صفحة الاستقبال منبر الجمعة - خطب جمعية خطبة يوم الجمعة 13 أفريل 2012

كتاب التربية الإسلامية والتنشئة على القيم

خطبة يوم الجمعة 13 أفريل 2012 طباعة أرسل إلى صديق
الكاتب: خالد التلمودي   
  

الد التّلمودي                                                                            16 ـ جمادي الأولى 1432    جامع الصّبر بخزامة الغربيّة                                                                13 ـ   أفريل  2012                                                                                                                            

الشّــــــــهادة

 

الحمد لله الذي جعل الشهادة بابًا من أعظم أبواب الجنة, دار السلام, أحمده سبحانه, حث الأمة على المضي في درب الشهادة في سبيل الملك العلام, وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له, وأشهد أن نبينا محمدًا عبده ورسوله, خير من ضرب الأمثال في حب الشهادة, وفي بذل التضحيات العظام, صلى الله عليه وعلى آله وصحبه الأئمة الأبرار الأعلام وسلم تسليمًا كثيرًا.

أما بعد: فيا عباد الله: اتقوا الله تعالى فإنّ تقوى الله خير زاد يصحب المرء في حياته الدنيا وفي سيره إلى الله والدار الآخرة............................................
أيها المسلمون: إن بلوغ الأهداف الكبرى في الحياة يستلزم تضحيات كبرى مكافئة لها, ولا ريب أن سمو الأهداف وشرف المقاصد ونبل الغايات تقتضي سمو التضحيات وشرفها ورقي منازلها, وإذا كان أشرف التضحيات وأسماها هو ما كان ابتغاء رضوان الله تعالى ورجاء الحظوة بالنعيم المقيم في جنات النعيم, فإن الدّفاع عن هذا الدين والذب عنه و عن كتابه وشرعه ومقدساته يتبوأ أرفع درجات هذا الرضوان, ثم إن للتضحيات ألوانًا كثيرة وللجهاد أصنافا متعدّدة, لكن تأتي في الذروة منها التضحية بالنفس, وبذل الروح رخيصة في سبيل الله لدحر أعداء الله ونصر دين الله, وذلك هو المراد لمصطلح الشهادة والاستشهاد.....وما الحرّية التي نحظى بها اليوم ،إلاّ نتيجة تضحيّات قدّمها رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه على مدى التّاريخ الإسلاميّ ، اهتداء بهدي النبيّ ص وامتثالا لأمر  المولى تبارك وتعالى ، ولا يزال الشّهداء يسقطون  لتسقي دماؤهم الزكيّة ساحة الوغى لترتفع أرواحهم الطّاهرة إلى أعلى علّيين ، سقطوا لدحر المستعمر الغاشم ، ولمقاومة الظّلم والاستبداد ،وهم يسقطون في كلّ البلاد الإسلاميّة ، في كلّ لحظة ، بأيدي العدوّ الذي أعلن عداوته للإسلام والمسلمين ،في أرض فلسطين خاصّة لما تحمله من دلالات دينيّة وعقديّة، وفي بلاد المسلمين عامّة ،وبأيدي من يدّعي الإسلام ويقلب الحقائق فيرمّل النّساء وييتّم  الأطفال ويبيد الأخضر واليابس ،في سوريا حيث اشتدّ البلاء ،وفعل الطّاغوت بالمواطنين الأبرياء ، ما لم يفعله شارون بالمسلمين ، من أجل ذلك شرّع الجهاد، الجهاد لتكون كلمة الله هي العليا
ولقد جهد رسول الله   كل جهد, واستوفى غاية وسعه في ترسيخ جذور هذا المعنى العظيم, وتعميق مفهوم هذا المصطلح الجهادي في نفوس أصحابه الكرام رضوان الله عليهم أجمعين ثم في نفوس أمّته من بعدهم, سالكًا في ذلك مسلكين:
أحدهما: إفصاح بيّن وإيضاح جلي لما يعتمل في ذات نفسه الشريفة من حب عميق للشهادة حمله على التمني أن يرزق بها مراتٍ متعددة, فعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله  قال: ((والذي نفسي بيده لوددت أن أغزو في سبيل الله فأقتل, ثم أغزو فأقتل, ثم أغزو فأقتل))أخرجه البخاري ومسلم ), وإنها لأمنية يا لها من أمنية كيف انبعثت من هذا القلب الطهور معبرة أبلغ التعبير عن هذا الحب العميق, والشوق الغامر إلى هذا الباب العظيم من أبواب جنات النعيم.
والمسلك الثاني في ترسيخ مفهوم الشهادة وإحيائه في القلوب وبعثه في النفوس ما ثبت عنه صلوات الله وسلامه عليه في صحيح السنة الشريفة من بيان محكم وإيضاح دقيق لفضل الشهادة ومنازل الشهداء في دار الكرامة عند مليك مقتدر, في الطليعة من ذلك بيان صفة حياة الشهداء عند ربهم, فعن مروان أنه قال: سألنا عبد الله عن هذه الآية:  ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتًا بل أحياء عند ربهم يرزقون , فقال: أما إنا قد سألنا عن ذلك رسول الله   فقال": أرواحهم في جوف طير خضر لها قناديل معلقة بالعرش تسرح من الجنة حيث شاءت, ثم تأوي إلى تلك القناديل", الحديث أخرجه مسلم .ومنها أن للشهيد عند ربه ست خصال جاءت مبينة في حديث المقدام بن معد يكرب رضي الله عنه أنه قال: قال رسول الله  :" للشهيد عند الله ست خصال: يغفر له في أول دُفقة (والدفقة بضم الدال المهملة هي الدفعة من الدم )ويرى مقعده من الجنة, ويجار من عذاب القبر, ويأمن من الفزع الأكبر, ويوضع على رأسه تاج الوقار الياقوتة منه خير من الدنيا وما فيها, ويُزوج اثنتين وسبعين من الحور العين, ويشفع في سبعين من أقاربه وفي لفظ من أهل بيته)) أخرجه الترمذي وابن ماجه في سننهما بإسناد صحيح.ومنها أنه يخفف عنه مس الموت حتى إنه لا يجد من ألمه إلا كما يجد أحدنا من مس القرصة, وقد أخرج الترمذي والنسائي وابن ماجه في سننهم وابن حبان في صحيحه بإسناد صحيح عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه قال: قال رسول الله  : ((ما يجد الشهيد من مس القتل إلا كما يجد أحدكم من مس القرصة)),

ولهذا كله كان الشهيد وحده من أهل الجنة هو الذي يحب أن يرجع إلى الدنيا كما في حديث أنس رضي الله عنه أن النبي   قال: ((ما أحد يدخل الجنة يحب أن يرجع إلى الدنيا, وأن له ما على الأرض من شيء إلا الشهيد فإنه يتمنى أن يرجع إلى الدنيا فيقتل عشر مرات لما يرى من الكرامة)) أخرجه البخاري ومسلم.
وليس عجبًا إذًا أن يجد هذا البيان النبوي الرفيع صدًا ضخمًا وأثرًا بالغًا وسلطانًا قويًا على نفوس تلك الصفوة المختارة, والصحبة التقية من الصحابة الكرام الأعلام, فتوطدت في نفوسهم أعمق معاني الشهادة, وترسّخت في قلوبهم أسمى درجات الحب لها والولع بها والعمل الدؤوب لبلوغ مقامها, والتنعم برياضها.
وفي صحيح السنة من أخبار هذا الشوق الظامئ, والحب الطهور الذي أكرم الله به هذه الكوكبة المؤمنة والطليعة الراشدة, ما لا يحده حد, فمن ذلك ما أخرجه مسلم في صحيحه عن أنس رضي الله عنه أنه قال: انطلق رسول الله   وأصحابه حتى سبقوا المشركين إلى بدر, وجاء المشركون فقال رسول الله  : ((لا يقدمن أحد منكم إلى شيء حتى أكون أنا دونكم)), فدنا المشركون فقال رسول الله  : ((قوموا إلى جنة عرضها السموات والأرض)), فقال عمير بن الحمام: يا رسول الله إلى جنة عرضها السموات والأرض؟ قال:((نعم)), قال: بخ بخ, قال: ((ما يحملك على قول بخ بخ)) قال: لا والله يا رسول الله إلا رجاء أن أكون من أهلها, فقال: ((فإنك من أهلها)), فأخرج تمرات من قرنه وهو جعبة النبال فجعل يأكل منهن, ثم قال: إن أنا حييت حتى آكل تمراتي هذه إنها لحياة طويلة, فرمى ما كان معه من التمر ثم قاتل حتى قتل.

أحبتي في الله: إنّها نماذج مثلى وقيم عليا ، وتوجيهات سامية ،لكن لا تكاد ، تجد لها أثرا في حياتنا ، وفي كلامنا وفي برامجنا ،لأنّه ترعب أعداء الإسلام ، وحتّى المتخفّين وراء الإسلام ،إلى أن أصبح الجيل المسلم اليوم لا يُفكر في الشهادة، لا يفكر في أعظم صورة من صور التكريم الإلهي للإنسان ولو ناقشنا بعضنا البعض عن الشهادة ومن هو الشهيد؟ وما له عند الله؟ وما هم الشهداء في أمة محمد صلى الله عليه وسلم لما عرفنا الجواب، لأنها قضية قد غابت وتلاشت في حس الجيل المسلم وصارت همومه صغيرة، همومه :ماذا يأكل وماذا يلبس ، همومه تسريحة شعره ،وآخر تقليعات الموضة ،،،، باختصار همومه الدّنيا ولا شيء غير الدّنيا ، فهل يمكن بهذا الجيل الهزيل أن نهزم أعداء الإسلام ، وأن نخرج اليهود من أرض فلسطين ؟  هذا ولا حول ولا قوّة إلاّ بالله العليّ العظيم والحمد لله ربّ العالمين .

                                        الخطبة الثانية

الحمد لله رب العالمين، وأصلي وأسلّم على خاتم النبيين، محمد بن عبد الله الصادق الأمين، وعلى آله وصحبه والتابعين لهم بإحسانٍ إلى يوم الدين.

أما بعد: أيّها الإخوة الكرام في يوم من الأيام جلس النبيّ صلّى الله عليه وسلّم مع الصحابة وطرح عليهم هذا السؤال الذي يجب أن يطرحه كل والد الآن وغداً وإلى الأبد على أبنائه خاصة الجيل المسلم، قال صلى الله عليه وسلم: "ما تعدون الشهداء فيكم؟ قالوا يا رسول الله من قُتل في سبيل الله فهو شهيد، قال: إن شهداء أمتي إذاً لقليل –لعلمه صلى الله عليه وسلم أن الناس يُحبون الدنيا ويخافون من الموت، ثم أعطى صفة جديدة لشهيد لم يعرفها أحد من قبل -: قالوا فمن يا رسول الله قال: من قُتل في سبيل الله فهو شهيد، ومن مات في سبيل الله فهو شهيد، ومن مات في الطاعون فهو شهيد، ومن مات في البطن فهو شهيد –أي بمرض بطني- والغريق شهيد". وفي حديث آخر  المرأة النفساء التي تموت في نفاسها فهي شهيدة، والحريق شهيد والغريق شهيد، وصاحب الهدم الذي يقع عليه الهدم شهيد، ثم يبين صلى الله عليه وسلم في حديث آخر كوكبة من الشهداء جديدة حتى يبين عزّة هذه الأمة ومكانتها فيقول: "من قُتل دون ماله فهو شهيد، ومن قُتل دون دمه فهو شهيد، ومن قُتل دون دينه فهو شهيد، ومن قتل دون أهله فهو شهيد".

إنّ مثل هذه الشّهادة من الصّادق المصدوق تفتح المجال واسعا لنيل درجة الشّهادة ، وليحثّ المسلم الصّادق على البذل والعطاء والتّضحية لترخص الدّنيا ، ولتغلى الآخرة ، ليبيع المسلم دنياه التّافهة من أجل جنّة عرضها السّماوات والأرض أعدّت للمؤمنين الصّادقين المخلصين المجاهدين ، إلاّ أنّ الجهاد الذي نحتاج اليوم قبل الجهاد المعلن ، الجهاد الخفيّ ، جهاد النّفس ، فلا زلنا أيّها الإخوة الكرام عاجزين على الالتزام بصلواتنا في أوقاتها وفي جماعة لأنّ الدّنيا شغلتنا ، لا زالت مساجدنا تشكو فراغا عند الصّلاة المشهودة لأنّ النّاس حينها يغطّون في نومهم ، لا زلنا نقترف المعاصي ونرزح تحت شهوات النّفس لأنّنا ضعاف ، لا زلنا نشكو اختلافات وخلافات تفتّت وحدتنا ، وتمزّق صفّنا في البيت الواحد وفي المسجد الواحد فماذا عن الوطن الواحد والأمّة الواحدة ، إنّها مراحل طويلة وعقبا ت معقّدة ، لا بدّ لنا من حلّها قبل ان ّنتحدّ ث حتّى ، عن الجهاد ومع ذلك أسأل الله لي ولكم الشّهادة في سبيل الله، فمن سألها صادقا نالها ولو مات على فراشه

الّلهمّ لك الحمد على نعمة الإسلام وعلى نعمة الإيمان لك الحمد أن جعلتنا من أمّة هذا النبيّ الكريم صلّى الله عليه وسلّم ، اللهمّ صلّ وسلّم وبارك على الحبيب المصطفى والرّسول المجتبى الذي تستفتح به الدّعوات وتنفرج بالصّلاة عليه الكربات  نشهد بشهادة التّوحيد " نشهد ألاّ إله إلاّ الله وأنّ محمّدا رسول الله" فأحينا بها وأمتنا عليها واحشرنا  مع الموحّدين يا ربّ العالمين

اللّهمّ يا من لا يضيع لديه أجر المحسنين ويا من هو منتهى خوف العابدين ويا من هو غاية خشية المتّقين نحن عبيدك بين يديك كبّلتنا الذّنوب وأثقلتنا المعاصي وليس لنا رجاء إلاّ فيك جئناك ونحن نرجو رحمتك ونخشى عذابك  ونطلب مغفرتك فلا تردّنا يا ربّنا ويا مولانا ويا خالقنا  خائبين  اللهمّ كما أقررنا بقدرتك فالقنا  بمغفرتك وارفعنا عن الذّنوب،  وكما سلّمنا أنفسنا بين يديك فاكنفنا برعايتك وسترك  في الدّنيا والآخرة  اللّهمّ وثبّت في طاعتك نيّتنا  وأحكم في عبادتك  بصيرتنا  ووفّقنا إلى صالح الأقوال والأعمال وجنّبنا دنس الخطايا  اللّهمّ إنّا نتوب إليك ونحن في مقامنا هذا ونحن نعلم أنّك تحبّ التوّابين  ونستغفرك ونحن نعلم أنّك تحبّ المستغفرين  اللّهمّ فامح عنّا السيّئات كبيرها وصغيرها ظاهرها وباطنها ما علمنا منها وما لم نعلم ،وأعنّا على أنفسنا ، واجعلها نفسا رضيّة ، تقيّة ، نقيّة ،اللّهمّ لا تدع لنا في مقامنا هذا ذنبا إلاّ غفرته ولا همّا إلاّ فرّجته ولا دينا إلاّ قضيته ولا مريضا إلاّ شفيته  ولا مظلوما إلاّ أنصفته  ولا  ضالاّ إلاّ هديته  ولا فقيرا إلاّ أغنيته ،اللّهم ألّف بين قلوبنا واحفظنا بما تحفظ به عبادك الصّالحين يا قويّ يا متين  اللهم انصر دينك وانصر المجاهدين في كلّ  مكان حتّى لا يعبد في الأرض سواك واهزم أعداءك أعداء الدّين وخذهم أخذ عزيز مقتدر فإنّك تقدر ولا نقدر واجعل بلدنا آمنا مستقرّا وسائر بلاد المسلمين ، اللهمّ ارحم موتانا وموتى المسلمين ، وارحم شهداءنا واجعلهم في أعلى علّيين ، مع الأنبياء والصّالحين،واجعلنا منهم يا قويّ يا متين،

وارحم والدينا ومن علّمنا وعلّمناه واجعلنا ممّن يستمعون القول فيتّبعون أحسنه اللهمّ أحسن للمتصدّقين والمحسنين والمحبّسين ، اللهمّ وجازي كلّ المساهمين في جامعنا هذا بخير الجزاء والعطاء والرّحمة والشّفاء والحفظ من كلّ بلاء إنّك أهل لذلك والقادر عليه ،  اللهمّ فكما أمرت بالتّوبة وضمنت بالقبول وحثثت على الدّعاء ووعدت بالإجابة فصلّ على سيّدنا محمّد وآله واقبل  توبتنا ولا ترجعنا مرجع الخيبة من رحمتك إنّك أنت التّواب على المذنبين والرّحيم للخطّائين المنيبين .وآخر دعوانا أن الحمد لله ربّ العالمين