طلابه: قم يا حيوة فاعلف الدجاج، فيقوم ويترك التعليم. فأين نحن من هؤلاء ؟ والويل كلّ الويل للعاقّين من غضب الله ......
أوصيكم يا معشر الأبناء جميعاً ونفسي ببر الوالدين، وأن نسعى لإرضائهما وإسعادهما في هذه الدنيا، أسألك بالله يا أخي ،،،ماذا يريد منك أبوك إلا أن تقف معه ، وأن تسانده حين يحتاجك، بل ماذا تريد منك الأم إلا كلمة حانية، وعبارة صافية، تحمل في طياتها الحب والإجلال. والله يا إخوان لا أظن أن أي أم أو أب يعلمان من ولديهما صدقاً في المحبة وليناً في الخطاب ويداً حانية وكلمة طيبة ثم يكرهانه أو يؤذيانه في نفسه أو ولده. ، فما أحوجنا لدعوات صالحات ،حانيات،صادقات، نابعات من قلب يكنّ لنا كلّ الحبّ والعطاء ، قلب الأمّ الحنون، والأب العطوف
اللهم إنا نسألك أن تعيننا جميعاً على بر والدينا، اللهم قد قصرنا في ذلك وأخطأنا في حقهما، اللهم فاغفر لنا ما قدمنا وما أخرنا، وما أسرفنا وما أعلنا، واملأ قلبيهما بمحبتنا، وألسنتهما بالدعاء لنا، يا ذا الجلال والإكرام. 



 

 

 

 

 

                    الخطبة الثانية


الحمد لله وكفى، والصلاة والسلام على نبيه الذي اصطفى، وأشهد ألا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً رسول الله

أيها الإخوة المؤمنونحتّى لا يبقى كلامنا في المستوى النّظري، وحيال هذا الكلام المشحون بالتّرهيب ،والتّرغيب قد يسأل أحدكم : ماذا عليّ تجاه والديّ حتّى أبرّهما ؟ وإن كان ذلك من الأمور الفطريّة ، التي يرشد إليها العقل والسّلوك السويّ بداهة ومع ذلك أقول في تبويب واختصار وفي نقاط خمسة :
أولاً: أن لا تتأفّف من شيء تراه أو تشمه من أحدهما أو منهما مما يتأذى به الناس، ولكن اصبر على ذلك منهما، واحتسب الأجر عليه من الله -جل وعلا-، واحذر الضجر والملل القليل والكثير، وعليك بالرفق واللين معهما، والله لا يضيع أجر من أحسن عملاً.

ثانيًا: أن لا تنغّص ولا تكدر عليهما بكلام تزجرهما وتنهرهما به، وفي هذا منع من إظهار المخالفة لهما بالقول على سبيل الرد عليهما والتكذيب لهما، فامتنع تمامًا أن تخالفهما بقولك ردًّا عليهما أو مكذبًا لهما،

ثالثًا: أن تقول لهما قولاً كريمًا حسنًا طيبًا مقرونًا بالاحترام والتعظيم مما يقتضيه حسن الأدب وترشد إليه المروءة، كأن تقول: يا أبت، ويا والدي، أو يا أماه، ويا والدتي، ولا تدعوهما بأسمائهما، ولا ترفع صوتك أمامهما، ولا تحدق فيهما بنظرك، بل يكون نظرك إليهما نظر لطف وعطف وتواضع.
رابعًا: أن تتواضع لهما وتتذلل، وتطيعهما فيما أمراك به ما لم يكن معصية لله، وتشتاق وترتاح إلى ما يطلبانه ، رحمة منك بهما، وشفقة عليهما وعلى ضعفهما،
خامسًا: أن تدعو الله أن يرحمهما برحمته الواسعة مقابل رحمتهما بك، وجميل شفقتهما عليك.وأن يتواصل برّهما حتّى بعد مماتهما. فقد جاء رجل من بني سلمة فقال: يا رسول الله: هل بقي علي من برّ والديّ شيءٌ أبرهما به بعد موتهما؟! قال:"نعم، الصلاة عليهما -يعني الدعاء لهما والاستغفار لهما-، وإنفاذ عهدهما، وصلة الرحم التي لا صلة لك إلا من قبلهما، وإكرام صديقهما".بهذا أخي المسلم تنال الجنّة ، بعد أن أدّيت واجباتك مع الله والدّليل :ما رواه مسلم عن أبي هريرة –رضي الله عنه- قال: قال رسول الله –صلى الله عليه وسلم-: "رغم أنف، ثم رغم أنف، ثم رغم أنف من أدرك والديه عند الكبر -أحدهما أو كلاهما- فلم يدخل الجنة". 
فيا عباد الله: أحسنوا إلى الوالدين ما أمكنكم الإحسان، وكونوا معهما في غاية الأدب والاحترام، واحذروا سوء الأدب معهما، وإلا هويتم في هوة شقاء ما لها من قرار، وكونوا معهما على أفضل ما يكون إجلالاً واحترامًا، وإن حصل منهما لكم ظلم فلا تبادلوهما بظلمهما، بل عليكم ببرهما مهما حصل منهما، إنما الذي يرخص لك -يا عبد الله- فيه أن لا تطعهما إن أمراك بمعصية لله -عز وجل-، وما عدا ذلك فبرهما واجب لا يزول مهما حدث منهما، نعم؛ لأنهما هما اللذان -لولا الله ثم هم- لما خرجت إلى هذا الوجود، وهما اللذان سخرهما الله لك، فصبرا على ما لقيا من الأهوال، فالله الله في الوالدين وفي برهما، فمن كان الوالدان في حاجته اليوم منا، غدًا يكون في حاجة أبنائه، وكما تدين تدان.

اللهمّ لك الحمد أن جعلتنا من المؤمنين المصدّقين المسلمين ،فاجعلنا من المستجيبين لأوامرك المنتهين عن نواهيك ، المقتدين بسيرة سيّد المرسلين، اللهمّ وصلّ وسلّم وبارك عليه وعلى آله الطيّبين الطّاهرين

اللهم أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا، وأصلح لنا دنيانا التي فيها معاشنا، وأصلح لنا آخرتنا التي إليها معادنا، ولا تجعل الدنيا أكبر همنا، ولا مبلغ علمنا، ولا تجعل مصيبتنا في ديننا، واغفر لنا ما مضى من ذنوبنا، وارزقنا عملاً زاكيًا ترضى به عنا، وخذ إلى الخير نواصينا، واختم لنا بخير، واجعل عواقب أمورنا إلى خير، وتوفنا وأنت راضٍ عنا، وأصلح أئمتنا وولاة أمورنا، وآمنا في أوطاننا ودورنا، وانصر المجاهدين الذين يجاهدون في سبيلك في كل مكان،انصر إخواننا في سوريا نصرا عزيزا مؤزّرا، ترفع به عنهم البلاء ، اللهمّ إنّهم عراة فاكسهم ،حفاة فاحملهم ارحم شهداءهم وارزقهم الجنّة ، اللهمّ انصر إخواننا في فلسطين واحم القدس من فسق الصّهاينة الماكرين ،، اللهمّ اشف مرضانا وارحم موتانا وعليك بمن عادانا، وبلغنا بما يرضيك آمالنا، واختم بالباقيات الصالحات أعمالنا.

اللهم أعنا على بر والدينا، اللهم وفق الأحياء منهما، واعمر قلوبهما بطاعتك، ولسانهما بذكرك، واجعلهم راضين عنا، اللهم من أفضى منهم إلى ما قدم، فنور قبره، واغفر خطأه ومعصيته، اللهم اجزهما عنا خيراً، اللهم اجزهما عنا خيراً، اللهم اجمعنا وإياهم في جنتك ودار كرامتك، اللهم اجعلنا وإياهم على سرر متقابلين يسقون فيها من رحيق مختوم ختامه مسكاللهم أصلحنا وأصلح شبابنا وبناتنا، اللهم أعلِ همتهم، وارزقهم العمل لما خلقوا من أجله، واحمهم من الاشتغال بتوافه الأمور، وأيقظهم من سباتهم  وغفلتهم واحمهم من شرّ نفوسهم ومن شرّ قرناء السّوء . إنّك خير الحافظين  وصل وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه

الإمام خالد التّلمودي                   التّاريخ : 09 ـ 03 ـ 2012      

جامع الصّبر خزامة الغربيّة               16 ـ ربيع الثّاني ـ 1432                   

                          إنّ الله لا يحبّ المفسدين

 

الحمد لله، ثمّ الحمد لله، الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنّا لِنَهْتَدِيَ لولا أن هدانا الله، وما توفيقي، ولا اعتصامي، ولا توكّلي إلا على الله، وأشهد أن لا إله إلا الله، إقرارًا لرُبوبيَّته، وإرغامًا لمن جحد به وكفر، وأشهد أنّ سيّدنا محمّدًا صلى الله عليه وسلّم رسول الله سيّد الخلق والبشر ما اتَّصَلَت عين بنظر، وما سمعت أذنٌ بِخَبر، اللَّهمّ صلّ وسلّم وبارك على سيّدنا محمّد، وعلى آله وأصحابه، وعلى ذريّته ومن والاه ومن تبعه إلى يوم الدّين .

يا أيّها الذين آمنوا اتّقوا الله وقولوا قولا سديدا يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزا عظيما.

أمّا بعد : أخي المؤمن، اعلم أنّ حبّ الله لك ، لهو أقصى ما يسعى المؤمن الحقيقيّ لتحقيقه ،هذا الأمر يغفل عنه الكثيرون ، فإذا أحبّــك الله سَعِدْت في الدنيا والآخرة، إذا أحبّك الله ألقى حُبَّك في قلب كلّ مخلوق، إذا أحبَّك الله حقّقْت الهدف الذي من أجله خُلقْت ،،،،، النبي عليه الصلاة والسلام في حديثٍ جامعٍ مانعٍ يقول : "عِشْ ما شئْت فإنّك ميّت ، وأحْبِب ما شئْتَ فإنّك مفارق ،واعْمَل ما شئْت فإنّك مَجزيّ به " كلماتٌ قليلة تنْطوي على معانٍ كثيرة ، عِشْ ما شئْت ، فالليل مهما طال فلا بدّ من طُلوع الفجر ، والعمْر مهما طال فلا بدّ من نُزول القبر ، ومن لوازم الموت أنّه ينهي كلّ حبّ ، إذا أحْببْتَ المال فسوف يزول المال ، إذا أحببْتَ العلوّ في الأرض ، فلا بدّ أن تقع ، وإذا تعلّقت بالدّنيا فإنّك ستغادرها لا محالة  فلا شيء يدوم إلا الواحد القيّوم ،  فمن هو الذكيّ ؟ من هو العاقل ؟ من هو الفائز ؟ هو الذي يحبّ ما يبقى ، إذا أحْببْتَ ما يفنى فأنت مغبون ، وإذا أحْببْتَ ما يبقى ، فأنت المفلح،والباقي الأوحد هو الله تعالى الذي يقول:" كلّ من عليها فان ويبقى وجه ربّك ذو الجلال والإكرام " ولكن حبّ الله ، طاعة وامتثال واستسلام وجهاد للنّفس ومقاومة للنّزوات والشّهوات وبعد عن المعاصي والموبقات ،و بعد عن الفساد والإفساد ، من أجل حياة أبديّة، وجنّات عرضها السّماوات والأرض أعدّت للذين  أحبّوا الله وأحبّهم الله ،أمّا المفسدون ،فهم أعداء أنفسهم وأعداء لغيرهم لذلك لا يحبّهم الله  ، قال تعالى :" والله لا يحبّ المفسدين" المائدة 64 تماما كما لا يحبّ الفساد أي أنّ الله سبحانه وتعالى لا يحبّ طبيعة الفساد، ولا يحبّ المفْسِد إذا تلبَّسَ الفساد في شَخْصِهِ.
فما الإفساد أيّها الإخوة ؟ بالتعريف الدقيق، إخراجُ الشيءِ عن صلاحِهِ هو الإفساد، وبِمَثلٍ قريبٍ منكم، الماء طاهرٌ مطهِّر، ما معنى إفساد الماء ؟ أن تجْعَلَهُ نجسًا، أن تجعلهُ ملوَّثًا، أن تجعلهُ غير صالحٍ للاستعمال،لا للعادة ولا للعبادة، فإفساد الماء يدخل في هذه الآية، ضربْتُ هذا المَثَل لأُبيِّن لكم أنّ أيّ إفسادٍ بدءًا من إفساد ا إفساد الماء، إلى إفساد الهواء، إلى إفساد النبات، إلى إفساد التربة، إلى إفساد الصِّغار، إلى إفساد الزوجة، إلى إفساد العلاقات،يعتبر فسادا،و تغييرا لأصل الخلقة مادّيا كان أو اعتباريّا،، فربّنا سبحانه وتعالى خلق كلّ شيءٍ في أحْسن تَقويم، وخلقه صالحًا، وكاملاً كمالاً مطلقًا، ولا تفْسُد الأشياء إلا إذا تحرَّك الإنسان فيها بغير منهج الله عز وجل، كلُّ شيءٍ صُمِّمَ، ورُتِّبَ لِيَكون صالحًا، ما من شيءٍ فيه فسادٌ في أصلِهِ، كلّ شيء في الكون بميزان ومقدار " وخلق كلّ شيء فقدّره تقديرا "  ]إلاّ أنّ الإنسان عندما يتدخّل يفسد كلّ شيء. قال تعالى:"ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس ليذيقهم بعض الذي عملوا لعلهم يرجعون" فالفساد قد شمل البلاد والعباد، قد عمّ الأرض، وطال السّماء ، حتّى طبقة الأوزون  لحقها إفساد الإنسان ، البحار تلوّثت ، والهواء تلوّث ،والغذاء تسمّم ،حتّى الجدران لم تسلم، كتب عليها ما يخدش الحياء ، حتّى طاولات الدّراسة، أين يتلقّى التّلميذ العلم والقيم ، لطّخت بفضائع ،،، بل إنّ الفساد قد شمل حتّى القيم والمثل الإنسانيّة ، من ذلك الأخلاق ، والمعاملات ، ومضمون الكلام ، الكلام البذيء الذي يسمع حتّى في الأماكن العامّة دون أن يجد رادعا ، كذلك الغيبة والنّميمة والسبّ والشّتم ...والقائمة تطول...الفساد تلبّس بأخلاقنا ومعاملاتنا وعلاقاتنا وسلوكيّاتنا بتخطيط من المفسدين والعابثين على مدى سنين وسنين، نجني اليوم آثاره ومخلّفاته ، بعد الثّورة كلّ شيء طفى على السّطح بعد أن كان مغمورا مطمورا  تحت الرّماد وتحت الكبت والقهر .....

أيّها الإخوة الكرام :في المقابل كلُّ شيءٍ في الأصل على أكْمَل حال، وعلى أكْمَل نِظام، وعلى أكمل وجه وعلى أتَمِّ اسْتِعداد لِيَهَبَكَ الله بذلك السعادة النظيفة، فإذا تحرَّك الإنسان في غير منهج الله تعالى، إذا عَدَل الإنسان عن الزّواج الذي شرعَهُ الله عز وجل تلْبِيــَةً لِحاجة أوْدَعها فيه، وأقام علاقات خارج النّطاق الزوجيّة، فقد فسدَ وأفْسَدَ، فسَدَتْ نفسُهُ فصار عند الله تعالى فاسدًا مقطوعًا ملعونًا بعيدًا، وأفْسَدَ هذه الفتاة التي كان من الممْكِن أن تكون زوْجةً صالحةً، وأُمًّا حنونا، لذلك﴿وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ  كذلك، من شرب الخمر فقد أفسد عقله ، وأفسد جسده ورائحته وماله وأخلاقه وهيبته ، ومن دخّن أفسد صحّته ولوّث المحيط وأهدر ماله، كذلك كلّ من أساء إلى المرافق العامة فهذا فساد،

 وفي مجال التّربية: الطِّفْلُ الصغير إذا عوَّدْتَهُ على الكذب فقد أفْسدتهُ، إذا كذَبْتَ أمامه  فقد أفْسَدْتهُ، وزوجتك إذا كانت على معصية و تتساهل معها في طاعة الله عز وجل، وترضى معها، وهي مُقيمةٌ على معصِيَة فقد أفْسَدتها، وابنُكَ إذا أردْت له الدنيا العريضة على حِساب دينه فقد أفْسَدتهُ، وإنّ الله لا يحبّ الفساد، وإنّ الله لا يحبّ المفسدين، لا يحبّ عمل الفساد، والتّاجر الذي يطفّف  الكيل والميزان ، ويغشّ في السّلعة ، فقد أفسد بضاعته وأفسد ماله ، وأفسد حتّى علاقاته ، بدءا بعلاقته مع الله لأنّه لم يخش الله بالغيب ....

 

 أيها الإخوة الأكارم،،،، كلّ شيءٍ تُخرجُه عن طبيعته الصالحة، وتجعلُه فاسدًا، لا يصْلُحُ كي يُنتفعَ منه، وسيعود ضرره على الجميع بدءا بالمفسد نفسه ، ولكن أخطر شيء يمكن إفساده هو الإنسان، فكلّ شيء يمكن إصلاحه ، ويهون أحيانا فساده لأنّه آيل إلى زوال لا محالة ،إلاّ الإنسان سيستمرّ وجوده إلى ما بعد الوجود، وسيرى آثار فساده رأي العين وسيحاسب على كلّ صغيرة وكبيرة ، وستوضع الموازين القسط ، وسيرى ما قدّم من عمل ، وأخطر المفاسد ما دامت آثارها ، كالذي يسنّ عملا فاسدا مفسدا ينال وزره  ووزر من عمل به إلى يوم القيامة، كالذي يروّج المخدّرات والمفتّرات ، والأباطيل ، والأكاذيب والأفكار المسمومة ، التي تبعد عن منهج الله، وكإشاعة الفاحشة بين النّاس ، فيحلّ حراما ، أو يحرّم حلالا ، بدعوى الحرّيات الشّخصيّة ، ويطالعنا هؤلاء الفسقة على القنوات الفضائيّة ، ليسمعهم أكبر عدد ممكن من النّاس ، ضعاف النّفوس ، ويزيّن لهم الشّيطان أقوالهم ، فيسقطون في شرك الملاعين من الإنس والجانّ قال تعالى : { إن الذين يحبون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا لهم عذاب أليم في الدنيا والآخرة والله يعلم وأنتم لا تعلمون } .

أيّها الإخوة الكرام الإنسان بُنيان الله، وملعونٌ من هدمَ بُنيان الله تعالى، كيفما كان الهدم ،بدءا بهدم العقيدة بإفسادها ، وهدم الأخلاق ، وهدم السّلوك ، والغريب أنّ مربّون  في معاهدنا ، يقومون بمثل هذا العمل العظيم ، يستغلّون فورة  الشّباب لتسميم عقولهم ، بالتّشكيك في دينهم وفي قرآنهم وفي نبيّهم صلّى الله عليه وسلّم ، والأمر يزداد خطورة عندما يشمل كلّ وسائل الإعلام ، بدعوى الحرّيّة المزعومة ، حرّية الفسق والفجور، والتسيّب الأخلاقي ، وهذا المقام يرقى على أن يذكر تصريحا ، طرّاهات هؤلاء وأباطيلهم.....

نسأل الله العفو  والعافية والسّلامة الدّائمة في الدّين والدّنيا والآخرة وفي المال والوطن وفي الأهل والولد  ، ولا عدوان إلاّ على الظّالمين المفسدين

                           والحمد لله ربّ العالمين

 

 

 

 

                                     الخطبة الثّانية

 

بسم الله والحمد لله والصّلاة والسّلام على رسول الله وأشهد ألاّ إله إلاّ الله وأشهد أنّ محمّدا رسول الله .

 

أحبّتي في الله : إنّ الله سبحانه وتعالى قد خلق الإنسان في أحسن تقويم، خلقهُ كي يكون سعيدًا، فإذا أشْقيْتَهُ فقد أفْسدتهُ ، خلقهُ كي يكون مكتفيًا، فإذا أفْقرْتَهُ أفْسَدتهُ، خلقهُ كي يكون عزيزًا فإذا أهنْتَهُ فقد أفسدْتهُ، خلقهُ لِيَكون طائعًا فإذا حملْتهُ على معصيَةٍ فقد أفسدْتهُ وإنّ الله لا يحبّ الفساد، فالدِّينُ نِظامٌ متكامِل، ومن السّذاجة، وضيق الأُفق أن نظنّ أنَّك إذا صلَّيْتَ صلاتك، وحججْتَ بيت الله الحرام، وأدَّيْتَ زكاة مالك، وصُمْت رمضان، فقد انتهى كلّ شيءٍ، ،،،،،يخطئ كلّ الخطأ من يتصوّر أنّ الإسلام هو ذاك وكفى .......

أقول لك: لمْ تبدأ في طريق الإيمان ما لم تكن صالحًا، ما لمْ تكن مستقيمًا على أمر الله، والدّليل قوله تعالى : ليس البر أن تولوا وجوهكم قبل المشرق والمغرب ولكن البر من آمن بالله واليوم الآخر والملائكة والكتاب والنبيين وآتى المال على حبه ذوي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل والسائلين وفي الرقاب وأقام الصلاة وآتى الزكاة والموفون بعهدهم إذا عاهدوا والصابرين في البأساء والضراء وحين البأس أولئك الذين صدقوا وأولئك هم المتقون ( 177 ) )  البقرة  ودليل آخر : ما جاء في قول جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه حينما سئلَ عن الإسلام، عرّف الإسلام فقال: كنّا أيها الملِك - يخاطب النجاشي - في جاهليّة، نعبدُ الأصنام، ونأكل الميتَةَ، ونأتي الفواحش، ونُسيء الجِوار، حتى بعثَ الله فينا رجلاً نعرفُ أمانته وصدقهُ، وعفافهُ ، فدعانا إلى الله لِنَعبُدهُ ونوحِّدَهُ، ونخْلعَ ما كان يعبدُ آباؤُنا من الحجارة والأوثان، وأمرنا بصدق الحديث، وأداء الأمانة، وصِلة الرّحم، والكفّ عن المحارم والدّماء،"  فبماذا عرّف سيِّدُنا جعفر الإسلام ؟ بالاستقامة، بالالتِزام، بِمَكارم الأخلاق، هذه هي طبيعة الدِّين،الدّين المعاملة ، الدّين الإحسان،،،،،،،،، وما العبادات إلا مناسباتٌ يتَّصِلُ فيها الإنسان المستقيم المحسِن بِرَبِّهِ، فإن لم يكن مستقيمًا، ولا محسنًا، أنَّى له أن يتَّصل بِربّه ؟ لذلك أغلب تاركي الصّلاة ، سبب تركهم لها ، بعدهم عن الاستقامة ووقوعهم في المعاصي  ، لذلك العلماء قالوا: هناك عبادات شعائريّة كالصلاة والصّوم والحجّ وهناك عبادات تعامليّة كأداء الأمانة، والاستقامة، والصِّدْق، وصِلَة الرّحِم والإحسان، فإن لمْ تكن العبادات التعامليّة صحيحةً لا جَدْوى من العبادات الشعائريّة، فقد تردّ الصّلاة على الوجه وقد يكون نصيب الصّائم الجوع والعطش ، نسأل الله ، القبول والعفو والمغفرة.....

 اللّهم لك الحمد على نعمة الإسلام وعلى نعمة الإيمان ، لك الحمد على ما قضيت ، ولك الحمد على ما أعطيت ، ولك الحمد على ما أخذت ، اللهمّ صلّ وسلّم وبارك على النبيّ المصطفى والرّسول المجتبى وعلى آله وأصحابه الطيّبين الطّاهرين

اللهمّ اهدنا فيمن هديت ، وعافنا فيمن عافيْت ، وتولَّنا فيمن تولّيْت ، وبارك لنا فيما أعْطيت ، وقنا واصْرف عنَّا شرّ ما قضَيْت فإنَّك تقضي ولا يُقضى عليك ، إنَّه لا يذلّ من واليْت ، ولا يعزّ من عادَيْت ، تباركْت ربّنا وتعاليْت ، نستغفرك اللهمّ ونتوب إليك ، اللهمّ هب لنا عملاً صالحًا يقرّبنا إليك ، اللهمّ أعطنا ولا تحرمنا ، وأكرمنا ولا تهنّا ، وآثرنا ولا تؤثر علينا ، وأرضنا وارضَ عنَّا ، وأصْلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا ، وأصْلح لنا دنيانا التي فيها معاشنا ، وأصْلح لنا آخرتنا التي إليها مردُّنا ، واجْعل الحياة زادًا لنا من كلّ خير ، واجعل الموت راحةً لنا من كلّ شرّ ،

 مولانا ، وخالقنا ورازقنا ، نحن عبيدك بنو عبيدك بنو إمائك نواصينا بيدك ، عدلا فينا حكمك ، عدل فينا قضاؤك ،  اكفنا اللهمّ بحلالك عن حرامك ، وبطاعتك عن معصيتك ، وبفضلك عمَّن سواك ، اللهمّ لا تؤمنَّا مكرك ، ولا تهتِك عنَّا سترَك ، ولا تنسنا ذكرك ، يا رب العالمين ، اللهمّ إنَّا نعوذ بك من عُضال الداء ومن شماتة العداء ، ومن السَّلْب بعد العطاء ، يا أكرم الأكرمين ، نعوذ بك من الخوف إلا منك ، ومن الذلّ إلا لك ، ومن الفقر إلا إليك ،اللهمّ لا تجعلنا من الضّالين ولا المضلّين، ولا من المفسدين ، من حيث نعلم ولا نعلم، واجعلنا من الصّالحين المصلحين، المخلصين ،الصّادقين، اللهمّ احفظ بلدنا وسائر بلاد المسلمين ،من كلّ معتد أثيم ، ومن شرّ الفاسدين المفسدين ، في الدّنيا والدّين، واعل اللهمّ بفضلك ورحمتك  كلمة الحقّ والدِّين وانصر الإسلام وأعزّ المسلمين ، وخُذ بيَدِ وُلاتهم إلى ما تحبّ وترضى إنَّه على ما تشاء قدير ، اللهمّ ارفع مقتك وغضبك عنّا  ولا تآخذنا بما يفعله السّفهاء منّا ،نسألك النّصر للمجاهدين في كلّ مكان و نعوذ بك يا ربّنا من البلاء ومن الغلاء ومن كلّ داء ومن شماتة الأعداء ، اللهمّ فرّج الهمّ عن المهمومين ، وأفرغ صبرا منك على المكروبين المبتلين ، وارحم موتانا أجمعين ، اللهمّ اجعل قبورهم روضة من رياض الجنّة.......................وجازي والدينا عنّا خير الجزاء ، إنّك سميع،  مجيب قدير وبالإجابة جدير .

والحمد لله رب العالمين